أولًا: نشأة نظرية العلم وتطورها

(١) مصطلح «نظرية العلم»

يُشير مصطلح «نظرية العلم» إلى المقدمات النظرية التي غالبًا ما تكون في مصنفات علم أصول الدين التي تعرض لموضوعات العلم دون الفِرَق.١ ولكنها قد تظهر أيضًا في تلك المصنفات التي تجمع بين موضوعات العلم وتاريخ الفِرَق؛ هي ليست إذن مقصورة على المؤلفات النظرية وحدها، بل قد تكون مقدمة نظرية لتاريخ الفِرَق التي تُعرَض الموضوعات من خلالها.٢ ويمكن القول إنه في المؤلفات المبكرة عندما كان العلم أقرب إلى تاريخ الفِرَق منه إلى البناء المستقل لنسق العقائد تظهر نظرية العلم كمقدمة لتاريخ الفِرَق، وكأن تاريخ العلم لا يمكن تناوله إلا بعد مقدمةٍ نظرية عن العلم نفسه، وفي المؤلفات المتأخرة عندما يختفي تاريخ الفِرَق تمامًا، ويظهر بناء العلم مستقلًّا عن التاريخ، تظهر نظرية العلم أيضًا باعتبارها مقدمة للعلم ذاته من حيث هو بناء.٣ نظرية العلم إذن هي المقدمة الضرورية لعلم أصول الدين، سواء من حيث هو تاريخ أو من حيث هو بناء. ويبدو أنه نظرًا لأهمية هذه النظرية، فإن بعض المؤلفات التي تجمع بين التاريخ والبناء تبدأ بنظرية العلم، وتنتهي بنظرية العلم، ويكون العلم ذاته تطبيقًا لهذه النظرية الخالصة في تأسيس العلم.٤
ومصطلح «نظرية العلم» يعبر عن هذه المقدمات النظرية التي لم تستقر على مصطلح لها إلا في المصنفات المتأخرة.٥ ففي المؤلَّفات المتقدِّمة نجد حديثًا عن العلم أو التكليف، كما نجد كلامًا في العلم والنظر والمعارف وتكافؤ الأدلة، ونجد أيضًا تحليلًا لمناهج الأدلة وبيانًا للحقائق والعلوم. ولكن تحوَّلت هذه الموضوعات في المؤلفات المتأخرة إلى أبوابٍ مستقرة تحت اسم «أحكام النظر» أو «المبادئ» أو «المقدمات»، وأصبحت المدخل النظري للعلم إجابة على سؤال: «كيف أعرف؟» أو «كيف أعلم؟». وهي الأبواب التي سميناها «نظرية العلم». العلم مصطلح من القدماء، ونظرية مصطلح من المحدثين والقدماء على السواء؛ فقد تحدَّث القدماء عن العلوم النظرية، كما تحدث المحدثون عن «نظرية في كذا». ولما كُنَّا نحاول أن نصوغ هذه المقدمات باعتبارها مدخلًا نظريًّا لعلم أصول الدين فقد سميناها «نظرية العلم».

(٢) غياب نظرية العلم

في المؤلفات المتقدمة قد لا تظهر نظرية العلم وكأن علم أصول الدين قد بدأ أوَّلًا دون مقدماتٍ نظرية، بل كان مجرد عرض لقواعد الإيمان ومبادئ العقيدة. لم تكن الحاجة قد نشأت بعدُ إلى ضرورة عرض العلم عرضًا نظريًّا دون افتراض إيمانٍ مسبق بالعقائد أو حتى بالوحي.٦ فقد قام الإيمان مقام العلم أوَّلًا. فإذا ما ظهرت نظرية العلم فإن ظهورها يكون تطورًا طبيعيًّا للإيمان وتحويلًا إلى مستوى النظر. الإيمان في الحقيقة هو نظرية العلم، ونظرية العلم هي التطور الطبيعي للإيمان. فلما ظهر «المعارض» العقلي في الحضارات الأخرى، موجَّهًا ضد العقيدة الجديدة، الفاتحة أرضًا، والمنتصرة جندًا، والمقوِّضة عروشًا، والهازمة جيوشًا؛ اضطر علم أصول الدين إلى اللجوء إلى المستوى النظري في التحليل للرد على المعارض ودرء الأخطار النظرية ورد الهجوم بالمثل؛ فتحول الإيمان التقليدي إلى نظرية في العلم، ودخلت مسائل النظر والعلم والمعرفة والدلالة كأساسٍ مشترك بين العلم الجديد الناشئ وبين علوم الحضارات الغازية؛ إذ لا تقل أهمية المنهج عن أهمية الموضوع. كان الحوار بين الحضارات هو التطور الطبيعي للذات الحضارية الجديدة البازغة. لم ينغلق علم الأصول على ذاته، واستبقى الإيمان، بل انفتح على الحضارات الغازية، وتعامل معها بأسلوبها وبلُغتها، واستعمل مناهجها وطرق استدلالها. وعلى هذا النحو تأسست نظرية العلم تأسيسًا حضاريًّا.٧
وعندما تغيب نظرية العلم، يبدأ العلم بنظرية الوجود مباشرةً؛ أي بتحليل العلم، وهو ما عُرف فيما بعدُ باسم دليل الحدوث، وكأن موضوع المعرفة سابق على الذات العارفة، ويمكن معرفته مباشرةً دون ما حاجةٍ مسبقة إلى معرفة وسائل المعرفة أو مناهجها. تلجأ الذات مباشرةً دون ما حاجة مسبقة إلى معرفة وسائل المعرفة أو مناهجها. تلجأ الذات مباشرة إلى العالم، موضوع المعرفة دون أن تتساءل كيف تعرف أو كيف تعلم، وقبل أن نجيب على سؤال ماذا تعرف أو ماذا تعلم؟ والحقيقة أن افتراض العلم مسبقًا دون رؤيةٍ منهجية له مخاطر غير محسوبة العواقب، قد تكون من أسباب خلطنا المعاصر، وتخبيطنا في الواقع دون رؤية أو بصيرة، وكأننا نعيش في عالم الأشياء المصمتة بلا ترشيد أو تعقيل أو تنظير، في عالم لا يحكمه الفكر. فالواقع لا يتحدَّث عن نفسه، والوجود ليس علمًا. ولا يُقال إن لذلك الغياب، غياب نظرية العلم، والبدء بالوجود مباشرةً دلالة أعمق في جعل الوجود هو المعرفة. والبداية بالوجود هي في حد ذاتها نظرية في المعرفة، وكأن الوجود في العالم هو وجود تنشأ منه المعرفة، والمعرفة تالية على الوجود وليست سابقة عليه.٨ لا يُقال ذلك لأن مجتمعاتنا الحالية تحتاج أوَّلًا إلى تأسيس النظر، وإعمال العقل، واكتشاف الواقع من حيث هو فكر؛ فمأساتنا هو حضور الأسطورة مكان العلم، والخرافة بدل العقل، والوهم كبديل للنظر، ونحن لم نتعب من عمل العقل بعدُ ولم نملَّ منه ولم نرَ مخاسره ولا مثالبه، فكيف نرفض ما لا نملك؟ وكيف نهدم ما نريد بناءه؟٩ إن العيش في الواقع مباشرةً يتم عن طريق العمل والجهد، وهو ما نحن فيه بجهادنا من أجل لقمة العيش، ومحاولتنا للتغلب على الضنك، وصراعنا من أجل البقاء. ويكون ذلك أيضًا في حالة الاسترخاء التام أو السعادة القصوى أو اللذة اللحظية بعد عناء الجهد ومشاقِّ العمل، وتأدية الرسالة.١٠ إنما المهم هو التنظير والفهم، وإدراك مسار الأمور حتى يكون صراعنا مجديًا، قائمًا على أساس وليس أهوج فرديًّا انفعاليًّا، مجرد تعبير عن صرخة الحياة والرغبة في البقاء. ولا يُقال إن الاختصار هو المسئول عن غياب نظرية العلم، فالاختصار لا يصل إلى حد القضاء على الأساس المعرفي للوجود وعلى تحليل العقل للواقع وعلى تأسيس العلم.

