ثالثًا: من المسائل إلى الموضوعات، ومن الموضوعات إلى الأصول

بعد أن ظهرت الموضوعات من خلال الفِرَق، والفِرَق من خلال الموضوعات، وقبل أن يتحدَّد بناء العلم النهائي ظهرت أيضًا عدة مسائل كلامية مستقلة عن الفِرَق، ثم ظلَّت تتَّحد فيما بينها في فصول، وتندرج الفصول تحت أبواب، والأبواب تحت أصول حتى تظهر في النهاية أصول العلم والتي يمكن بعد ذلك من تكوينها في البناء النهائي للعلم، وإذا جاز نمط التقابل الماضي في تحديد الصلة بين الموضوعات والفرق، فإن نمط التدرُّج والتكوين والتجميع هو الذي يساعد على فَهْم تكوين البناء النهائي الذي يمكن وصفه كالآتي:

(١) من الأقوال المتفرِّقة إلى الموضوعات المتناثرة

ظهرت بعض الأقوال المتفرِّقة أو الكلام ينشأ حولها الجدل، هجومًا أو دفاعًا. هنا يبدو العلم ناشئًا من الخصام بين المتحاورَيْن، والصراع بين المواقف المذهبية دون أن يكون له عرض عقلي شامل، وكما هو الحال أحيانًا في بيئتنا الثقافية المعاصرة عندما تغلب عليها الأقوال دون الأصول، في هذه المؤلَّفات الجدلية في الرد على الخصوم لا يكون للعلم بناء معين، بل يدور حول موضوعات متفرِّقة يجمعها من بعيد البناء العام للعلم، قد يكون للرد على الخصوم بناؤه الشكلي الخاص، وهو دفاع المؤلِّف عن مذهبه أوَّلًا ثم هجومه على مذهب الخَصْم ثانيًا أو الهجوم على مذهب الخصم أوَّلًا ثم الدفاع عن مذهبه ثانيًا، ويكون ذلك إمَّا بإيراد أقوال الخصم نصًّا ثم الرد عليها أو بإيراد مقالته معنى ثم تفنيدها، ويتم ذلك عن طريق تصحيح الرواية حتى تنقل المقالة على الوجه الصحيح أو تصحيح فهم المقال ضد التشويه المتعمد إمَّا بالنقص أو الزيادة أو التحريف أو التأويل، وهذا مجاله منطق الجدل وأساليبه وليس موضوعات الكلام، ويتعلَّق بأساليب البيان أكثر من تعلُّقه بمضمون البيان.١ كان العلم إذن مجرد مناقشة حول مقالات نظرية دون أن تندرج في بناء نظري للعلم، وكان معظمها يدور حول المعاد والطبيعيات والنبوَّة وبعض مسائل الفقه والإمامة، ولكن الغالب على المقالات موضوعات المعاد والطبيعيات والإمامة، وهي موضوعات النزاع التي تحاول أن تجد نفسها كموضوعات مستقلة قبل البحث عن أساس نظري أو بناء عقلي لها، ولكن تظل هناك ميزة وهو الحوار والنقاش والصراع الفكري، وهو ما ينقص بيئتنا الثقافية المعاصرة نظرًا لغياب التيارات الفكرية والمدارس الفلسفية باستثناء حركات الإصلاح الدينية الحديثة التي لم تؤتِ كل ثمارها، بل أوشك صوتها أن يخفتَ دون صوت بديل.
ثم تظهر المسائل من خلال الأقاويل والآراء والمناقشات، وتحدَّد المعاني والأوصاف، ولكن يبدأ العلم في الظهور من خلال المسألة، والمسائل كلها تشير من بعيد إلى بناء العلم النهائي الذي سيظهر فيما بعد، تشمل المقدمات — نظريتا العلم والوجود — حوالَيْ عُشْر العلم على خلاف ما سيبدو في النهاية من ابتلاع هذه المقدمات للعلم ذاته حتى إنها بلغت ثلاثة أرباعه، أمَّا الإلهيات فإنها تشمل حوالي ثلثي العلم، التوحيد الثلث، والعدل الثلث الآخر في مقابل السمعيَّات التي تشمل الثلث الأخير مما يدل على أهمية الإلهيات قبل السمعيات نظرًا لوجود الأخطار التي تواجه التوحيد بصورة أكثر من الأخطار التي تواجه السمعيات، وتتداخَل مسائل التوحيد مع مسائل الوجود أعني دليل الحدوث وهو ما زال حاصلًا حتى البناء النهائي للعلم، وما زال متحقِّقًا في وجداننا المعاصر من ربط بين الوجود والله أو بين الطبيعيات والإلهيات، كما تظهر الفرق الإسلامية والفرق غير الإسلامية المعارضة مما يدل على أن العلم من حيث هو بناء ما زال مرتبطًا بالعلم من حيث هو تاريخ، أمَّا السمعيَّات فإنها لا تشمل إلَّا النبوة والمعاد، والأسماء والأحكام، وتسقط الإمامة من الحساب، وكأن السياسة لا أهمية لها، وهو ما نُعاني منه حتى الآن من فتور الناس من قاموس السياسة، والنبوة أهم الموضوعات السمعية لدرجة أنها من حيث الترتيب تأتي بعد التوحيد مباشرةً وقبل العدل، ويتم إثباتها ضد منكريها، وتظهر الفرق أيضًا ضمن هذا الإنكار، كما أنها تبلغ من حيث الكم أقل من نصف السمعيات كلها، وضعف الأسماء والأحكام التي لا تتجاوز خمس السمعيات، كما يعادل المعاد النبوة من حيث الكم، وهما معًا يشملان أربعة أخماس العلم، وهو ما زال حاصلًا في وجداننا المعاصر من سيادة السمعيات وعلى رأسها أمور المعاد.٢
ويستمر التصنيف في المسائل إلى ما بعد ظهور الأصول وإلى ما بعد اكتمال البناء، وكأنَّ المسألة هي الغاية النهائية من إقامة العلم حتى إن المسائل فيما بعدُ تحوَّلت إلى عقائد، وعادت الأمور مثلما بدأت منه، من العقائد إلى المسائل ثم من المسائل إلى العقائد من جديد، ففي المسائل المتأخرة يسقط العلم كما سقط في العقائد المتأخرة، وكما يغيب في وجداننا المعاصر، ويبلغ الوجود سدس العلم، أي أن موضوعات العلم الإلهية والسمعية ما زالت هي السائدة على المقدِّمات النظرية، أمَّا الإلهيات فإنها تشمل أربعة أخماس العلم، والسمعيات الخمس الأخير، وفي الإلهيات هذه يمثِّل التوحيد ستة أضعاف العدل مما يدل على تواري العدل وتقهقره عن التوحيد حتى يضيع كليةً في العقائد المتأخرة، ويختفي من وجداننا المعاصر، وفي السمعيات تختلط مسائل النبوة بالمعاد، وتبدأ الإمامة بالدعوة إلى السلطان كما نفعل في أيامنا هذه، ويسقط الإيمان والعمل كما يسقط في عالمنا اليوم، وهو ما حاولت الحركات الإصلاحية الوقوف أمامه، وإبراز موضوع الإيمان والعمل من جديد مع إعطاء الأولوية للعمل على الإيمان.٣
