سادسًا: المصنفات القديمة

من العسير استيعاب كل ما قاله القدماء في علم أصول الدين، خاصةً خارج المصنفات الكلامية ذاتها، والتعرض له من أهل السنة والفقهاء والمحدِّثين بالتحليل والنقد والتحريم؛ فذاك مجال الفكر الفقهي.١ولكننا حاولنا الاعتماد على كل ما أمكننا العثور عليه من مؤلَّفات منشورة في علم الكلام ذاته والتي أعطيناها الأولوية على غيرها من مؤلَّفات الفقهاء العامة التي يتعرَّضون فيها للعلم كتعرُّضهم للفلسفة والتصوف، وهي عينة مميزة تُعطي صورة عن تاريخ علم الكلام منذ نشأته حتى العصر الحاضر، وكان مقياس تمثيل العينة هو تكرار المادة المعروضة في معظم المؤلفات، بحيث كان الاطلاع على مؤلفات أخرى لا يعطي مادة جديدة إلا في أقل الحدود التي لا تؤثر على البناء للعلم وطرق تطويره، فكثيرٌ من المؤلَّفات يغلب عليها طابع التكرار والتقليد للسابقين، وكثير منها تجميع وتحصيل المادة السابقة من مؤلَّفات قديمة، في حين أن التقليد ليس من أصول الإيمان، وقد كان هذا هو طابع عصر الشروح والملخَّصات حفاظًا على العلم وتذكيرًا للناس ببنائه.٢ كما أننا لم نلجأ كثيرًا إلى المخطوطات لنفس السبب، وهو تَكرار المادة القديمة بعضها لبعض، قد يعطينا المخطوط دلالةً من هذا النوع على ذلك التحليل أكثر أو أقل دون أن يخلَّ الجهل به من بناء العلم ذاته وصدق التحليل بالإضافة إلى الصعوبات العملية في الحصول عليها أو في تناولها، وإذا فهمنا المنشور أوَّلًا بحثنا عن غير المنشور، وفهم الأقرب إلينا خير من ادِّعاء البحث عن المجهول. ليس المهم هو تكرار المادة وعرضها، بل إعطاء منهج للتحليل، وطريقة لإعادة البناء، وتحديد موقف معاصر.٣ فزيادة المادة تُعطي تحليلات أكثر، ولكن بنفس المنهج ولعرض نفس الموقف، ودون أن تغير من المنهج أو من الموقف أو من النتائج شيئًا، لو لم نستطع الاطلاع على كل المادة المنشورة في علم الكلام أو لو أننا لم نطلع بما فيه الكفاية على المادة غير المنشورة، فإن ذلك لن يغيِّر شيئًا من المنهج المتَّبع أو من الموقف المحدد، ولما كانت العلوم تتحدَّد ببنائها، ولا ترتبط بأشخاصها فإنه لا يهم كثيرًا نقص المادة لأنها مكررة، وزيادة المادة قد لا تعني زيادة في التحليل كما أن نقص المادة قد لا يعني نقصًا مماثلًا في التحليل، وليس ذلك مجرد افتراض بل نتيجة لتجارب عديدة في تحليل المادة ثم قراءة مادة جديدة بعد ذلك دون أن تُضيف جديدًا إلى التحليل أو تنقص منه.
وقد اعتمدنا على المؤلفات الكلامية «الشاملة» التي تتحدث عن علم الكلام وتضع رسالة فيها Traité، عارضة مادته وموضوعاته، فهي مؤلَّفات في العلم، وأعطيناها الأولوية على المؤلفات الجزئية الأخرى التي تتناول جانبًا واحدًا من العلم أو التي تشير إلى موضوع واحد منه أو التي تتعرَّض له بالنقد والتحريم، فهذه تتضمَّن حكم القدماء، ولا تحتاج إلى إعادة بناء كالمؤلفات الكلامية الشاملة، هي مجرد دلائل وقرائن على وضع هذا العلم وشرعيته في التراث القديم، ومؤشر على شرعية التساؤل حول شرعية هذا العلم.٤
وكثير من المؤلفات لها شروح وحواشٍ، وقد ساد هذا اللون من التأليف في العصور المتأخرة حين جدب الفكر لانفصاله عن الواقع، وكرر ذاته، وعاش على نفسه، كما تأكل الرأس الذيل في النهاية، يوافق كل شارح المؤلف الأصلي، ويزيد عليه من الحجج أو يُضيف إليه من المادة التاريخية أو يعبِّر عن نفس الفكرة في عبارة أخرى دون أن ينقد أو يعدل أو يغير أو يرفض أو يبدأ من جديد، يزيد من النصوص النقلية أو من الحجج العقلية أو من ذكر أسماء الأعلام أو النصوص من مؤلَّفات أخرى أو إعرابًا للكلام إن لم يجد شيئًا! الذهن الشارح والذهن الخالق إذن على طرفي نقيض، والذهن التابع غير الذهن البادئ، لم تُضِف الشروح جديدًا، بل عبرت عن اجترار الحضارة لذاتها في فترة تؤرِّخ فيها الحضارة لذاتها، تقدِّم لنفسها الحساب أمام التاريخ، ويحدث هذا الاجترار دائمًا عندما تكون الحضارة في موضع الخطر، وعندما تضيع الأرض، وتريد الجماعة المحافظة على نفسها، فتدوِّن تاريخها، وتخلِّد نفسها في الفكر أمام تهديدات استئصالها في الواقع كما حدث لقدماء العبرانيين أثناء الأسر البابلي.٥ والشروح والحواشي أكثر شيوعًا من التلخيص لأنها أكثر إيفاءً بالغرض، وأكثر تعبيرًا عن طاقة خاوية تتصرَّف في فراغ، ومع أنها لا تضيف جديدًا، إلا أن أهميتها ترجع إلى أنها مادة خصبة لدراسة العمليات العقلية، والأساليب الفكرية التي أدَّت إلى التخلُّف أو التي أدَّى التخلُّف إليها كما هو الحال في مؤلَّفات الباحثين المعاصرين العارضين لمادة القدماء، سواء في العلم أو في السياسة عندما يشرح المعاصرون أقوال الزعيم ويفسِّر المنظِّرون خطبه وأقواله وكأنها الدرُّ في أحشاء البحر كامنة، قد تحتوي بعض الشروح والملخصات على بعض الانتقادات الجزئية، ولكنها لا تغير من المضمون شيئًا، لا تؤثر في قصد العلم أو في بنائه مما يدل أيضًا على مدى تخلُّف العقلية الشارحة والملخصة «بتمحُّكه» في الجزء وترك الكل.٦ ولما كان الشرح في حاجة إلى مادة يشرح بها، فقد استعار علم الكلام جزءًا من مادته من العلوم الأخرى كالفلسفة، والتصوف، وأصول الفقه، وعلوم القرآن، والحديث، والتفسير، واللغة، مما يُشير إلى وَحْدة الحضارة في نهايتها وكأنها تود لمَّ شملها في وحدة واحدة كما بدأت وَحْدة واحدة.٧ ولا يهمُّنا في الشروح والملخصات التي يقوم أصحابها بتفنيد آراء مؤلفي المتون أو بيان أغلاطهم أو الحكم فيما نشأ بينهم من خلاف أو حتى رصده، بل يهمنا أخذ المادتين معًا من أجل التعرُّف على وضعهما في بناء العلم؛ أي الارتفاع بالحاجة إلى الموضوع نفسه الذي نودُّ أن نعرف بناءه القديم أو نقله على البناء النفسي المعاصر، وعلى هذا النحو، يفقد اختلاف أوجه النظر دلالته، والحقيقة أن «التراث والتجديد» كله ما هو إلا شروح على الماضي، ولكن لا يعني الشرح هنا مجرد تحصيل حاصل، شرح عبارة بعبارة، ولفظ بلفظ مرادف أو إعراب جملة أو زيادة مادة قديمة تالية على تاريخ النص المشروح أو حتى التأييد أو التفنيد، بل هي إعادة بناء القديم كله على أساس نظرة متكاملة، والبحث عن الموضوعات ذاتها، وكيف أن أبنيتها تعبِّر عن بناء نفسي قديم، ثم إعادة بناء هذه الموضوعات ذاتها على أساسٍ من أبنيتها النفسية المعاصرة.
وفي نفس الوقت الذي يكون فيه الشرح مجرد شرح داخلي يُصيب الإنسان بالإغماء والدوار ويبعث في النفس الخواء؛ إذ لا يزيد الشارح شيئًا إلا العبارات الشارحة التي لا تُفيد جديدًا — يأتي التلخيص كتقييم للمصنف السابق وكمبرز لثمينه دون غثه، ومصلح لحججه وبراهينه، ويكون له دور إيجابي في أحكام العلم إن لم يكن من حيث البناء، فعلى الأقل من حيث الحجج،٨ ومع ذلك فالشروح والحواشي على المتون أكثر بكثير من التلخيصات، فالشرح أو الحاشية مجرد جمع مادة، وإضافة تاريخ في حين أن التلخيص تركيز على الجوهر، وإخراج للُّب من الشروح والحواشي؛ فهو يمثِّل جهدًا أكبر، ويدل على فكر ما زال قادرًا على استخلاص اللباب؛ لذلك كان التلخيص أقلَّ بكثيرٍ من الشروح والحواشي من حيث الكم، هذا بالإضافة إلى أن الحضارات في لحظات الشكوك أو الخطر تجمع وتستوعب أكثر مما تلفظ وتستبعد، فمهمة المفكِّر الحفاظ على كل شيء ولو لفظًا أو عبارةً في حين أن الملخِّص يحتفظ بالجوهر، ويحمل معه «ما خف حمله وغلا ثمنه»، وكلاهما طريقان لدَرْء الأخطار والمحافظة على التراث في لحظة التدوين.