(٣) ظهور نظرية العلم كنظرية في المعرفة

تظهر نظرية العلم في المؤلفات المتقدمة مرتبطة بالإلهيات عندما ينقسم العلم إلى علم الخالق وعلم الخلق، العلم القديم والعلم الحادث، العلم الإلهي والعلم الإنساني. وتظهر نظرية العلم منبثقة عن الإلهيات كمولودٍ جديد حتى تأخذ شكلها الكامل المستقل كنظرية في المبادئ أو الأحكام في المؤلفات المتأخرة. وبالتالي يكون كل عود إلى العلم الإلهي رجوعًا عن هذا الانبثاق الجديد وإرجاعًا للعلم إلى مرحلة ما قبل النشأة والظهور. في حين أنه يمكن تأسيس العلم الإلهي نفسه باعتباره علمًا إنسانيًّا، وذلك لأن الوحي قد نزل في زمانٍ معيَّن ومكانٍ محدَّد، ولدى شعب بعينه، فهمتْه العقول، وتمثَّلته الأذهان، وطبَّقته الإرادات، وحقَّقته الأفعال؛ وبالتالي فهو علمٌ إنساني كما حدث في علم أصول الدين وعلم أصول الفقه خاصة.١١ والعلم الإنساني بتحليلاته الصورية قادر على الحفاظ على صفات العمومية والشمول والموضوعية التي يتصف بها العلم الإلهي، ألا وهو الوحي، كما أنه قادر على صياغة علمٍ صوريٍّ خالص يقوم على المبادئ الأولى في لا زمان، وقد أصبحت الإلهيات نفسها جزءًا من نظرية العلم، ودخلت ضمن المعرفة الاستدلالية.١٢
ثم يظهر انقسام العلم الإنساني إلى ضروري واستدلالي، وفي العلم الضروري تثبت المعرفة الحسية والبداهية العقلية، وفي العلم الاستدلالي يثبت النظر، ثم يبدو النظر كأول واجبات المكلف، خاصةً عند المعتزلة الذين يجعلون النظر أول الواجبات.١٣ وأصبح الإيمان جزءًا من النظر وليس مصدرًا مستقلًّا للمعرفة. ويدخل النظر، لأهميته وباعتباره أول الواجبات ضمن نسقٍ كامل لنظرية الواجب، ويصبح أحد الواجبات أو أولها.١٤ بل يتحول الواجب العقلي إلى واجبٍ شرعي، فتظهر بذلك نظرية الوجوب أو التكليف على ثلاث جماعات: العامة، والعلماء، والسلطان، وكأن واجب المواطن، وواجب العالم، وواجب الحاكم نفس الواجب، خاصةً واجب العالم الذي عليه إرشاد المواطن والرقابة على السلطان. ليس واجب العالم التمويه على المواطن وتبرير أفعال السلطان كما يحدث في عالمنا هذا في أغلب الأحيان.١٥
ثم تكتمل نظرية العلم شيئًا فشيئًا، فتظهر مضادات العلم: الشك، والوهم، والجهل، والتقليد، والإلهام، فالعلم لا يتأسس إلا بعد رفض المعارض، وتطهير الشعور الإنساني من معوِّقات العلم، ويبدأ تفنيد نظريات الشك وإثبات الحقائق وإمكان معرفتها. هناك شيء موجود يمكن معرفته، سواء كان ماديًّا أو صوريًّا.١٦ ثم يظهر النظر باعتباره شرط العلم وتكون الصلة بينهما صلة الشارط بالمشروط، والعلة بالمعلول. وينقسم إلى صحيح وفاسد. الصحيح هو القائم على الدليل، والفاسد هو الذي لا يقوم على دليل أو الذي يقوم على دليلٍ خاطئ. النظر هو الاستعمال الصحيح؛ أي أنه هو النظر السليم، يحتوي على معيار صدقه من داخله. كما يظهر التمييز بين النظر الجلي والنظر الخفي، وبالتالي تبدو نظرية العلم على أنها أساسًا نظرية في الوضوح. ثم يظهر النظر مرتبطًا بالدواعي والخواطر، مما يدل على ارتباط العلم أساسًا بالشعور وبسكون النفس. وبالتالي أصبح حد العلم هو العلم الشعوري أو حالة العالم، مرتبطة بحياته، ومنتهية بمنيته. كما ترتبط المقاصد والدواعي بالمنفعة والضرر الناشئَين عن فعل النظر أو تركه.١٧ وأخيرًا تبدو محاولات أولى لتحديد العلم باعتباره نظريةً شاملة، يشمل النظر والعلم، ومقدمات النظر وطرقه ونتائجه، وكأن العلم يتأسس في العقل، ويقوم على الواقع، ويسكن في الشعور، وتسكن النفس إليه. ثم تظهر مادة العلم الضروري مثل المسلَّمات العقلية، وبداهات العقول؛ فتظهر نظرية العلم باعتبارها نظرية في العقل. العقل هو وسيلة العلم وآلته، والعلم نتيجته وثمرته؛ كما تظهر أيضًا الحدسيات والحسيات كجزء من المعرفة الضرورية. ويظهر التواتر أيضًا كنموذج للمعرفة الضرورية يعتمد على الرواية، ومشروط بالبداهة الحسية والعقلية. وأخيرًا تظهر الأدلة متأرجِحة بين علم أصول الدين وعلم أصول الفقه وعلوم اللغة. فالأدلة ثلاثة: العقل، والسمع، واللغة. يظهر الجانب اللغوي كما يظهر جانب الوحي، وجانب العقل في نظرية العلم. وعندما تتسع الأدلة فإنها تشمل الأدلة الشرعية الأربعة في علم أصول الفقه مع التركيز على الإجماع والقياس أكثر من التركيز على الكتاب والسنة؛ أي أن نظرية العلم تنشأ في الجماعة وتقوم على الاجتهاد.١٨

