مَا الْكَوَاكِبُ

شَــوْقٌ يَــرُوحُ مَــعَ الــزَّمَــانِ وَيَـغْـتَـدِي
وَالـــشَّـــوْقُ، إِنْ جَـــدَّدْتَـــهُ يَـــتَــجَــدَّدِ
دَعْ عَــنْــكَ نُــصْـحِـي بِـالـتَّـبَـلُّـدِ سَـاعَـةً
يَــا صَــاحِ، قَـدْ ذَهَـبَ الْأَسَـى بِـتَـبَـلُّـدِي
مَــا زَادَ فِــي أَسَـفِ الْـحَـزِيـنِ وَشَـجْـوِهِ
شَــيْءٌ كَــقَــولِــكَ لِلْــحَــزِيــنِ تَــجَــلَّــدِ
مَــا زِلْــتُ أَعْــصِــيــهِ إِلَـى أَنْ هَـاجَـنِـي
ذِكْــرُ الْــحِــمَـى فَـعَـصَـيْـتُ كُـلَّ مُـفَـنِّـدِ
وَأَطَــارَ عَـنْ جَـفْـنِـي الْـكَـرَى وَأَطَـارَنِـي
عَـنْ مَـرْقَـدِي مَـشْـيُ الْـهُـمُـومِ بِـمَرْقَدِي
فِــي جُــنْـحِ لَـيْـلٍ مِـثْـلِ حَـظِّـي حَـالِـكٍ
كَــالْــبَــحْــرِ سَــاجٍ، مُــقْــفِـرٍ كَـالْـفَـدْفَـدِ
أَقْــبَـلْـتُ أَنْـظُـرُ فِـي الـنُّـجُـومِ مُـصَـعِّـدًا
عَــيْــنَــيَّ بَــيْــنَ مُــصَــوِّبٍ وَمُــصَــعِّــدِ
أَوْ وَاجِــــفٍ أَوْ رَاجِــــفٍ مُـــتَـــرَجْـــرِجٍ
أَوْ نَـــــافِـــــرٍ أَوْ حَـــــائِــــرٍ مُــــتَــــرَدِّدِ
يَــمْــشِـيـنَ فِـي هَـذَا الْـفَـضَـاءِ وَفَـوقَـهُ
وَكَـــأَنَّــمَــا يَــمْــشِــيــنَ فَــوْقَ الْأَكْــبُــدِ
وَالْــبَــدْرُ مُــنْــبَـعِـثُ الـشُّـعَـاعِ لَـطِـيـفُـهُ
صَــافٍ كَــذِهْــنِ الــشَّــاعِــرِ الْــمُـتَـوَقِّـدِ
مَـا زَالَ يَـنْـفُـذُ فِي الدُّجَى حَتَّى اسْتَوَى
فِــيــهِ، فَــيَــا لَــكَ أَبْــيَــضًـا فِـي أَسْـوَدِ
وَالــشُّـهْـبُ تَـلْـمَـعُ فِـي الـرَّفِـيـعِ كَـأَنَّـهَـا
أَحْـــلَامُ أَرْوَاحِ الـــصِّـــغَـــارِ الْـــهُــجَّــدِ
يَــنْــظُــرْنَ عَــنْ كَــثَــبٍ إِلَــيْـهِ خِـلْـسَـةً
نَــظَــرَ الْــمِــلَاحِ إِلَــى الْــغَــرِيـرِ الْأَمْـرَدِ
فَــعَــجِــبْــتُ مِــمَّـنْ نَـامَ مِـلْءَ جُـفُـونِـهِ
وَالْــكَـونُ يَـشْـهَـدُ مِـثْـلَ هَـذَا الْـمَـشْـهَـدِ
وَرَأَيْــتُــنِــي فَــوْقَ الْــغَــمَــامِ مُــحَـلِّـقًـا
فِــي الْأُفْـقِ مَـا بَـيْـنَ الـسُّـهَـا وَالْـفَـرْقَـدِ
فَــسَــمِــعْــتُ صَـوْتًـا مِـنْ بَـعِـيـدٍ قَـائِـلًا
يَــا أَيُّــهَــا الــسَّــارِي مَــكَــانَـكَ تُـحْـمَـدِ
مَــا دُمْــتَ فِـي الـدُّنْـيَـا فَـلَا تَـزْهَـدِ بِـهَـا
فَــأَخُــو الــزَّهَــادَةِ مَــيِّــتٌ لَــمْ يُــلْـحَـدِ
لَا تَــقْــنَــطَــنَّ مِــنَ الــنَّــجَــاحِ لِــعَـثْـرَةٍ
مَــا لَا يُــنَــالُ الْــيَــومَ يُــدْرَكُ فِــي غَــدِ
كَـــمْ آكِـــلٍ ثَـــمَـــرًا سَـــقَـــاهُ غَـــيْـــرُهُ
دَمَـــهُ، وَكَــمْ مِــنْ زَارِعٍ لَــمْ يَــحْــصُــدِ
لَــو كَــانَ يَــحْــصُــدُ زَرْعَــهُ كُــلُّ امْـرِئٍ
لَــمْ تَــخْــلَــقِ الــدُّنْــيَــا وَلَــمْ تَــتَـجَـدَّدِ