وفي دوائر المعارف المتأخرة، يعود العلم من جديد إلى الظهور من خلال الكلام، أي حتى ما قبل المقالات والمسائل، ولكن يوحي مجموع الكلام بالبناء العام للعلم الذي بدأ يتوارَى أيضًا حتى يُفسح المجال للعقائد، فالمقدمات التي تشمل نظريتي العلم والوجود تغطِّي ربع العلم، أمَّا الإلهيات فإنها تُعادل نصف العلم، والسمعيات تمثِّل ضِعْف الإلهيات، وهو ما زال سائدًا في وجداننا المعاصر مع ضنك العيش، وتأزُّم الحياة، وفي الإلهيات يضمُّ التوحيد العدل ويحتويه في الأفعال ويكون ضعفه، أمَّا السمعيات فإن الإمامة تسقط منها مما يشير إلى انحسار السياسة من فكرنا الديني المتأخر، ونفورنا منها في واقعنا الحالي بعد تحوُّلها إلى تجارة ومهنة وربح ومكسب، ويعود تاريخ الفرق في الظهور في ختام السمعيات، وفي موضوع الإيمان،٤ ولكن من خلال المقالات والكلام والمسائل تظهر الفصول التي تدل على بعض الموضوعات المستقلة وليس على بناء العلم ككل، مثل موضوعات خلق القرآن، والقدرة، والرؤية، والشفاعة، يشير الأوَّل والثالث إلى التوحيد، ويشير الثاني إلى العدل، وكلاهما أصلان في الإلهيات، وتشير الشفاعة إلى المعاد، وهو أصل في السمعيات، ومع ذلك تشير هذه المسائل إلى بناء العلم، فتظهر نظريتا العلم والوجود لأول مرة دون أن يكونا مقدمتين للعلم، بل يظهران متواريين أمام الإلهيات والسمعيات، ولا يجاوزان جزءًا من أربعة عشر جزءًا من العلم ذاته؛ ومِنْ ثَمَّ يكون العلم المتأخر قد تقدم بالفعل عندما فاقت المقدمتان العلم ذاته، ولو تطور العلم فيما بعد لابتلعت المقدمات كلها ما تبقى من الإلهيات والسمعيات، ويكون فكرنا المعاصر الآن قد تخلَّف عن هذا التقدُّم السابق بتواري نظريتَيِ العلم والوجود أمام الإلهيات والسمعيات، ومن حيث الكمُّ تفوق السمعيات الإلهيات إلى حدٍّ ما مما يدل على أهمية السمعيات وأمور المعاد في بدايات العلم، وتكون سيادة السمعيات في وجداننا المعاصر عود إلى بدايات العلم وقضاءً على تقدُّمه، وفي الإلهيات يتميز العدل عن التوحيد، ويساويه في الأهمية، ولم يتم ابتلاعه داخل التوحيد كما هو الحال في العقائد المتأخِّرة وفي وجداننا المعاصر، وفي السمعيات تكون للإمامة وللإيمان والعمل الأولوية على المعاد والنبوَّة من حيث الترتيب؛ إذ إنها يبدآن السمعيات، ومن حيث الكم إذ إنهما يبلغان ثلاثة أرباع العلم، ويكون فكرنا المعاصر متخلفًا عن هذا النمط القديم عندما أصبحت الأولوية للنبوة وللمعاد كما هو الحال في بناء العلم المتأخر، بل إن الإمامة لها الأولوية على الإيمان والعمل من حيث الترتيب والكم مما يدل على أهمية السياسة في بدايات العلم وتخلُّف واقعنا المعاصر عن هذا النمط القديم بإخراجنا السياسة كليةً من بناء العلم، كما هو الحال في العقائد المتأخرة أو على أقصى تقدير اعتبارها ملحقًا للعلم وليس داخلًا فيه كما هو الحال في بناء العلم النهائي، ومما يدل أيضًا على أولوية العمل الجماعي على العمل الفردي كما هو واقع في حياتنا المعاصرة من إعطاء الأولوية للعمل الفردي على العمل الجماعي؛ أي عمل الزعيم على ممارسة الجماهير، وبطولة القائد على إشراك الشعوب، ثم تظهر الموضوعات الأربعة المستقلة من خلال المسائل، وهي الموضوعات التي ما زالت مثارًا للجدل وللخلاف: القرآن، والقدر، والجرح والتعديل، والشفاعة، والرؤية؛ القرآن والرؤية في التوحيد، والقدر والجرح والتعديل في العدل، والشفاعة في السمعيات، ولكن الترتيب من حيث الكم هو في الحقيقة: خلق القرآن، الإرادة، الرؤية، الشفاعة، مما يدل على أن موضوع خلق القرآن كان من أولى موضوعات الجدل والنزاع، وهو الأولى بالإحياء في فكرنا المعاصر بمدلول حديث في اعتبار الوحي تعبيرًا عن واقع؛ ومِنْ ثَمَّ فهو حادث أكثر منه تنزيلًا من فكر ومِنْ ثَمَّ فهو قديم، تعني حادث أنه يتغير في فَهْمه وتفسيره طبقًا لمتطلَّبات الواقع وتعني القديم أنه سابق على التجربة لا يتغير بتغير الواقع وتطور التاريخ، ويُعادل موضوع خلق القرآن أربعة أضعاف الرؤية من حيث الكم، هو ما يحدث في فكرنا المعاصر عندما تُثار قضية الرؤية في الدين الشعبي وفي الطرق الصوفية دون إثارة قضية خلق القرآن بمدلولها الحديث، وتدل هذه الموضوعات الأربع على سيادة الإلهيات، خلق القرآن، والرؤية، والإرادة على السمعيات في موضوع الشفاعة، وهو أيضًا ما يحدث في فكرنا المعاصر، ولكن في الإلهيات، يبلغ التوحيد أربعة أضعاف العدل من حيث الكم، وهذا ما حدث في علم الكلام العقائدي عندما ابتلع التوحيد العدل كليةً حتى ضاع العدل من وجداننا المعاصر، وفي السمعيات لا يظهر إلا موضوع الشفاعة وهو ما يحدث في فكرنا المعاصر من استمرارٍ للشفاعة الدينية والدنيوية معًا كموجِّه لسلوكنا القومي.٥

(٢) من الموضوعات إلى الفصول، ومن الفصول إلى الأبواب

ثم تتحوَّل هذه الموضوعات إلى فصول، والفصول إلى أبواب، وقد تم ذلك أيضًا في القرنين الرابع والخامس، وإن ظهور الموضوعات في فصول كثيرةٍ دون تبويبها في موضوعات أقل ودون إحصاء لهذه الفصول ليدل على أن بناء العلم لم يكتمل بعدُ في حين أن الموضوعات قد أخذت استقلالها النهائي، فتظهر نظرية العلم مع شرعيته في حين تختفي نظرية الوجود؛ وذلك يدل على أن انفصاله عن التوحيد فيما بعد يمثِّل تقدُّمًا ملموسًا للعلم وتبرز الطبيعة ولو أنها ما زالت سلمًا لله، وتمثِّل نظرية العلم حوالي عُشْر العلم، وبالتالي يكون علم الكلام المتأخر قد خطا خطوات حاسمة باتساع موضوعي العلم والوجود حتى إنهما أصبحا ثلاثة أرباع العلم، ويكون وجداننا المعاصر قد تخلَّف عن بناء العلم بإسقاطِنا من حياتنا العلمَ والوجودَ أو المعرفةَ والطبيعةَ؛ نظرًا لسيادة الإلهيات وابتلاعها الطبيعة، والسمعيات كبديل للمعرفة، ثم تتعادل الإلهيات والسمعيات من حيث الكم إن لم تَفُق الأولى الثانية بقليل، وفي الإلهيات يختلط موضوع العدل بالتوحيد مما سهَّل ابتلاع التوحيد للعدل في علم الكلام العقائدي، ومما يسبِّب رسوخ تواري مقولة العدل من وجداننا المعاصر، بالإضافة إلى أن التوحيد يفوق العدل من حيث الكم، أكثر من خمسة أضعاف، مما يدل على طغيان التوحيد على العدل في نمط فكرنا القديم، واستمرار هذا النمط حتى الآن باستثناء الأصول الاعتزالية عندما فاق العدل التوحيد، أمَّا السمعيات فتختلط بعض مسائلها مثل الإيمان والعمل مع بعض مسائل العدل، كما تظهر بعض مسائل العدل مع الإمامة مما يدل على تشتُّت العدل وضياعه بعد أن ابتلع التوحيد جزءًا منه، وتشتَّت الباقي في السمعيات، مرة في المعاد، ومرة في الأسماء والأحكام، ومرة في الإمامة، كما تختلط في السمعيات بعض مسائل الإيمان والعمل مع بعض موضوعات المعاد، وسيادة المعاد على الإيمان والعمل، وهو ما يحدث في فكرنا المعاصر حتى الآن، وتدخل بعض موضوعات النبوة في الإمامة مما يدل على سيادة التفكير الديني على الفكر السياسي، وهو ما يحدث حتى الآن، كما تظهر الإمامة كموضوع إلهي أكثر منه كموضوع سياسي، وانتهاء الإمامة بالهجوم على الروافض من أهل الإباحة وأهل النجوم؛ أي على الصوفية والفلاسفة، مما يشير إلى اتصال العلوم القديمة بعضها ببعض، وبداية ظهور موضوع التاريخ كمُلحق للإمامة.٦
