خامسًا: كيف يفيد النظر العلم؟

وهو سؤالٌ نظريٌّ خالص، أقرب إلى «ميتافيزيقا» العلم منه إلى نظرية العلم؛ لأنه يبحث في البناء النفسي للعلم ويحوله إلى عمليات ارتباطية خالصة، ويغرق فيها مع التضحية بكل بناء العلم العقلي الواقعي. وقد اشتدَّ الخلاف حول أمورٍ ظنيةٍ خالصة، لا يمكن فيها الوصول إلى يقين إلا عن طريق الاستبطان. هذا بالإضافة إلى أن الخلاف في النتائج لا يؤدي إلى انهيار نظرية العلم؛ لأنه خلاف في التفسير وليس في الشيء.

(١) نظرية التوليد

وقد انحصرت النظريات في كيفية إفادة النظر للعلم في أربع؛ كل اثنتين منها متصارعتان، ولكن الصراع الثاني بين الاثنتين الأخريَين أهم وأشد من الصراع الأوَّل بين الاثنتين الأوليين:

  • (أ)
    يفيد النظر العلم عن طريق إعداد النفس لتقبل الفيض أو الإلهام. النظر يعدُّ الذهن، والنتيجة تفيض عليه وجوبًا. وفي حقيقة الأمر إن هذا الافتراض خروج على النظر ودخول في الفيض والإلهام الذي هو إنكار للنظر. ويجعل مصدر العلم من خارج الشعور وليس من داخله، ويُقلِّل من دور الذهن والنظر. فقد يحدث النظر ويبخل «صاحب» الفيض. وما دام صاحب الفيض كريمًا، فلماذا النظر؟ صحيح أن هناك معارف حدسية، ولكنها تتم من خلال من النظر ومن داخله قفزًا على المقدمات وليست مستقلة عنه، وتتم من داخل الشعور وليس من خارجه. وهذا هو تصور الحكماء الذي يجمع بين تصورَي المعتزلة والأشاعرة؛ لأنه يقوم على الوجوب مثل المعتزلة؛ أي وجوب إفادة النظر للعلم ضرورةً، ولكنه وجوب من «العقل الفعال» الذي منه يفيض العلم إلى داخل الشعور نقشًا عليه بدلًا أن ينشأ من داخل الشعور نبتًا فيه. صحيح أن الشعور به استعداد وتهيؤ، ولكن العلم لا ينشأ من «العقل الفعال» الذي حوى كل العلوم. وهو افتراض يجعل نظرية العلم أقرب إلى الأسطورة أو التشبيه الأولي منها إلى تحليل العلم. أين «العقل الفعال»؟ ما هي العلوم المخزونة فيه؟ من الذي وضعها؟ هل هي مدوَّنة (اللوح المحفوظ) أم شفاهية؟ وكيف تنزل إلى عالم الأرض؟ وكيف تدخل في شعور الإنسان؟ وكيف تُنقَش فيه؟ وهل هي مقولات (تصورات) أم ألفاظ أم معانٍ؟ وكيف يتم الحصول عليها؟ وهل هناك اتفاق عليها كمًّا وكيفًا، فهمًا وتفسيرًا؟ إذا كان المقصود وجود الحقائق كأبنيةٍ مستقلة في العقل، فإن «العقل الفعال» يكون داخل الشعور وليس خارجه.١
  • (ب)
    وقد يفيد النظر العلم عن طريق الوجوب لا عن طريق التولد، يعني الوجوب لزوم النتائج عن المقدمات ضرورةً، ويعني عدم التولد أن تكون هذه الضرورة خارجية وليست داخلية؛ لأن الممكنات كلها مستندة إلى «الله»، والله لا يجب عليه شيء. يقوم هذا الافتراض، في واقع الأمر، بخطوة إلى الأمام في الربط الضروري بين النظر والعلم، ثم بخطوة إلى الخلف في رفض أن يكون هذا الارتباط داخليًّا في الشعور. كما أنه يُدخِل افتراضًا أكبر لا حاجة له حتى الآن في بناء نظرية العلم، وهو إسناد هذا الارتباط الممكن إلى «الله»، والله لم يثبت بعدُ كذاتٍ أو صفات أو أفعال. ما زال في هذا الافتراض حساسية ضد الاعتراف بالطبيعة وقوانينها المستقلة؛ وبالتالي فإنه يعبر عن نظرة متطهرة دينيًّا مدمرة