ثالثًا: أقسام العلم

(١) العلم الإنساني

كما أن تعريف العلم لا يكون إلا للعلم الإنساني، فالعلم الإلهي ليس صفةً مشخَّصة للذات، بل هو الوحي المنزل الذي أصبح علمًا إنسانيًّا بمجرد كتابته وقراءته وفهمه وتفسيره، فكذلك أقسام العلم لا تكون إلا للعلم الإنساني إلى ضروري ومكتسب أو إلى تصوُّر وتصديق، أو إلى بديهي واستدلالي. لا يُقسَّم العلم إذن إلى إلهي وإنساني، قديم وحادث، علم خالق وعلم مخلوق. فهذه قسمة دينية تقوم على التشخيص بالنسبة إلى العلم الإلهي، وعلى احتقار الذات بالنسبة إلى العلم الإنساني. كما أنها قد تقوم على التملُّق والمداهنة والنفاق فنجعل العلم الإنساني محدودًا والعلم الإلهي غير محدود، وتكون غاية الإنسان التقرب إلى الله وسؤاله العطاء المعرفي أوَّلًا ثم الشيئي ثانيًا. الأوَّل ينقسم إلى ضروري واستدلالي في حين أن الثاني لا ضرورة فيه ولا استدلال؛ لأنه يتعالى على ذلك ويجاوز هذه القسمة. ويصل حد احتقار الذات إلى وضع العلم الإنساني مع علم الحيوان! كما يصل حد التملق إلى وضع العلم الإلهي مع علم الملائكة والجن!

والحقيقة أننا لا نعلم إلا علمًا واحدًا هو العلم الإنساني. ولا ندري عن علم الحيوان إلا ما يعلمه الإنسان عن الحيوان. ولا ندري عن علم الملائكة أو علم الجن إلا ما يعلمه الإنسان عن هذه العلوم بعد إثبات وجود مثل هذه المصادر للعلم. ولا نعلم عن «علم الله» إلا ما هو موجود في كتابٍ مدوَّن بلغةٍ معروفة وبعقل يفسر ويفهم ويعقل ويتمثل ويحقق وهو الإنسان المكلَّف. لا يوجد إذن في هذه العلوم الثلاثة، لو وُجدت، إلا العلم الإنساني كطريق لها. نحن لا نعلم عن هذه العلوم الثلاثة شيئًا إلا من خلال العلم الإنساني. وقد تكون أدخل في مضادات العلم في الشك أو الظن أو الوهم أو الجهل أو التقليد منها إلى العلم؛ فهي اعتقادٌ جازم غير مطابق أو هي اعتقادٌ جازم مطابق من غير سبب. لا يمكن الحديث عن علم الملائكة أو علم الجن لأنه ليس لدينا تجارب عن هذه العلوم. وعلم الحيوان أقرب إلى لغة التخاطب منه إلى علم يقوم على التصور والتصديقات، ويعتمد على النظر والاستدلال. ولا يُقال إن هذه العلوم الثلاثة مذكورة في القرآن؛١ وذلك لأن الوحي بمجرد نزوله يصبح علمًا إنسانيًّا، ويتحول بمجرد قراءته وفهمه إلى علومٍ إنسانية مثل علوم القرآن وعلوم التفسير وعلم القراءات وعلومٍ أخرى جزئيةٍ متضمنة في علوم القرآن مثل علم أسباب النزول، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم المكي والمدني، وعلم المحكم والمتشابه … إلخ، وذلك من حيث التدوين والتفسير. أو يتحول إلى علومٍ عقليةٍ شرعية مثل علم أصول الدين، وعلم أصول الفقه، وعلوم الحكمة، وعلوم التصوف. أو يتحول إلى علومٍ عقلية خالصة مثل العلوم الرياضية والطبيعية أو إلى علومٍ إنسانيةٍ خالصة مثل علوم الجغرافيا والتاريخ واللغة والأدب.٢ العلم إذن ليس قديمًا أو حادثًا، بل هو العلم الإنساني الذي ينشأ في الشعور، يُحلِّله العقل، ويصدِّقه الواقع. هو حادث بحدوث الشعور وقديم بقدم الشعور إذا كان مختزنًا فيه واستدعته الذكريات أو إذا كان مسلمات في العقل لم ينشأ من التجربة في مقابل العلم الحادث الذي ينشأ من التجربة أو إذا كان «أنطولوجيا» خالصة تكشف عن مناطق مثالية للشعور أو أنماطٍ نموذجية فيه. العلم القديم هو الذي يعتمد على التاريخ وعلى المعلومات المتراكمة وعلى خبرات الماضي، أمَّا العلم الحادث فينشأ في العصر ويحدث في الجيل. إن افتراض أن علومنا محصورة في مقابل علومٍ «إلهية» لا يمحوها حصر؛ مزايدةٌ دينية وقولٌ مجاني لا يهدف إلا إلى الإعلان عن الذات، ولا يُعبِّر إلا عن إيمانٍ طفولي، ولا يهدف إلا إلى السيطرة على العامة وفرض الوصاية عليها، وذلك لأنه فوق كل ذي علم عليم! والعلم الإنساني في حقيقة الأمر ليس محصورًا ولا محاصَرًا؛ فالعقل قادر على إيجاد أنساقٍ شاملة يضع فيها موضوعاته، كما أن الشعور قادر على رؤية المعاني والدلالات كماهياتٍ مستقلة. والواقع نفسه عريض ومتسع وشامل، يعطي وقائع لا حصر لها كحوامل للمعاني. وأن فكرة وجود علمٍ غير محدود فكرةٌ إنسانيةٌ خالصة، لها وظيفةٌ معرفية في الاستمرار في البحث، والاستكشاف المستمر لقوانين الطبيعة، ورفض الجمود المذهبي والقول النهائي في العلم.٣

(٢) العلم بديهي ضروري أو استدلالي نظري؟

لما كان العلم «القديم» افتراضًا محضًا خارجًا عن نظرية العلم،٤ وهو أحد صفات الله التي لم تدخل بعدُ كموضوع للعلم؛ فالعلم لم يتأسس بعدُ، لم يبقَ إلا قسمة العلم الإنساني إلى علمٍ ضروريٍّ بديهيٍّ فطري، وعلمٍ استدلاليٍّ نظريٍّ مكتسب. الأوَّل علم اضطراري يجده الإنسان بنفسه، ويشعر به دون أدنى شك ودون أن يستطيع له دفعًا، يأتي الإنسانَ مهاجمًا له ولا يمكن الشك فيه. أمَّا الثاني فإنه يحتاج إلى رؤية وتدبر، ويقوم على فكر وطريقة للنظر، ويعتمد على الحجة والبرهان، يمكن الشك فيه، ثم الانتقال فيه من الشك إلى اليقين. لا يقع العلم الضروري بفعل قدرةٍ خارجية، بل يحدث من طبيعة النفس وبقدراتها الخاصة. ولا يحدث العلم الاستدلالي بقدرةٍ خارجية كذلك، بل هو كسب للإنسان بأعمال الجهد والنظر. وإذا كان الإنسان لا يحتاج في العلم الضروري إلى جهد وإعمال نظر، فإنه يحتاج في الاستدلال إلى الجهد والنظر.٥ وقد يُسَمَّى العلم الضروري العلم البديهي ويعني ما لا يقترن بنفع أو ضرر؛ أي المعرفة الخالصة، في حين أن المعرفة الضرورية قد تقترن بنفع أو ضرر، أي المعرفة الخالصة في حين أن المعرفة الضرورية قد تقترن بنفع أو ضرر لأنها المعرفة الحسية المباشرة، والوجدانية التلقائية التي قد تؤدي إلى اللذة والألم والتي قد ينتج عنها الفرح والحزن. وقد يكون البديهي أخص من الضروري؛ إذ إن البديهي أقرب إلى المعرفة العقلية الخالصة، في حين أن الضروري يشمل الضروري الحسي والعقلي معًا، المادي والصوري في آنٍ واحد.٦ وكما يكون الضروري بديهيًّا يكون الاستدلالي مُكتَسبًا. العلم الضروري فطري، والعلم الاستدلالي كسبي. وقد آثر القدماء لفظ الضروري على لفظ الفطري فليس المهم «نشأة» العلم بقدر وجوده.