وقد تختفي نظرية العلم، وتظهر نظرية الوجود؛ لأن الربط بين العلم والمعلوم لم يكن ضروريًّا بعد، كما حدث في بناء العلم، ولا يمثل الوجود إلا حوالي جزء من عشرين جزءًا مما يكوِّنه العلم، وهو ما يحدث في وجداننا المعاصر من ربط للعلم بالإشراقيات أو ترك المعلوم بلا علم، ويظهر العلم ذاته من عِدَّة فصول دون عد أو إحصاء، ولكن تبدأ الأبواب في الظهور، على الأقل باب واحد في ذكر ما يستحيل في أوصاف الباري، وأصل واحد في حدوث العالم ووجود الصانع؛ ومِنْ ثَمَّ تبدأ الفصول المتفرقة في التجمع تحت أبواب أكبر، وفي أصول أشمل حتى يظهر بناء العلم فيما بعد، وتبلغ الإلهيات ثلاثة أضعاف السمعيات مما يدل على استمرار النمط القديم في فكرنا الديني المتأخر وفي وجداننا المعاصر، وفي الإلهيات يظهر التوحيد ثم العدل مختلطًا ببعض مسائل التوحيد، وكأن العدل ما هو إلا تطبيقات للتوحيد، وليس بابًا مستقلًّا عن فعل الإنسان وعقل الإنسان، ومن حيث الكم يفوق التوحيد العدل، ويبلغ ثمانية أضعافه مما يدل على سهولة ابتلاع التوحيد للعدل في فكرنا الكلامي المتأخر، وضياع العدل كليةً من وجداننا المعاصر، وفي السمعيات تبتلع النبوة باقي الموضوعات مثل المعاد والإيمان والعمل، وتظهر مسألة العقل والنقل مع النبوة، وهي في الحقيقة إحدى مسائل التوحيد، وتبلغ النبوة ثلاثة أرباع السمعيات، ولا تترك للإمامة إلا الربع الأخير؛ فالتوحيد هو الموضوع الأوَّل، وما سواه ملحق له، وهو الموضوع الوحيد الذي ظهر على أنه أصل، وهو الموضوع الوحيد الذي ظهر في باب مستقل هو الباب الوحيد، وما سواه فصول، مما يدل على أن علم الكلام كله قائم على أصل واحد هو التوحيد، وهو ما ظهر في إحصاء الأصول قبل بناء العلم الكامل.٧
ثم تظهر الفصول في أبواب أكثر، ويتحدَّد بناء العلم ولو أنها أبواب في القول، وتظهر نظريتا العلم والوجود معًا مما يشير إلى بداية استقرار العلم من حيث مقدماته النظرية، ولكنها تشمل من حيث الكم جزءًا من خمسة عشر جزءًا تكون مادة العلم كله؛ وبالتالي يكون علم الكلام المتأخر قد خطا خطوات واسعة بإعطاء الأولوية للمقدمات النظرية على مادة الكلام ذاتها، ونكون نحن قد تخلَّينا عن مكاسب العلم المتأخرة بإسقاطنا العلم والوجود من وجداننا المعاصر، وتمثِّل الإلهيات أكثر من ضِعْف السمعيات، وهو ما زال أيضًا في فكرنا المعاصر عندما نتبادل الإلهيات والسمعيات معًا كمحاور في فكرنا القومي، وفي الإلهيات يفوق التوحيد العدل؛ إذ يمثِّل التوحيد ثلاثة أخماس الإلهيات، والعدل الخمسَيْن الباقيَيْن، وهو ما استمر في علم الكلام المتأخر باختفاء العدل في بطن التوحيد ثم ضياعه كليةً من وجداننا المعاصر، وفي السمعيات تعادل النبوات من حيث الكم الموضوعات الثلاث الأخرى: المعاد، والإيمان والعمل، والإمامة، مما يدل على استمرار هذا النمط حتى الآن في فكرنا المعاصر بتركيزنا على النبوة، وبتفكيرنا في النبي، ويكون موضوع الإيمان والعمل أقل الموضوعات كما هو واضح في حياتنا المعاصرة بالرغم من محاولة الحركات الإصلاحية من تغيير ذلك، وتتداخَل بعض مسائل الإمامة مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المعاد والإيمان والعمل، وكذلك تبرز بعض مسائل العدل مثل الآجال والأرزاق والأسعار في السمعيات بين النبوة والمعاد.٨
وقد تظهر مع الأقوال والفصول والأبواب الكتب، مجموعة من الأقوال تكوِّن فصلًا، ومجموعة من الفصول تكوِّن بابًا، ومجموعة من الأبواب تكون كتابًا؛ وبالتالي يتحدَّد بناء العلم أكثر فأكثر في عدة جوانب تكون أساسًا للعلم، وتظهر نظريتا العلم والوجود في خُمس العلم تقريبًا مما يدل على بدايات ابتلاع المقدمات النظرية للعلم، ولكن الوجود يفوق العلم من حيث الكم؛ إذ ينحو نحو الاستقلال بذاته، وتتداخَل مباحثه مع التوحيد حتى إنه بقدر ما يظهر الوجود يختفي التوحيد، وبقدر ما يظهر التوحيد المشخص يختفي الوجود، وكأن تحويل «الثيولوجيا» إلى «أنطولوجيا» عملية فكرية وتاريخية طبيعية، وتظهر مباحث جديدة في الوجود مثل مباحث العدل ومباحث الأحوال، وتبدو الإلهيات وقد تجاوزَت من حيث الكم السمعيات وكأن السمعيات لا تكون جزءًا أساسيًّا من بناء العلم، حوالي الثمن، والإلهيات سبعة أثمان العلم، على خلاف الحال الآن في وجداننا المعاصر المفتوح على السمعيات بلا تردُّد، وفي الإلهيات لأول مرة تفوق مسائل العدل مسائل التوحيد؛ نظرًا لبلوغ التيار الاعتزالي قمته، ومحاولة الأشاعرة صده، والوقوف أمامه؛ إذ تبلغ مسائل العدل ثلاثة أرباع الإلهيات، والتوحيد الربع الأخير، وتكون خسارة كبيرة ما حدث فيما بعد في بناء العلم الأشعري عندما ابتلع التوحيد العدل في نظرية الذات والصفات والأفعال، وعندما ضاع العدل كليةً من وجداننا المعاصر بالرغم من محاولات بعض الحركات الإصلاحية من إحيائه من جديد، وتتفصل مسائل العدل إلى الإرادة، والقدر، والتولد، والطبائع، والتعديل والتجوير، أمَّا السمعيات فلا تشمل إلا موضوعًا واحدًا هي النبوات دون المعاد أو الإيمان والعمل أو الإمامة، مما يدل على استمرار هذا النمط حتى الآن في وجداننا المعاصر، خاصةً بتواري الإيمان والعمل والسياسة.٩