للعالم علميًّا. وكل قضاء على الضرورة الداخلية في العالم هدم لنظرية العلم، وقد شاء هذا الافتراض أن يُقدِّم حلًّا وسطًا بين الوجوب والتوليد، فقال بالوجوب غير المتولد، والحلول الوسط لا تؤدي إلى حل الإشكال المنهجي أو إلى إعطاء نظريةٍ جديدة تُبيِّن نسبة النظر إلى العلم. القول بالوجوب مع نفي التوليد قول بالوجوب العقلي الصوري دون الوجوب الطبيعي المادي، وهو الوجوب المنطقي الخالص عن طريق إحضار مقدمتَين في الذهن ولزوم نتيجةٍ ثالثة منهما. ولكن هذا الوجوب الصوري الآلي يغفل التيار الحي للشعور، كما أنه يجعل العلم قضايا تتداخل فيما بينها عن طريق الاستغراق، وليست دلالات أو معاني جديدة تحدث في الشعور. كما أنه يغفل نظرية الحدس والرؤية المباشرة للدلالات. إن القول بإفادة النظر للعلم وجوبًا ثم إسناد هذا الوجوب إلى «الله»، وهو تحويل هذا الوجوب إلى إمكانٍ خالص وبالتالي القضاء على الوجوب ذاته، وهو المقصود، ويتفق مع مذهب الأشاعرة.٢ ولكن الإفادة بلا وجوب لا تعني هدم الضرورة بين النظر والعلم، بل تعني أن العلاقة بينهما غير لازمة أو لازمة بالضرورة، فقد يحدث النظر دون العلم لأن النظر ما زال جاريًا ولأن الدلالة لم تنكشف بعدُ. وقد حصل العلم بأقل قدرٍ ممكن من النظر، وتنكشف الدلالة بسرعة وربما سابقًا لأوانها. يتم النظر والعلم في الشعور، وعمل الشعور أوسع بكثير من النظر والعلم؛ النظر مقدمات الشعور، والعلم نتائجه، وبينهما تحدث الرؤية التي لا تحدد متى يحدث العلم بالنظر والتي قد تجعل العلاقة بين النظر والعلم علاقة غير ضرورية من حيث الكم أو من حيث الضرورة. ولكن العلاقة الكيفية ممكنة ومحتملة. لا يعني ذلك إنكار النظر وإثبات حصول العلم بالإلهام، بل إدخال رؤية الشعور لإدراك الدلالة. ليس عمل الشعور النظر والعلم فقط، الوسيلة والغاية، المنهج والقانون، فهناك الدلالة وإدراك الدلالة.٣
  • (جـ)
    يفيد النظر العلم عن طريق العادة، بمعنى الإعداد أو الإفادة أو التضمن أو الاقتضاء. طالما مارس الإنسان النظر أفاد العلم. فارتباط النظر بالعلم عن طريق العادة والتكرار.٤ والحقيقة أن ذلك ينفي وجود حقائقَ علميةٍ مستقلة عن تكوينها، ويخلط بين مستوى النشأة والتكوين ومستوى الماهية والدلالة، ويرد الثاني إلى الأوَّل، مع أن التعالي أو المفارقة له وظيفةٌ علمية هو الحرص على التمييز بين المستويات. أمَّا افتراض أن «الله» هو سبب العادة، وأنه هو الخالق للاقتران بين النظر والعلم، فهو افتراضٌ سابق لأوانه عن تأسيس نظرية العلم؛ لأن «الذات» لم يتم إثباتها بعدُ. كما أنه خلط بين موضوع تأسيس العلم وموضوع خلق الأفعال، وتصور كل واجب ممكن وإسناده إلى «الله» وبالتالي القضاء على استقلال قوانين الطبيعة. وكيف يمكن المحافظة على التنزيه و«الله» يقرن بين النظر والعلم كما يقرن بين الاحتراق والنار؟ وقد يكون هذا الاقتران عادةً صرفة أو عادة مع الكسب؛ مما يدل على الخلط بين موضوعَي العلم وخلق الأفعال. وقد يكون لزومًا عقليًّا محضًا، ولكن أيضًا بخلق «الله» وليس عن طريق قوانين العقل. وبالتالي يكون هذا الافتراض هدمًا لقانون العلية وهدمًا لأوائل العقول.