ولكن إلى أي حد تكون هذه القسمة فاصلةً حادة بين العِلمين؟ ألا يوجد علمٌ ضروريٌّ فطريٌّ بديهي يكون في نفس الوقت، على الأقل في نشأته، مكتَسبًا من التاريخ وتراكم المدركات الحسية، ومحاولات الصواب والخطأ التي عبَّر بها الفرد، وتتالت على الجماعة، والتي تُحدِّد في النهاية تصورات العالم وخصائص الشعوب؟ «أنا حر» تجربةٌ ضرورية، ولكن أكتسبها كل يوم بالممارسة حتى تتحوَّل عندي إلى علمٍ ضروري.٧ والعلم الفطري ليس فرديًّا فحسب بل هو علمٌ جماعي وتاريخي يظهر في الأمثال العامية، وحكمة الشعوب، وهي فطرة الناس التي تتراكم، وتتوارثها الأجيال.٨ وإذا كان كل علم كسبي هو علمًا نظريًّا استدلاليًّا، فالكسب لا يأتي إلا بالنظر والاستدلال؛ ألا يمكن للكسب أيضًا أن يأتي من الحس والمشاهدة والتجربة والعادة؟٩ وقد يمتد السؤال إلى بناء العلم كله متوجِّهًا إلى هذه القسمة الحادَّة الفاصلة فيكون: هل يمكن أن تتحوَّل العلوم الضرورية إلى استدلالية والعلوم الاستدلالية إلى ضرورية؟ ليس السؤال: مَن الفاعل؟ هل هو فاعل خارجي «الإرادة الإلهية»؛ إذ إنها لا تثبت إلا بعد تأسيس نظرية العلم أو بفعلٍ داخلي في الشعور نتيجة النشأة والتكوين في نظرية العلم، وهو أمر ممكن إثباته؟ مما لا شك فيه أن الحد الفاصل بين العلوم الضرورية والعلوم الاستدلالية صعب المنال؛ إذ لا يمنع العلم الضروري من نظر؛ إذ تختلف الضروريات في الوضوح والخفاء؛ لذلك يمكن تصوُّر كل علمٍ ضروري علمًا استدلاليًّا، وكل علم استدلالي علمًا ضروريًّا.١٠ ولما كان العلم الضروري هو الأساسي فيمكن للعلم الاستدلالي أن ينقلب إلى ضروري دون أن ينقلب العلم الضروري إلى استدلالي بالضرورة. الحقائق المطلقة ضرورية، والحقائق الإنسانية قد تكون ضرورية أو استدلالية، وإذا كانت ضرورية تصبح حقائق مطلقة. ولكن لا يمكن أن تصبح الحقائق المطلقة استدلالية وإلا كانت حقائقَ إنسانيةً عُرضة للخطأ والصواب.١١ وهناك شواهدُ عديدة تثبت وجود علمٍ ضروري في أمور يُظَن أنها استدلالية مثل وقوع الحوادث على وتيرةٍ واحدة ووفقًا لقانون أو نظام لا يعني أنه علمٌ نظري، بل قد يكون علمًا ضروريًّا مطردًا في الطبيعة البشرية. أو مثل حدوث المعرفة الضرورية طبقًا للدواعي والمقاصد فهي أدعى إلى أن تكون ضرورية منها إلى نظرية. لا يوجد إذن حدٌّ فاصل بين المعرفة الضرورية والمعرفة الاستدلالية؛ فإن ما يعرفه البعض ضرورة قد يعرفه الآخر استدلالًا، وما يعرفه البعض استدلالًا قد يعرفه البعض الآخر ضرورة. هذا بالإضافة إلى أن العلوم الضرورية هي المبادئ اليقينية التي يقوم عليها العلم الاستدلالي؛ فهما لا يكوِّنان نوعَين من العلوم، بل هما درجتان للمعرفة وفعلان متمايزان للشعور.١٢
وقد تحوَّلت هذه القسمة للعلم إلى ضروري واستدلالي في علم الكلام المتأخِّر؛ إلى قسمةٍ منطقية نظرًا لسيادة علوم الحكمة على علم أصول الدين، ونظرًا لأن المنطق في علوم الحكمة آلة للعلوم، وبالتالي فهو يعادل نظرية العلم في علم أصول الدين. فالعلم إمَّا تصوُّر أو تصديق. التصور هو العلم الضروري البديهي، والتصديق هو العلم الاستدلالي الكسبي.١٣ التصور بديهي لأنه «مشعور» به قبل طلبه، والتعريف بالماهية تعريف للشيء بنفسه أو تعريف يستلزم تعريفًا آخر يقوم على تصور. فإمَّا أن نقع في الدَّور أو نسلم بوجود تصوراتٍ بديهية ليست في حاجة إلى تعريف. لا يُطلب التصور إذن لأنه بديهي، وإذا طلب تصور للنفس أو للروح فإنما ذلك تفسير لفظ أو طلب برهان وكلاهما تصديق. وعلى هذا النحو قد يصبح العلم الضروري هو تعريف مطلق العلم.١٤ ويظل السؤال الأوَّل قائمًا: هل يوجد تصورٌ كسبيٌّ استدلاليٌّ نظري، وهل يوجد تصديقٌ ضروريٌّ بديهيٌّ فطري؟ قد تحتاج بعض التصورات إلى نظر مثل الجزء والكل، والوجود والعدم، كما تحتاج بعض التصديقات إلى استدلالٍ مثل وجود الله. وقد لا تحتاج بعض التصديقات إلى استدلال إذا أمكن تصوُّر المقدمتين معًا والانتهاء إلى النتيجة المباشرة. هناك إذن تصوران: تصور بسيط ساذج، وتصور يتضمن تصنيفًا. كما أن هناك تصديقين: تصديقٌ بسيط ساذج، وتصديقٌ يقوم على أحكام متتالية. هناك تصورٌ بسيط وآخر مركب، وتصديقٌ بسيط وآخر مركب. والحقيقة أن التصورات والتصديقات ليست مقولاتٍ مستقلةً للعلم، بل أفعالٌ للشعور تتفاوت بين البساطة والتركيب. وقد تكون بعض التصورات السمعيات كسبية مثل «الجن» و«الملائكة». وفي هذه الحالة يجب أن تتفق مع شهادة الحس وبداهة العقل والوجدان، وبالتالي ترجع إلى الضرورية. أمَّا التصديقات البديهية فهي إدراكاتٌ حسية يمكن الاستدلال عليها مثل قوانين الفكر الأولية.