وقد تختفي الفصول كليةً، ويتحول العلم كله إلى أبواب مُحصاة؛ ومِنْ ثَمَّ يبدأ بناء العلم في الظهور؛ فالأبواب تحتوي على الموضوعات، وإن لم تتحوَّل الموضوعات بعد إلى أصول نظرًا لأن عدة موضوعات تكون أصلًا واحدًا، فتختفي نظرية العلم ونظرية الوجود باعتبارهما مقدمتين نظريتين للعلم مما يدل على أن ظهورهما يُعدُّ تقدُّمًا أساسيًّا في بناء العلم، خاصةً بعد أن اتَّسعا في فكرنا الكلامي المتأخر، ومما يدل على مقدار التخلف بسقوطهما في فكرنا المعاصر، وقد تبدو بعض مسائل الوجود في التوحيد وكمقدمة له مما يدل أيضًا على أن ظهورها في النصف الثاني من القرن الرابع يمثل تقدُّمًا أساسيًّا في بناء العلم خاصةً بعد تمدُّدها في علم الكلام المتأخر وابتلاعها نصف العلم تقريبًا حتى أصبحت تمثل ثلاثة من مباحثه الستة، ومما يدل على مدى التخلُّف الذي وقع فيه فكرنا المعاصر باختفائها وتواريها تمامًا، وتظهر أبواب عشر، تشمل الإلهيات السبع الأولى، والسمعيات الثلاث الباقية؛ فالإلهيات من حيث الكم تمثِّل تسعة أعشار العلم، والسمعيات العشر الأخير، مما يشير إلى تخلف فكرنا المعاصر الذي قلب الآية، وتجاوزت السمعيات الإلهيات من حيث الكم من كثرة ما يُنشَر ويُذاع في السمعيات، وفي الإلهيات يتميَّز التوحيد عن العدل، هذا التمييز الذي اختفى في علم الكلام المتأخر والمعاصر، حيث سادت نظرية الذات والصفات والأفعال، وحيث ابتلع التوحيد العدل، مما يدل على تخلفنا عن بعض مواطن فكرنا القديم؛ ومن حيث الترتيب كان للتوحيد الأولوية على العدل، وهو ما ساد العلم منذ بدايته حتى نهايته، وهو أحد أسباب ابتلاع العدل في التوحيد، وأحد أسباب تخلف فكرنا المعاصر. ومن حيث الكم يساوي التوحيد العدل، مما يدلُّ على أن فكرنا القديم قد ركز عليهما معًا وعلى خلاف ما حدث في علم الكلام المتأخر وفي فكرنا المعاصر من اختفاء العدل لصالح التوحيد، وقد فصلت مسائل العدل في ثلاث: القدر، والاستطاعة، والتعديل والتجوير. لم يكن العدل مسألة كلية فحسب، بل ازداد تفصيلًا وبناءً وتكوينًا، وفي السمعيات تظهر موضوعات ثلاث فقط: الإيمان والعمل، والمعاد، والإمامة، ولم تظهر مسألة النبوة مما يدل على أنها لم تكن أساسًا في العلم منذ البداية، ومما يُشير إلى مقدار تخلف فكرنا المعاصر بتركيزنا على النبوات، ويدل ترتيب المسائل الثلاث على أهمية الإيمان والعمل على المعاد، وهو أيضًا ما تخلفنا عنه بتواري موضوع الإيمان والعمل وظهور مسائل المعاد في وجداننا المعاصر.١٠

(٣) من الفصول والأبواب إلى القواعد والأصول

وبعد ذلك ينتقل البناء من الفصول والأبواب إلى القواعد والأصول التي تكون دعامة البناء النهائي، فيظهر علم الكلام مندرجًا تحت عشرين قاعدة، تختفي نظرية العلم مما يدل على أهمية الوجود على العلم، وهو ما سيتضح أكثر فأكثر عندما يبلغ الوجود ثلاثة أرباع العلم في القرون الثلاثة التالية، السادس والسابع والثامن، ومما يدل أيضًا على عدم رسوخ نظرية العلم كجزء من علم الكلام، ومما يفسِّر أيضًا غياب نظرية في العلم من وجداننا المعاصر، ولكن تبدأ نظرية الوجود، بالإضافة إلى تذييل في الجوهر الفرد في نهاية العشرين قاعدة، والكل يبلغ عُشر العلم مما يدل على وجود بوادر لفصل الفكر العلمي في الوجود عن الفكر الديني، فقد كان الوجود دائمًا مقدمة للإلهيات، حول دليل الحدوث أو الإمكان، وانفصال الجوهر الفرد عن البحث يوحي ببدايات التفكير العلمي المستقل، وهو ما نصارع من أجله في فكرنا المعاصر، من أجل استقلال فكرنا العلمي عن فكرنا الإلهي، ويتركز مبحث الوجود على رفض الفيض بعد أن أصبحت نظرية الفيض خطرًا على علم الكلام آتيًا من علوم الحكمة، ونظرًا لهذا الغزو الداخلي، فإن علم الكلام أصبح هو الجانب الإيجابي في مقابل رفض الفلاسفة الحكماء الذي يمثل الجانب الهدمي، فبعد تأسيس علم الكلام على عشرين قاعدة يمكن هدم فلسفة الحكماء الإلهيين أيضًا على عشرين قاعدة، وتبلغ الإلهيات من حيث الكم قدر السمعيات باثنتي عشرة مرة؛ أي أن الإلهيات هي كل العلم تقريبًا، وأن السمعيات لا تمثِّل إلا جزءًا من اثني عشر جزءًا من العلم، على خلاف فكرنا المعاصر الذي تسوده السمعيات والإلهيات على قدر سواء، وفي الإلهيات تختلط مسائل التوحيد والعدل، فيظهر العدل أوَّلًا مركزًا على حدوث الكائنات، ويختفي ضمن إثبات الحدوث بإحداث الله، ثم ينتهي التوحيد أيضًا ببعض مسائل العدل مثل العقل والنقل، يبدأ التوحيد إذن بمسألة خلق الأفعال وإنكارها وينتهي بموضوع العقل والنقل، وإعطاء الأولوية للنقل على العقل، ويشمل التوحيد أربع عشرة قاعدة تتخلَّلها بعض مباحث الوجود مثل الأحوال والمعدوم والشيء والهَيُولى والصورة مما يدل على تآكل التوحيد لصالح الوجود كما حدث في علم الكلام المتأخر، فقد ابتلع التوحيد نصف العدل في أول التوحيد، وهو خلق الأفعال، ومع ذلك يشمل التوحيد أكثر من نصف العلم، وأصبح يوازي العدل أكثر من ست مرات مما يدل على تواري العدل في علم الكلام المتأخر، واختفائه كليةً في وجداننا المعاصر، أمَّا السمعيات فلا تظهر إلا في القاعدة الأخيرة، القاعدة العشرين، في موضوعات النبوة، والأسماء والأحكام، والمعاد، والإمامة، ولكنها لا تشمل إلا جزءًا ضئيلًا من العلم دون تفصيل لمسائلها.١١