    وقد تصوَّر الأشاعرة أن القول بالتوليد يعني القول بالوجوب، أي وجود علاقة ضرورية بين العلة والمعلول؛ أي بين النظر والعلم، وبالتالي النيل من «الإرادة الإلهية» التي لا يجب عليها شيء، فأنكروا التوليد وجعلوا النظر يتضمن العلم ولا يولده أو يوحده، هو شرط وليس علة موجِبة، على عكس التوليد عند المعتزلة الموجِب للعلم إيجاب العلة إلى معلولها. وهنا ينشأ الصراع بين نظرية العلم كتحليل للعقل بصرف النظر عن «الإلهيات» وبين نظرية العلم التي تريد أن تكون مقدمة للإلهيات. إن إنكار توليد النظر للعلم وإيجاب وجود العلة للمعلول هو في الحقيقة تفكير «إليه» مقنع؛ إذ لا يجب على «الله» شيء حتى في العلم، في حين أن الوجوب في العلم ضروري لأنه ربط النظر بالعلم عن طريق الدليل هو أيضًا وجوب؛ لذلك كانت المشكلة جزءًا من خلق الأفعال وليست مسألةً علميةً خالصة. وسواء كان النظر بفعل الإرادة القديمة أو كسبًا للعبد، فإن إحداث النظر للعلم يتم بفعل إرادةٍ خارجية عند الأشاعرة — بالرغم من أن الكسب اقتراب من أفعال الشعور الداخلية — وليس بأفعال الشعور. وبالتالي فإن إدخال افتراض «الله» لتأسيس نظرية العلم سابق لأوانه، بل وهدم للعلم لأنه أوسع بكثير من موضوع العلم. وما زال السؤال: هل النظر يفيد العلم «بالله»؟ لم يُطرَح بعدُ داخل نظرية العلم. ومِنْ ثَمَّ فكل استباق للفكر «الإلهي» قبل تأسيس نظرية العلم هدم للعلم.٥
    فضَّل الأشاعرة — بدافع الإيمان ودون نظر لتأسيس العلم ما دام الإيمان يعطي اليقين والعلم، ما هو إلا مبررٌ سطحي له لترويجه وسط العامة — فضَّلوا إفادة النظر للعلم عادةً وخلقًا. كلما حدث النظر أفاد العلم، وبالتكرار تنشأ العادة على ربط النظر بالعلم، وعلى وقوع العلم بعد النظر. وهو تصورٌ آليٌّ خالص، ينكر عمل الشعور الداخلي. أمَّا الخلق، فإنه يحدث بتدخل إرادةٍ خارجية تجعل النظر يفيد العلم، وهو التصور المعارض للعادة. يؤدي إنكار التوليد إذن إلى التصور الآلي الذي يُنكر حياة الشعور، وجعلها قاصرة على الانطباعات الحسية أو إلى التصوُّر الإرادي الخارجي الذي يجعل الشعور محلًّا لأفعالٍ أخرى خارجية عنه. وكلا التصورَين إنكار لحياة الشعور واستقلاله؛ التصور الآلي تصورٌ ميتٌ لا حياة فيه، يجعل الشعور في حالة من السلب الدائم، لا ينفعه تدخل إرادة خارجية لإحيائه؛ لأنه لا يقوى على ردِّها، ما هو إلا مستقبِل لها، عاكس لما تريد. وكأن الشعور أصبح محاصرًا بين طبيعةٍ ميتة وإرادةٍ خارجية لا تفعل إلا في الأموات، والإنسان نفسه لا وجود له كحياة وشعور وأفعال.٦
    إنكار التوليد هدم للعلم وللرابطة الضرورية بين المقدمات والنتائج، وإلا فإنه يمكن سماع الخبر دون حدوث العلم. ولما كان الوحي قد أتانا بالخبر، فإن إنكار التوليد يؤدي إلى إنكار العلم بصحة الكتاب وبصدق الوحي. إيجاب النظر إذن إيجاب للعلم، ولا وجود لسبب دون المسبب. كمال النظر بتوليد العلم، وكلاهما مقدور للإنسان حسب الدواعي. ولو لم يكن الإنسان قادرًا على النظر والعلم لما كان قادرًا على أضدادهما من النظر والشك. وإذا كان النظر واجبًا بالاضطرار فإن المعرفة واجبة بالاستدلال، وجوب النظر ليس متعذَّرًا؛ فهو في الأوَّل مناط التكليف وفي الثاني مولد للعلم.٧
    ولا ينفي وقوع التوليد بطريقة لا شعورية وقوع التوليد؛ لأن إدراك التوليد يتطلب قلب النظرة من الخارج إلى الداخل، ورؤية عمل الشعور رؤيةً مزدوجة. ومع ذلك فالعلم بالعلم ممكن اضطرارًا، بل إن العلم بالعلم أساس العلم. يمكن معرفة وجوب النظر للعلم، وهي نظرية العلم ذاتها، وتتبع أحوال الشعور ووصف أفعاله التي بها يتأسس العلم. توليد النظر للعلم هو علم العلم ويحتاج إلى نظر واستدلال، ولا يكون بالضرورة علمًا ضروريًّا.٨
    ولا يعني ارتباط العقل بالحس ونشأة جزء من مادة النظر من الحس الشكَّ في توليد النظر للعلم؛ فالنظر قادر على إحضار الغائب، وهو ما لا يستطيعه الحس، وقادر على تأمل ما يغيب عن الحس. والعقل قادر على تصحيح أي خطأ في المادة الحسية، وهو قادر كمًّا وكيفًا على تجاوز الحس. ويصعب الشك في صحة الإدراك الحسي؛ لأن الحس أحد مصادر المعرفة وأحد وظائف الشعور، والشك فيه يفصله عن عالم الشعور، ويصبح الشعور مجرد وعيٍ فارغ بلا عالم. ولا يمكن رد كل النظر العقلي إلى الحس لأنه أوسع نطاقًا وأشمل منه، وكلاهما من أفعال الشعور مع معطيات الوجدان. والكل داخل الشعور المعرفي الذي هو في نفس الوقت إحساس بموقف وإدراك لطبيعة المرحلة التاريخية التي تمر بها الجماعة.٩