١٥ قسمة العلم إذن إلى تصوُّر وتصديق قسمةٌ منطقية أي صوريةٌ خالصة تجعل العلم مجرد تصورات وأحكام مع أن التصورات نفسها تنشأ من طبيعة الذهن وهي البديهيات والأوليات، والبعض الآخر ينشأ من الحس والمشاهدة. التصور أحد مراحل بناء العلم، أمَّا الأحكام فبعضها فطريٌّ ضروري وبعضها مكتسبٌ نظري، قد تصدر بالعقل وقد تصدر بالوجدان، وقد تكون نتيجة للعادات الاجتماعية. تنشأ التصورات في مواقفَ إنسانيةٍ معينة وتتحكم في التصديقات البواعث والمصالح. لا يوجد إذن بناءٌ منطقيٌّ صوريٌّ خالص. وقد تبلغ قسمة المنطق إلى تصور وتصديق من الأهمية بحيث تصبح هي ذاتها نظرية العلم. وتصبح نظرية المنطق الجامع بين علم أصول الدين وعلوم الحكمة، ويكون التمييز بين التصور والتصديق هو الحكم المنطقي إثباتًا ونفيًا. وهنا لا يكون المنطق منطقًا بل بحثًا في المبادئ العامة في أوليات العلم،١٦ والحقيقة أن قسمة العلم إلى ضروري واستدلالي إنما ترجع في نهاية الأمر إلى شهادة الحواس ومعطيات الوجدان؛ أي إلى الرؤية المباشرة للواقع وإدراكه ابتداءً من مقاصد الوحي وقياس المسافة بين الواقع والمثال، فالرؤية المباشرة للواقع والتنظير له هي أساس العلمين الضروري والاستدلالي.

(٣) إثبات العلم الضروري

العلم الضروري هو العلم الفطري البديهي الذي يعتمد على الحسِّ والعقل والوجدان، يجده كل إنسان في نفسه دون تعلُّم أو تكسُّب، مثل الحسيَّات والبديهيات والوجدانيات، هو موجود في استعدادات الفطرة. ولا يمكن القول في هذه المرحلة من تأسيس العلم إنه من خلق «الله»؛ لأن الله لم يثبت بعدُ ولم يظهر بعدُ كموضوع في بناء العلم؛ فما زال الحديث قائمًا عن إمكانية قيام نظرية في العلم. لا يمكن إذن جعل العلم كله نظريًّا بدعوى خلو النفس من الأفكار الضرورية وحدوث العلوم كلها من خلال الكسب؛ لأن نقصان الاستعداد لا يعني غياب العلم الضروري.١٧ ولا يزول العلم الضروري بالغفلة والنوم؛ لأن الحياة واليقظة والوعي شروط للعلم. فإن لم تحدث المعرفة الضرورية عند شخصٍ ما، فإن ذلك قد يعني أن شعوره كان غافلًا، أو أنه قد فقد التوازن بين مستوياته وفقد القدرة على البيان والإيضاح، وأن عدم وجوده عند البعض لا يعني عدم وجوده مطلقًا. ولا يعني اختلاف العلماء فيما بينهم انتفاء العلم الضروري، بل يعني فقدان الشعور شروطه كالحياة أو التجرد أو التوازن؛ فالعلم الضروري عام ومشترك بين العقلاء جميعًا، واختلافهم لا يدل على انتفائه، بل قد يشير إلى وجود بعض معارفَ موروثةٍ تمنع من حدوث المعرفة الضرورية. كما لا تعني ضرورة الشك وأوَّليته على المعارف الضرورية نفيها؛ لأن وظيفة الشك في نقد الموروث وتأسيس اليقين وإثبات المعارف الضرورية. فإذا ما توافرت الشروط العادية له وُجد العلم. إذا وُجد إنسان يحيا له حس وعقل وقلب يكون له بالضرورة، علمًا ضروريًّا، شهادة الحس، وأوائل العقول، وبداهات الوجدان.
فالعلم الضروري هو القائم على الحس والمشاهدة، وتعني أصلًا حاسة البصر، ثم امتدت حتى شملت الحواس الخمس عند القدماء. فلا يمكن إنكار ضرورة الحس دفاعًا عن ضرورة العلم النظري بحجة أن الحس لا يمكن أن يكون مصدرًا للحكم على الكليات إلا عن طريق الافتراض والاطراد والتعميم. كما أن الحس قد يقع في الخطأ في إدراك الجزئيات؛ إذ ترى الصغير كبيرًا والكبير صغيرًا، وتشعر بالحار باردًا وبالبارد حارًّا، ونرى الثلج أبيض وهو ليس كذلك، كما أن الحس لا يميز بين الأمثال.١٨ وكذلك يرى الإنسان صعوبة في التفرقة بين النوم واليقظة. والحقيقة أن الاطراد أساس القانون العلمي، والتعميم يقينٌ عقلي تندرج تحته كل الجزئيات. أمَّا خطأ الحواس في إدراك الجزئيات، فإنه لا يحدث إلا إذا تجاوز الحس إمكانياته، ولم تتحقق شروط الإدراك مثل مسافة الرؤية، واعتدال المزاج، والشعور المحايد. واليقين الحسِّي لا يقل عن اليقين العقلي. ليست كل الرؤى عمى ألوان، وليس الإدراك الحسي كله خداع. والحس قادر على التمييز بين الأمثال لأنه قادر على إدراك الجزئيات، والعقل قادر على تصور أوجه الشبه بينها، كما أنه يمكن التفرقة بين اليقظة والنوم مهما كان الإنسان مستغرقًا في النوم، تضغط عليه الأفكار والرؤى؛ فإنه بمجرد أن يستيقظ يدرك الفرق بين اليقظة والنوم، ومهما استغرق الإنسان في أفكاره وأحلامه وهو يقظ فإنه يدرك بمجرد عودته إلى الوعي بالواقع أنه كان في لحظة استغراق. إن الحواس لا تخطئ إذا كانت بريئة من الآفات، وإذا كانت تعمل في مداها الطبيعي، وإذا كانت تؤدي وظائفها المحددة.١٩ والعقل قادر أن يفرق بين الصواب والخطأ في المدركات الحسية، كما أنه يمكن اللجوء إلى مجرى العادات للتفرقة بين النوم واليقظة. إن الحس السليم لا يخطئ، وخطأ الحواس راجع إلى آفة فيها وليس إلى طبيعتها. ولا يوجد برهان على شهادات الحس لأنها معارفُ ضرورية، والمعارف الضرورية لا تحتاج إلى برهان، كما يستحيل البرهان نفسه دون مقدماتٍ ضرورية لا تحتاج إلى برهان، وإلا وقعنا في الدَّور أو التسلسل إلى ما لا نهاية. هذا بالإضافة إلى أن خطأ الحواس هو الفرع والبداهة الحسية هي الأصل، خداع الحواس هو الاستثناء وسلامة الإدراك هي القاعدة. هناك حقائق حسية لا يمكن أن تكون خداعًا أو وهمًا، مثل أني جالس الآن، أكتب، والقلم في يدي، وأني أتنفس وأحيا وأفكر، أو أنك الآن تقرأ وتفهم وتستوعب وتحيا وتتنفس وتفكر، أو كأني محتل، مقهور، مُتخلِّف، وأن أمامي فقرًا وتغريبًا وفتورًا. هذه الحقائق الوجودية شهاداتٌ حسية لا يمكن إنكارها.