والمصنفات الكلامية ليست فقط مراجع للدراسة، بل هي ذاتها موضوع للدراسة؛ لأنها تكوِّن التراث، وهو موضوع الدراسة الأوَّل. ليس الأمر فقط مجرد أخذ مادة منها لموضوع معين، بل تحليل هذه المادة ذاتها إلى موضوعات، كل عبارة فيها لها دلالة حتى العنوان والمقدمات والتسليمات والصلوات والتحميدات والبسملات والنهايات والدعوات والإشارات إلى «مصر المحروسة» أو إلى «مصر المحمية»، فهي تعبِّر عن عقلية القدماء ومستواهم الثقافي. المؤلَّفات الكلامية ما هي إلا مادة تكشف عن البناء الشعوري الذي صدرت هذه المادة عنه، وهو المطلوب الكشف عنه، وإعادة بنائه. المادة ليست هي الظاهرة، بل الظاهرة تكمن فيما وراء المادة أو فيما تحت المادة أو فيما هو أدخل في المادة، وهو البناء الشعوري الذي خرجت هذه المادة منه، ويحتاج إدراكه إلى الذهاب إلى ما وراء الألفاظ، والإحساس بالمضمون الحق وراء الفصول والأبواب؛ وذلك باشتراك الباحث في نفس التجارب، ولو أنها من نوع مخالف، تعبِّر عن موقف حضاري متقدِّم؛ ومِنْ ثَمَّ لزم على الباحث أن يكون مجدِّدًا، خالقًا، واضعًا للعلم، وليس مجرد ناقل أو عارض أو شارح له. إذا اتحدت التجارب بين القديم والجديد، تم إدراك البناء القديم بالحدس والتجربة المباشرة، وكأن الباحث يتحدَّث عن نفسه، ويحلِّل شعوره الخاص، وهو لم يكتمل بعد، في إحدى لحظاته التاريخية الماضية.

ولا يهمنا في طريقة الإشارة إلى المصنفات إرجاع كل فكرة إلى مصدرها، بل أخذ الفكرة ذاتها من المرجع ثم إكمالها من مرجع آخر، وأخذ الزيادة من مصنف وإكمال ما بها من نقص من مصنف آخر، ثم وضع المصنفات كلها معًا، كل منها يشير إلى جانب من الفكرة، الأفكار موضوعات مستقلة عن قائليها، وعن مصنفاتها، ولكننا راعينا الترتيب الزمني قدر الإمكان لرؤية تكوين الفكرة نشأةً وتطورًا، وإلا فالترتيب الموضوعي المستقل عن الترتيب الزماني والذي يتحوَّل التاريخ فيه إلى مضمون لملء صورة.٩ موضوع التحليل هو الموضوع كفكرة وليست أفكار المؤلفين، والفكرة مستقلة عن مؤلفها، بل ولا يهمنا من هو صاحبها أو أول القائلين بها بقدر ما تهمنا الفكرة. لا يهمنا إن كان قائلها هو هذا أو ذاك، بل تهمُّنا الفكرة ذاتها، المهم هو القضاء على «تشخيص الأفكار» الذي نشأ من تخلُّفنا مثل تشخيص النبوة في الأنبياء، والذي نشأ أيضًا بفعل الاستشراق الغربي، عندما ارتبط المذهب في الغرب بشخص المعلن عنه بعد القضاء على استقلال الفكر والموضوعات في العصور الحديثة.١٠ وقد اتبع تراثنا القديم هذا الأسلوب، فلم يهتم لمن تكون «أثولوجيا» أرسططاليس، لأرسطو أم لأفلوطين، هذه المشكلة التي من أجلها حُكم على التراث القديم بالخلط والتشويش، ولا يهمنا لمن تكون الأفكار لأفلاطون أم لأرسطو؛ فالأشخاص إن هي إلا حوامل للفكر وليست خالقة للفكر، ولا يهمنا حتى إن كانت الأفكار منتحلة أم تاريخية، فالفكر له بناؤه المستقل عن التاريخ، وإن كان يظهر في التاريخ كحركة ومسار وقانون؛ ومِنْ ثَمَّ، فإن أي نقد لهذا المصنف يستعمل المنهج التاريخي لن يهدف إلى قلبه، بل ولن يلمس حتى أطرافه، وإن أي نقد حتى ولو صدق تاريخيًّا، فإنه لن يزيد التحليل إلا عمقًا أو إضافةً لمادة جديدة تثبت صدق التحليل.
ولا يهمنا تضارب المقالات، ونسبة فكرتين متعارضتين إلى شخص واحد أو ذكر فكرة واحدة لشخصين مختلفين، سواء حدث في مؤلف واحد أو في مؤلفين أو أكثر. ليس الغرض هو التحقُّق التاريخي من صحة إحدى الروايتين، بل المهم هو تحليل المقالتين فكريًّا، وبيان نشأتهما في الشعور، وفي الظروف النفسية والاجتماعية التي حدَّدت لحظة النشأة. ليست هناك قضية نسبة مقالة خاطئة لغير صاحبها، بل المهم هو تحليل المقالات ذاتها بصرف النظر عن أصحابها، وقد فعل الحكماء ذلك أيضًا عندما حلَّلوا نظرية الفيض، ولم يهتموا بصاحبها أفلوطين أم أرسطو؛ ففي كثير من الأحيان تكون الروايات غير صحيحة، وغير مطابقة للواقع، ولكن ذلك عمل مستقل يقوم به المؤرخ للتحقق من صدق الرواية، ولكن فيما يتعلق بالباحث، فإنه يحلل المادة في الشعور بصرف النظر عن قائلها، الأشخاص يعرضون موضوعات ولا يضعون فكرًا، هم مجرد وسائل تظهر الحضارة من خلالها دون أن يكون لهم الفكر خلقًا وإبداعًا، فسواء كان المعبِّر عن الفكرة هذا أم ذاك، فإن الفكرة هي موضوع البحث، والحضارة ليست تاريخ أشخاص بل مجموعة أفكار يهمُّنا تحليلها ومعرفة دلالتها بالنسبة للفكر وأثرها في الواقع، وفي علم الكلام خاصة، يستحيل وضع فرقة معينة في نظرية معينة أو شخص محدد تحت رأي محدد؛ لأنه لا توجد فرقة واحدة متجانسة، كل فرقة تضم عشرات الفرق الصغيرة، ولكلٍّ منها رأي مستقل وأحيانًا رأي مضاد، كما أن الشخص الواحد قد تكون له عدة آراء مختلفة حسب كل مسألة، قد يكون في التوحيد معتزليًّا، وفي العدل أشعريًّا، وفي الإمامة شيعيًّا، هناك مثلًا أهل التوحيد والعدل، وأهل التوحيد والإمامة، ولا توجد فرقة إلا ولها نقيض، ولا توجد فرقة لها نقيض إلا ولهما فرقة ثالثة تحاول التوسُّط بينهما، وكذلك الحال في الآراء والمذاهب؛ وبالتالي فإن معرفة «من قال ماذا» من أصعب الأمور تاريخيًّا في علم الكلام، خاصةً وأن العلماء لم يكتبوا بأنفسهم، بل رُوي عنهم من أصدقائهم وأعدائهم على السواء، ويضيع الجهد في تصحيح نسبة المقالات أكثر من ضياعه في تحليل الأفكار.١١
وليست مهمتنا نقد العلماء وبيان عوراتهم وتناقضاتهم، فما أسهل ذاك! ليست المعركة معهم، بل مع بناء فكري قديم نشأ في ظروف تاريخية قديمة ويُعاد بناؤه من جديد طبقًا لظروف تاريخية جديدة، المعركة مع البناء الحي الذي ما زال يؤثِّر فينا لا مع البنَّائين الذين واراهم التراب، ومَن منَّا ليس له أخطاء أو عورات؟ ومن مِنَّا لم يقع في تناقضات؟ المهم هو إعادة بناء القديم، واستقامة المعوج، بل إن فكرة الخطأ من الناحية الحضارية لا وجود لها، كل مفكر ما هو إلا معبِّر عن موقفه الحضاري، والمواقف الحضارية تتغير بفعل التاريخ، ويكون الخطأ فقط هو أخذ موقف حضاري مخالف للحظة التاريخية التي يوجد فيها المفكر؛ أي أن يعبِّر عن موقف حضاري سابق (الحركة السلفية)، أو عن موقف حضاري قادم (الحركة العلمانية)، الصواب في التاريخ هو التعبير عن الموقف الحضاري الحالي (التراث والتجديد أو اليسار الإسلامي)، يكون الخطأ هنا بمعنى الجمود، والتأخُّر، وتخلف الفكر عن الواقع، ويكون الصواب هي الحركة، والتقدم، ومواكبة الفكر للواقع، أمَّا الخطأ بمعنى غياب الاتساق الداخلي فهو خطأ صوري خالص، لا يهمنا في شيء، لسنا أمام مقدِّمات نستنتج منها نتائج، بل أمام واقع حي نحاول المساهمة في تطويره، وفي القضاء على معوقات تقدمه، مهمتنا عملية لا نظرية، وغايتنا اجتماعية لا صورية، ومنطقنا منطق التغيير لا منطق الاتساع؛ أي مطابقة بناء الفكر مع حركة الواقع وليس مجرد مطابقة الفكر الصوري مع الواقع الأبدي، بل إن تغيير الواقع هو أقصى محاولات تحقيق اتساق الفكر مع الواقع، وإلغاء المسافة بين نظام العالَم ونظام الوحي الذي هو نظام الطبيعة وهي تنحو نحو الكمال، نحو التحقق والغاية، بل إن الغاية ليس حل المسائل الكلامية، بل إرجاعها واحدة تلو الأخرى إلى ظروفها النفسية والاجتماعية الأولى التي نشأت منها، ثم ردها إلى الأسس النفسية والاجتماعية الحالية لمعرفة مدى فاعليتها سلبًا أم إيجابًا، ثم اختيار أحد الحلول من البدائل القديمة المطروحة والتي يفرضها بناء الشعور المعاصر طبقًا لحاجات الجيل ومطالبه، فلا توجد هناك حلول نظرية صائبة وأخرى خاطئة، بل توجد حلول فعَّالة ومؤثِّرة تهدف لصالح فئة أو لصالح مجموع الأمة، تحقق مطلب السلطة في الشرعية والطاعة أو مطلب المعارضة في الرفض والثورة.١٢