ثم تتناقص القواعد والأصول من عشرين قاعدة إلى خمسة عشر، وهو العدد الكامل في الشريعة، خمس عشرة سنة أو يومًا أو آذانًا أو درهمًا أو دينارًا أو إبلًا أو بقرًا أو بعيرًا! ولو أخذنا الأعداد من الشريعة لَأعطَتْنا كل الأعداد، خمس صلوات، ستين مسكينًا، ستين يومًا صيامًا كفارة، سبعة أيام، سبع ليال، سبع سموات، الشفع والوتر، الواحد، والاثنين، والثلاثة، والأربعة، والعشرة، والسبعين … إلخ، مما يدل على أن العدد خمسة عشر ليس من داخل العلم بل من خارجه، مُستعارًا من الفقه. تظهر نظريتا العلم والوجود في الأصلين الأوَّل والثاني، ويمثِّلان معًا خُمس العلم أو سُدسه تقريبًا، ويكون الوجود أكبر قليلًا من العلم مما يشير إلى تقدُّم المقدمات النظرية واحتوائها للعلم ذاته تدريجيًّا، أمَّا الإلهيات فإنها تبلغ نصف السمعيات، وتبلغ السمعيات ضِعْفها، وهو ما يتضح أيضًا في وجداننا المعاصر. وتشمل الإلهيات أربعة أصول: (الثالث، والرابع، والخامس، والسادس)، وتتركَّز على نظرية الذات والصفات والأفعال بالإضافة إلى الأسماء، وهو ما سيتَّضح أيضًا فيما بعد في بناء العلم الشامل، ويظهر العدل متميزًا عن التوحيد، وهو ما افتقدناه فيما بعد، ولكن يفوق التوحيد العدل بأكثر من ثلاثة أضعاف، وهو ما استمر في فكرنا المعاصر حتى اختفاء العدل في بطن التوحيد في العقائد المتأخرة وفي وجداننا المعاصر. أمَّا السمعيات فإنها تشمل الأصلين السابع والثامن عن النبوات والكرامات والمعجزات زيادةً في تفصيل النبوات، وإضافة أصلين جديدين (التاسع والعاشر) عن الإسلام ومعرفة أحكام التكليف باعتباره آخر مرحلة من مراحل النبوة واعتمادها على العقل في فهم الأحكام، وهو ما بدأ يتَّضح في الحركات الإصلاحية بحديثها عن الإسلام كشريعة وتاريخ بدلًا من الحديث عن النبوة كعقيدة ودين، ويشمل المعاد (الحادي عشر) والأسماء والأحكام (الثاني عشر) والإمامة في الأصول الثلاثة الأخيرة وما يتبع الإمامة من أحكام العلماء والأئمة وتاريخ الفرق.١٢
وقد يدور العلم كله حول أساس واحد يكون هو بناء العلم، ويكون هو التوحيد بلا مقدمات نظرية من علم أو وجود، وبلا عدل كمحور ثانٍ للإلهيات وبلا سمعيات كمحور ثانٍ للعلم، وذلك من أجل نفي التجسيم والتشبيه والحيز والمكان، وإثبات التنزيه على الطريقة الأشعرية، ويدور العلم حول أربعة أقسام: الأوَّل في إثبات التنزيه، والثاني في تأويل المتشابهات، والثالث والرابع في تقرير مذاهب السلف، وكأن العلم إذن أراد أن يختار له موضوعًا واحدًا هو الله دون العدل، وهو فعل الإحسان ودون السمعيات التي تُشير إلى ماضي الإنسان في النبوة ومستقبله في المعاد، ومحله في الأسماء والأحكام، ومجتمعه في الإمامة. هذا التركيز على الله هو مأساتنا حتى الآن، وقد انغرس في وجداننا المعاصر باعتباره هو الموضوع الأوَّل والأخير في الفكر والسلوك.١٣
وفي مقابل علم الكلام على الطريقة الأشعرية ومحاولاته لإحصاء الموضوعات من أجل تحديد بناء العلم، كانت هناك محاولات لعلم الكلام على الطريقة الاعتزالية ابتداءً من الرسائل في العدل والتوحيد عن القدر ضد المجبرة إلى ظهور معظم موضوعات العدل والتوحيد١٤ في عشرين جزءًا يعبِّر عنها بالقول والكلام والفصول، تشمل المقدمات مع الإلهيات ثلاثة أرباع العلم، والسمعيات الربع الأخير، ويبدو أن المقدمات النظرية، أعني نظريتي العلم والوجود، لم تتجاوز جزءًا من عشرين جزءًا من العلم؛ لأن نظرية العلم تدخل في مسائل العدل، الحسن والقبح، أو النظر والمعارف، والوجود هو المبحث الذي اعتمدتْ عليه الأشاعرة لصياغة دليل الحدوث أكثر من اعتماد المعتزلة عليه، وما دام العلم ذاته عقليًّا، فلم يكن هناك داعٍ لتصديره بمقدمات نظرية كما هو الحال عند الأشاعرة عندما ظل العلم لديهم عقائديًّا، ولفظ الإلهيات لفظ أشعري يغطي مباحث التوحيد والعدل، ولكن المعتزلة لا يضمون الأصلين، التوحيد والعدل، تحت مبحث واحد، هو الإلهيات، من أجل الإشارة إلى ضرورة التمييز بين هذين الأصلين حرصًا على عدم ابتلاع التوحيد للعدل كما حدث في علم الكلام على الطريقة الأشعرية، وكما نقاسي منه الآن من اختفاء العدل كلية كأصل مستقل في وجداننا القومي، ولأول مرة يكون التوحيد نصف العدل، ويكون العدل ضِعف التوحيد؛ إذ يشمل التوحيد مع المقدمات النظرية الأجزاء الخمسة الأولى، في حين يشمل العدل الأجزاء العشرة التالية، بل إن بعض مسائل التوحيد التقليدية دخلت في مبحث العدل مثل خلق القرآن، وتفصلت مسائل العدل فشملت الإرادة، والتعديل والتجوير، والمخلوق، والتوليد، والتكليف، والنظر والمعارف، واللطف، والأصلح، واستحقاق الذم، والتوبة؛ أي أنها تشمل الموضوعين الأساسيين للعدل، خلق الأفعال، والعقل والنقل؛ أي فعل الإنسان الحر، وعقل الإنسان المستقل، كموضوعات مستقلة، وليس مجرد تطبيقات للتوحيد، فإذا كان التوحيد يُشير إلى حق الله، والعدل يُشير إلى حق الإنسان، فإن علم أصول الدين الاعتزالي قد أعطى الصدارة لحق الإنسان، وهو ما لم يحافظ عليه علم الكلام على الطريقة الأشعرية عندما ابتلع التوحيد العدل حتى اختفى العدل كليةً من وجداننا المعاصر، ويكون علم الكلام الأشعري هو المسئول الأوَّل عن تخلُّفنا الحالي، وقد حاولت بعض الحركات الإصلاحية قلب الآية، ومعاودة علم أصول الدين الاعتزالي من أجل إعطاء الصدارة للعدل ولكنها لم تؤت أكلها، ولم تؤثر في الناس، فقد ظل نصفها أشعريًّا في التوحيد، ونصفها الآخر معتزليًّا في العدل، وتكون هذه الحركات أكثر جذريةً وأشد فاعليةً إذا ما حاولت أن تكون اعتزالية في التوحيد والعدل من أجل اتساع المجال لحق الإنسان المطلق وإلَّا قامت حركات الإصلاح بخطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، وتكون واقفة وهي تسير أو سائرة وهي واقفة.١٥ أمَّا السمعيات فإنها تشمل النبوات، والإمامة، وربما المعاد، والأسماء والأحكام، وتشمل النبوات نصف السمعيات نظرًا لأهمية إعجاز القرآن، وإلحاق الشرعيات بالنبوة من أجل التركيز على دور الوحي في المجتمع والتاريخ، وليس في علاقاته بالنبي وبالله، فمهمة الوحي أفقية لا رأسية، بلاغ من النبي إلى الناس وليس بلاغًا من الله إلى النبي.١٦