٢٠ قد تكون الأسباب في إنكار العلوم الضرورية اجتماعيةً صرفة لا شأن لها بنظرية العلم، مثل الغفلة والإعراض عن الحق، والاشتغال بطلب المعاش أو بزيادة جاه أو مال أو سعيًا وراء منصب، وهذا يمكن تجاوزه عن طريق التجرد، واعتبار العلم غاية وليس مجرد وسيلة للمعرفة. وقد يكون تقليد العلماء طبقًا لحسن الظن أو الاستحسان أو الهوى مع رفض البرهان وسماع هواجس النفس، والتقليد ليس علمًا بل علم مضاد. وقد يكون الإنكار باللسان لما يصدقه القلب طمعًا في رئاسة أو منصب أو جاه أو خوفًا من فقد ميزة. وهذا ناشئ عن موقف العالم وليس عن نظرية العلم وعن ارتباط العلم بموقف العالم واتجاهه، وارتباط النظرية بالبواعث والدوافع والرغبات. كما صعب إنكار المعارف الضرورية من الخصوم لأنهم ينكرونها بمعارفَ ضروريةٍ وليست معارف الإنكار بأولى من معارف الإثبات. وإذا كانت هناك براهينُ يقينية على إنكار المعارف الضرورية، فإثبات العلم بها أولى. وهي نفس الحجة التي تُقال أيضًا ضد مواقف الشكاك المنكرين للعلوم على الإطلاق. إن إنكار المعارف الضرورية هو إنكار لإمكانية تأسيس العلم وهدم له مع أن الغاية من تأسيس نظرية العلم إقامة «نسق» للعقائد، وبالتالي تستحيل إقامة العقائد. وفي هذه الحالة يكون «الكفر» ضروريًّا ما دام ليس هناك علمٌ ضروري لإثبات «الإيمان».٢١
والعلم الضروري هو مطلق العلم بصرف النظر عن موضوع العلم، مثل العلم «بالله». ليس العلم هو العلم الخاص، بل هو العلم العام من حيث هو معرفة دون تحديد موضوعٍ معين، مثل معرفة «الله». مع ذلك لا تمتنع مثل هذه الموضوعات أن تكون موضوعاتٍ معرفية مثل البحث عن الخالص أو الشامل أو المطلق أو الفكرة المحددة. ولكن يتم ذلك في نطاق التصورات وعمل الشعور وليس بطريقة التشخيص.٢٢ وهو العلم الضروري الذي يقوم على شهادة الحس في هذا العالم وليس في عالمٍ آخرَ بعد الموت أو قبل الميلاد، مشاهدة في الحاضر وليس رؤيةً مستقبلية لما لم يقع بعدُ. يمكن معرفة الماضي بالعلوم التاريخية والمستقبل بالعلوم المستقبلية. وكلا العلمين يتمَّان في الحاضر طبقًا لشهادة الحس والعقل والوجدان. يمكن معرفة الله ضرورة من حيث هو مبدأٌ معرفي أو أخلاقي أو كمساواة إنسانية وبناءٍ اجتماعي، فتلك بداهاتٌ وجدانية واجتماعية.٢٣ ولا يمكن أن تكون معارف الوحي مثل «إثبات الصانع وصفاته والنبوات» نموذجًا للمعارف الضرورية لأن الوحي يقوم على الاستدلال، والجاهل بها مكلَّف بالنظر. وأن الغاية من العلم إثبات العقائد بالنظر. لا يوجد إلا علم ضرورة بالمشاهدة بعد انقضاء زمن المعجزات؛ فقد أدت المعجزات دورها في التاريخ، وهو تحرير الشعور من أسر الطبيعة، وإبراز التوحيد — التعالي — في شعور الإنسان. بعد أن تحقق ذلك، واستقلَّ الشعور والعقل والفعل أصبح العلم قائمًا على شهادة الحواس وبداهات العقول وليس فقط على إثارة المشاعر وإلهاب الخيال.٢٤ وهناك فرق بين المعارف الضرورية والأفعال الاختيارية. الأولى ضرورية تتعلق بأفعال الشعور الداخلية، والثانية تتعلق بإرادة الإنسان وأفعالها الخارجية. الأولى لا يستطيع لها الإنسان دفعًا لأنها مرتبطة بحياة الإنسان الشعورية، والثانية أفعالٌ إراديةٌ خالصة يكون الإنسان فيها مُخيَّرًا بين الفعل والترك.٢٥
ولا يمكن إنكار البديهيات العقلية بحجة أنها أضعف من الحساب؛ فهي فرع لها، ولأن «من فقد حسًّا فَقَدْ فَقَدَ علمًا.» أو بالاعتماد على عدة حجج كلها لا تثبت للنقد، وقابلة للتفنيد.٢٦ فإن قيل: إن أجلى البديهيات مثل أن الشيء إمَّا أن يكون أو لا يكون غير يقيني، فبين الوجود والعدم هناك الحال، وهو التوسط بينهما، كما أن هناك أشياء لا هي وجود ولا عدم. ومثل ما يُقال في البديهيات المشهورة، الكل أعظم من الجزء فهناك جزءٌ آخر معتبر وغير معتبر، أو أن الأشياء المساوية لواحد متساوية، فهي واحدة وليست واحدة، أو أن الجسم الواحد لا يكون في آنٍ واحد في مكانين؛ فالألم في جسمين، والجسم الآخر معتَبر وغير معتَبر. كما أنها تتوقف على تصور المعدوم وتصور المعدوم يجعله ثابتًا وهذا تناقض. كما يتوقف على تميز المعدوم عن الموجود. وكذلك يستحيل ثبوت الشيء وعدمه في نفسه أو لغيره. والحقيقة أن ذلك نقلٌ صوري للبداهة من مستوى العقل النظري إلى مستوى الميتافيزيقا الخالصة التي يكون فيها العقل محلًّا للتجارب الإنسانية وليس عقلًا بديهيًّا صوريًّا خالصًا. البديهات أمورٌ بديهية، والقدح فيها افتعالٌ غير بديهي. والعلوم الرياضية كلها تقوم على البديهات، والقدح في البديهات هدم لأسس العلوم الرياضية. وإن قيل: هناك صعوبة في التمييز بين البديهيات العقلية وبديهيات العاديات لاستنادهما إلى «القادر المختار» الذي أوجبهما عند المتكلمين أو للأوضاع الفلكية عند الحكماء، وهذا أيضًا شك في البديهيات، فإنه بالإمكان التمييز بين بديهيات العقل ومجرى العادات. وكلاهما في نهاية الأمر بديهي بصرف النظر عن نشأتهما. ولا يمكن إدخال احتمال تدخل «القادر المختار» في هذه اللحظة من تأسيس العلم لأنها لم تكتمل بعدُ. وما زال موضوع «ذات الله وصفاته وأفعاله» مطلوبًا إثباته بعد تأسيس نظرية العلم إجابةً على سؤال: كيف أعلم؟ وتأسيس نظرية الوجود إجابةً على سؤال: ماذا أعلم؟٢٧ وحتى على فرض الانتهاء من هذا الإثبات، فإن «الله» لا يكون مخادعًا، وليس من صفاته ولا أفعاله التمويه والإيهام والإيقاع في الخلط بين بديهيات العقل وبديهيات العادات. كما أن افتراض الأوضاع الفلكية عند الحكماء لم يثبت بعدُ في نظرية العلم تحت التأسيس. وهو أقرب إلى أن يكون افتراضًا أسطوريًّا خالصًا لا يتحوَّل إلى فرضٍ علمي إلا في علوم الفلك والأرصاد الجوية. وإن قيل: إن للأمزجة والعادات تأثيرًا في الاعتقادات مما يمنع وجود بديهيات مستقلة، فمع ذلك، العقل البشري قادر على تجريد البديهيات وعلى الإدراك المباشر وحدس الماهيات، وإلا لكان الفكر البشري كله نتاج الأمزجة والعادات. ولما أمكن التخاطب بين البشر والاتصال بين المجتمعات والتفاهم بين الأجيال على مختلف العصور. ولما كانت هناك حكمةٌ واحدة للشعوب وخبرةٌ مشتركة للجنس البشري. وإن قيل: كثيرًا ما تتعارض البديهيات فيما بينها فأيهما نصدق؟ قال إنه يستحيل أن يتعارض القطعيَّان. وإن تعارضا فلربما لخطأ في المقدمات أو في تصور البديهيات أو لكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا. لا تعارض إذن بين البديهيات العقلية، كما أنه لا تعارض بين المتواترات. وقد نشأ علم بأكمله «علم التعارض والتراجيح» لحل التعارض بين القطعيات المتواترة. ولا تختلف البديهيات حسب الزمان والعصر والتطور واختلاف المصالح والأهواء؛ لأنها توجد على مستوى العقل الخالص. ربما يحدث تدخل للزمان والتطور في التعبير عنها وتأويلها وتحقيقها، ولكنها تبقى دون تغير بالرغم من تغير الظروف والأحوال. كما تتجاوز البديهيات حدود المذاهب والعقائد والملل والنحل. فالخلاف بين المعتزلة والأشاعرة حول حسن الصدق وقبح الكذب، بالعقل أم بالشرع خلافٌ مذهبي، ولا يرجع إلى البديهيات بقدر ما يرجع إلى المواقف الذهبية. وكذلك الخلاف حول خلق الأفعال والرؤية وبقاء الأعراض والوجود والعدم بين الحكماء والأشاعرة أو بين أنصار التنزيه حول الوجود إمَّا مقارن للعالم أو مباين له، وبين الحكماء والمتكلمين حول نهاية الأجسام إلى ملاء أو خلاء، أو بين أنصار الحدوث وأنصار القِدَم حول قِدَم الزمان، أو بين الحكماء والمتكلمين حول الخلق من عدم، أو حول الترجيح بمرجح، أو حول محل الألم الإنسان أم الجسم، كل ذلك خلافاتٌ مذهبية وليست بديهياتٍ عقلية، تكشف عن المذهب وليس عن ضرورة العقل. والمذهب بناءٌ عقلي يُعبِّر عن انتماءٍ فلسفي، وموقفٍ اجتماعي وسياسي. إن العقل البديهي قادر على إدراك أوائل العقول، وهو مرتبط بصفاء النفس وتجرُّد الشعور وحياده منعًا للهوى. العقل ليس وسيلةً مستقلة للعلم، بل أحد وظائف الشعور العاقل.٢٨
إنكار البديهيات إذن هدم للعلم، وقضاء على العقل، ووقوع في الشك المطلق. بديهيات الحس، وأوائل العقول، وشهادات الوجدان، وتواتر الأخبار، ومجرى العادات كلها بديهيات. وهي المبادئ التي يتصوَّرها العقل بلا واسطة، معرفةٌ واحدة لا تختلف من فرد إلى فرد أو من مجتمع إلى آخر أو حتى من زمان إلى آخر، يُدركها كل ذي عقل، وإن شك فيها أحد أو استعصى عليه إدراكها فالعيب به لا بها، ويكون ذا آفة.٢٩ هي مقدماتٌ مغروزة في النفس فطرية فيها، وإذا نشأ الخلاف عليها فبسبب القرب أو البعد عنها. البديهيات واحدة، من طبيعة العقل الخالص، وكل المعارف اليقينية واحدة تستلزم وجود إنسانٍ حيٍّ ذي حسٍّ وتجربة وحدس وعقل وتواتر ووجدان. فالعقل ليس هو العقل الصوري، بل هو الجامع للحس والوجدان والفكر والعادة. هو أحد قوى النفس مثل الحس والإدراك والخيال. بل إن كثيرًا من المباحث مثل «الوحدة والكثرة» في نظرية الوجود من عمل العقل والخيال معًا، العقل لإدراك الوحدة والخيال لإدراك الكثرة. العقل هنا شامل لكل شيء، شامل لقوانين الطبيعة وقوانين العقل ذاته، وهي قوانين النطق. ومعرفة أوائل العقول في حد ذاتها نظرية في العلم.٣٠
ولا يمكن استبعاد الوجدانيات من العلم؛ فضرورة الوجدانيات مثل ضرورة الحس والعقل، وهي ليست «قليلة النفع في العلوم لأنها غير مشتركة، فلا تقوم حجة على الغير»؛ لأنها أساس العلوم ومشتركة بين العلماء، والأساس الذي تقوم عليه وحدة العلم؛ فالعلم مشروط بحياة الوعي، والوجدان أحد مظاهره، العلم ليس صفة لموضوع، بل حالة للذات وبناء للشعور.٣١ لم يفصل القدماء كثيرًا هذا النوع من البديهيات؛ نظرًا لوجودهم في بيئةٍ ثقافية كان العقل فيها يمثل أحد مظاهر التحدِّي الحضاري، كما يمثل الوجدان بالنسبة لنا في الدورة الثانية للحضارة تحديًّا بالنسبة للحضارات المجاورة. وليست الوجدانيات مجرد عواطف وانفعالاتٍ ذاتيةٍ فرديةٍ نسبية، بل هي تجاربُ حية تظهر فيها الماهيات التي يمكن إدراكها بالعقل، وفي نفس الوقت ينكشف فيها الواقع العريض. تشمل الوجدانيات الاجتماعيات والسياسيات والاقتصاديات وكل الإنسانيات لما كان الوجدان أساسًا تعبيرًا عن وجود الإنسان في العالم.