(٤) تداخل نظريتَي العلم والوجود

تظهر نظرية العلم في المؤلفات المبكرة على أنها هي المقدمات النظرية الوحيدة دون نظرية الوجود التي يُستعاض عنها بدليل الحدوث كمقدمة للإلهيات. أمَّا في المؤلفات المتأخرة فتظهر نظرية الوجود مساوية لنظرية العلم، ثم تتجاوزها وتسودها كي تبتلعها في النهاية.١٩
وأثناء نظرية العلم قد تظهر بعض مسائل نظرية الوجود، حتى إنه ليصعب التمييز بينهما في المؤلفات المبكِّرة؛ حيث يتداخل العلم في المعلوم، والوجود في الأدلة.٢٠ ففي بدايات تكوين نظرية العلم تمتد النظرية وتضم الوجود، ويصعب الفصل بينهما. ويظل التأرجح من الأولى إلى الثانية؛ مما يوحي بصعوبة التمييز بين الذات العارفة وموضوع المعرفة. ولا يعني ذلك ضرورة الفصل بينهما، فالموضوع ينكشف من خلال الذات، والذات تضم الموضوع وتحتويه كاشفةً عنه ومتحدةً به. هناك إذن حقيقةٌ واحدة، «شيء» واحد، ذات من حيث هي معرفة، وموضوع من حيث هو معروف. ومع ذلك تتحدد نظرية العلم أوَّلًا قبل أن ينكشف موضوع العلم ثانيًا، خاصةً في حضارة ناشئة تكون أوَّلًا تصورها النظري للعالم كما كان الحال عند القدماء أو لدى شعبٍ ناهض كما هو الحال في عصرنا، يحاول أن يؤسس نظرية للعلم يدرك بها واقعه. أمَّا الخلط بين الذات والموضوع، والتوحيد بين المعرفة والوجود كما يحدث أحيانًا في الحضارات في نهاية عمرها أو في لحظات الهزائم، والرغبة في النصر عن طريق الخيال، فهو إمَّا عود إلى العالم الحسي، والعيش من جديد على مستوى الطبيعة٢١ أو انغلاق الروح على ذاتها فتصبح فارغة من أي مضمون كما هو الحال في التصوف.
وقد تظهر نظرية العلم داخل نظرية الوجود عرضًا دون أن تكون مقدمة لها، وكأن بعض المسائل في نظرية الوجود فيما يتعلَّق بالاستدلال مثلًا لا تحل إلا بنظرية العلم. ينكشف العلم هنا من خلال الوجود، ويكون أحد أنماطه. وقد حدث ذلك في بعض المؤلَّفات المتأخرة حين قاربت نظرية العلم على الانتهاء وسادت نظرية الوجود.٢٢
وفي بعض الموضوعات، يصعب التمييز بين المعرفة والوجود، مثل تصنيف العلوم بين العام والخاص، كل علم يعبر عن إحدى مراتب الوجود حتى لا يتم الخلط بين العلوم أو بين مستويات الوجود. يعبر العلم الشامل عن الوجود الكلي بينما يعبر العلم الخاص عن الموجود المتعيَّن.٢٣