    ولا ينفي الوقوع في الخطأ توليد النظر للعلم؛ إذ يمكن معرفة أسباب الخطأ وتصحيحها ومراجعة النظر في مقدماتها واستدلالاته. الخطأ شائع ويمكن تصحيحه بمقاييس الصدق مثل سكون النفس، والمطابقة مع الواقع واتِّساق الفكر مع نفسه وانكشاف ماهيات الأشياء في الشعور. فقد يحدث الخطأ من الحواس أو العقل أو الوجدان، ولكن حدوث خطأ في وظائف الشعور يُصحِّح بعضها بعضًا، وبالتالي لا ينفي توليد النظر للعلم.١٠
    ولا ينفي إفادة القياس الظن توليد النظر للعلم؛ لأنه على قدر المقدمات تكون النتائج؛ التوليد عملية استخراج المعاني بصرف النظر عن درجة يقينها، وقد يتحوَّل الظن إلى يقين بعد النظر في الأدلة من أجل الحصول على البرهان.١١ ولا يعني تفاوت العلم بين الخفاء والجلاء أو الضعف والقوة أو القلة والكثرة أن النظر لا يولد العلم، فالنظر بطبيعته نتيجة لأفعال الشعور أو فعل له. والشعور حالاتٌ متغيرة، وتيارٌ حيٌّ دائم، يتفاوت النظر فيه بين الخفاء والجلاء. وتكون مهمة الإيضاح هي الانتقال من الخفاء إلى الجلاء، ومهمة أنماط الاعتقاد الانتقال من الظن إلى اليقين حتى يتأسس العلم في الشعور. والوضوح والجلاء في النظر والعلم يُكتسبان أثناء عملية التأسيس ولا يحدثان في البداية. فإذا كان اليقين في العلوم الرياضية صوريًّا بتطابق العقل مع نفسه، وفي العلوم الطبيعية ماديًّا بتطابق العقل مع الواقع، فإنه في العلوم الإنسانية، في علوم الشعور، تتفاوت المراتب طبقًا لحالاته. بالإضافة إلى أن نظرية العلم هي في الحقيقة تحليل لعلم العلم أو تأسيس للعلم السابق على كل علمٍ خاص، تحليل لأفعال الشعور في العلم من حيث هو علم ووصف لحركة الشعور الداخلية.١٢
    والنظر لا يفسد الشعور؛ لأن الشعور محل النظر، ويعطيه أساسه ومادته وتولُّده الذي هو خلق العلم وإبداعه. كما أن الشعور لا يفسد النظر، بل يحميه من التشعُّب والصورية، ويحرص عليه من الوقوع في التجريد والشكلية. ولا ينفي الإجهاد الناشئ من النظر صحته وتوليده للعلم؛ فالإجهاد يتم في الحس والعقل والوجدان والسمع (الخبر). ولكن يتم النظر في حدود الطاقة الإنسانية وعلى قدر الجهد الإنساني. ويمكن التخفيف من حدة الإجهاد بالنظر في أوقاتٍ متفاوتة بعد راحة البدن ومع حدوث الاطمئنان في النفس، وبوجود البواعث، وبالإحساس بالغاية، والالتزام بالموقف، والعمل من خلال الجمعيات المتخصصة، والعمل السياسي المنظم، والعمل الجماهيري بدعوة الناس إلى استرداد الحقوق، والعمل اليومي بالأمر المعروف والنهي عن المنكر، والتجرد والنقاء والعطاء الكلي للهدف القومي؛ كل ذلك يجعل النظر حاضرًا دائمًا نشطًا خلَّاقًا مولِّدًا للعلم دون إجهاد أو ملل، بحسن نية، وبلحظات صدق، وبتذوق للجمال، وبمشاعر حب للناس، وبضم للعالم كله.١٣
    ولا يعني حدوث العلم لفرد دون آخر بالرغم من ممارسة كليهما للنظر نفي التوليد؛ لأن شعور كل فردٍ متميز عن غيره بدرجة في اليقظة والانتباه والتوتر وسرعة إدراك الدلالة. فاختلاف العقلاء في العلم لا يقضي على توليد النظر للعلم. والاختلاف بين الناظرين لا يقضي على موضوعية العلم؛ إذ يرجع الاختلاف إلى تباين القراءات أو الفهم أو التحصيل أو التعبير أو حتى المصالح والأهواء التي يصعب التجرد منها، أو ظروف العصر أو القدرة على اكتشاف وجه الأدلة أو طرق الاستدلال من المقدمات إلى النتائج، أو إدراك العلوم الضرورية أو درجات الاكتساب للعلوم النظرية. ينشأ الاختلاف بين العلماء نظرًا لاختلاف أنظارهم في الأدلة، وتفاوتها لديهم بين الغموض والوضوح، والضعف والقوة، والظن واليقين، والشك وسكون النفس، والقدرة على دفع الشبهات، والتفريق بينها وبين الحجج. ولا يختلف العقلاء على شهادة الحسِّ وأوليات العقل ومعطيات الوجدان. ومقاييس الصدق واحدة عند الجميع.١٤
    وأخيرًا فإن القول بأن إعمال النظر بالرغم عن توافر كل الشروط لا يولد العلم؛ إنكار للنظر وللعلم على السواء، وهدم للعقل وللحقائق معًا، ووقوع في اللاأدرية والشك أو في السر كموضوع للإلهام أو في التقليد والتسليم. إذا ما توافرت الدواعي على النظر يتم النظر، وإذا ما حدث القصد إلى النظر وتوافرت الأدلة تولِّد العلم. وإن لم يتولَّد العلم يكون العيب في غياب الأدلة. النظر نظر في الدليل. وإدراك لوجه الدلالة والاستدلال بها على المطلوب. لذلك كان في النظر ما يولد وما لا يولد طبقًا للنظر في الدليل والعثور على وجه الدلالة.١٥
  • (د)