(٤) إثبات العلم النظري

وكما أنه لا يمكن إنكار العلم الفطري البديهي، فإنه أيضًا لا يمكن جعل العلم كله ضروريًّا فطريًّا بديهيًّا، وإنكار العلم النظري الاستدلالي الاكتسابي كما هو الحال عند أصحاب المعارف بالعلوم الضرورية أو أصحاب الطبائع. فالضروري أساس الاستدلالي، والفطري مقدمة للكسبي، والبديهي شرط النظري. لا يمكن أن تكون التصورات كلها ضرورية وإلا لاستحال البحث والنظر، ولم يطلب أحد شيئًا من العلوم والمعارف. لا يمكن جعل التصورات الفطرية دون اكتساب؛ فكثير من التصورات تنشأ من الأوضاع الاجتماعية والثقافات السائدة.٣٢ وإثبات العلم الضروري كشرط للعلم وكنقطة يقينية أولى «لأن المطلوب إمَّا مشعور به، فلا يُطلب، أو غير مشعور به، فيُطلَب.» يجعل العلم كله درجةً واحدة من اليقين. قد يكون المطلوب في البداية شعورًا عامًّا أو افتراضًا أو ظنًّا أو وهمًا أو شكًّا أو تخيُّلًا، ثم يتحقق بعد العلم النظري ويصبح علمًا يقينيًّا؛ فالشيء قد يكون معلومًا من وجه ومجهولًا من وجه. إن إثبات العلم الضروري وحده كبداية أَوْلى؛ لأن الماهية لا تعرف إلا بنفسها، وهذا يتطلَّب تصوُّرها مسبقًا أو بأجزائها، وهي لا تُعرف إلا بعد معرفة الكل الذي تنطوي تحته أو في الخارج، وهو لا يمكن معرفته إلا إذا كان شاملًا لكل الأفراد مما يحتاج إلى تصورٍ مسبق، افتراضٌ خالص يقوم على تركيب الماهية، في حين أنها كلٌّ بسيط لا وجود له في الخارج إلا على سبيل الاختصاص. كما أن معرفة الماهيات أحد أنواع المعارف بالإضافة إلى بناء الماهيات الذي يحتاج إلى استدلال وعلمٍ نظري. إن إثبات العلوم الاستدلالية ضد أصحاب المعارف القائلين بالعلوم الضرورية والمعارف القطعية إنما يتم من خلال العلوم الضرورية ذاتها. فلا يوجد علم بلا مبادئَ أوليةٍ؛ وبالتالي ينتفي الجهل. وإذا انتفت المبادئ، كان الجهل ضروريًّا ونُفي العلم. كما يقتضي التكليف العلم بالمبادئ الأوَّلية، فلا يكلَّف على جهل. والتكليف بالمعرفة قائم على العلم بها ولا يمكن العلم بها نظرًا لاحتياج ذلك إلى تكليف يوجب العلم بها ضرورةً؛ وبالتالي تستحيل المعرفة ويستحيل التكليف. العلم ضروري وحده بلا علمٍ نظري يدور حول نفسه، ويقع في الدَّور، ويغلق الذهن معه، ويتحجَّر العلم.٣٣ يمكن الجمع بين المعارف الضرورية والنظرية؛ فالأولى «بطبع المحل»، والثاني بكسب الجهد والإرادة. ولا يعني القول بالأولى الانتفاء للثانية، بل وجود مقدماتٍ أوَّلية للنظر. المعارف الضرورية ابتداءً من المقدمات الضرورية. النظر وسيلة البرهان، وتحليل الواقع تحليلًا معرفيًّا. يتوقف العلم الاستدلالي الكسبي على العلم الضروري؛ وبالتالي فهو يحتاج إلى روية وتدبر بعد بدايته اليقينية في العلم الضروري. لا استدلال بغير ضرورة ولا ضرورة بغير استدلال، بل يكون الاستدلال ضرورة إذا توافرت له المقدمات الضرورية اللازمة. والعلم الاستدلالي، أيضًا علمٌ شعوري؛ فالفكر، والرويَّة، والنظر، والحجة، وامتناع الشك في متعلقه، كلها أفعالٌ شعورية. ليس الاستدلال عملًا عقليًّا صوريًّا، بل هو نظر القلب أو عمل الوجدان فيما غاب، من ضرورة الحس.٣٤ تحدث المعرفة الاستدلالية بالقياس، وهي المبادئ التي يتصوَّر العقل طرفيها بواسطة، وهي تُعادل الفطريات التي يُحكَم فيها بواسطة لا تغرب عن الذهن، وهي قضايا قياساتها معها. وإثبات الأصل بقياس يقوم على الحسيات أو العقل أو التواتر.
وكما أن العلم «الإلهي» لا يدخل كنموذج للمعارف الضرورية في هذه المرحلة من تأسيس العلم، فإنه لا يدخل أيضًا كموضوع للعلم النظري من أجل إثبات ضرورته. فإذا كانت المعارف الضرورية هي المعارف الفطرية التي يجدها كل إنسان من نفسه، فإنها تكون بمثابة أوَّليات العلم والتي تقوم عليها نظرية العلم فيما بعدُ بالنظر كفعل من أفعال الشعور. صحيح أن هذه الفطرة تحتاج إلى بيئةٍ طبيعية تظهر فيها دون تغليب للهوى والمصلحة. ولكن يظل أيضًا هذا الاستعداد الطبيعي للفطرة أيضًا نتيجة للأفعال الحرة للشعور. وإذا كان العلم الفطري عند البعض دون البعض الآخر ليس نتيجة لتدخل إرادة خارجية، فكذلك العلم النظري؛ نظرًا لضرورة وجود مقياس للاختيار وإلا كان الاختيار عشوائيًّا. لا يمكن أن يكون إلا طبقًا لاختيارٍ عادل؛ مما يجعل «الإرادة الخارجية» نفسها تخضع لمبدأ العدل، خاصةً إذا نتج عن هذه المعارف الضرورية أو النظرية التكاليف، فيكون مَن لديه هذه المعارف مكلَّفًا والآخرون غير مكلَّفين، فيخرق مبدأ العدل مرةً ثانية. لماذا لا تخلق المعارف الضرورية للبعض وينتج عنها تكليف، ولا تخلق للبعض الآخر ولا يكون لديهم تكليف؟ وإن كان للذين لم تخلق لديهم المعارف الضرورية «تكليف»، فإنهم يكونون أسوأ حظًّا ممن لديهم هذه المعارف. وتفعل «الإرادة الخارجية» إيجابًا عند البعض وسلبًا عند البعض الآخر بلا مقياس للاختيار أو للاستحقاق. إن المعارف الضرورية والنظرية شاملة وعامة لا تعرف تحيُّزًا ولا محاباةً. أمَّا العمليات والشرعيات فإنها مشروطة بالإرادة الحرة وبخلق الأفعال وبقانون الاستحقاق. وهذه كلها تالية على مرحلة تأسيس العلم وليست جزءًا منه. ولا يمكن أن نُدخِله في هذه المرحلة من تأسيس نظرية العلم.٣٥