بِــالــذِّكْــرِ يَــحْــيَـا الْـمَـرْءُ بَـعْـدَ مَـمَـاتِـهِ
فَـانْـهَـضْ إِلَـى الـذِّكْـرِ الْـجَـمِـيـلِ وَخَـلِّـدِ
فَــلَــئِــنْ وُلِــدْتَ وَمُــتَّ غَــيْــرَ مُــخَـلِّـدٍ
أَثَـــرًا فَـــأَنْـــتَ كَـــأَنَّـــمَـــا لَـــمْ تُــولَــدِ
حَــتَّــامَ فِــي لَا شَــيْءَ يَـقْـتَـتِـلُ الْـوَرَى
إِنَّ الْــحِـمَـامَ عَـلَـى الْـجَـمِـيـعِ بِـمَـرْصَـدِ
طَــاشَــتْ حُــلُـومُ الْـمَـالِـكِـيـنَ، فَـذَاهِـلٌ
لَا يَــسْــتَــفِــيــقُ وَحَــائِــرٌ لَا يَــهْــتَـدِي
وَأَفَــقْــتُ، إِذْ قَــطَــعَ الْــكَـلَامَ مُـكَـلِّـمِـي
فَــنَــظَــرْتُــنِــي فَــإِذَا أَنَــا لَــمْ أَصْــعَــدِ
مَـــا لِلْـــكَـــوَاكِـــبِ لَا تَــنَــامُ وَلَا تَــنِــي
قَـدْ طَـالَ سُـهْـدُكِ يَـا كَـوَاكِـبٌ فَـارْقُـدِي
كَــمْ تَـنْـظُـرِيـنَ إِلَـى الـثَّـرَى مِـنْ حَـالِـقٍ
مَـا فِـي الـثَّـرَى لِأَخِـي الْأَسَى مِنْ مُسْعِدِ
أَوَمَــا تَــرَيْـنِـي عِـنْـدَمَـا اشْـتَـدَّ الـدُّجَـى
وَاشْـــتَـــدَّ دَائِـــي نَـــامَ عَــنِّــي عُــوَّدِي
حَــتَّــى لَــقَــدْ كَـادَ الْـقَـرِيـضُ يَـعُـقُّـنِـي
وَيَــصُــونُ عَــنِّــي مَــاءَهُ وَأَنَـا الـصَّـدِي
أَمْــسِــي أُهَــمُّ بِــهِ وَيَــظْــلَــعُ خَـاطِـرِي
فَـــكَــأَنَّــمَــا أَنَــا مَــاتِــحٌ مِــنْ جَــلْــمَــدِ
لَا تَــسْــأَلِــيــنِــي لِــمْ سَــهِـدْتُ فَـإِنَّـنِـي
لَـوْ كَـانَ فِـي وُسْـعِـي الْـكَـرَى لَـمْ أَسْـهَدِ
صَـرَفَـتْ يَـدُ الْـبَـلْـوَى يَـدِي عَـنْ أَمْـرِهَـا
مَـا خِـلْـتُ أَمْـرِي قَـطُّ يَـخْـرُجُ مِـنْ يَـدِي
فِــي أَضْــلُــعِــي نَــارٌ أَذَابَــتْ أَضْــلُـعِـي
وَمَــشَــتْ إِلَــى كَــبِــدِي وَلَــمَّــا تَـخْـمَـدِ
أَخْـشَـى عَـلَـى الْأَحْـشَـاءِ مِـنْ كِـتْـمَـانِـهَا
وَأَخَـافُ أَنْ أَشْـكُـو فَـيَـشْـمَـتَ حُـسَّـدِي
وَمَــلِــيــحَــةٍ لَا هِــنْــدُ مِــنْ أَسْــمَـائِـهَـا
كَــلَّا، وَلَــيْــسَــتْ كَــالْــحِــسَـانِ الْـخُـرَّدِ
نَـــشَـــزَ الْـــجَــوَارِي وَالْإِمَــاءُ تَــمَــرَّدَتْ
وَوَنَــتْ فَــلَــمْ تَــنْــشُــزْ وَلَــمْ تَــتَــمَــرَّدِ
فِـي الـنَّـفِـسِ مِـنْـهَـا مَـا بِـهَـا مِـنْ دَهْرِهَا
أَزْكَــى الــسَّـلَامِ عَـلَـيْـكِ أَرْضَ الْـمَـوْعِـدِ
يَـا لَـيْـتَ شِـعْـرِي كَـمْ أَقُـولُ لَـهَا انْهَضِي
وَتَــقُــولُ أَحْـدَاثُ الـزَّمَـانِ لَـهَـا اقْـعُـدِي
لَـــيْـــسَ الَّــذِي لَاقَــتْــهُ هَــيْــنًــا إِنَّــمَــا
حَــمْــلُ الْأَذَى هَــيْــنٌ عَـلَـى الْـمُـتَـعَـوِّدِ!

عن القصيدة

  • غرض القصيدة: الحكمة
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الكامل
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١