وعلم أصول الدين الاعتزالي هو الوحيد الذي حاول أن يقيم ذاته على أصول، ويحدد بناء العلم عقليًّا دون ترك ذلك لفعل التطور والعمل والتاريخ، جيئةً وذهابًا؛ ومِنْ ثَمَّ أمكن تحويل العشرين جزءًا الماضية إلى أصول خمسة مشهورة، وهي التي تحدد بناء العلم الشامل مرة واحدة وإلى الأبد، فالمقدمات النظرية الأشعرية عن العلم والوجود موجودة في مقدمات الأصول الخمسة؛ وبالتالي يشترك الاتجاهان في أن بدايات العلم هي في مقدمات النظرية إجابة على سؤالي: كيف أعلم؟ وماذا أعلم؟ ومن حيث الكم تشمل هذه المقدمات النظرية عن أول الواجبات، وهو النظر المؤدي إلى معرفة الله حوالي ثمن العلم، أمَّا التوحيد، وهو الأصل الأوَّل، فإنه يشمل خمس العلم تقريبًا، ولكنه بالإضافة إلى العدل، الأصل الثاني، فإنهما يشملان أكثر من نصف العلم؛ وذلك لأن التوحيد نصف العدل، والعدل ضعف التوحيد، فلأول مرة أيضًا في أصول الدين يفوق العدل التوحيد، ويتميَّز عنه في أصل مستقل، وهو ما لم نستطع المحافظة عليه بسيادة علم الكلام الأشعري، وابتلاع التوحيد للعدل، واختفاء العدل كليةً من وجداننا المعاصر، وتتفصل في نهاية الأصل الخامس مسائل العدل، القضاء والقدر، أفعال العباد، العون واللطف والمصلحة والتوفيق والعصمة، والآجال، والأرزاق، والأسعار، أمَّا السمعيات باللفظ العشرين فإنها تشمل الأصول الثلاثة الباقية، الأصل الثالث عن الوعد والوعيد أي المعاد، والأصل الثاني عن المنزلة بين المنزلتين أي الأسماء والأحكام، والأصل الخامس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي الإمامة، وهي كلها تبلغ نصف العدل من حيث الكم؛ أي أنها تُعادل التوحيد، ويظل العدل هو نصف العلم، والتوحيد والسمعيات نصفها الآخر، وهذا يعني أن العدل، وهو الأصل الثاني، يُعادل من حيث الكم الأصول الأربعة الأخرى ابتداءً من التوحيد، الأصل الأوَّل، مارًّا بالوعد والوعيد، وهو الأصل الثالث، والمنزلة بين المنزلتين، وهو الأصل الرابع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الأصل الخامس. صحيح أن الإلهيات بالمعنى الأشعري تشمل أصلين: التوحيد والعدل، والسمعيات بالمعنى الأشعري تشمل ثلاثة أصول: الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن يظل العدل، وهو ضعف التوحيد، يوازي العلم كله، إلهياته وسمعياته، أمَّا مسائل التوبة التي تنتهي بها الأصول الخمسة فهي أدخل في الأصل الثالث: الوعد والوعيد.١٧
وقد يدور العلم كله على بابي التوحيد والعدل؛ أي يقتصر العلم على الإلهيات بالمعنى الأشعري دون السمعيات، مما يدل على أن السمعيات ليست جزءًا جوهريًّا من العلم، ولو شئنا الاختيار بين محور واحد للعلم لأبقينا الإلهيات ولأسقطنا السمعيات، فالإلهيات عقلية، وبالتالي فهي يقينية، في حين أن السمعيات نقلية، ومِنْ ثَمَّ فهي ظنية، والظن لا يغني من الحق شيئًا، كان علم أصول الدين على هذا النحو الاعتزالي يمثِّل تقدُّمًا خطيرًا في الفكر الديني باستيفاء محورَيِ التوحيد والعدل؛ أي الأصلين الأولين دون السمعيات؛ أي الأصول الثلاثة الأخيرة. ليس معنى ذلك التضحية بالعمل وبالسياسة؛ أي بالفرد والتاريخ لأنه يمكن اللحاق بهما من خلال العدل، بل إن مبحثي التوحيد والعدل كليهما يدخلان تحت اسم «التكليف»، تكليف الله للإنسان مما يشير إلى أن علم أصول الدين على هذا النحو يدور حول محوري الله والإنسان، وصلة التكليف بينهما وهو تحقيق رسالة الإنسان، فإذا كان العلم، وهو التكليف، يشمل تسعة أسفار، فإن المقدمتين النظريتين عن العلم والوجود يشملان السفرين الأولين، وهما حوالي خمس العلم، مما يدل على أهمية المقدمات النظرية وإن لم تبتلع بعدُ العلم كله كما حدث في علم الكلام المتأخر، ثم هوت واختفت من وجداننا المعاصر، ولكن الوجود يمثِّل ثلاثة أضعاف العلم مما يدل على أهمية مبحث الوجود، وكيف أنه الوريث الوحيد للتوحيد ونهايته، وليس فقط مقدمة أو سلَّمًا له، ثم يأتي التوحيد في الأسفار الثلاثة التالية، الثالث والرابع عن الصفات، والخامس عن الذات، وينتهي الخامس بالكلام في العدل الذي يشمل آخر الخامس والأسفار الأربعة التالية من السادس حتى التاسع عن الحسن والقبح، وخلق الأفعال، والمخلوق، والتولد؛ وبالتالي يمثِّل التوحيد نصف العدل، والعدل ضعف التوحيد، ومع أنهما متمايزان إلا أنهما متداخلان؛ إذ يأتي الكلام على العدل بعد الذات والصفات؛ أي مع الأفعال، ثم يأتي موضوعَا الإرادة والكلام مع مباحث العدل، وكأن صفة الإرادة، هي من صفات الله عند الأشاعرة، هي من مباحث العدل عند المعتزلة؛ لأن المقصود هو الدفاع عن إرادة الإنسان، وليس إثبات إرادة الله، كما أن مبحث الكلام عند المعتزلة من مباحث العدل؛ لأنه إثبات لخلق القرآن، وليس إثباتًا لصفة قديمة كما هو الحال عند الأشاعرة، أمَّا من حيث الأصول الأربعة، فيشمل الأصل الأوَّل المقدمات النظرية، والثاني والثالث التوحيد، ذاتًا وصفاتٍ، والرابع بيان ما لا يجوز عليه، وهنا يظهر العدل متداخلًا مع التوحيد؛ فالعدل دفاع إيجابي عن الإنسان ووصف سلبي لله، في حين أن التوحيد دفاع إيجابي عن الله ووصف سلبي للإنسان، ويشمل العدل أكثر من ضعف العلم كله، المقدمات النظرية والتوحيد معًا، ويُخص العدل بالتفصيل ليس فقط عن طريق الفصول والأبواب، ولكن بالكلام. فهناك الكلام في الأفعال، والكلام في الإرادة، والكلام في القرآن، والكلام في المخلوق، والكلام في التولُّد، مما يدل على أن هذه الموضوعات التي تكوِّن مسائل العدل ما زالت تكوِّن بطريقة لاشعورية البناء الأساسي للعلم الاعتزالي، ولكنه للأسف لم يظهر في صورة بناء شعوري كما ظهر بناء العلم الأشعري، ومحاولتنا هذه «من العقيدة إلى الثورة» هو انتقال من بناء العلم الأشعري إلى بناء العلم الاعتزالي عن طريق اكتشاف العدل وراء الإلهيات والسمعيات معًا، واضعًا القرون العشرة الأخيرة «بين قوسين»، وعائدًا إلى القرن الرابع القديم، مطوِّرًا بناء علم أصول الدين الاعتزالي، ولاحقًا بالحركات الإصلاحية الحديثة، دافعًا إياها خطوة أخرى إلى الأمام، نحو بناء العلم الاعتزالي بعد أن تركت نصفه اعتزاليًّا ونصفه الآخر أشعريًّا، ويكون هذا تطويرًا وتحقيقًا لمعنى نهاية الكتاب «في ذكر من ذم القدرية».١٨
١  هذا هو موقف الخيَّاط في «الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد». القسم الأوَّل دفاع عن المعتزلة ضد تشويههم من الخصم (ص٣–١٠٣)، والثاني دفاع من المعتزلة ضد إيقاع الخصم لهم فيما أنكروه على خصومهم (ص١٠٣–١٧٣). انظر: منطق الجدل في الباب الأوَّل: «حد العلم»، (٥) منهجه.