وإذا كانت المعارف الضرورية لا تحدث إلا بعد نظر واستدلال، فذلك ما يجعلها خاضعة لأفعال الإنسان الحرة مثل أفعال النظر، وبالتالي لا تكون ضرورية إلا من حيث الاستعداد والإمكان. والقول بأنه ما دامت المعارف تقع بالطبع لا يجوز التكليف بها يفترض أن التكليف يقع فقط من خارج الطبع مع أنه ما دامت المعارف طبيعية يجوز التكليف بها طبيعيًّا؛ أي عن طريق التكليف الذاتي. الطبع لا يناقض التكليف، وكلاهما لا يناقضان حرية الأفعال. المعارف الطبيعية مثل المعارف «بالتوليد» تعتمد أساسًا على طبيعة النفس البشرية وقدرتها على كشف الحقائق المباشرة كالبديهيات أو المتولدة كالاستدلاليات.٣٦ كما لا يعني القول بالطباع رفض الدواعي والمقاصد؛ فالطبع لا يفعل إلا بعد التنشيط والفاعلية. البواعث حياة الشعور، والقصد بناؤه، والدوافع محركاته. فلا نظر بلا غائبة، والطبع ليس حتميًّا أو ضرورة عمياء، بل مقدمة للنظر وبداية للغائية؛ لذلك لا يعني القول بالطباع اتِّباع الشهوات والغرائز والميول، فالطبيعة خيرة، خاصةً إذا ظهرت المعارف الطبيعية مع صدق النفس، والتوحيد بين الداخل والخارج، والإحساس بالغاية والهدف، والالتزام بموقف. يعني القول بالطبائع رفض كل ما هو آتٍ من خارج الطبيعة والمناقض لها سواء في المعارف أو في الأفعال، سواء في الإنسان أو في الطبيعة. القول بالمعارف الضرورية إذن مقدمة للنظر وليس نفيًا له، ولا فرق في ذلك بين التمكُّن من النظر وإتيان النظر بالفعل، بين إتيانه مرةً واحدة على الانقطاع أو مراتٍ عديدةً على الاستمرار. وغالبًا ما يكون النظر مستمرًّا في الأوقات، الأوَّل، والثاني، والثالث … إلى ما لا نهاية، ما دام «متولدًا في الشعور». قد يكون المانع من النظر أحيانًا الظروف النفسية والاجتماعية التي يتكوَّن فيها الإنسان، ويكون ذلك في وقتٍ محدود فحسب؛ فالنظر قادر على اختراق الظروف، وإدراك الحقائق.
١  وهي القصة المذكورة في القرآن عن منطق الطير الذي علمه سليمان، وكذلك إشاراتٌ عديدة إلى أن الجن يعلم ويريد ويستمع إلى القرآن.
٢  انظر «التراث والتجديد». الخطة العامة لمشروع التراث والتجديد، ص٢٠٣–٢٠٩.
٣  الإنصاف، ص١٤؛ التمهيد، ص٣٥؛ الأصول، ص٨، ص٣٠-٣١؛ الإرشاد، ص١٣؛ التحقيق، ص٧؛ الفصل، ج٥، ص١٩٠-١٩١.
٤  ولهذا أخرج صاحب «المواقف» قسمة العلم إلى قديم وحادث من نظرية العلم وقسمته (شرح الأصول، ص٥٠-٥١).
٥  الإنصاف، ص١٤؛ التمهيد، ص٣٥؛ المقاصد، ص٣٤.
٦  الإرشاد، ص١٣-١٤؛ التحقيق، ص٦-٧.
٧  الأصول، ص٨؛ الإرشاد، ص١٣-١٤؛ شرح التفتازاني، ص٤٠-٤١.
٨  وهو ما يسميه القرآن فطرة أو صبغة في عديد من الآيات مثل: صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً (٢: ١٣٨)، فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ (٣٠: ٣٠).
٩  التحقيق، ص٦-٧؛ المقاصد، ص٣٣.
١٠  لذلك يضع البغدادي ضمن العلوم النظرية الاستدلالية العلوم بالتجارب والرياضيات كعلم الطب في الأدوية والمعالجات وكذلك العلم بالحروف والصناعات (الشامل، ص١١١).
١١  الأصول، ص١٤–١٦.
١٢  هذا هو رأي أبي القاسم البلخي، فما يُعرف استدلالًا لا يُعرف إلا استدلالًا، وما يُعرف ضرورةً لا يُعرف إلا ضرورةً (شرح الأصول، ص٥٧–٦٠).
١٣  هذا هو موقف الرازي (المواقف، ص١١-١٢).
١٤  المقاصد، ص٣٢-٣٣، ص٣٥–٤٠؛ شرح المقاصد، ص٣٣؛ أشرف المقاصد، ص٣١-٣٢، ص٣٥–٤٠؛ المحصل، ص٣–٥؛ المعالم، ص٥.
١٥  المعالم، ص٣-٤؛ شرح المقاصد، ص٣٥؛ التحقيق، ص٦-٧.
١٦  هذا هو موقف الرازي (المحصل، ص٢-٣؛ التلخيص، ص٣؛ المعالم، ص٣).
١٧  ترفض بعض الجهمية العلم الضروري، وترى أن كله نظري. فالنفس خالية من كل علم، ولا يوجد علمٌ فطري ثم يحصل العلم بالتدريج عن طريق الكسب، وهو أيضًا رأي ابن حزم عندما يظن أن النفس عند الولادة لا تعرف شيئًا ثم تنشأ المعارف من خلال الحواس (الفصل، ج١، ص٥–٧). انظر أيضًا: المواقف، ص١١–١٤؛ الفصل، ج٥، ص١٨٤–١٨٩؛ شرح الأصول، ص٥١-٥٢؛ شرح التفتازاني، ص٤١.
١٨  هذا هو رأي أهل السنة في الألوان والنظام في الأجسام (انظر الفصل الرابع: نظرية الوجود. المواقف، ص١٤–١٦؛ المحصل، ص٦–١٣؛ المقاصد، ص٤٦–٥٢؛ التحقيق، ص١٠؛ المغني، ج١٢، النظر والمعارف، ص٢٤، ص٦٣).
١٩  الفصل، ج١، ص٨؛ شرح التفتازاني، ص٢١-٢٢.
٢٠  يشير الإيجي إلى أفلاطون وأرسطو وبطليموس وجالينوس، ولا يشير إلى اتجاهاتٍ إسلامية داخل الحضارة؛ مما يدل على انفتاح علم الكلام على الحضارات الأخرى، فلا يهم الرأي من أين أتى، يهم فقط انتشاره ومعرفته كأحد الآراء المستقلة عن التاريخ. وفي هذا السياق نشير أيضًا إلى أمثال هذا المذهب في الحضارة الغربية التي بدأت تروج في ثقافتنا المعاصرة (لوك، وهوبز، وهيوم)، ويدافع الطوسي عن الحكماء بأنهم لم يشككوا في يقين المعرفة الحسية، ويذكر قول أرسطو: «من فقد حسًّا فقد فَقَد علمًا» (التلخيص، ص٦-٧).