(٥) نظرية العلم كنظرية في المنطق

وفي المؤلفات المتأخرة، تطوَّرت نظرية العلم وأصبحت نظرية في المنطق، وبالتالي تكون نظرية العلم في آخر صورها هي نظرية في المنطق أو تكون نظرية المنطق في بدايتها نظرية في العلم. فالمنطق وريث العلم، وهو ما ظهر بوضوح في علوم الحكمة التي أصبح المنطق فيها بديلًا عن نظرية العلم وسابقًا على الطبيعيات والإلهيات، بل وآلة للعلوم كلها. وتشمل نظرية المنطق عند القدماء نظرية في الاستدلال ونظرية في الإدراك، الأولى تُعنى بصورة الفكر، والثانية تتناول مادة الفكر.٢٤ وابتداءً من القرن السادس عندما تسربت مسائل علوم الحكمة إلى علم أصول الدين تحدَّدت نظرية المنطق أساسًا كنظرية في التصورات والتصديقات، وكأن علم أصول الدين أصبح ممثلًا لعلمٍ حضاريٍّ شامل يضم علوم الحكمة، كما سيضم فيما بعدُ في مرحلة توقف الحضارة علوم التصوف.٢٥ بدأت نظرية المنطق في التخلي عن الحجج النقلية، واعتبرت هذه الحجج غير مفيدة لليقين، وأنها لا تفرد إلا الظن لاعتمادها على اللغة نقلًا وتفسيرًا. أصبحت الحجج المؤيدة هي الحجج العقلية، كما أصبحت نظرية العلم نظرية في العقل الخالص.٢٦ وفي دوائر المعارف المتأخرة، ظهرت نظرية العلم أيضًا متداخلة مع نظرية المنطق. فبعد تحديد العلم وتعريفه باعتباره نظرية في المنطق قلَّ الفصل بين العلم والوجود، وأصبح المنطق هو علم الوجود، وأصبح لدينا علمٌ صوريٌّ واحد يتحدد في المنطق باعتباره نظرية في العلم، وفي الوجود باعتباره نظرية في المنطق. وظهر ذلك أساسًا في أحكام العقل الثلاثة: الواجب والممكن والمستحيل.٢٧
وقد شملت نظرية العلم في المؤلَّفات المتأخرة تحليلًا للعقل والوجود، والعقل هنا يشمل الحس والوجدان، والوجود يضم المنطق والوجود العام. لقد حاول كثير من علماء أصول الدين من قبلُ التعرض إلى مشاكل العلم وتأسيس نظريةٍ عقلية يقوم عليها العلم. فخرجت مرةً عقلية، ومرةً أخرى وجودية، وثالثة نفسية، ورابعة جسمية، وخامسة علمية. ولكنها تمت جميعًا باسم العقل وكأنها كانت جميعًا تحليلات للعقل ولصور العقل. ظهر العقل إذن في أكثر من صورة، فهو في نفس الوقت نظرية في العلم، ونظرية في الوجود، وهو الغالب.٢٨
وأحيانًا يتجاوز تحليل العقل كونه مقدمة عامة للعلم كله إلى أن يصبح مقدمة لكل موضوعٍ كلامي؛ فالحديث مثلًا عن مراتب العلوم، والعلة والمعلول، والشرط والمشروط، والحقيقة والحال، وصفات النفس وصفات المعنى يمكن أن يدخل ضمن المقدمة العامة للعلم كما يمكن أن يدخل كأساس نظرية لمسألة الصفات.٢٩ وأحيانًا يتسع تحليل العقل حتى يطغى على الموضوعات الكلامية ذاتها، ويصبح علم أصول الدين مجرد نظرية في العلم ونظرية في الوجود، ويتحول علم «اللاهوت» إلى «أنطولوجيا» عقليةٍ خالصة، وكأن هذا التحول هو مصير كل علمٍ إنساني. فإذا تتبعنا المؤلفات الكلامية لمعرفة نسبة المقدمات النظرية إلى الموضوعات الكلامية نجد أن المؤلفات المبكرة تبدأ كتاريخ للعقائد أو كعرض لها دون مقدماتٍ نظرية تُذكر. ثم تبدأ المقدمات النظرية في الظهور تدريجيًّا حتى تكون في نسبةٍ مساوية للموضوعات الكلامية في المؤلفات المتوسطة. ثم تبدأ المقدمات النظرية في التمدد والانتشار على حساب الموضوعات الكلامية التي تبدأ في الاختفاء تدريجيًّا حتى تصبح هذه المقدمات النظرية التي تشمل على تحليل العقل هي العلم كله، وكأن «اللاهوت» لا يظهر إلا في مرحلةٍ مبكرة في بناء العلم، ولكن بعد أن يتطور العلم ويكتمل يتلاشى اللاهوت، ويظهر التحليل العقلي الأنطولوجي الخالص.٣٠ وفي آخر ما وصل إلينا من مؤلَّفاتٍ كلامية بدأت الإلهيات في الاختفاء تمامًا، وأصبحت تُسَمَّى «العقليات» أو الواجب، وهو الوجوب العقلي، ولم يتبقَّ من علم أصول الدين القديم إلا السمعيات.٣١ ولولا توقف العلم في القرون الأخيرة لتطور ولابتلعت المقدمات النظرية — نظريتا العلم والوجود — الموضوعات الكلامية كلها، وتحوَّل علم أصول الدين إلى علمٍ إنسانيٍّ خالص.
والسؤال الآن: لماذا سادت علومُ الحكمة أوَّلًا، ثم علوم التصوف وعلوم الفقه ثانيًا؛ علمَ أصول الدين المتأخر؟ هل تم ذلك لتوحيد العلوم الإسلامية في علمٍ حضاريٍّ واحد يجمع بين التنزيل والتأويل، بين النظر والذوق، أم أنه هزيمة لعلم الكلام الأشعري الذي ساد منذ القرن الخامس حتى الآن، بما في ذلك الحركات الإصلاحية الحديثة، والذي كان بطبيعته قابلًا للتأقلم مع باقي العلوم النقلية العقلية؟ فالفلسفة إشراقية، والتصوف أشعري، والفقه يقوم على الطاعة المطلقة للإرادة الإلهية، والنظام الاجتماعي السياسي نظامٌ تسلُّطي يهمه الإبقاء على هذا التراث طالما يحث على طاعة أولي الأمر.٣٢ ومع ذلك يظل لعلم الكلام المتأخر الفضل في تأسيس نظرية العلم على أساس أن مبادئ العلم بيِّنة بذاتها دون التوحيد التام بين النظرية العقلية والموضوعات الكلامية. واعتماد علم الكلام على النظرية العقلية كاعتماد أصول الفقه على اللغة العربية اعتمادًا لا ينفي استقلال موضوع علم الكلام أو موضوع الأصول؛ ومِنْ ثَمَّ تكون مبادئ الشرعي في غير الشرعي دون أن يؤدي ذلك إلى وقوع في الدور؛ لأن مبادئ غير الشرعي بيِّنة بذاتها. النظرية العقلية هي في نفس الوقت نظرية في البداهة، وبالتالي يمكن تأسيس العلم لأن هناك نقطةً يقينيةً أولية هي البداهة العقلية، خاصةً إذا كان الشرعي نفسه يقوم عليها.٣٣