ولم نقتفِ أثر رسالة أو كتاب، شرحًا أو تلخيصًا، بل اتبعنا بناء العلم ذاته، تكملة من جميع المذاهب والفِرَق، ولم ننتسب إلى فرقة دون أخرى أو مذهب دون آخر، بل حاولنا تحليل جميع المذاهب والفرق تحليلًا علميًّا موضوعيًّا، لا هدف لنا إلا نشأة الأفكار وآثارها في السلوك والتوجيه، مع أن وجداننا معتزلي، وهدفنا تطوير الاتجاه الاعتزالي خطوة نحو عقل الثورة من أجل إقامة «لاهوت» شامل للثورة، وقد احتفظ التاريخ لنا بمؤلَّفات الأشاعرة أكثر من مؤلفات المعتزلة، كان المعتزلة قليلي الكتابة، وأهل مناظرة ورأي، كانوا أقرب إلى قادة الفكر، ومؤسسي الحركات، مما لا يسمح لهم ذلك الموقف بالتأليف كما كانوا أهل معارضة علنية من الداخل، ومواقف مشهودة، وقيادة أمة، وإنارة فكر، وهذا أيضًا قد يمنع من التأليف على عكس تراث السلطة وتجنيد النُّظَّار، وحشد الأقلام وتفرغ المنظِّرين له،١٣ هذا بالإضافة إلى قصر عمر المعتزلة بعد أن أنهتْهم المحنة، فضاعت كتبهم واندثرت، وبعد أن سادت الأشعرية وراجت كتبهم، خاصةً وأنهم كانوا يمثِّلون التراث والسلطة في آن واحد، وكانت العقيدة الرسمية السائدة منذ محنة المعتزلة حتى اليوم، كما أن تعبير الأشاعرة عن إيمان العوام والعقائد الشعبية والفكر الشائع جعلهم أقرب إلى الاستمرار والدوام في مقابل تعبير المعتزلة عن مواقف فكرية تستلزم وعيًا وبصيرةً لا تتوافر في كل عصر ولا توجد عند كل الناس، وقد استمر «علم الأشعرية» بعد اكتمال العلم في الشروح والملخَّصات تعبيرًا عن الواقع المستتب، وسكون الفكر، والركود الحضاري العام.١٤ لم نستعمل مؤلفات شيعية لأن الفكر الشيعي ليس موجهًا لسلوك الجماهير، وليس مخزونًا فكريًّا عندها بالرغم من حب آل البيت، وتقديس ولاة الله الصالحين في الدين الشعبي. كان يجوز الاعتماد على مصنفات شيعية لو كان المؤلف إيرانيًّا أو لو كان الفكر الشيعي سائدًا وموجهًا سلبًا أم إيجابًا، ولا يعني هذا الانقطاع عن الفكر الشيعي والانعزال عنه؛ وذلك لأنه نمط مثالي يوجد في كل عصر، ويظهر في كل حضارة، ويتكرَّر في كل زمان ومكان، ربما لو شئنا إقامة حوار بين الفكر الشيعي والفكر السني الآن لجاز تناول الفكر الشيعي، ولكن مهمتنا ليست إجراء مثل هذا الحوار الذي يفصمه التاريخ وتمنعه الأحقاد والضغائن المتوارثة، بل الرجوع إلى وحدة الفكر الأولى وربطه بواقع المسلمين الحالي، فالوحدة تأتي من الفكر ومن الواقع، وليست من توحيد العقائد التاريخية أو إجراء حوار بينها لا يتعدَّى بعض المتخصصين المتفيهقين، ولا يتجاوز اهتمام الساسة وأهل المراسيم.
ولم نشأ التركيز على صلة الكلام بالعلوم الأخرى، فذلك موضوع آخر.١٥ ولكننا أشرنا إليها بمقدار إشارة علم الكلام إليها إمَّا عرضًا في نقد بعض التصوُّرات الفلسفية خاصةً بقدم العالم والمادة أو بعالم الأفلاك أو بعض مدارك العلوم في التصوف فيما يتعلَّق بالإلهام أو بعض الأحكام الشرعية فيما يتعلق بالنسك. والإشارة إلى أصول الفقه أوضح لأن علم أصول الدين وعلم أصول الفقه كلاهما علم للأصول، أمَّا الإشارات إلى علم الكلام من العلوم الأخرى فذلك أدخل في هذه العلوم منها في علم الكلام، فذكر علم الكلام في علوم الحكمة يبيِّن موقف علوم الحكمة من علم الكلام وليس موقف علم الكلام من علوم الحكمة، وكذلك الإشارة إلى علم الكلام في علوم التصوف تبيِّن موقف علوم التصوف من علم الكلام أكثر مما تبيِّن موقف علم الكلام من علوم التصوف، هذه المادة الكلامية لا تدخل في بناء علم الكلام، بل تدخل في أبنية العلوم الأخرى.١٦
ولم نشأ الاعتماد على منهج النص، وذكر كل النصوص الدينية التي تعتمد عليها هذه الفرقة أو تلك، فبالرغم من أن هذه النصوص أصل للفرقة ولنشأة الاتجاه إلا أنها أصل واحد، وهو الأصل الفكري أو العقائدي، وهناك أصل ثانٍ وهو الدوافع النفسية والمصالح الشخصية والظروف الاجتماعية التي امتلأت النصوص بها ففسَّرتها وأوَّلتها، النصوص مجرد قوالب يمكن ملؤها حسب مقتضيات كل موقف، فالموقف هو الأصل المحدد لا النص، وهو ما نريد إعادة بنائه لمعرفة الدوافع النفسية والظروف الاجتماعية التي من خلالها نشأت الفرقة وخرج المذهب، الاعتماد على النصوص وحدها هو تفسير للفكر وللواقع من خارجهما، وكأن الأفكار والوقائع توجد فقط بوجود النصوص، وكأن الألفاظ لها الأولوية على المعاني والأشياء. صحيح أن النصوص نفسها أساس جميع المذاهب، ولكن لا يمكن من خلال النصوص وحدها معرفة تنوُّع هذه المذاهب وتفرُّقها وتشعُّبها، بل وتضارُبها وصراعاتها حتى الموت، هذا بالإضافة إلى أنه لا يوجد نص لا يمكن تأويله، ولا يوجد نص صريح الدلالة إلا وله نص صريح مقابل، النصوص إذن لا تفسِّر نشأة فرقة على التحديد، بل تفسِّر جميع الفرق وجميع الاتجاهات مهما بلغ تضارُبها وتشتُّتها، كما أن الاعتماد على النصوص يكسر اتساق تحليل الواقع كما يكسر اتساق الخطاب النظري، إن تحليل الواقع يعتمد على تحليل الوقائع نفسها وعلى وصف الأشياء على ما هي عليه، ولن يلغي النصُّ الواقعةَ إذا كانت موجودة كما أنه لن يوجد واقعة إن لم تكن موجودة، كما يقضي النص على استقلال الخطاب، ويجعل الفكر قائمًا على براهين خارجية عنه، وهي ظنية في حين أن الدليل أساسًا هو الدليل العقلي؛ أي الدليل اليقيني الداخلي، ولما كانت الأدلة العقلية كل منها يصدر عن الآخر، فإن الموضوع يتحدَّد ببداهة العقل، والنص لن يُغني عن الدليل العقلي إن غاب، ولا ينقض الحجة العقلية إن وجدت.١٧ والنصوص نفسها إمَّا عقل أو واقع، هي عقل لأنها قائمة على العقل، فلا يوجد شيء في النص إلا ما اعتمد على العقل أوَّلًا، العقل أساس النقل على ما هو معروف في تراث القدماء، والنص هو الواقع على ما هو معروف من «أسباب النزول»، وهي الوقائع الأولى التي جاء النص واصفًا ومشرِّعًا لها، وكذلك «الناسخ والمنسوخ» اللذان يدلَّان على تكيُّف الوحي طبقًا لتغيرات الواقع وقدرات الإنسان وإمكانيات التحقيق.