    لم يبقَ إلا أن النظر يُفيد العلم عن طريق التوليد؛ أي أن فعلًا يوجب فعلًا آخر. النظر فعل للإنسان يتولد منه فعل آخر هو العلم. النظر فعل من أفعال الشعور الداخلية، القصد إليه فعل الإنسان، ولكن النظر كفعل من أفعال الشعور لا دخل للإرادة فيه إلا من حيث القصد والنية والتوجه والفعل.١٦ والتوليد حادث في الشعور، فالشعور تيارٌ مستمر، تتوالى أفعاله فيتولَّد العلم. وهو الاستنباط الصوري القديم، استنباط النتائج من المقدمات، ولكن على مستوى أفعال الشعور. أمَّا التذكر، فبالرغم من أنه يبدو غير مولِّد للعلم؛ لأن التذكر ليس فعلًا إراديًّا مباشرًا، إلا أنه في الحقيقة كالنظر، كلاهما فعلان من أفعال الشعور ومولِّدان للعلم. فالقصد إلى التذكر ممكن وبالتالي يكون فعلًا إراديًّا كالنظر حين التوجه إليه. والنظر قد يكون مثيرًا للتذكر، يأتي النظر بمادة المعرفة من الحاضر، ويأتي التذكر بمادة المعرفة من الخبرات المختزنة، وكلاهما يشترك في الدلالة. النظر يستدعي التذكر كما يستدعي الحاضر الماضي، وكلاهما يتحرك بالبواعث وينشط بالمقاصد والغايات. إذن فقد يولِّد التذكر العلم، فبالتذكر يمكن العثور على دلالات كانت غائبة ثم حضرت. وينشأ قياس النظر على التذكر أو قياس التذكر على النظر من أن كليهما من أفعال الشعور التي تحضر الدلالات وتولد العلم. ولا يعني القياس هنا إفادة الظن أو اليقين، بل يعني التماثل في أن كليهما من أفعال الشعور. التذكر نوع من النظر المفاجئ؛ إذ يتذكر الإنسان بغتة أو ينظر إلى الوراء إذا ما استرجع ذكرياته ورأى دلالاتها. ولا تتزاحم الذكريات فيكون إحداها أولى بالتوليد من الأخرى، لأن الذاكرة لا تعمل إلا بالدواعي، والدواعي أساس التكليف. لا يتذكر الإنسان إلا ما هو مدفوع نحوه، وما هو في حاجة إليه، وما يحياه في شعوره الحاضر من تحقيق المطالب أو تطلعه نحو المستقبل مثل الخوف من ترك النظر. وطالما أن العلم لا يتولد إلا بتذكر الأدلة وعدم نسيانها، فذلك يدل على أن التذكر كالنظر، كلاهما يولِّد العلم.١٧
    والمتولدات لا تروك لها، بل تتسم بالاستمرارية والتواصل، وإلا استدعى الأمر تولُّدًا جديدًا في كل حالة وانقطاع الذاكرة. وباصطلاح القدماء يولد الاعتماد الأكوان. النظر إذن واجب حالًا بعد حال، ويولد العلم، ويستحق المكلف الثواب بفعله والعقاب بتركه. الزمان متصل، والواجب أيضًا متصل، ولا حاجة إلى تجديد التكليف. الأمر على الدوام وليس على الانقطاع. تتوالد المعارف من بعضها البعض حتى ولو بدت منقطعة في لحظات. إن التصور الأشعري لأفعال الشعور الداخلية والخارجية يحتاج إلى تدخُّل إرادةٍ خارجيةٍ مشخصة في كل لحظة من لحظات الشعور، وهو يقوم بأفعاله لأنه غير قادر بطبيعته على الاستمرارية والدوام. لا يتوقف الواجب إلا بوجود الموانع، وامتناع الشروط مثل الغفلة والنوم أو الجنون والبله والاخترام (الموت)، وعدم توافر الدواعي ووجود الصارف. لا يعني ذلك وقوعًا في الجبرية، إذا حدث السبب حدث المسبب، بل يعني الاعتراف باستمرارية أفعال الشعور من البداية إلى النهاية. الارتباط وجوبي وليس ارتباطًا عِلِّيًّا ماديًّا فحسب. الارتباط الأوَّل هو الأساس والجوهر والثاني هو الفرع والظاهر. لا يعني ذلك «وجوب توبة الرامي قبل أن تصل الرمية» بل وجوبها عن قصد الرماية وهو قصدٌ موجود. إذا كان المكلَّف قادرًا على النظر فهو فاعل النظر، وهو القاصد إليه بحسب إرادته ودواعيه. بل إن أفعال الشعور مرتبطة بالدواعي والمقاصد. فالسهو طارئ، والترك عرضي.١٨
    ليست علاقة النظر بالعلم إذن علاقةً صورية خارج الزمان، بل علاقة تنشأ في الزمان. يحتاج التوليد إلى زمان حتى يُحدِث النظرُ العلم. قد يحدث التوليد في اللحظة، وقد يحدث في التأني أو باصطلاح علماء أصول الفقه قد يحدث على الفور وقد يحدث على التراخي. ويرتبط الزمان بالاستعداد الطبيعي. يحتاج الشعور اليقظ إلى زمانٍ أقصر مما يحتاجه الشعور البليد. كما يختلف إحساس كل منهما بالزمان من حيث الشدة والتوتر.١٩ ولما كان النظر يتم في الوقت، فإنه قد يقع في الحال بعد حدوث الخاطر دون أن يكون محددًا بوقت التكليف مثل الصلاة حاضرًا أو قضاءً، على الفور أو على التراخي، في الوقت المضيق أو الوقت الموسع. لا يعني ذلك أنه يحدث في أي وقت، بل في الوقت الأوَّل للوجوب وفي الوقت الثاني لتوليد العلم، وفي الوقت الثالث للممارسة والفعل. ومع ذلك فقد يكون الأفْيَد للشعوب التي لا تشعر بوجوب النظر عليها أن يجب عليها في الحال، على الفور دون التراخي، وحاضرًا دون قضاء، وفي الوقت المضيق دون الوقت الموسع، حتى يتم إيقاظها من سباتها.
