الْبُلْبُلُ السَّجِينُ

يَـــــا رُبَّ لَـــــيْـــــلٍ بِـــــلَا سَـــــنَـــــاءٍ
كَــــــأَنَّـــــمَـــــا بَـــــدْرُهُ يَـــــتِـــــيـــــمُ
مَـــشَـــى بِــهِ الْــيَــأْسُ فِــي الــرَّجَــاءِ
كَــــأَنَّــــهُ الــــنَّــــارُ وَالْــــهَــــشِــــيـــمُ
لَــــيْــــتَ الــــدُّجَـــى رَقَّ لِلْـــمُـــحِـــبِّ
أَوْ لَـــيْـــتَ لِـــي مُـــهْـــجَـــةً حَـــجَـــرْ
أَقَــــضَّ هَـــذَا الْـــفِـــرَاشُ جَـــنْـــبِـــي
كَــــأَنَّ فِــــي مَــــضْــــجَـــعِـــي الْإِبَـــرْ
هَــلْ بِــكَ يَــا نَــجْــمُ مِــثْــلُ كَــرْبِــي؟
أَمْ أَنْـــتَ مِـــنْ طَـــبْـــعِــكَ الــسَّــهَــرْ؟
سَــــهِــــرْتَ شَــــوْقًــــا إِلَــــى ذُكَـــاءٍ؟
أَمْ عِـــنْـــدَكَ الْــمَــقْــعَــدُ الْــمُــقِــيــمُ؟
أَبْـــكِـــي وَتُـــصْـــغِــي إِلَــى بُــكَــائِــي
يَـــا رَبُّ! هَـــلْ تُـــعْــشَــقُ الــنُّــجُــومُ؟
قَـــدْ نَـــالَ فَـــرْطُ الـــسُّـــهَـــادِ مِــنِّــي
وَاشْــتَــاقَ طَــرْفِــي إِلَــى الْــهُــجُــوعِ
وَقَـــرَّحَ الْـــجَـــفْـــنَ مَـــاءُ جَـــفْـــنِــي
فِــي الْــحُــبِّ مَــا فَـاضَ مِـنْ دُمُـوعِـي
وَشَـــابَ رَأْسِـــي مِـــنَ الـــتَّـــجَـــنِّـــي
يَــا لَــيْــتَ ذَا الــشَّــيْــبَ فِــي الْـوُلُـوعِ
لَـــعَـــلَّ فِـــي سَـــلْـــوَتِـــي شِــفَــائِــي
هَــــيْــــهَـــاتَ دَاءُ الْـــهَـــوَى قَـــدِيـــمُ
مَــا يَــحْــسَــبُ الــنَّــاسُ فِــي رِدَائِــي
فِـــي بُـــرْدَتِـــي هَـــيْـــكَـــلٌ رَمِـــيــمُ!
قَــدْ طَــالَ يَــا لَــيْــلُ فِــيــكَ صَــبْــرِي
وَأَشْـــبَـــهَـــتْ سَـــاعُـــكَ الْـــقُـــرُونَـــا
فَـــقُـــلْ لِـــهَـــذِي الــنُّــجُــومِ تَــسْــرِي
أَوْ فَـــاسْـــأَلِ الــصُّــبْــحَ أَنْ يَــبِــيــنَــا
وَإِنْ تَــــشَــــأْ أَنْ تَــــكُــــونَ قَــــبْــــرِي
فَـــكُـــنْ كَـــمَـــا شِـــئْــتَ أَنْ تَــكُــونَــا
فَــــبِــــي سُــــكُــــونٌ إِلَــــى الْـــبَـــلَاءِ
قَـــدْ يَـــأْلَـــفُ الْـــعِـــلَّـــةَ الــسَّــقِــيــمُ
مَـــنْ كَـــانَ فِـــي قَـــبْـــضَــةِ الْــهَــوَاءِ
هَـــانَ عَـــلَـــى نَــفْــسِــهِ الــنَّــسِــيــمُ!
قَـــرَّبَ بَــيْــنَ الــضَّــنَــى وَجِــسْــمِــي
مَـــا أَبْـــعَـــدَ الــنَّــوْمَ عَــنْ جُــفُــونِــي
يَــا لَــيْــلُ فِــيــكَ الــرُّقَــادُ خَــصْــمِـي
يَـــا لَـــيْــلُ مَــا فِــيــكَ مِــنْ مُــعِــيــنِ
سِــــوَى شَــــجٍ هَــــمُّــــهُ كَــــهَــــمِّـــي
يُـــنْـــشِـــدُ وَاللَّـــيْـــلُ فِـــي سُــكُــونِ!