٢  هذا هو موقف الماتريدي في «كتاب التوحيد»: مسائل العلم، ص٣–١١؛ الوجود، ص١١–٣٠؛ التوحيد، ص٣٠–١٧٦؛ النبوة، ص١٧٦–٢١٠؛ العدل، ص٢١٥–٣٢٣؛ المعاد، ص٣٢٣–٣٧٣؛ الإيمان، ص٢٠٠–٣٧٣. وكذلك موقف البيهقي في «الاعتقاد»: ما يجب على العاقل، ص٤–٦؛ ما يُستدلُّ به على حدوث العالم، ص٣–٦؛ في ذكر أسماء الله، ص١٣–٤٥؛ في الإيمان بالقدر، ص٥٣–٧٩؛ في الإيمان، ص٧٩–٨٨؛ في الشفاعة، ص٨٨–١١١؛ في النبوة والإمامة، ص١١١–١٩٨. ويُسمَّى الكل أبوابًا؛ «باب القول في …» وكذلك موقف الصابوني بالرغم من تأخُّره (توفِّي ٥٨٠ﻫ) في «البداية»؛ إذ يتحدَّث عن موضوعات العلم بعبارة «القول في …» دون فصول أو أبواب أو قواعد أو أصول: القول في مدارك العلوم، ص٢٩-٣٠؛ القول في حدوث العالم، ص٣٤–٣٨؛ القول في توحيد الصانع وتنزيهه وصفاته ورؤيته وإرادته، ص٣٩–٨٤؛ القول في الرسالة والنبوة والكرامة، ص٨٥–٩٩؛ القول في الإمامة، ص١٠٠–١٠٥؛ في مسائل التعديل والتجوير، ص١٠٦–١٤٨؛ في الإيمان، ص١٤٠–١٥٧؛ فيما وجب الإيمان به بالسمع، ص١٥٨–١٦٠.
٣  هذا هو موقف الرازي في «المسائل الخمسون» التي كان يمكن عرضها أيضًا مع العقائد المتأخرة، ويشمل الوجود المسألتين الأوليين، والتوحيد والمسائل ٣–٣٣، والعدل المسائل ٣٤–٣٨، والمعاد والنبوات المسائل ٣٩–٤٦، والإمامة، المسائل، ٤٧–٥٠.
٤  هذا هو موقف الهروي الحفيد في «الدر النضيد»، وكان يمكن عرضُه أيضًا مع العقائد المتأخرة إلا أننا هنا نعرض لبناء العلم أكثر من عرضنا لتاريخ العلم، ص١٣٣–١٤٠، الوجود، ص١٤٠–١٤٣، التوحيد، ص١٤٣–١٥٢، العدل، ص١٤٨–١٥٠، النبوة، ص١٥٢–١٥٩، الإيمان، ص١٥٩–١٦٦. المعاد، ص١٦٦–١٧٤.
٥  هذا هو موقف الباقلاني في «الإنصاف»، نظرية العلم، ص١٣–١٥، ص١٩–٢٣، الوجود، ص١٥–١٨، التوحيد، ص٢٣–٤٥، العدل، ص٤٥–٥١، المعاد، ص٥١–٥٤، الإيمان والعمل، ص٥٤–٦٠، النبوة، ص٦١–٦٤، الإمامة، ص٦٤–٧٠، خلق القرآن، ص٧٠–١٤٣، الخلق والإرادة، ص١٤٤–١٦٧، الشفاعة، ص١٦٨–١٧٦، الرؤية، ص١٧٦–١٩٤.
٦  هذا هو موقف النسفي في «بحر الكلام»، العلم وشرعيته، ص٢–١٤، التوحيد، ص١٥–٣٤، العدل، ص٣٥–٣٧، الإيمان والعمل، والمعاد، والعدل، ص٣٨–٥٣، النبوة والمعاد، ص٥٤–٧٨، الإمامة، ص٧٩–٩٧.
٧  هذا هو موقف الجويني في «لمع الأدلة»، الوجود، ص٧٦–٨١، التوحيد، ص٨٢–١٠٥، العدل، ص١٠٦–١٠٨، النبوة، ص١٠٩–١١٣، الإمامة، ص١١٤–١١٦.
٨  هذا هو موقف الجويني في «الإرشاد»، العلم، ص٣–١٧، الوجود، ص١٧–٣٠، التوحيد، ص٣٠–١٨٧، العدل، ص١٨٧–٣٠٢، النبوة، ص٣٠٢–٣٥٨، المعاد، ص٣٥٨–٣٩٦، الإيمان والعمل، ص٣٩٦–٤١٠، الإمامة، ص٤١٠–٤٣٤.
٩  هذا هو موقف الجويني في «الشامل»، ولسوء الحظ لم يُنشَر إلَّا كتاب النظر، وكتاب التوحيد، وكتاب العلل، أمَّا باقي الكتب فمفقودة، ولكن لها مختصر في «الكامل» يُشير إلى الكتب الناقصة وهي: كتاب الصفات، كتاب الإرادة، كتاب القدر، كتاب النبوات، كتاب إبطال القول بالتولد، كتاب الرد على الطبائعيين، كتاب التعديل والتجوير. الشامل، ص٨٧؛ نظرية العلم، ص٩٧–١٢٣؛ الوجود، ص١٢٣–٣٤٣؛ التوحيد، ص٣٤٥–٦٢٥؛ العلل، ص٦٢٩–٧١٦.
١٠  هذا هو موقف الأشعري في «اللمع»، ولو أنه متقدم تاريخيًّا عن الباقِلَّاني والجويني والنسفي والرازي والهروي (التوحيد، ص١٧–٦٨؛ العدل، ص٦٩–١٢٢؛ السمعيات، ص١٢٣–١٣٦).
١١  هذا هو موقف الشهرستاني في «نهاية الإقدام». الوجود، ص١–٥٣. العدل (حدوث الكائنات)، ص٥٤–٨٩. التوحيد، ص٩٠–٣٦٩. العدل (العقل والنقل)، ص٣٧٠–٤١٦، السمعيات، ص٤٤٦–٥٠٥. تذييل (الجوهر الفرد)، ص٥٠٥–٥١١. وقد تنجز غرضنا من عشرين قاعدة في بيان نهايات إقدام أهل الكلام، وإن تنفس الأجل وأمهل العمر شرعنا في عشرين أخرى في بيان نهايات أوهام الحكماء الإلهيين.