    ليست صلة النظر بالعلم إذن صلةً آلية، بمجرد وجود النظر يحصل العلم، بل لا بد من التوليد وهي الحالة الشعورية التي يحصل فيها النظر، ويتولَّد منها العلم إذا توافرت شروط التوليد. ليس كل من علم قواعد الشعر شاعرًا، ولا كل من علم قواعد اللغة كاتبًا، يمكن معرفة كيفية التوليد ولو أن ذلك ليس شرطًا ضروريًّا لتوليد النظر العلم. ولكن يستطيع فيلسوف العلم أو مؤسسه وصف أفعال الشعور ويبين كيفية التوليد. قد لا يعلم الشاعر ضرورة كيفية حدوث عملية قرض الشعر، ولكن عالم الفن قادر على ذلك بوصفه لعمليات الخلق الفني. وقد لا يتم هذا الوصف قبل توليد النظر العلم. الوصف هو وصف لشيء. يحدث الشيء أوَّلًا ثم يتم وصفه ثانيًا. لا يعني ذلك أن النظر لا يولد العلم؛ لأن العلم بكيفية التوليد قد يحصل بعد التوليد ذاته عن طريق الاستبطان، ولكن عدم العلم بكيفية الشعور لا ينفي حدوث التوليد.٢٠
    التوليد إذن هو طريق الحصول على الدلالة بعد النظر في الدليل. الدلالة بداية اليقين واستبعاد مضادات العلم من شك وظن ووهم وجهل وتقليد. ولا تحدث إلا في الشعور اليقظ المنتبه دون شعور النائم والغافل، ولا تقع إلا في الشعور العاقل دون شعور الطفل أو الصبي أو المجنون. لا يعني التوليد ارتباطًا عِليًّا بين النظر والعلم دون أي شروط، بل يعني انكشاف الدلالة في الشعور ورؤية الماهية بتوافر الشروط. الشعور خالق للمعاني وواهب للدلالات، يتولد فيه العلم. لا يوجب النظر العلم آليًّا بل بواسطة الدليل. النظر في الدليل يؤدي إلى العلم بالمدلول، وإذا ما عثر الناظر على المدلول فعليه إعادة النظر حتى يعثر على الدليل؛ فلا مدلول بلا دليل.٢١
    والتوليد شرط صحة النظر. إذا طال النظر ولم يحدث العلم فإنه يكون حتمًا قد توجه بعيدًا عن الأدلة. ولا يمنع وقوع الشبهات في النظر نفي التوليد؛ فالشبهات تجيء وتذهب، والناظر قادر على التمييز بين الشبهة والدليل، وذلك بسكون النفس إلى الدليل وطردها للشبهة. كما تُنبِّه الدواعي والخواطر على صحة النظر وتوليده للعلم. إن الوعي الدائم بوجوب النظر يولد العلم ضرورة بالحدس أو الاستدلال. ولا يؤدِّي عدم النظر إلى الجهل؛ لأن عدم النظر ليس فعلًا بل ترك، والترك لا يتحول إلى فعل. كما لا يولد النظر الشبهات؛ فالتوليد طريق العلم ونفي الجهل عن طريق الدلالة، والدلالة محو للشبهة ولا يتضمن بالضرورة توجيه الشك والظن؛ فالجهل عدم العلم، وهو إدراك العلم ابتداءً ولو بطريق النفي، والشك لا يولد العلم. ولا يعني احتمال أن يؤدي إلى جهل انتفاء النظر؛ فالنظر لا يولد الجهل لأن الجهل اعتقادٌ جازم غير مطابق يحدث من غير نظر، بل لمجرد الاعتقاد، وهو ضد العلم.٢٢
    وهناك فرق بين العلم الضروري في التوليد والعلم الضروري في الإلهام. يتم العلم الأوَّل بأفعال الشعور الداخلية بعد النظر، في حين أن الثاني يحدث بالإلهام الناتج عن الطبيعة دون نظر. ويتم الأوَّل بطريقة الرؤية والحصول على الأدلة، في حين يتم الثاني فجأة وبلا مقدمات ودون حاجة إلى دليل. ويمكن مراجعة الأوَّل والتحقق من صدقه، في حين لا يمكن مراجعة الثاني أو التحقق من صدقه، بل يكون تعبيرًا عن طبيعة، ويكون صدقه مرهونًا باطراد الطبيعة.٢٣

(٢) شروط النظر