(٦) اختفاء نظرية العلم

وتبدأ نظرية العلم في الاختفاء حتى في المؤلفات المتأخرة التي يكتمل فيها العلم. ففي زحمة الموضوعات الكلامية وفي مقدمتها موضوع التنزيه، والذي يبتلع ما دونه من الموضوعات، تختفي نظرية العلم وكأنها مقدمة غير ضرورية أمام الإلهيات.٣٤ وفي عصر الشروح والملخَّصات تبدو نظرية العلم وكأنها تجميع بني نظرية المعرفة ونظرية المنطق دون أن تأتي بجديد، باستثناء عرض بعض المسائل التي ظهرت من قبلُ، ودون أية مساهمة في الكشف عن أحد جوانب البناء أو إعادة البناء كله من جديد. فنظرية العلم التي بدأت كمسائلَ متفرقة عادت أيضًا كما بدأت بضع مسائلَ متفرقة، وفقدت رابطها الداخلي وعنفوانها النظري الذي استطاعت به أن تؤسِّس الإلهيات.٣٥ ثم تحوَّل الوجوب العقلي والوجودي الذي صاغته نظرية العلم بعد اكتمالها إلى الوجوب الشرعي. وأصبح على المسلم أن يؤمن بالواجب الشرعي الذي أصبح بديلًا عن الواجب النظري. اختفى النظر، وأصبح الإيمان بالعقائد بمثابة إقامة الشعائر، كلاهما تسليم بنظر أو بعمل، وتقبل للواجب دون أي إعمال للعقل، وهو ما عُرف باسم كتب العقائد والثناء عليها، والإكثار منها ومن شروحها، وتدريسها في المعاهد الدينية والكليات الأزهرية حتى الآن، بل لقد عُرفت العقائد باسم واضعها؛ نظرًا لأنها لا تتمايز في شيء إلا باسم عارضها.٣٦ ويُستعاض عن النظر بالتقليد الذي رفضه علم أصول الدين المتقدم حتى للجمهور. وتستمر نظرية العلم في التواري حتى يتحوَّل علم أصول الدين إلى علمٍ إيمانيٍّ خالص، يحلُّ فيه الإيمان محل العلم، والتسليم محل العقل، والتقليد محل النظر.٣٧ بل إن موضوعات العلم ذاتها لم تصبح نظريةً خالصة تتأسس بالعقل، بل أصبحت قضايا نظريةً شرعيةً اعتقادية، وبالتالي فقَدَ النظر مهمة التأسيس.٣٨
وفي الحركات الإصلاحية الحديثة، لم تظهر محاولات لإعادة نظرية العلم من جديد، وصياغة المدخل النظري لعلم أصول الدين، كما كان الحال من قبلُ، بل استمرت نظرية العلم في الاختفاء، وحلَّ محلها وصف لتطور العلم في التاريخ لمعرفة ما هو أصيل منه وما هو دخيل عليه. الغاية من تحديد مسار العلم في التاريخ هي معرفة كيفية الانتقال من الوحدة إلى التشتُّت، ومن الجماعة إلى الفُرقة، حتى يمكن تجاوز الحالة الراهنة، حالة التشتت والفرقة، إلى الحالة الأولى، حالة الوحدة والجماعة؛ وبالتالي يعود علم أصول الدين إلى ما كان عليه من توجيه لسلوك الناس نحو العمل.٣٩ وتنتهي «الرسالة» أيضًا بنفس الهدف، وصف مسار الوحي في الواقع وتوجيهه له، والعودة إلى هذا التوجيه، وهنا يتحول التاريخ إلى قيمة، والنظر إلى عمل، ويعود علم التوحيد كما كان في بدايته حركة في التاريخ، يُغيِّر الواقع، ويبني المجتمعات، ويؤسِّس الدول قبل أن يتحول إلى علمٍ حضاريٍّ نظري، وكأن الإنسان لا يؤسس النظر إلا بعد أن يتوقف العمل.٤٠ وفي حركةٍ إصلاحيةٍ أخرى، تختفي المقدمات النظرية ولا يُستعاض عنها بأي بديل في وصف التاريخ، بل يتحول التوحيد إلى عملٍ مباشر، وذلك بتوجيه النصوص الدينية مباشرةً نحو الواقع وكأنها سهامٌ موجَّهة إلى الأوضاع المتردية التي تعيش فيها الجماعة. التوحيد هنا ليس هو التوحيد النظري، بل التوحيد العملي.٤١ فالحركات الإصلاحية الحديثة جعلت العمل بديلًا عن النظر، وظلت تدعو إلى ذلك حوالي أكثر من قرن ونصف، وما زالت الدعوة قائمة، يكررها كل مصلح حسن النية، وكل راغب في التغيير. ولكن السؤال هو الآتي: هل يمكن الدعوة إلى العمل دون نظرية في العمل؟ هل يمكن التغيير دون نظرية في التغيير؟ هل يمكن تحقيق التوحيد العملي دون التوحيد النظري؟ قد يكون أحد الأسباب في أن حركاتنا الإصلاحية الحديثة لم تؤتِ أُكلها بعد. إنها أرادت تحويل النظر إلى عمل دون تأسيس للنظر؛ لذلك ظل الإصلاح مجرد وعظ وإرشاد، حاثًّا الناس على العمل، والناس لا تعمل بالمواعظ بل بتغيير تصوراتها للعالم، ونظرتها إلى الكون؛ ومِنْ ثَمَّ فالعودة إلى تأسيس العلم، وتحويل التوحيد إلى نظرية هو السبيل إلى إصلاحٍ جذري، والانتقال من الإصلاح إلى ثورة تتأصل أوَّلًا في شعور الجماهير، وتمدُّهم بتصورٍ ثوري للعالم قبل أن تتحقق الثورة بالفعل.٤٢ نظرية العلم هي البناء الأيديولوجي اللازم لثورة الجماهير.٤٣

(٧) بناء نظرية العلم

إن أهم شيء في البناء الفكري هو البداية الأولى، بعد ذلك يتم بناء الموضوع في نسقٍ عقلي يكشف جوانب الموضوع بحيث يكون النسق العقلي وجوانب الموضوع شيئًا واحدًا، وهذا ما حدث في تراثنا القديم، وعرف باسم القسمة العقلية التي يتم بواسطتها بناء الموضوع في نسقٍ عقلي، وبالتالي يتوحد فيه المنطق بالوجود.