أَيَــــمْــــرَحُ الْــــبُـــومُ فِـــي الْـــخَـــلَاءِ
وَتُـــمْـــسِـــكُ الْـــبُــلْــبُــلَ الْــهُــمُــومُ؟
هَـــــذَا ضَـــــلَالٌ مِــــنَ الْــــقَــــضَــــاءِ
فَــــــلَا تَــــــلُـــــمْـــــنِـــــي إِذَا أَلُـــــومُ
يَـــا سَـــيِّـــدَ الْـــمُـــنْـــشِـــدِيــنَ طُــرًّا
وَصَـــاحِـــبَ الْــمَــنْــطِــقِ الْــمُــبِــيــنِ
لَـــوْ كُــنْــتَ بُــومًــا أَوْ كُــنْــتَ نَــسْــرًا
مَـــا بِـــتَّ فِـــي أَسْـــرِكَ الْـــمَـــهِـــيــنِ
خُـــلِـــقْـــتَ لَـــمَّـــا خُـــلِـــقْـــتَ حُـــرًّا
فَــزَجَّــكَ الْــحُــسْــنُ فِــي الــسُّــجُـونِ
وَأَطْـــلَـــقَ الْـــبُـــومَ فِـــي الْـــفَــضَــاءِ
زَعْــــــمُ الْــــــوَرَى أَنَّــــــهُ دَمِـــــيـــــمُ
وَأَنَّـــــــــــهُ غَـــــــــــيْــــــــــرُ ذِي رُوَاءٍ
وَلَا لَـــــهُ صَـــــوْتُــــكَ الــــرَّخِــــيــــمُ!
تَـــيَّـــمَـــكَ الـــرَّوْضُ فِـــيـــهِ حَـــتَّــى
تَــــخِــــذْتَ بَــــاحَــــاتِــــهِ مَـــقَـــامَـــا
رَأَيْـــتَ فِـــيـــهِ الـــنَّـــعِـــيــمَ بَــحْــتًــا
وَلَــــــمْ تَـــــرَ عِـــــنْـــــدَهُ الْأَنَـــــامَـــــا
مَـــدُّوا الْأَحَـــابِـــيـــلَ فِـــيـــهِ شَــتَّــى
أَقَـــلُّـــهَـــا يَـــجْـــلِـــبُ الْـــحِـــمَـــامَــا
لَــوْ كُــنْــتَ كَــالْــبُــومِ فِــي الْــجَــفَــاءِ
مَـــا صَـــادَكَ الْـــمَـــنْــظَــرُ الْــوَسِــيــمُ
أَصْــبَــحْــتَ تَــبْــكِــي مِــنَ الــشَّــقَــاءِ
لِـــيَـــضْـــحَـــكَ الْآسِـــرُ الْــمُــضِــيــمُ!
وَالْــــمَــــرْءُ وَحْــــشٌ فَــــإِنْ تَـــرَقَّـــى
أَصْــــبَــــحَ شَــــرًّا مِــــنَ الْـــوُحُـــوشِ
فَــــخَــــفْــــهُ حُــــرًّا وَخَــــفْــــهُ رِقًّــــا
وَخَـــفْـــهُ مَـــلْــكًــا عَــلَــى الْــعُــرُوشِ
فَــالــشَّــرُّ فِــي الــنَّــاسِ كَــانَ خَــلْــقًـا
وَأَيُّ طَـــــيْـــــرٍ بِـــــغَــــيْــــرِ رِيــــشِ؟
مَــــا قَــــامَ فِــــيــــهِـــمْ أَخُـــو وَفَـــاءٍ
يَــــحْــــفَــــظُ عَــــهْـــدًا وَلَا رَحِـــيـــمُ
فَــــكُــــلُّ مُــــسْـــتَـــضْـــعَـــفٍ مُـــرَاءٍ
وَكُـــــــلُّ ذِي قُـــــــوَّةٍ غَـــــــشُـــــــومُ!