١٨ الرجوع إلى العقل والاعتماد على الواقع إذن رجوع إلى مصدر النص والتقاء معه من حيث أصوله من أجل فهمه وحمايته من أي تأويل مغرض، وإن استعمال النصوص كحجَّة يقتضي إيمانًا مسبقًا بها، سواء من الباحث أو من القارئ، وذلك يقلِّل من درجة شمولية البحث وعلميته ودرجة استقبال جماهير القراء له، في حين أن تحليل العقل لا يتطلَّب أي إيمان مسبق بشيء، ولا يتطلَّب إلا العقل الصريح أو رؤية الواقع الموصوف، ولا يعني ذلك أننا نلجأ إلى استعمال الحجج العقلية التي تتشعَّب في عديد من التقسيمات حتى تخرج على مستوى الفهم، فتتحوَّل إلى جدل عقيم؛ أي إلى دلائل أصعب في الإقناع من الموضوع ذاته، وقد حوَّلنا هذه الأدلة قدر الإمكان إلى خبرات شعورية حتى يمكن أن تكون أكثر إقناعًا، وأوضح مضمونًا، وأيسر فهمًا، حوَّلنا العلم من علم جدلي إلى علم برهاني، ومن علم صوري إلى علم حي، هذه الحجج العقلية المتشعِّبة هي في الحقيقة الجوانب المختلفة للواقع معروضة عرضًا صوريًّا خالصًا، الاحتمالات الصورية في حقيقة الأمر هي إمكانيات واقعية، وإذا اقتضت الضرورة، وحتى نبيِّن مصدر الفكر ووحدته الأولى في النصوص الدينية قد نذكر بعضًا من الحجج النقلية في الهوامش السفلى وإعادة تفسيرها حتى تتفق مع الحجج العقلية ورؤية الواقع. والقدح في التفسير لا يكون قدحًا في العقل، ولو عورض التفسير بتفسير آخر فإن حجج العقل تظل باقية لأننا نحتكم إلى مقياس ثالث يشمل العقل والنقل معًا وهو الواقع الذي نعيش فيه. اليقين من العقل من حيث الاستدلال، والنقل يأخذ يقينه من العقل، والاختلاف في تفسير المنقول راجع أساسًا إلى اختلاف في فهم المعقول، ولكن الواقع هو الذي يعطي مادة اليقين التي يحلِّلها العقل في التجربة المباشرة، وسنُشير إلى الحجج النقلية ليس باعتبار تفسير صوري لها بل لتحليل أثرها عند سامعيها، ومدى تعبيرها عن متطلبات الواقع من أجل العثور على البناء النفسي الاجتماعي الذي قد تكشف عنه الحجج النقلية من أجل توجيهها نحوه بالتغيير أو استدعاء حجج نقلية أخرى تعطي هذا البناء دفعًا وقوةً وشرعيةً.
ومع ذلك فقد اعتمدنا على كثير من المادة الكلامية ووضعناها أحيانًا بين قوسين، ولا يعني ذلك أننا نستشهد بها، بل نعطي عيِّنة من مادة نحلِّلها، قد نُسقط عبارة أو عبارتين من الوسط لا تُخل بالفكرة أو تُحدث اضطرابًا في السياق، ووضعنا كل ذلك في هوامش الصفحات حتى لا ينكسر الاتساق الداخلي للفكر وبالتالي يكون الجديد في صلب الصفحة والقديم أسفلها، ووجود النصوص في الهوامش أسفل الصفحات، بالرغم من ثقلها وإرهاقها للقراء، ضروري؛ فهذا هو «التراث»، وتحليلنا لها في أعلى الصفحة هو «التجديد»؛ وبذلك يستطيع القرَّاء أن يحكموا ويقارنوا بأنفسهم بعد أن يقرءوا «التراث والتجديد» سواء في جزئه الأوَّل «من العقيدة إلى الثورة» أو في أجزائه التالية، فغالبًا ما لا تُتاح لهم فرصة الحصول على نصوص دالَّة من القديم، إمَّا لصعوبة المحل أو لضياع وسط النصوص غير الدالة، النصوص من التراث تسمح للقرَّاء، العامة منهم أو الخاصة، بالاحتكاك بالتراث وأخذ انطباعات منه بالموافقة أو المخالفة، بالقبول أو بالرفض، بالارتياح أم بالغضب، وهي المادة الشعورية التي يقوم «التجديد» بتحليلها؛ وبذلك أكون قد خفَّفت عن القرَّاء عناء البحث والتمحيص عن القديم، وأكون قد قدَّمت لهم، ما لم تتح لهم الفرص للتعرُّف عليه، وأكون قد أبرزتُ التراث وقدَّمته، ووضعته في شعور القرَّاء المعاصرين بدل انزوائه وانزوائهم؛ أي أنني أكون قد قمت بمهمة تقديم الطرفين بعضهما للبعض الآخر بعد تباعد وتجاهل ونسيان؛ والنصوص المذكورة ثلاثة أنواع: الأولى نصوص مخالفة تبعث على الغضب حتى يغضب القراء معي على القديم ويشاركونني في الهم، ويعطونني الحق، ويعذرونني، ويفهمون موقفي.١٩ والثانية نصوص موافقة، يمكن أن يثق بها القراء، تساعدهم على النقد والرد والتطور، وحتى يعلم القراء أن مواقفي لم تأت من فراغ، وليست مجرد هوى، بل لها ما يدعمها أيضًا عند القدماء، ولكنها انزوت واختفت باختفاء المعارضة واستتباب النظام، والثالثة نصوص محايدة يمكن إعادة بنائها، وتكون نموذجًا لعينات من التحليل، يُعاد صياغتها من جديد أو يُنسج على منوالها بتحليلات جديدة في المناهج أو في الموضوعات، ولكن الغالب هو النصوص المخالفة، فالغضب أهم من الرضا، والحزن أجدى من الفرح، على الأقل في لحظة الهزائم الحالية، والثورة على القديم أوجب من الإيمان به. ربما استكثرنا من النصوص، وربما تكررت لدرجة أنها قد تصبح نصف الدراسة أو على الأقل ربعها حتى تتضخَّم الدراسة وتصبح صعبة على القراء في عصر لا يود إلا السرعة ولا يتحمَّل إلا العرض السريع المقتضب.٢٠ والحقيقة أننا أردنا الدراسة شاهدًا على التراث والتجديد معًا، وصورة للماضي والحاضر في آنٍ واحد، وذلك حتى يرى القرَّاء كيف يخرج القديم من الجديد، وكيف يخرج الجديد من القديم، وحتى تكون عونًا لكل طالب علم أو قائد أمة. من أراد القديم وجده، ومن أراد الجديد وجده، ومن أراد الاثنين معًا وجدهما معًا، وقد سبَّب هذا ربما طولًا لا فائدة منه، ولكنه ضروري؛ فالدخول في أعماق التراث هي الخطوة الأولى لاكتشاف الجديد، ولا ينفع مس التراث على نحو سطحي بإشارات عابرة؛ لأنه موضوع البحث والتحليل. «التراث والتجديد» فيه غناء عن التراث الماضي لأنه يجمع ويعرض التراث كله كشاهد على التحليل وكمصدر له حتى تتم المقارنة بينه وبين الجديد حتى يكون القارئ حكَمًا ويكون قاضيًا، وقد تكون هناك عدم دقة في فهم النصوص أو خطأ في فهم التحليلات، ولكن ذلك يحدث في كل بحث، وحتى على افتراض وقوع خطأ في فهم نصف المادة وفي نصف التحليلات يبقى المنهج سليمًا، ويظل الموقف صحيحًا يكشفه النصف الآخر من الفهم والتحليل الصحيحين، قد نتخلَّى أحيانًا عن دقة التعبيرات، ونُسقط الفروق الدقيقة عن قصد لأن المقصود ليس البحث عن الدقيقات، بل عن أمهات المشاكل، كيف نشأت؟ وما دلالتها؟ هل تفيد معنى أم أنها تحصيل حاصل؟ هل تعبِّر عن وقائع أم هي تعبيرات إنشائية خالصة؟ لا تحتوي الدراسة على معلومات، فالمعلومات محفوظة في القديم بوضوح وتمام وكمال، ولكنها تحتوي على تحليلات، وإعادة وضع للمشاكل وضعًا صحيحًا، وإعادة بناء لها طبقًا لروح العصر؛ ولذلك فهي تحتاج إلى مشاركة من القارئ الذي بإمكانه إقامة هذه التحليلات بنفسه، إن وجدها صحيحة وافق واتَّفق، وإن وجدها مخالفة خالف ورفض؛ وذلك لأن هذه التحليلات تعبِّر عن حياته وعن موقفه، وعن وجوده في هذا العالم، وعن مساره في حركة التاريخ.