لا يحدث النظر إلا بشروط هي نفسها شروط العلم؛ من حياة ويقظة وانتباه ونظر. فالحياة شرط العلم لأن العلم حالة للشعور.٢٤ وكذلك شرط النظر مطلقًا هو الحياة؛ لا نظر بدون حياة، وانتهاء الحياة معناه انتهاء النظر، الأحياء الذين لا يُعمِلون النظر أموات، والأموات الذين ما زلنا نتعامل مع نظرهم أحياء. ليست الحياة فقط شرط النظر بل نتيجته، ليست فقط مقدمته بل ثمرته، وليست الحياة فقط شرطًا للعلم، بل هي الشرط العام الشامل لليقظة والانتباه والنظر والعلم والمعرفة. هي شرط القدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة. وقد دعا ذلك البعض إلى إخراج هذا الشرط من حد العلم، ومع ذلك تظهر الحياة كشرط للعلم في الإلهيات كما تظهر في الطبيعيات؛ ففي الإلهيات الحياة شرط العلم والقدرة في صفات الذات، وفي الطبيعيات الحياة شرط وجود الأجسام.٢٥
وقد يتميز شرط النظر أكثر فيصبح العقل. فالنظر يتم بالعقل، ومن له عقل له نظر، ومن لا نظر له لا عقل له. وقد يتميز شرط العقل بشرطَي الانتباه واليقظة لما كان العقل هو حياة الشعور اليقظ المنتبه. الانتباه من الغفلة، واليقظة ضد النوم. فالعلم مظهر من مظاهر الحياة، والحياة هي اليقظة والانتباه. لا علم لميت أو نائم أو غافل. والعلم أيضًا يبعث على الحياة واليقظة والانتباه؛ هناك إذن علاقة متبادَلة بين الشرط والمشروط. لا يحدث العلم إلا بالحياة واليقظة والانتباه، وفي نفس الوقت يبعث العلم على الحياة واليقظة والانتباه. وما يحدث في عالمنا هذا من تجاوز العلم والغفلة يجعلنا نشك في صحة العلم. لو كان العلم صحيحًا لما حدث إلا باليقظة ولا حدث الانتباه.٢٦
وقد يجعل البعض النظر ليس فقط شرطًا للعلم، بل مضادًّا له؛ لأنه عدم حصول العلم. والحقيقة أن التضاد هنا غياب وليس تعارض وجود. ومِنْ ثَمَّ كان النظر أقرب إلى الشرط منه إلى التضاد. العلم يحدث بالنظر، والذي يضاد العلم هو الشك والظن والوهم والجهل والتقليد. وقد يجعل البعض الآخر النظر مؤديًا إلى العلم دون أن يكون شرطًا له؛ فشرط العلم هو الحياة مقارنًا للمشروط، ولا يتصور مقارنة النظر للعلم. والحقيقة أن هذا إمَّا إقلال لشأن النظر أو مجرد خلافٍ لفظي واستبدال لفظ شرط بلفظٍ آخر هو مؤدى، الأوَّل يدل على الثبوت، والثاني يدل على الحركة، الأوَّل يدل على عدم وجود الضد مثل غياب الإدراك، والثاني يدل على ضرورة وجود المنهج وهو النظر.٢٧
ولا يحتاج النظر إلى علمٍ مسبق؛ إذ أنه سابق على أي علم. بل إن عدم العلم شرط صحة النظر لأن النظر يؤدي إلى العلم. وإذا كان هناك نظران بعد العلم بالمنظور الأوَّل، فإنه يدرك وجهًا آخر من الدليل لم يدركه النظر الأوَّل؛ فلا يمتنع وجود فكرين في حالةٍ واحدة. وعند من يمنع ذلك يقضي النظر الثاني على ذهول الناظر من العلم بالنظر الأوَّل. وإذا أمكن العلم بالمدلول دون نظر يكون النظر ضروريًّا لإيجاد البرهان، ويكون النظر هنا تراجعيًّا من النتائج إلى المقدمات أو من الحدس إلى البرهان. والحدس أحد مراحل النظر، وكذلك التأمل الباطني أو الانتباه المستمر أو رؤية الواقع، كلها لحظات للنظر بشرط ألا يؤدي الجزم بالمطلوب أو بنقيضه إلى تحجر البحث وتعثر النظر، فالجزم اعتقادٌ قاطعٌ مضاد للنظر.٢٨ في حين يرى البعض الآخر أن العلم بالمطلوب أو الجهل المركب به يبطل النظر؛ إذ كيف يتم النظر فيما علم من قبلُ؟ وعلى هذا النحو يبطل النظر في وجود «الله» ممن يعلمه مسبقًا صحةَ النظر. وإدخال «الله» كافتراضٍ مسبق قبل إثبات وجوده في أي نظرية في العلم يبطل النظرية. كما أن الجهل المركب يبطل النظر، أي عدم العلم بالعلم أو عدم العلم بالنظر، ومن لا يعرف أن النظر يفيد العلم فإنه لن ينظر، والجهل المركب هو ألا يعلم الإنسان أنه لا يعلم.