إِنْ كَــــانَ لِلْــــوَحْـــشِ مِـــنْ نُـــيُـــوبٍ
فَـــالـــنَّـــاسُ أَنْـــيَـــابُـــهُـــمْ حَـــدِيــدُ
مَــــــا كَــــــانَ وَاللـــــهِ لِلْـــــحُـــــرُوبِ
لَــــــــوْلَا بَــــــــنُــــــــو آدَمٍ وُجُــــــــودُ
لَـــوِ انْـــمَـــحَـــى عَــالَــمُ الْــخُــطُــوبِ
لَــــقَـــامَ مِـــنْـــهُـــمْ لَـــهَـــا مُـــعِـــيـــدُ
قَـــدْ نَـــسَـــبُـــوا الــظُّــلْــمَ لِلــسَّــمَــاءِ
وَكُـــــلُّـــــهُـــــمْ جَـــــائِــــرٌ ظَــــلُــــومُ
لَـــمْ يَـــخْـــلُ مِـــنْـــهُ أَخُـــو الـــثَّـــرَاءِ
وَلَا الْـــفَـــتَـــى الْـــبَــائِــسُ الْــعَــدِيــمُ
أَعْـــجَـــبُ مَـــا فِـــي بَــنِــي الــتُّــرَابِ
قِــــتَــــالُــــهُــــمْ فَــــوْقَـــهُ عَـــلَـــيْـــهِ
قَـــدْ صَـــيَّـــرُوا الْأَرْضَ كَـــالْـــكِــتَــابِ
وَانْــــحَــــشَـــرُوا بَـــيْـــنَ دَفَّـــتَـــيْـــهِ
وَاسْــتَــعْــجَــلُــوا الْــمَــوْتَ بِــالْـعَـذَابِ
وَكُـــــلُّـــــهُـــــمْ صَـــــائِـــــرٌ إِلَـــــيْــــهِ
مَـــــا خَـــــابَ دَاعٍ إِلَـــــى الْـــــعِــــدَاءِ
وَلَــــمْ يَــــفُــــزْ نَـــاصِـــحٌ حَـــكِـــيـــمُ
مَـــا رَغِـــبَ الـــنَّـــاسُ فِـــي الْــفَــنَــاءِ
لَـــكِـــنَّـــمَـــا ضَـــاعَـــتِ الْـــحُـــلُـــومُ!
لَــوْ لَــمْ يَــكُ الــظُّــلْــمُ فِــي الـطَّـبَـائِـعْ
مَــا اسْــتَــنْــصَــرَ الْــعَــاجِــزُ الْــعَـدَالَـهْ
لَـــوْ عَـــدَلَـــتْ فِـــيـــهِـــمُ الــشَّــرَائِــعْ
مَـــا اسْـــتَـــحْـــدَثُـــوا لِلْــقِــتَــالِ آلَــهْ
عَـــجِـــبْـــتُ لِلْـــقَـــاتِـــلِ الْـــمُـــدَافِــعْ
جَـــــزَاؤُهُ الْــــمَــــوْتُ لَا مَــــحَــــالَــــهْ
لَــــكِــــنَّــــمَـــا سَـــافِـــكُـــو الـــدِّمَـــاءِ
يَـــــوْمَ الْـــــوَغَـــــى قَـــــادَةٌ قُـــــرُومُ
وهَـــكَـــذَا الْـــمُـــجْـــرِمُ الْـــفِـــدَائِـــي
فِـــي عُـــرْفِـــهِـــمْ فَـــاتِــحٌ عَــظِــيــمُ!
أَقْــــبَــــحُ مِــــنْ هَــــذِهِ الــــضَّـــلَالَـــهْ
أَنْ يَــــحْــــكُـــمَ الْـــوَاحِـــدُ الْأُلُـــوفَـــا
وَيَـــدَّعِـــي الْـــفَـــضْـــلَ وَالـــنَّــبَــالَــهْ
مَــنْ يَــسْــلُــبُ الْــعَــامِــلَ الــرَّغِــيــفَـا
يَــــا قَـــوْمُ مَـــا هَـــذِهِ الْـــجَـــهَـــالَـــهْ
قَــدْ حَــانَ أَنْ تُــنْــصِــفُــوا الـضَّـعِـيـفَـا
فَــــــرَاقِــــــبُــــــوا ذِمَّــــــةَ الْإِخَــــــاءِ
وَلْـــتَــنْــسَ أَحْــقَــادَهَــا الْــخُــصُــومُ!
لَا تَــــتْــــبَـــعُـــوا سُـــنَّـــةَ الْـــبَـــقَـــاءِ
فَـــــإِنَّـــــهَـــــا سُـــــنَّـــــةٌ ظَـــــلُــــومُ!

عن القصيدة

  • غرض القصيدة: الوصف – الحكمة
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: البسيط
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١