وقد كان القدماء على وعي بالكم، فكثيرًا ما كان الدافع على التأليف هي مؤلَّفات مطوَّلة مُسهبة، أو مختصرة مخلَّة، ثم يأتي المؤلف الجديد لتحديد الكم المتناسب بين التطويل الممل والإيجاز المخل، وفي الغالب لا يتحقَّق الغرض فالذي يريد الاختصار يطيل، والذي لا يريد التكرار يكرِّر، وقد يقصد المؤلِّف التكرار من أجل البيان، أو لأجل حياد العرض أوَّلًا ثم صدق النقد ثانيًا.٢١ ويطيل المؤلِّف إذا كانت مصنَّفاته إملاءً أو تدوينًا من تلميذ أو مريد، ومِنْ ثَمَّ يحتاج إلى تلخيص وتركيز، أو إذا كان جامعًا لمادة سابقة، فإنه يحتاج إلى تركيز لأن الجمع كثيرًا ما يتكرَّر أو إذا كان جدلًا أو تفنيدًا أو ردًّا، وذلك أنه يحتاج إلى إبراز رءوس الموضوعات التي تكوِّن البناء الرئيسي للعلم، قد تكون الإطالة بلا مبرِّر، مجرد إسهاب، وقد تكون تشويشًا على المذهب حتى تُفقده أساسه العقلي، وقد يكون الاختصار مخلًّا بالمذهب غير منصف له ودون تبرير كافٍ لأسسه العقلية، خاصةً لو كان المؤلِّف من خصومه، فإنه يبخسه حقه، ولكن معظم المؤلَّفات تركِّز على ضرورة الاختصار.٢٢ فهو أكثر قدرةً على التعبير عن القصد ومضمون الفكر، وإبراز البناء الكليِّ الشامل للعلم، وبعد ذلك يمكن ملؤه فيما بعد بأية مادة تحليلية ومن أي عصر.٢٣ للتطويل عيوب كبيرة؛ إذ إنه يمنع من الاتصال الوجداني بين القارئ والكاتب، ويفقد القارئ حماسه، كما يفقد الكتاب دلالته، وكل كتاب له هدف أو هدفان يتم التركيز عليهما من أجل التعبير عن دعوة العصر وحتى يكون للكتاب فائدة، الإطالة سيحان لهذا التركيز، وطمس لهذه الدعوة؛ ونظرًا لأهمية هذا الموضوع، العلم من حيث الكم، تعقد له مسألة خاصة في نهاية الكتاب من أجل التنبيه عليها.٢٤
ونادرًا ما تأتي المصنَّفات من أجل التطويل، وفي نفس الوقت يُضيف البعض منها زيادات؛ إمَّا لمادة قديمة أو لتحليلات من مادة العصر التي ازدهرت وأصبحت جزءًا من الثقافة العامة، وغالبًا ما يحدث ذلك في الشروح، وإلَّا فمن أين يأتي الشارح بمادة شرحه إن لم يكن من داخلها عن طريق الشرح اللغوي والعقائدي أو من خارجها عن طريق الزيادات والإضافات من مادة خارجية كلامية أو غير كلامية؟٢٥ ومع ذلك، تنحو معظم المصنَّفات نحو رفض الخطأين معًا: الاختصار المُخل والتطويل الممل، خاصةً فيما يتعلَّق بحجج الخصوم حتى تتحقَّق الأمانة في عرضها ونقلها مستوفاةً لقوة الحجج وضرورة الإقناع، ويحدِّد كل مُصنِّف منذ البداية الهدف من مصنَّفه وأسلوبه المتَّبع، وعيوب التأليف في عصره، وأوجه نقص المصنَّفات التي أمامه، من اختصار أو تطويل أو نقص في الحجة والبرهان واكتفاء بالخطابة والإقناع أو إشارةً إلى المقاصد من بعيد أو زيادة وإسهاب في السؤال والجواب، وكثرة الاستدلال أو الاعتماد على الأغاليط لترويج الرأي أو الاحتواء على تناقض داخلي في الاستدلال وترتيب المقدمات واستنتاج النتائج أو الازدحام بالمادة المكرَّرة كتحصيل حاصل أو تجميع لكل شيء دون تمحيص أو تدقيق، يأتي مصنِّف جديد ويتخلَّى عن كل هذه العيوب، ويأتي بأضدادها محاسنَ.٢٦ والحركات الإصلاحية الحديثة تنسج أيضًا على نفس المنوال، وترفض الإيجاز والتطويل، وتؤثر التركيز على وحدة الفكر وترك الاختلافات بين المذاهب، والجمع بين القديم والجديد طبقًا لحاجات العصر مع التركيز على الوضوح والبساطة في الفهم.٢٧ كما أشارت المقدمات الإيمانية إلى حجم المؤلف ونسبته من الاختصار والتطويل، والإيجاز والإطناب؛ فمنها المختصر ومنها المطوَّل، ومعظمها يحاول أن يبتغي بين ذلك سبيلًا، وبالرغم مما يبدو على مصنَّفنا هذا من طول إلَّا أنه حاول الجمع بين «التراث والتجديد»، وبيان الجذور التاريخية لأزمات العصر في التراث القديم، قراءةً للماضي في الحاضر، ورؤية للحاضر في الماضي، فلا يوجد تحليل قام به القدماء إلَّا وتمَّت الإشارة إليه، قدر الوسع والطاقة، ليظل وسطًا متناسبًا بين إيجاز كتب العقائد والأصول وإطناب كتب الحوار والجدل، وقد يكون أحد أسباب الإطالة أيضًا ضرورة وضع بعض النصوص القديمة في الهوامش حتى يشعر القرَّاء بالتجارب التي نحلِّلها، وحتى يرَوا معنا الجذور التاريخية لأزمات العصر في التراث القديم، فإذا ما عاش القرَّاء تجارب القدماء، فإنهم قادرون على مراجعة تحليلات المعاصرين لها، والتحقُّق من صدقها، وإلا فإنهم يحصلون على المعاني دون تجارب، وعلى الصورة دون مضمون؛٢٨ لذلك نرجو ألَّا يُقرأ البحث كله دفعة واحدة، بل فصلًا فصلًا، وموضوعًا موضوعًا؛ فكل فصل يضع مشكلة مستقلَّة، وكذلك كل باب يحتاج إلى مناقشة وتدبُّر، وقد تكون إحدى الفقرات أو العبارات أولى من الأخرى وأدل؛ لذلك كانت سهولة الأسلوب مطلبي في التأليف، فليس العلم هو التعقيد والتصعيب حتى يظن السامع أنه أمام عالم عويص، بل إن أسلوب العلم هو الأسلوب السهل البسيط الذي يستطيع أن يفهمه كل الناس، وهو أسلوب «التراث والتجديد». ليس العلم هو وعورة الأسلوب وصعوبة المفاهيم، وتعقيد الألفاظ، فذلك هو التعالُم. إنما العلم هو المدوَّن بأسلوب سهل بسيط، يفهمه العامة قبل الخاصة، وهو ما سمَّاه علماء البلاغة «السهل الممتنع»، هذه السهولة هي أحد دوافع الشروح والملخصات التي تحاول شرح العويص المعقَّد مع أنها أحيانًا أخرى تشرح البسيط السهل زيادةً في السهولة والإيضاح! وتوخي البساطة في الفهم التي يبغيها البعض إنما تحدث بعرض المادة الكلامية عرضًا عقليًّا خالصًا، فالبداهة هو مقياس الفكرة، وعلم أصول الدين يقوم على اليقين العقلي، وكل ما هو داخل في الظنِّيات ليس من صميم العلم، ومن مقتضيات البساطة التخلِّي عن المصطلحات العويصة كما حاولت بعض الحركات الإصلاحية الحديثة.٢٩
أمَّا روح العصر فهي التي نحتويها بين ضلوعنا، وهي تجاربنا المعاشة، وواقعنا المضني، وسلوكنا اليومي، هي أساسًا هذه المادة الحية غير المدوَّنة والتي قد نختلف في تفسيراتها، ولكننا لا نختلف في وجودها، هي المنهل الذي منه يأخذ الأدباء والشعراء والفنانون والمفكرون الاجتماعيون مادتهم، قد تستلهم في الأعمال الأدبية، والمصنَّفات الفنية، كما قد تدوَّن بطريقة تلقائية في الأمثال العامية والحكم والأساطير والمأثورات الشعبية بوجه عام. لم نشأ الاعتماد على ذلك حتى لا نضع بجوار التراث شيئًا أقل منه علميةً ودقةً وإحكامًا، ويختلف عنه مصدرًا ورافدًا، وحتى لا نقع في انتقائية الأمثلة أو اختلاف تفسيراتها، تركنا ذلك لدراسات أخرى هامشية على «التراث والتجديد» لمخاطبة الجمهور العريض من خلالها، بحيث تكون أقرب إلى تحليل روح العصر، ووصف الواقع وتنظيره تنظيرًا مباشرًا دون الرجوع إلى التحليل العلمي الصارم القديم.٣٠