٢١  الفصل، ج٥، ص٩٠، ص١٨٩–١٩٢.
٢٢  لا يجوز أن يُعرَف الله تعالى بالمشاهدة ضرورة. «وعندنا أن الله تعالى لا يعرف ضرورة في دار الدنيا مع بقاء دار التكليف لأن المحتضر وأهل الآخرة يعرفون الله ضرورة.» ويُحكى عن بعض المتأخرين ربما هو المؤيد بالله أنه يجوز أن يكون من المكلَّفين من يعرف الله ضرورة في دار الدنيا مع بقاء التكليف كالأنبياء والأولياء والصالحين (شرح الأصول، ص٥١-٥٢).
٢٣  انظر بحثنا: «المقومات الثقافية للشخصية العربية»، «قضايا معاصرة (٣): في الثقافة الوطنية».
٢٤  انظر: اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، المقدمة عن المعجزة، ص٦٥–٦٩؛ وأيضًا لسنج: تربية الجنس البشري، المقدمة عن تطور الوحي وفلسفة التاريخ. انظر أيضًا: الفصل التاسع عن النبوة؛ وأيضًا: التمهيد، ص٤٤–٤٦.
٢٥  الفصل، ج٥، ص١٩٣.
٢٦  المواقف، ص١٦–٢٠؛ المحصل، ص١٣–٢٢؛ التحقيق التام، ص١٠–١٣. لما كانت الحواس خادعة استحال الوصول إلى معرفةٍ يقينيةٍ حسية أو عقلية؛ لأن المعرفة الحسية قد تكون خاطئة، والمعرفة العقلية تقوم على المعرفة الحسية. فالذي يخطئ أولًا يخطئ ثانيًا. وإذا كانت هناك معرفةٌ عقلية مستقلة عن الحس فما المانع من وجود مَلَكةٍ أخرى لدى الإنسان تثبت خداع العقل كما أثبت العقل خداع الحواس. وهي نفس الحجة التي يُردِّدها الصوفية لإثبات النور الباطني كوسيلة للمعرفة اللدُنِّية أعلى من الحس والعقل. وبالتالي يلتقي الشُّكَّاك مع الصوفية على هدم المعرفة الإنسانية مرة من أسفل باسم خداع الحواس، ومرة من أعلى باسم النور الرباني (المحصل، ص٢٢-٢٣).
٢٧  انظر الفصل الخامس: «الوعي الخالص» أو الذات، والفصل السادس «الإنسان الكامل» أو الصفات.
٢٨  لا يمكن إنكار الحقائق العقلية، بدليل الحقائق الرياضية البسيطة، وأن ١ + ١ = ٢، وما سماه الفلاسفة الأفكار الفطرية أو مسلَّمات العقل وأوَّلياته (المحصل، ص٢٢-٢٣؛ شرح التفتازاني، ص٢١؛ المغني، ج١٢، النظر والمعارف، ص٤٢؛ الفصل، ج٥، ص١٩٢).
٢٩  الفصل، ج١، ص٦-٧. شرح التفتازاني، ص٣٨.
٣٠  الإنصاف، ص١٤-١٥؛ التمهيد، ص٣٧؛ الإرشاد، ص١٥–٢٦؛ الاقتصاد، ص١٤؛ النسفي، ص٣٦–٤٠؛ شرح التفتازاني، ص٣٦-٣٧؛ المغني، ج١٢، النظر والمعارف، ص٦٦؛ المقاصد، ص٢٨٤.
٣١  عند ابن حزم «المعلومات قسمٌ واحد، وهو ما اعتقد عليه المرء وتيقنه» (الفصل، ج٥، ص١٨٤–١٨٩).
٣٢  يرى الرازي أن العلم ضروري، وأن التصور لا يُكتسَب، وهو مذهب الأشاعرة أيضًا (المواقف، ص١٢–١٤؛ الإنصاف، ص١٤؛ التمهيد، ص٣٥–٣٧. الإرشاد، ص٣٧). «العلوم كلها ضرورية لأنها إمَّا ضرورية ابتداءً أو لازمة منها لزومًا ضروريًّا» (المحصل، ص٧١).
٣٣  شرح الأصول، ص٥٦-٥٧. قال بعض أصحاب المعارف إنها تحصل بطبع المحل عند النظر. من قال بالمعارف يُنكر وجوب النظر (المحصل، ص٢٨–٣١؛ تحفة المريد، ص٣٠؛ شرح الخريدة، ص١٢). وذهب أبو إسحق الإسفراييني أن العلم المقدور المستدل يجوز إثباته من غير تقدُّم نظر واستدلال (الشامل، ص١١٢).
٣٤  «وتُسَمَّى العبارة المسموعة التي تنبئ عن استدلال القلب ونظره وتأصُّله استدلالًا مجازًا واتساعًا لدلالتها عليه» (التمهيد، ص٤٠). وكلٌّ من التصوُّر والتصديق بعضه ضروري بالوجدان (المواقف، ص٢٢؛ الإرشاد، ص١٠؛ الإنصاف، ص١٤-١٥؛ التمهيد، ص٣٦؛ الشامل، ص١١١-١١٢؛ المحصل، ص٦).
٣٥  عند «صالح قبة» المعارف كلها ضرورية. يبتدئها الله في القلوب اختراعًا من غير سبب يتقدمها من نظر واستدلال، وأن الإنسان غير مأمور بالمعرفة، لكن من عرف الله ضرورة صار بالإقرار والطاعة مأمورًا. وعند «الجاحظ» و«ثمامة» المعارف ضرورية وأن الله ما كلف أحدًا بمعرفته، وإنما الواجب على من عرف طاعته. وعند «غيلان» القدري معرفة الإنسان بأنه مصنوع وأن صانعه غيره ضرورية. فقد طبع الإنسان عليها في خلقته. وهو مأمور بعد ذلك في المعارف، في العدل والتوحيد، والوعد والوعيد، والشرعيات. وعند «أبي الهذيل» معرفة الله، ومعرفته، والدليل الداعي إلى معرفته بالضرورة وما بعدهما من العلوم الحسية والقياسية هو علم اختيار وجائز أن يجعله الله ضروريًّا على نقض العادة. أمَّا «الروافض»، فالمعارف لديهم كلها ضرورية، إلا أن الله لا يفعلها في العبد إلا بعد نظر واستدلال. ومن لم يخلق الله له المعرفة لا يكون مأمورًا، ومن خلق له المعرفة صار بالطاعة مأمورًا وعند أضداده مزجورًا. ومن لم يعرف الله بالضرورة فإنه غير مكلَّف. وعند آخرين المعارف ضرورية، ومن لم يعرف الله مأمور بالإقرار والطاعة (الأصول، ص٣١-٣٢؛ المغني، ج١٢، النظر والمعارف، ص١٦١).
٣٦  المغني، ج١٢، النظر والمعارف، ص٣٠٦–٣٨٥. انظر أيضًا: الفصل السابع: خلق الأفعال، الأفعال المتولدة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