البداية اليقينية الأولى هو أني حي، أشعر وأعتقد، وفي شعوري واعتقادي يبدأ وجودي ككائنٍ معتقد. الاعتقاد صفة من صفات الكائن الحي، الاعتقاد هنا عام؛ العنوان الشامل للفكر والنظر والعلم وكل أفعال الشعور وأنماط اعتقاده. لذلك جعل علماء أصول الدين العلم والحياة صفتَين من صفات «الله» مع القدرة؛ لأن الحياة شرط العلم، والعلم هو الاعتقاد اليقيني.٤٤ البداية اليقينية الأولى إذن هو الاعتقاد أو التصديق، الاعتقاد لأنه لا يمكن لإنسان أن يتحدَّث إلا وقد اعتقد شيئًا، والتصديق لأن أي اعتقاد هو تصديقٌ ضمني أو حكمٌ صريح تقوم به أفعال الشعور قبل أن يتم بتحليل العقل لصورته أو مادته. الاعتقاد مجموعة من الأمور يجدها الإنسان في نفسه بالضرورة، يتوحد فيها الذات والموضوع كواجهتَين لشعورٍ واحد يعطي النسق العقلي، ويكشف عن جوانب الموضوع، ويعطي البناء الذي يصبح منطقة في الشعور يتَّحد فيها العقل والواقع معًا.٤٥
ويتحدد الاعتقاد عن طريق القسمة كالآتي: الاعتقاد إمَّا أن يكون جازمًا أو مترددًا، ولا توجد قسمةٌ ثالثة يتوقف فيها الشعور عن أخذ موقف أو إصدار حكم؛ لأن ذلك تردد أيضًا. والاعتقاد المتردد إذا تساوى فيه الطرفان كان شكًّا، وإذا غلب أحد الطرفين الآخر فأصبح الأوَّل راجحًا والثاني مرجوحًا، فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم. أمَّا الاعتقاد الجازم فإن كان غير مطابق فهو الجهل (والمطابقة هنا مع الفكر والواقع على السواء، فهناك اتساقٌ فكري وواقعي يشمل كل جوانب الموضوع)، وإن كان مطابقًا بلا سبب فهو التقليد — فالتقليد مطابقة مع القديم بلا سبب — أو عن سبب إمَّا بتصور الموضوع والمحمول معًا في لحظةٍ واحدة وهي البديهيات أو بالإحساس وهي الضروريات أو بالاستدلال وهي النظريات. المطابقة عن سبب هو العلم، والبداهة العقلية تسبق الضرورة الحسية، وكلاهما يسبق الاستدلال النظري. وبالتالي يكون تعريف العلم هو الاعتقاد الجازم المطابق عن سببٍ بديهيٍّ عقلي أو بديهيٍّ حسي أو نظريٍّ استدلالي.٤٦ استطاع القدماء إذن صياغة نظرية في العلم تقوم على قسمة المنطق إلى منطق يقين ومنطق ظن. يشير منطق اليقين إلى المعرفة اليقينية؛ العقليات، والحسيات، والتجريبيات، والحدسيات، والعقليات، والمتواترات. ويشير منطق الظن إلى المعارف الظنية: الجدل، والمغالطة، والخطابة، والشعر. ويظهر هنا الاحتواء — احتواء قسمة الحضارة المجاورة — في وضع المتواترات كجزء من منطق اليقين، وفي وضع المستورات كجزء من منطق الظن، وفي ذلك لا يختلف علم أصول الدين في احتواء قسمة المنطق القديم عن علوم الحكمة.٤٧
ويمثل هذا التقسيم الذي صاغه القدماء تقدمًا بالنسبة لعقليتنا المعاصرة. لقد استطاع القدماء التمييز بين الاعتقاد والعلم، بين الاعتقاد الجازم وغير الجازم، وبين الاعتقاد الجازم المطابق وغير المطابق. ولكننا في حياتنا المعاصرة خلطنا بين هذه التمييزات بين العلم والاعتقاد. فكثيرًا ما «نعتقد» أو «نظن» أننا نعلم بل وكثيرًا ما يسود الاعتقاد حياتنا دون العلم؛ نظرًا لغياب المطابقة مع الفكر أو مع الواقع؛ لذلك غاب التحليل العقلي من حياتنا، كما انعزلت اعتقاداتنا عن واقعنا الذي نعيش فيه. كما أننا لا نفرق بين الاعتقاد الجازم وغير الجازم؛ لأننا أقرب إلى الجزم في كل شيء، ونخشى من الشك والتردد في مواقف تحتم النظرة النقدية كما هو الحال بالنسبة للموروث أو أننا نشك أو نتردد في مواقف تحتم الجزم والحسم كما هو الحال في مواجهة السلطة، وحق الشعب في الرقابة عليها، وممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضرورة التصدي للقضايا المصرية، وعقد حوارٍ وطنيٍّ شامل حولها، قضايا تحرير الأرض، واسترداد الحريات المغتصبة، وإعادة توزيع الثروة، والوحدة والتجزئة، والتخلف والتقدم، والهوية والتغريب، وتجنيد الجماهير. كما لا نفرق بين الاعتقاد الجازم المطابق وغير المطابق؛ فكثير من اعتقاداتنا الجازمة غير مطابقة تعارض العقل والواقع والتاريخ، ونسلم بها تقليدًا. أصبحت اعتقاداتنا متخلفة عن حركة الواقع وتطور التاريخ؛ مما دعا البعض مِنَّا إلى لفظ هذه الاعتقادات كليةً من أجل اللحاق بحركة الواقع ومسار التاريخ؛ لم يكن أمامهم إلا هذا الخيار. ولا نفرق بين المطابق عن غير سبب مثل التقليد والإلهام والذي هو عن سبب وهي البديهيات العقلية والحسية والاستدلال النظري؛ فكثير من اعتقاداتنا الجازمة المطابقة تقوم على التقليد والإلهام، وتغفل البداهة العقلية والحسية والاستدلال النظري، وكثير مما نظنه بداهة عقلية أو حسية يصدر عن الذائعات وهي الشائعات أو المشهورات والمظنونات التي تروج لها أجهزة الإعلام تضليلًا للشعوب ومحوًا لرؤيتها المباشرة للواقع، وكثير مما نظنه استدلالًا نظريًّا هو في الحقيقة تبرير يقوم به العلماء المأجورون لما تريده السلطة فيبيعون علمهم في سوق السياسة، ويتبارى العلماء في الصياغة وفي المهارة، وهي تقوم كلها على المغالطات. ما زال يمثل النسق العقلي القديم بالنسبة لحالتنا الراهنة تقدُّمًا، ويظل مقياسًا لحياتنا العقلية المعاصرة.٤٨ فقد سادت في حياتنا مضادات العلم أكثر من العلم؛ أي الظن والوهم والجهل والتقليد باستثناء الشك لأن ما فينا من قطعية وجزم يمنعان ظهوره، وغاب مِنَّا النظر وطرقه.