ولا يوجد عصر إلا وظهر فيه مؤلف في علم أصول الدين؛ فالتأليف فيه ضروري في كل عصر، لكل عصر مشاكله ومطالبه، وعلم التوحيد إن لم يستجب لمطالب العصر فإنه يظل متخلِّفًا عن واقعه، فيذهب الواقع إلى أفكار ومذاهب أخرى أكثر عصرية، وينشأ الفصل بين الفكر وواقعه، وتنشأ مشكلة «التراث والتجديد» أو القديم والجديد، أو التقليد والخلق أو الإتباع والإبداع، أو الاستعراب والاستغراب، إلى آخر ما يُقال بلغة عصرنا. لم يتخلَّ الوحي من قبل عن اللحاق بالواقع، فكان به الناسخ والمنسوخ، والمكي والمدني، والعقيدة والشريعة، وظهر بأصول الفقه الاجتهاد كعامل للتطوير، وبقي أصول الدين متخلِّفًا عن أصول الفقه؛ وبالتالي كانت مهمة «التراث والتجديد» تطبيق الاجتهاد ونقله من علم أصول الفقه إلى علم أصول الدين، مهمة التأليف في أصول الدين إذن تحريك الهمم، وحثُّها على التفكير في العقيدة، فهو عمل فكري بالأصالة، يعمل في التجارب الشعورية حتى تحيا عقائد الناس، فتوجِّه سلوكهم توجيهًا نظريًّا بدلًا عن التوجُّه الأُحادي الطرف بالدوافع والحاجات وحدها، وترشيد سلوكهم نحو تلبية هذه الحاجات على نحو جذري ودائم، وليس عن طريق الحقن المسكنة، والحلول الوقتية والترغيب تارة والترهيب تارة أخرى.٣١ مهمة «التراث والتجديد» الشرح والتلخيص، الزيادة والنقصان، زيادة مادة لم يلتفت إليها القدماء مثل المعاني القرآنية للألفاظ الكلامية، مثل: تنزيه، تشبيه، تجسيم، آخرة، دنيا، وعد، وعيد، نقل، عقل، إمامة، خلافة، إيمان، عمل. وكذلك كل موضوعات الطبيعة من جبال وأنهار وطيور وأنعام وأشجار.٣٢ وأهم من ذلك كله الإنسان الذي ذُكر في القرآن خمسًا وستين مرة، ولم يدخل في بناء علم الكلام كموضوع مستقل.٣٣ مهمة «التراث والتجديد» نقصان مادة عن طريق اختصار كل مادة لا تعبِّر عن مطالبنا المعاصرة، مثل: مباحث الجوهر والعرض، وزيادة مادة أخرى أكثر تعبيرًا عن مطالب العصر، مثل: العقل والعمل، والطبيعة، والسياسة، والثورة، والتنمية، والتقدم، والتاريخ.٣٤ صحيح أن من عيوب «التراث والتجديد» التطويل والإكثار من التحليلات، فلا توجد فكرة قديمة إلا وقد تم تحليلها ثم عرضها على العصر، ولا توجد مشكلة عصرية إلا وكانت محكًّا للتمحيص والاختيار بين البدائل. يدخل «التراث والتجديد» إذن ضمن المؤلَّفات المطوَّلة، ويكون بذلك خليفة «المغني في أبواب التوحيد والعدل» أو «المحيط بالتكليف» ما دام أنه تطوير للتيار العقلي الطبيعي الاعتزالي مع إدخال عنصر الثورة والتحرُّر عليه، وهي مكتسبات في حياتنا المعاصرة، ونرجو من خلفائنا اختصاره وتركيزه.٣٥ وإذا كُنَّا قد درسنا في مقتبل العمر «علم أصول الفقه»، فإننا بعد حوالي عشرين عامًا من صدور «مناهج التأويل»، محاولة في علم أصول الفقه، نصدر محاولتنا الثانية «من العقيدة إلى الثورة»، محاولة في بناء علم أصول الدين.
١  أعني مؤلفات ابن تيمية، مثل: «منهاج السنة في الرد على الشريعة والقدرية» أو «موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول»؛ أو ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية».
٢  «فإني بحول الله وقوته، أريد أن أضع رسالة في التوحيد، أجمع فيها ما حصلته من دراستي لهذا الفن الذي مارست دراسته مدة ليست بالقصيرة» (التحقيق، ص١).
٣  انظر: «التراث والتجديد»، (٢) النزعة الخطابية، (أ) «التكرار أو تحصيل الحاصل»، ص١٠٩–١١١، وأيضًا رابعًا: «طرق التجديد»، ص١٢٣–١٧١، خامسًا: «موضوعات التجديد (إعادة بناء العلوم)»، ص١٧١–٢١٦.
٤  وقد اتبعنا ذلك أيضًا في رسالتنا Les Méthodes d’Exégèse.
٥  انظر: اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة.
٦  هذه بعض أمثلة من الشروح والملخَّصات مرتبة ترتيبًا زمانيًّا: «مطالع الأنوار»؛ «شرح الأصفهاني على طوالع الأنوار» للبيضاوي، «شرح التفتازاني على العقائد النسفية»؛ «حاشية التفتازاني على شرحه»؛ «حاشية الإسفراييني على شرح التفتازاني»؛ «أشرف المقاصد»؛ «شرح المقاصد للتفتازاني على مقاصده»؛ «حاشية التفتازاني على شرحه»؛ «حاشية المكناسي على شرح المقاصد للتفتازاني»؛ «شرح الدواني على العقائد العضدية»؛ «حاشية السيالكوتي على شرح الدواني»؛ «حاشية المرجاني على شرح الدواني»؛ «حاشية الخلخالي على شرح الدواني»؛ «حاشية الكلنبوي على شرح الدواني»؛ «حاشية محمد عبده على شرح الدواني»؛ «شرح الجرجاني على المواقف للإيجي»؛ «شرح ملا علي القاري على الفقه الأكبر لأبي حنيفة»؛ «تلخيص الطوسي للمحصَّل للرازي»؛ «لُباب المحصَّل» تلخيص ابن خلدون للمحصل للرازي؛ «شرح عبد السلام على جوهر اللقاني»؛ «شرح البيجوري على الجوهرة»؛ «حاشية الأمير على شرح عبد السلام»؛ «شرح العقباوي على العقيدة التوحيدية للدردير»؛ «حاشية العقباوي على شرحه»؛ «شرح الدردير على خريدته البهية»؛ «شرح الأنصاري على متن السنوسية»؛ «شرح أبي حجاب على متن السنوسية»؛ «شرح المطيعي على وسيلة العبيد للظاهري»؛ «حاشية البيجوري على كفاية العوام للفضالي»؛ «شرح النووي على عقيدة العوام للمرزوقي»؛ «شرح النووي على رسالة البيجوري»؛ «شرح البيجوري على السنوسية»؛ «حاشية الأنبابي على البيجوري» … إلخ.
٧  انظر: «التراث والتجديد» (ﺟ) التراث والتجديد وقضية توحيد العلوم، ص١٩٩–٢٠٣.
٨  «ولم تبقَ في الكتب التي يتداولونها من علم الأصول عيان، ولا جزء من تمهيد القواعد الحقيقية عين ولا أثر سوى كتاب «المحصل» الذي اسمه مطابق لمعناه، وبيانه غير موصل إلى دعواه، وهم يحسبون أنه في ذلك العلم كاف، وعن أمراض الجهل والتقليد شاف، والحق أن فيه من الغث والثمين ما لا يُحصى، والمعتمد عليه في إصابة اليقين بطائل لا يُحظى، بل يجعل طالب الحق بنظره فيه كعطشان يصل إلى السراب، وتصير المتحير في الطرق المختلفة آيسًا من الظفر بالصواب، رأيت أن أكشف القناع عن وجوه إبكار مخدراته، وأبين الخلل في مكان شبهاته، وأدل على غثه وسمينه، وأبيِّن ما يجب أن يبحث عنه من شكه ويقينه، وإن كان قد اجتهد قوم من الأفاضل في إيضاحه وشرحه، وقوم في نقض قواعده وجرحه. ولم يَجرِ أكثرهم على قاعدة الإنصاف، ولم تخلُ بياناتهم عن الميل والاعتساف» (التلخيص، ص٣). انظر أيضًا: (لُباب المحصل، ص١–٣). والشرح الذي لا يفيد جديدًا مثل شرح المواقف للجرجاني، وشرح المقاصد للمكناسي، فلا يزيد أن في مقدمتيهما شيئًا على الإعجاب والثناء والمدح والإطراء على الكتاب.
٩  انظر مقدمة هذا الفصل عن «تاريخ الفرق ونسخ العقائد»، وأيضًا الخاتمة: «من الفرقة المذهبية إلى الوحدة الوطنية».
١٠  انظر الفصل الأوَّل: تعريف العلم – (٣) موضوعه؛ وأيضًا «التراث والتجديد»، المنهج التاريخي، ص٨٢–٩٥.
١١  ويتضح ذلك في كتاب «الانتصار» للخيَّاط، في الرد على ابن الراوندي الملحد!