١٢  هذا هو موقف البغدادي في «أصول الدين» إذ يقول: «وقد جاءت في الشريعة أحكام مرتبة على خمسة عشر من العدد، وأجمعت الأمة على بعضها واختلفوا في بعضها؛ فمنها على اختلاف سن البلوغ لأنها عند الشافعي في الذكور والإناث خمس عشرة سنة بسني العرب دون سني الروم والعجم، ومنها مدة أكثر الحيض عند الشافعي وفقهاء المدينة خمسة عشر يومًا بلياليها، ومنها أول الطهر الفاصل بين الحيضتين، فإنه عند الأكثر خمسة عشر يومًا، وهذا كله على أصل الشافعي وموافقيه، فأمَّا على أصل أبي حنيفة وأتباعه فإن كلمات الأذان عندهم خمس عشرة، ومقدار مدة الإقامة التي توجب عندهم إتمام الصلاة خمسة عشر يومًا، وأجمعوا على وجوب خمسة عشر درهمًا في زكاة ستمائة درهم، وخمسة عشر دينارًا في زكاة ستمائة دينار، فإذا بلغت الإبل الستمائة وجب فيها خمسة عشر بنت لبون، وإذا بلغت البقر السائمة ستمائة وجب فيها خمس عشرة مسنة، فإذا كانت أربعمائة وخمسين بقرة وجب فيها خمسة عشر تبيعًا أو تبيعة، وأجمعوا على أن الواجب في مُنقَّلة الرجل الحر خمسة عشر من الإبل وفي ثلاثة من أسنان الرجل الحر خمسة عشر بعيرًا، وفي ستَّة من أسنان المرأة خمسة عشر بعيرًا، وفي ثلاث أصابع المرأة الحرة خمسة عشر بعيرًا، ومثل هذا كثير من أحكام الشريعة، ولأجلها لم يُكره لتقسيم قواعد الدين على خمسة عشر أصلًا، وتقسيم كل أصل منها خمس عشرة مسألة» (الأصول، ص٢-٣؛ العلم، ص٤–٣٣؛ الوجود، ص٣٣–٦٨؛ التوحيد، ص٦٨–١٢٠؛ العدل، ص١٢٠–١٥٣؛ النبوة، ص١٥٣–٢٢٨؛ المعاد، ص٢٢٨–٢٤٧؛ الإيمان، ص٢٤٧–٢٧١؛ الإمامة ولواحقها، ص٢٧١–٣٤٢).
١٣  هذا هو موقف الرازي في «أساس التقديس» (التنزيه والجسمية، ص٤–٧٩؛ تأويل المتشابهات، ص٧٩–١٧٣؛ تقرير مذهب السلف، ص١٧٣–١٩٧).
١٤  هذا هو موقف الحسن البصري في «رسالة في القدر»، والقاسم الرسي في كتاب «أصول العدل والتوحيد»، والقاضي عبد الجبار في «المختصر في أصول الدين»، والشريف المرتضي في «إنقاذ البشر من الجبر والقدر»، والإمام يحيى بن الحسين في «الرد على المجبرة والقدرية»، «كتاب فيه معرفة الله من العدل والتوحيد، وتصديق الوعد والوعيد، وإثبات النبوة والإمامة في النبي وآله»؛ «كتاب الرد والاحتجاج على الحسن بن محمد بن الحنفية في الجبر، وإثبات الحق، ونقض قوله»؛ «كتاب الجملة، جملة التوحيد»؛ «الرد على أهل الزيغ من المشبِّهين»، وكذلك موقف أبي رشيد سعيد النيسابوري في «ديوان الأصول».
١٥  هذه هي محاولة محمد عبده في «رسالة التوحيد»، وهي آخر محاولة جادة وشاملة لإعادة بناء علم أصول الدين.
١٦  هذا هو موقف القاضي عبد الجبار في «المغني في أبواب التوحيد والعدل»، ولم نشأ أن نُجزم بكمِّ المقدمات النظرية لأن الأجزاء الثلاثة الأولى مفقودة، ويبدأ الجزء الرابع عن الرؤية والخامس عن الفرق غير الإسلامية، موضوعات التوحيد، كما لم نشأ أن نجزم باشتمال السمعيات على موضوعَي المعاد والأسماء والأحكام؛ لأن الجزأين الثامن عشر والتاسع عشر مفقودان، وتبدأ السمعيات بالجزء الخامس عشر عن النبوات والمعجزات، والسادس عشر عن إعجاز القرآن، والسابع عشر عن الشرعيات، وتنتهي بالعشرين عن الإمامة، أمَّا العدل فيشمل الأجزاء العشر التالية للتوحيد، ولا ينقصها إلا العاشر الذي يصعب تحديد موضوعه، وموضوعات العدل كالآتي: (٦أ) الإرادة. (٦ب) التعديل والتجوير. (٧) خلق القرآن. (٨) المخلوق. (٩) التوليد. (١١) التكليف. (١٢) النظر والمعارف. (١٣) اللطف. (١٤) الأصلح، استحقاق الذم، التوبة.
١٧  هذا أيضًا هو موقف القاضي عبد الجبار في «شرح الأصول الخمسة». أول الواجبات النظر المؤدي إلى معرفة الله، ص٣٧–١٤٩، التوحيد، ص١٤٩–٢٩٨، العدل، ص٢٩٩–٦٠٨، الوعد والوعيد، ص٦٠٩–٦٩٤، المنزلة بين المنزلتين، ص٦٩٥–٧٣٨، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ص٧٣٩–٧٧٠، مسائل تتعلَّق بالعدل مثل القضاء والقدر، أفعال العباد، المعونة واللطف والمصلحة والتوفيق والعصمة والآجال، والأرزاق، الأسعار، ص٧٧٠–٧٨٩، ومسائل التوبة، ص٧٨٩–٨٠٤.
١٨  هذا هو أيضًا موقف القاضي عبد الجبار في «المحيط بالتكليف»، السفر الأوَّل، العلم، ص١١–٥٥، السفر الثاني، الوجود، ص٥٥–١٠٤. السفر الثالث، التوحيد (الصفات)، ص١٠٤–١٥١، السفر الرابع، التوحيد (الصفات)، ص١٥١–١٩٦، السفر الخامس، التوحيد (الذات)، ص١٩٦–٢٣٩، السفر السادس، العدل، ص٢٣٩–٢٨٣، السفر السابع، العدل، ص٢٨٣–٣٣٣، السفر الثامن، العدل، ص٣٣٣–٣٨٠، السفر التاسع، العدل، ص٣٨٠–٤٢١، ومن حيث الأصول، الأصل الأوَّل عن العلم والوجود، ص١١–٧٥، الأصل الثاني في التوحيد، ص٧٥–١٠٤، الأصل الثالث في الصفات، ص١٠٤–١٩٣، الأصل الرابع في ما لا يجوز عليه، ص١٩٣–٤٢٠، ومن حيث الكلام، الكلام في العدل، ص٢٢٨–٢٣٠، الكلام في الأفعال، ص٢٣٠–٢٦٣، الكلام في الإرادة، ص٢٦٣–٣٠٦، الكلام في القرآن، ص٣٠٦–٣٤٠، الكلام في المخلوق، ص٣٤٠–٣٨٠، الكلام في التولد، ص٣٨٠–٤٢٠، والنهاية «في ذكر من ذم القدرية»، ص٤٢١–٤٢٣، و«المحيط بالتكليف» لم ينشر كله، بل نشرت تسعة أسفار منه، وفي نسخة خطية أخرى أربعة وثلاثون سفرًا، ومع ذلك، ما قيل عن التوحيد والعدل يظل صحيحًا من حيث التمييز بينهما كأصلين، وأولوية العدل على التوحيد من حيث الأهمية والكم، وما قيل عن إمكانية إقامة علم أصول الدين بلا سمعيات يُخفف بوجود سمعيات لا تزيد على ربع العلم كما هو الحال في «المغني» أو «شرح الأصول الخمسة».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