١  وذلك مثل: الإنصاف، كتاب التوحيد، أصول الدين، الإرشاد، الاقتصاد، البداية، المحصل، المعالم، غاية المرام، العقائد النسفية، طوالع الأنوار، المواقف، المقاصد … الخ.
٢  ذلك مثل: «التمهيد» للباقلاني.
٣  ويتضح ذلك في «الفصل» لابن حزم.
٤  هذا هو موقف ابن حزم أيضًا في «الفصل» عندما يُنهي الجزء الخامس أيضًا بالكلام في المعارف، والكلام على من قال بتكافؤ الأدلة (الفصل، ج٥، ١٨٤–٢٠٦).
٥  نعني بالمؤلفات المتقدمة تلك التي ظهرت حتى القرن الخامس، وبالمؤلفات المتأخرة تلك التي ظهرت ابتداءً من القرن السادس حتى القرن الثامن.
٦  هذا هو الموقف في: الإبانة، اللمع، النهاية، لمع الأدلة، النظامية، المسائل الخمسون، الانتصار، مسائل أبي الليث.
٧  «وإنما أحتاج إلى البيان لأن كلام الأوائل كان مقصورًا على الذات والصفات والنبوات والسمعيات. فلما حدثت المبتدعة، وكثر جدالهم مع علماء الإسلام، وأوردوا شبهًا على ما قرَّره الأوائل، وألزموهم الفساد في كثير من المسائل، وخلطوا تلك الشبهة بكثير من القواعد الفلسفية؛ تصدى المتأخِّرون لدفع تلك الشُّبه فاحتاجوا إلى إدراجها في كلامهم ليسهل عليهم تمييز صحيحها من فاسدها، فصعب لهذا تناوله (الإتحاف، ص٢٥–٢٧). ولما كان إثبات العقائد، وهي مقاصد التوحيد، متوقِّفًا على ثبوت العلوم الضرورية التي إليها المنتهى، وهذا يتقدمه حتمًا معرفة معنى العلم وانقسامه إلى ضروري ونظري، وبيان معنى النظر وإفادته للعلم، أن بهذه المباحث يتوصل إلى إثبات العقائد، وإثبات المباحث التي يتوقف عليها إثبات العقائد، كان لا بد للتعرض لهذه المباحث» (التحقيق، ص٣).
٨  حدث في الوعي الأوروبي بعد أن يئس من احتمال وجود نسقٍ معرفيٍّ سابق على الوجود بعد اكتشاف زيف الأنساق الموروثة أن فضل الانحياز التام إلى الوجود مباشرةً وجعل المعرفة تالية عليه كما هو الحال في التيار التجريبي. ولم يجد التيار المثالي أمامه إلا تبرير المعطيات القديمة من جديد، وإيثار الصورية أو النزعة الفردية الباطنية الأخلاقية. وهذا هو موضوع القسم الثاني من «التراث والتجديد»، «موقفنا من التراث الغربي».
٩  انظر مقالنا: «أزمة العقل أم انتصار العقل»، «قضايا معاصرة (٢): في الفكر الغربي المعاصر».
١٠  هذا هو ما سماه الفقهاء «المباح» أو «الحلال» عندما تكون الشرعية في الوجود. انظر رسالتنا: Les Méthodes d’Exégèse.
١١  انظر بحثنا: «لماذا غاب مبحث الإنسان في تراثنا القديم». دراسات إسلامية.
وأيضًا: Theologie ou Anthropologie. La Renaissance du Monde Arabe.
وقد كانت هذه أولى محاولتنا أيضًا لتأسيس علم أصول الفقه على أساسٍ إنسانيٍّ خالص كنظرية في الشعور في رسالتنا: «مناهج التأويل».
١٢  Hermeneutics as Axiomatics. An Islamic Model. Religious Dialogue and Revolution.
١٣  لا تعني المعتزلة والأشاعرة هنا أسماء الفِرَق، بل نشير بها إلى تياراتٍ فكريةٍ خالصة؛ فالمعتزلة تشير كما هو معروف إلى التيار العقلي والأشاعرة إلى التيار الإيماني.
١٤  أول الواجبات النظر المؤدي إلى معرفة الله، شرح الأصول، ص٣٧–١٤٩، باب في جمل التكليف في بيان ما يجب أن يتفق من التكليف، وما يجوز أن يختلف فيما يلزم أوَّلًا؛ المحيط، ص١١–١٧. ص٢٣–٣٣؛ الشامل، ص١٢٠–١٢٢؛ الإنصاف، ص١٣–١٥.
١٥  في تقسيم فرائض الدين إلى ثلاثة أقسام، الإنصاف، ص٢١-٢٢.
١٦  الإرشاد، ص٣–١٢؛ المحصل، ص٢٥.
١٧  «القول فيمن اخترمته المنية أثناء النظر»، الشامل، ص١٢٢-١٢٣؛ «في أن العلوم معانٍ قائمة بالعلماء غير العلماء»، أصول الدين، ص٧-٨، وهذا هو معنى الحديث: إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا، ولكنه ينتزع العلم بانتزاع العلماء.
١٨  يذكر الباقلاني الأدلة الخمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وحجج العقول (الإنصاف، ص١٩-٢٠؛ أصول الدين، ص٢٠–٢٤).
١٩  ويتضح ذلك من تقسيم المعلوم إلى ضربَين: موجود ومعدوم، وتقسيم الموجودات إلى قسمَين قديم ومحدث، وتقسيم المحدث إلى ثلاثة أقسام: جسم وجوهر وعرض (الإنصاف، ص١٥–١٩).
٢٠  يذكر الباقلاني الأدلة الخمسة وسط نظرية الوجود (الإنصاف، ص١٩-٢٠).
٢١  هذا هو ما حدث في الوعي الأوروبي في بداية العصور الحديثة في التجريبية المادية. وذلك موضوع القسم الثاني من «التراث والتجديد»، موقفنا من التراث الغربي.
٢٢  هذا هو موقف الآمدي في «غاية المرام»؛ إذ يقول: «ومبدأ النظر ومجال الفكر ينشأ من الحوادث الموجودة بعد العدم» (ص٩)، انظر أيضًا: اعتبار المعرفة فرعًا للوجود، ص١٥-١٦. وهو أيضًا موقف الإيجي في «العقائد العضدية» (ج١، ص١٧١–٢٢٦).
٢٣  المحيط، باب في ذكر أقسام ما كلفنا به من العلوم، ص١٩–٢١. باب في ذكر ترتيب هذه العلوم، ص٢١–٢٣.
٢٤  التمهيد الرابع، في بيان مناهج الأدلة التي استنتجناها في هذا الكتاب (الاقتصاد، ص١٠–١٥). ويحيل الغزالي القارئ إلى «محك النظر» و«معيار العلم» (الاقتصاد، ص١٠).
٢٥  يتحدث الرازي في «المحصل» عن العلوم الأولية، التصورات والتصديقات: (ص٢–٢٣)، ثم عن أحكام النظر (ص٢٣–٣١). كما يتحدث في «معالم أصول الدين» في الباب الأوَّل عن المباحث المتعلِّقة بالعلم والنظر، وعن قسم العلم إلى تصور وتصديق (ص٣–٩). ويتحدث التفتازاني في «المقاصد» عن المبادئ والمقدمات، وقسمة العلم إلى تصور وتصديق (ص١١–٥٣)، ونفس الشيء في «الطوالع» (ص٧–٢٨)، وفي «الدر النضيد».