١٢  انظر: «التراث والتجديد»، إعادة الاختيار بين البدائل، ص١٨–٢١؛ انظر أيضًا: الخاتمة «من الفرقة المذهبية إلى الوحدة الوطنية».
١٣  مثل المسيح وسقراط قديمًا، والأفغاني حديثًا، ومع ذلك يحفظ لنا التاريخ بعض أسماء كتبهم مثل «الرد على القدرية» لعمرو بن عبيد؛ «أصناف المرجئة» لواصل بن عطاء؛ «المنزلة بين المنزلتين»؛ «معاني القرآن»؛ «الخطب في التوحيد والعدل»؛ «ما جرى بينه وبين عمرو بن عبيد»؛ «السبيل إلى معرفة الحق»؛ «الدعوة»؛ «طبقات أهل العلم والجهل»، وكل ذلك لواصل بن عطاء أيضًا.
١٤  «علم الأشعرية»، تعبير ابن رشد في الهجوم على الأشاعرة، خاصةً في شروحه على أرسطو كما هو واضح في «تفسير ما بعد الطبيعة».
١٥  هذا هو موضوع الجزء الثامن «الإنسان والتاريخ»، محاولة في بناء وصف الحضارة الإسلامية وتطوُّرها.
١٦  يظهر موقف الفلسفة من علم الكلام مثلًا في «مناهج الأدلة» لابن رشد، كما يظهر موقف التصوف في «إلجام العوام عن علم الكلام» للغزالي، وموقف الفقهاء مثلًا في «ذم الهوى» للهروي. انظر صورة باقي العلوم الإسلامية في علم أصول الفقه كنموذج لذلك في رسالتنا: Les Méthodes d’Exégèse.
١٧  انظر الفصل الثالث: نظرية العلم. وسيكون موضوعًا للجزء الثالث بأكمله من «التراث والتجديد» وهو «نظرية التفسير».
١٨  انظر: «ماذا يعني أسباب النزول؟»، وأيضًا: «ماذا يعني الناسخ والمنسوخ؟»، في «قضايا معاصرة (٤): في اليسار الديني».
١٩  مثال ذلك النصوص الأولى الواردة في المقدمة لبيان اتحاد الدعوة لله بالدعوة للسلطان.
٢٠  وقد اتبع هذا المنهج الشيخ مصطفى عبد الرازق في «التمهيد لتاريخ الفلسفة في الإسلام» مع طلابه وليس مع الجماهير العريضة، وفي وسط الصفحة وليس فقط في الهامش.
٢١  «رسمت لكم كتابنا هذا الملقب بكتاب «التنبيه»، ما فيه دليل يغني، وكفاية تقنع متدبِّرها وشرطي فيه الاختيار، وليس تكراري للبيان بمخرجي فيه إلى تطويل، فلا تنسبني فيه إلى ذلك، وإنما تكراري للبيان، وجمعي له في موضع، وتلويحي به في آخر الألفاظ ترد مختلفة، وأشياء لا وجه لتركي لها ملقاة على سبيل الحذر من التطويل» (التنبيه، ص١).
٢٢  «فحداني ما رأيت من ذلك على شرح ما التمست شرحه من أمر المقالات واختصار ذلك وترك الإطالة والإكثار» (مقالات، ج١، ص٣٣). «لا آلو جهدًا في الاختصار، وتحرير المعاني والأدلة والألفاظ» (التمهيد، ص٣٤). «وأشرنا في كل مسألة منها إلى أصولها بالتحصيل دون التطويل … وأشرنا فيها إلى نصرة الحق بدليل يكشف منه على الإيجاز من غير تطويل … فهذه أصول النظر لا يشذ منها عن مقاصد النظر شيء أتينا فيها بالمقاصد، وأضربنا عن التطويلات والتكريرات» (الشامل، ص٢٢٣). «أمَّا بعد، فقد التمس مني جمع من أفاضل العلماء وأماثل الحكماء أن أصنِّف لهم مختصرًا في علم الكلام، مشتملًا على أحكام الأصول والقواعد دون التفاريع والزوائد، فصنَّفت لهم هذا المختصر» (المحصل، ص٢). «أمليته أوان الدعة والاستراحة عن فتور المطالبة، سالكًا فيه جادة الإيجاز، من غير تعمية وإلغاز» (حاشية التفتازاني، ص٢).
٢٣  «وإذا الأصول التي تكلَّم فيها الأفاضل من المسلمين قد سُقتُها، ومنها ما قد أوضحته شرحًا، ومنها ما قد اكتفيت عن شرحه بما أعدت من ذكره، فجاز في موضعه على كماله، وفي موضع على بعضه أن يدرك ما فاته من كماله، فإلى هذا عزوت، وإليه أشرت، فلا يقولَن أحد ينظر في كتابنا هذا: إنه قد كرر فيه ما قد أتى به في موضع قد كفى ذلك عن تكراره. وإني أحب الإيجاز في الأمر كله» (التنبيه، ص١٣–١٤).
٢٤  «ودع عنك ما سُوِّدت به أوراق كثيرة من تطويلات، وترديد عبارات لا تشفي غليل طالب، ولا تسكن نَهْمة متعطش، ولن يعرف قدر هذه الكلمات الوجيزة إلا من انصرف خائبًا عن مقصده بعد مطالعة تصانيف كثيرة، فإن رجعت الآن في طلب الصحيح إلى ما قيل في حد النظر دل ذلك على أنك لم تخلص من هذا الكلام بطائل ولن ترجع منه إلى حاصل» (الاقتصاد، ص١٢). «والذي هداني على إيراد هذه الأبحاث أمران: معرفة اصطلاح القوم، وتحقيق ما ذهبوا إليه في حقيقة الأكوان تسلقًا إليها مما قالوه به من لوازمها، وأن لا تظن بكتابنا هذا إعوازه لها قصورًا، وإلا فلا تجدي في المطالب المهمة زيادة طائل، ولولا هاتان الغايتان لم نطول الكتاب، وليس من دأبي الإسهاب. وأذكر هذا القدر لدى ما عسى تعثر عليه في غير هذا الموضع فتكف لائمتك عني» (شرح المواقف، ص٣٢١-٣٢٢). والملاحظة في آخر الكتاب وليس في المقدمة؛ «وشرحتها شرحًا جمع خلاصة مباحث الفن، سلكت فيه طريق الإيجاز مع سهولة في العبارة، مقتصرًا على إيضاح العقائد وحل المواضع المشكلة» (القول، ص٢). ويمكن التعبير عن ذلك شعرًا مثل:
لطيفة صغيرة في الحجم
لكنها كبيرة في العلم
تكفيك علمًا إن ترد أن تكتفي
لأنها بزبدة الفن تفي
الخريدة، ص٨–١٠
٢٥  «هذه فوائد بل موائد، قربت بها من أراد أن يطلع على شرح العقائد، ويجمع زوائد عوائد هي أتم الزوائد، وهي التي تقود إلى تدقيق النظر وتحديد البصر نعم القائد، ولتوارد أبكار الفكر حبذا الصائد» (حاشية الإسفراييني، ص٢).
٢٦  «فإن كثيرًا من الناس كتبوا في افتراق الناس في دياناتهم ومقالاتهم كتبًا كثيرةً جدًّا؛ فبعضهم أطال وأسهب، وأكثر وهجر، واستعمل الأغاليط والشغب، فكان ذلك شاغلًا عن الفهم قاطعًا دون العلم، وبعض حذف وقصَّر واختصر وأضرب عن كثير من قوى معارضات أصحاب المقالات، فكان في ذلك غير منصِف لنفسه من أن يرضى لها بالغَبْن في الإبانة، وظالمًا لخصمه في أنه لم يعرفه حق اعتراضه، وباخسًا حق من قرأ كتابه إذ لم يغنه عن غيره» (الفصل، ج١، ص٣). «وإني قد طالعت ما وقع إليَّ من الكتب المصنفة في هذا الفن، فلم أر ما فيه شفاء لعليل أو رِواء لغليل سيَّما والهمم قاصرة والرغبات فاترة، والدواعي قليلة، والصوارف متكاثرة، فمختصراتها قاصرة عن إفادة المرام، ومطولاتها مع الإسآم، مدهشة للأفهام؛ فمنهم من كشف عن مقاصده القناع، وقنع من دلائله بالإقناع، ومنهم من سلك المسلك السعيد، لكن يلحظ المقاصد من بعيد، ومنهم من غرضه نقل المذاهب والأقوال، والتصرف في وجوه الاستدلال، وتكثير السؤال والجواب، ولا يُبالي إلام المآل، ومنهم من يلفق مغالط لترويج رأيه، ولا يدري أن النُقَّاد من ورائه، ومنهم من ينظر في مقدمة مقدمة، ويختار منها ما يؤدِّي إليه بادئ رأيه، وربما يكر بعضها على بعض بالإبطال، ويتطرق إلى المقاصد بسببه الاختلال، ومنهم من يكبر حجم الكتاب بالبسط والتكرار ليظن أنه بحر زخار، ومنهم كمن هو حاطب ليل، وجالب رَجْلٍ وخيل، يجمع ما يجده من كلام القوم ينقله نقلًا، ولا يستعمل عقلًا، ليعرف أغثٌّ ما أخذه أم سمين، وسخيفٌ ما ألغاه أم متين، فحداني الحدب على أهل الطلب، ومن له في تحقيق الحق أرب إلى أن كتبت هذا كتابًا مقتصدًا لا مطولًا مملًّا، ولا مختصرًا مخلًّا، أودعتُه لب الألباب، وميزت فيه القشر من اللُّباب، ولم آل جهدًا في تحرير المطالب، وتقرير المذاهب، وتركت الحجج تتبختر اتضاحًا، والشبه تتضاءل افتضاحًا، ونبهت في النقد والتزييف، والهدم والترصيف على نكت هي ينابيع التحقيق، وفقر تهدي إلى مظان الدقيق، وأنا أنظر من الموارد إلى المصادر، وأتأمل في المخارج قبل أن أضع قدمي في المداخل، ثم أرجع القهقرى أتأمل فيما قدمت هل فيه من قصور، وأرجع البصر كرة بعد أخرى هل أرى من فتور، حافظًا للأوضاع، رامزًا مسبقًا في مقام الرمز والإشباع، حتى جاء كما أردت، ووفق الله وسدد في إتمام ما قصدت، جاء كلامًا لا عوج فيه ولا ارتياب، ولا لجلجة ولا اضطراب، متناسبًا صدوره وروافده، متعانقًا سوابقه ولواحقه، بكرًا من أبكار الجنان، لم يطمثها من قبل إنس ولا جان» (المواقف، ص٤-٥). «فهذا شرح لطيف على مقدمتي المسماة بالخريدة البهية التي نظمتُها في العقائد التوحيدية، يوضِّح معانيها، ويشيد مبانيها، اجتنبتُ فيها الاختصار المخل، وأعرضت عن التطويل الممل، واقتصرت فيه على تحرير البراهين مع الفوائد التي يزداد بها اليقين» (شرح الخريدة، ص٣).
٢٧  «رأيت المختصرات في هذا الفن ربما لا تأتي على الغرض من إفادة التلامذة والمطولات تعلو على أفهامهم، والمتوسطات أُلِّفت لزمن غير زمانهم، فرأيت من الأليق أن أملي عليهم ما هو أمس بحالهم، فكانت آماليَّ مختلفة، تتغاير بتغايُر طبقاتهم، أقربها إلى كفاية المطالب ما أُملي على الفرقة الأولى في أسلوب لا يصعب تناوله وإن لم يُعهد تداوله تمهيد مقدمات، ويسير منها إلى المطالب، ومن غير نظر إلى صحة الدليل، وإن جاء في التعبير على خلاف ما عهد من هيئة التأليف راميًا إلى الخلاف من مكان بعيد حتى ربما لا يدركه إلا الرجل الرشيد … قد يحتاج إليه القاصر، ولا يستغني عنه المكاثر على اختصار فيه مقصود، ووقوف عند حد القول محدود، قد سلك مسلكًا في العقائد، مسلك السلف، ولم يُعب في سيرة آراء الخلف، وبعد عن الخلاف بين المذاهب بُعد ممليه عن أعاصير المشاغب، لكن وجدت فيه إيجازًا في بعض المواضع ربما لا ينفذ منه في ذهن المطالع، وإغفالًا ببعض ما تمس الحاجة إليه، وزيادة عما يجب في مختصر مثله أن يقتصر عليه، فبسطت بعض عباراته، وحرَّرت ما غمض من مقدماته، وزدت ما أغفل، وحذفت ما فضل» (الرسالة، ص٢-٣).
٢٨  تشير كثير من المقدمات إلى موضوع الاختصار والتطويل، وتكاد تجمع كلها على ضرورة الاختصار والإيجاز، (المعالم، المحصل، ص٢). «دون اختصار أو تطويل» (غاية المرام، ص٥). «هذه فوائد غزيرة، وعجالة وجيزة» (قلائد الخرائد، ص٣٧). ومع الإيجاز أحيانًا تُرفق سهولة اللفظ والعبارة (طوالع الأنوار، ص٦)، «قريبة المأخذ للأفهام، جعلتها على طريق السؤال والجواب، وتساهلت في عباراتها تسهيلًا للطلاب» (الجواهر الكلامية، ص٢). نفس المعنى في اللمع، ص١٧؛ الإنصاف، ص١٣؛ الاعتقاد، ص٤؛ الإرشاد، ص١؛ البداية، ص٢٩.
٢٩  «وهو مع وجازة لفظه يحتوي على معانٍ كثيرة الشعوب، متدانية الجانب، مسومة المبادئ والمطالع، مقومة العوالي والمقاطع» (الطوالع، ص٩). «وكلهم، إلا تَحِلَّةَ القسم، عقد كلامه تعقيدًا، يتعذَّر فهمه على كثير من أهل الفهم، وحلَّق على المعاني من بعد حتى صار يُنسي آخر كلامه أوله، وأكثر هذا منهم ستائر دون فساد معانيهم، فكان هذا منهم غير محمود في عاجله وآجله … وبالغنا في بيان اللفظ وترك التعقيد …» (الفصل، ج١، ص٣). «هذا ولما رأينا أدلة التوحيد عصامًا للتسديد، ورباطًا لأسباب التأييد، وألفينا الكتب المبسوطة المحتوية على القواعد الساطعة، والبراهين الصادقة لا تنهض لدركها همم أهل هذا الزمان، وصادفنا المعتقدات عريَّة عن قواطع البرهان رأينا أن نسلك مسلكًا يشتمل على الأدلة القطعية والقضايا العقلية، متعلِّيًا عن رتب المعتقدات، منحطًّا عن جلة المصنفات …» (الإرشاد، ص١). «فشرعت في تأليف هذا الكتاب منبِّهًا على مواضع مواقع زلل المحققين، رافعًا بأطراف أستار عورات المبطلين، كاشفًا لظلمات تهويلات الملحدين كالمعتزلة وغيرهم من طوائف الإلهيين على وجه لا يخرجه زيادة التطويل إلى الملل، ولا فرط الاختصار إلى النقص والخلل؛ تسهيلًا على طالبيه وتيسيرًا على راغبيه» (الغاية، ص٤-٥). «فحاولت أن أشرحه شرحًا يفصل مجملاته، وبين معضلاته، وينشر مطوياته، ويظهر مكوناته …» (شرح التفتازاني، ص٥-٦). «ولولا ذكره في أولها من الاصطلاحات الكلامية لكان نفعها أكبر وإقبال القراء عليها أكثر، فإن أكثر أهل هذا العصر لا يفهمون تلك الاصطلاحات، بل أصبحت عندهم من المنفرات، وقد قلت هذا للمؤلف فاعترف بصحته.» مقدمة الناشر (رشيد رضا) ص ن.
٣٠  هذه مهمة «قضايا معاصرة» التي نشهد فيها على أحداث العصر: ج١، في فكرنا المعاصر؛ ج٢، في الفكر الغربي المعاصر؛ ج٣، في الثقافة الوطنية؛ ج٤، في اليسار الديني.
٣١  «وأنه في زماننا هذا قد اتخذ ظهريًّا، وصار طلبه عند الأكثرين شيئًا فريًّا، لم يبق منه بين الناس إلا قليل ومطمح نظر من يشتغل به على الندرة قال وقيل، فوجب علينا أن نرغِّب طلبة زماننا في التدقيق ونسلك بهم في ذلك العلم مسالك التحقيق» (المواقف، ص٤).
(وبعد)، فالعلم بأصل الدين
محتَّمٌ يحتاج للتبيين
لكن من التطويل كلَّت الهِمَم
فصار فيه الاختصار ملتزم
«وفي هذا الزمان، لما انصرفت الهمم عن تحصيل الحق بالتحقيق، وزلَّت الأقدام عن سوء الطريق، بحيث لا يوجد راغب في العلوم ولا خاطب للفضيلة، وصارت الطباع وكأنها مجبولة على الجهل والرذيلة، اللهم إلا بقية يرمون فيما يرمون رمية رامٍ في ليلة ظلماء، ويخبطون فيما ينحون نحوه خبط عشواء» (التلخيص، ص٣).
٣٢  انظر بحثنا: Human Subservience of Nature. An Islamic Model, in Natural Resources in a Cultrual Perspective, The Committee for Future Oriented Research. Sweedich Council For Planning and Coordination of Research, Sotckholm. 1982.
٣٣  انظر دراستنا: «لماذا غاب مبحث الإنسان في تراثنا القديم؟» دراسات إسلامية.
٣٤  انظر مقالتينا: «نحن والتنوير»، «من التقاليد إلى التحرُّر»، في «قضايا معاصرة (٣): في الثقافة الوطنية».
٣٥  هذه الخاتمة بمثابة قائمة تفصيلية بالمراجع مع شرحها ووصفها، وقد تعلمنا ذلك من أستاذنا المرحوم الدكتور علي سامي النشار الذي ندين له بتعلُّم ذلك منه كما فعل في «مناهج البحث عند مفكري الإسلام ونقد المسلمين للمنطق الأرسططاليسي»، وقد قمنا بذلك من قبل في رسالتنا: Les Méthodes d’Exégèse.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