٢٦  «في الدليل وأقسامه، في أن الدليل اللفظي لا يفيد اليقين، وأن النقليات بأسرها مستندة إلى صدق الرسول» (المحصل، ص٣١-٣٢)؛ «في أن الدلائل النقلية لا تفيد اليقين لأنها مبنية على نقل اللغات» (المعالم، ص٨-٩).
٢٧  انظر الفصل الرابع: نظرية الوجود.
٢٨  وهذا هو الحال في العقائد النسفية، والعقائد العضدية، والمقاصد، والطوالع.
٢٩  وهذا هو الموقف في «الشامل» للجويني.
٣٠  يدور «المحصل» للرازي على أركانٍ أربعة: الأوَّل عن أحكام النظر؛ أي نظرية العلم، والثاني عن أحكام الموجودات؛ أي نظرية الوجود، والثالث عن الإلهيات، والرابع عن السمعيات. تشمل المقدمات النظرية على هذا النحو نصف علم الكلام. كما خصص التفتازاني في «المقاصد» لنظرية العلم المقصد الأوَّل كله بعنوان «المبادئ» بفصوله الثلاث، المقدمات، والعلم، والنظر. كما تشمل المقدمات النظرية في «العقائد النسفية» ثلث الكتاب، وفي «الطوالع» نصف الكتاب، وفي «المقاصد» ثلثي الكتاب!
٣١  هذا هو موقف التفتازاني في «المقاصد».
٣٢  انظر بحثنا «حكمة الإشراق والفينومينولوجيا» في دراسات إسلامية، وأيضًا «التراث والتجديد»، التراث والتجديد وقضية توحيد العلوم، (ص١٩٩–٢٠٣).
٣٣  المقاصد، ص٢١–٤١. التحقيق التام، ص٧-٨.
٣٤  هذا هو ما حدث في «أساس التقديس» للرازي.
٣٥  هذا هو ما حدث في «التحقيق التام» للظواهري، شرح ماهية العلم، ص٤–٢١. تقسيم العلوم، ص٢١–٢٨.
٣٦  هذا ما حدث مثلًا في «كفاية العوام»، الذي يبدأ ﺑ «اعلم أنه يجب على كل مسلم أن يعرف خمسين عقيدة» (ص١٢–١٦).
٣٧  هذا هو الموقف في «الحصون الحميدية»؛ إذ تشمل المقدمات بعد تعريف علم التوحيد وثمرته وفضله وافتراض تعلمه على كل مكلف؛ حقيقة الإيمان، وحقيقة الإسلام، وبيان ما اعتبره الشرع منافيًا للإيمان ومُبطِلًا والعياذ بالله (الحصون، ص٥-٦).
٣٨  «ومسائله القضايا النظرية الشرعية الاعتقادية» (المقاصد، ص١٦؛ شرح المقاصد، ص٢٦؛ أشرف المقاصد، ص١٦).
٣٩  هذا هو موقف محمد عبده في «رسالة التوحيد» في المقدمة بالحديث عن تاريخ علم العقائد.
٤٠  وفي ذلك يقول محمد إقبال:
قوة كان في الحياة على الأرض
فصار التوحيد علم الكلام
٤١  هذا هو موقف محمد بن عبد الوهاب في «كتاب التوحيد»، والتفرقة لابن القيم.
٤٢  انظر مقالنا: «الضباط الأحرار أم المفكرون الأحرار؟»، «قضايا معاصرة (٣): في الثقافة الوطنية».
٤٣  تتداخل مع نظرية العلم في المقدمات النظرية أحيانًا مسائل موضوع العلم وثمرته وغايته ووجوبه وأهميته وضرورته. ولكننا عرضنا لذلك من قبلُ في الفصل الأوَّل «تعريف العلم».
٤٤  انظر الفصل الخامس «الوعي الخالص» أو الذات.
٤٥  هذه تحليلاتنا الخاصة وليس فيها أي أثر من الظاهريات الأوروبية التي كتبنا فيها من قبلُ رسالتنا: L’Exégèse de la Phénoménologie.
٤٦  يقول الرازي «ومنها (صفات الحي) الاعتقادات، وهي أمور يجدها الحي من نفسه، ويدرك التفرقة بينها وبين غيرها بالضرورة. وهي إمَّا أن تكون جازمة أو مترددة. أمَّا الجازمة فإن لم تكن مطابقة فهي الجهل، وإن كانت مطابقة فإمَّا أن لا يكون عن سبب وهو اعتقاد المقلد أو عن سبب، وهو إمَّا نفس تصور طرفي الموضوع والمحمول، وهو البديهيات، أو الإحساس وهو الضروريات، أو الاستدلال وهو النظريات. وأمَّا الذي لا يكون جازمًا فإن كان التردد على السوية فهو الشك، وإن كان أحدهما راجحًا عن الآخر فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم» (المحصل، ص٦٨-٦٩). ونفس النص تقريبًا في «المعالم»؛ إذ يقولك «التصديق إمَّا أن يكون مع الجزم أو لا مع الجزم. أمَّا القسم الأوَّل فهو على أقسام: أحدها التصديق الجازم الذي لا يكون مطابقًا وهو الجهل، وثانيها التصديق الجازم المطابق لمحض التقليد وهو كاعتقاد المقلد، وثالثهما التصديق الجازم المستفاد من إحدى الحواس الخمس، والرابع التصديق الجازم المستفاد ببديهة العقل لا التصديق الجازم المستفاد من الدليل. وأمَّا القسم الثاني وهو التصديق العاري عن الجزم فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم، والمساوي هو الشك» (المعالم، ص٤). وأحيانًا تكون القسمة جزئية مثل «حقيقة المعرفة هي الجزم المطابق للحق عن دليل. وقوله الجزم احترازًا من الشك والظن والوهم فإنها لا تكفي في العقائد، بل هي كفر» (الانصاري، ص٨).
٤٧  الحضارة المجاورة قديمًا هي الحضارة اليونانية، كما أن المجاورة حديثًا هي الحضارة الغربية.
٤٨  تبدأ المقدمات التقليدية بالحديث أوَّلًا عن الاعتقاد الجازم المطابق عن سبب وهو العلم. ثم تعتني بالاعتقاد المتردد، وهو الشك أو الظن، والاعتقاد والجازم غير المطابق وهو الجهل أو المطابق لا عن سبب وهو التقليد. فهي تبدأ بتحليل الجانب الإيجابي أوَّلًا ثم السلبي ثانيًا. ونحن هنا نبدأ بالجانب السلبي أوَّلًا ثم بالجانب الإيجابي ثانيًا. فالرفض قبل القبول، والنفي يسبق الإثبات. (كتب هذا الجزء من «التراث والتجديد» حتى هنا في ١٩٧٦م، وما بعده في ١٩٨٢-١٩٨٣م. وقد حدث هذا الانقطاع لانشغالنا بالشهادة على أحداث العصر وأخذ موقف من الواقع كما هو واضح في «قضايا معاصرة (٣): في الثقافة الوطنية، (٤) في اليسار الديني».)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