ونظرًا لقسمة النظر إلى صحيح وفاسد، هناك شروطٌ خاصة للنظر الصحيح، وعلى رأسها اثنان: الأوَّل أن يكون النظر في الدليل دون شبهة، والثاني أن يكون النظر في الدليل من جهة الدلالة، وهذا كله أُدخل في نظرية الاستدلال. أمَّا البحث في الدليل والدلالة ووجه الدلالة، هل هي شيءٌ واحد أم أشياءُ متغايرة، فذلك كله ما يخرج عن نطاق نظرية العلم ويدخل في ميتافيزيقا العلم.٢٩ وهي أقرب إلى المشكلات الميتافيزيقية الخالصة التي تنشأ من خارج نظرية العلم، مثل هل صفة الشيء هي الشيء أم غيره أم لا هو الشيء ولا هو غيره. يكفينا في نظرية العلم أن يكون وجه الدلالة هو الرابط بين الدليل والمدلول. أمَّا قضية هل يقتضي الإثبات بالدليل إثبات المدلول أم إثبات العلم بالمدلول (أو بتعبيرٍ لاحق على نظرية العلم وأدخل في نظرية الوجود: هل يؤدي الدليل على حدوث العالم نفسه أم إلى العلم بحدوث العالم؟ أو بتعبيرٍ لاحق على نظرية الوجود وأدخل في نظرية الذات: هل يؤدي الدليل على وجود «الله» إلى إثبات وجود الله، أم إلى إثبات العلم بوجود الله؟) فإن الأمر ما دام يتعلق بنظرية العلم وحدها، فالدليل يؤدي إلى المدلول من حيث هو علم لا من حيث هو واقع؛ ومِنْ ثَمَّ لا ينقسم المدلول إلى وجود وعدم أو قِدَم وحدوث، ولا يمكن أن تتحوَّل نظرية العلم إلى نظرية وجود، أو تكون تقسيمات الوجود هي تقسيمات العلم؛ أي أحكام عقلية عن المعلوم. إن الانتقال من الدليل العقلي إلى المدلول الواقعي يقوم على حكمٍ مسبق هو تطابق عالم الأذهان مع عالم الأعيان، وهو الموقف الأشعري وموقف الحكماء الذي لا يفترض الدليل الأنطولوجي العام في صلة الفكر بالواقع على عكس الموقف الاعتزالي وموقف الفقهاء الذين يميزون بين عالم الأذهان وعالم الأعيان، بين مقولات الذهن وبين الأشياء في العالم، بين بناء الذات وتكوين الموضوع.٣٠
لقد اكتفى القدماء بمطالبة الناظر بالدليل الإجمالي دون التفصيلي، بينما اشترط البعض الآخر التفطُّن لكيفية الاندراج، وتركيب المقدمات ولزوم النتائج منها، ومنعه آخرون إلا بتصديقٍ ثانٍ وهو ما يلزم بالتسلسل أو لأنه متفاوت في الجلاء والخفاء.٣١ والحقيقة أن ترتيب المقدمات ولزوم النتائج وكيفية الاندراج كل ذلك جزء من نظرية العلم، ولكن في طرق النظر وليس في النظر ذاته الذي يفيد العلم. ومنهج الإيضاح أحد طرق النظر. ونظرًا لأهمية الأساس الشعوري للعلم أصبح من شروطه هذا التفطن لكيفية الاندراج والترتيب.
١  هذا هو رأي الحكماء (المواقف، ص٢٨؛ التحقيق التام، ص١٧). ونظرية الفيض أقرب إلى الفلسفة. ولم يتعرض لها علماء أصول الدين إلا في العصور المتأخرة بعد احتواء علم أصول الدين لعلوم الحكمة، والموضوع كله فلسفي وجزء من نظرية المعرفة في علوم الحكمة، وسيعرض له بالتفصيل في الجزء الثاني «فلسفة الحضارة».
٢  هذا هو رأي الرازي (المواقف، ص٢٨). وذكره الغزالي على أنه المذهب عند الأشاعرة، عند أبي بكر وإمام الحرمين والطوسي (شرح المقاصد، ص٥٩).
٣  المغني، ج١٢؛ النظر والمعارف، ص١٠، ص٨٤، ص٩٣، ص١٤٥-١٤٦، ص١٥٢.
٤  هذا هو رأي الأشعري (المواقف، ص٢٧). والحقيقة أن نظرية الأشاعرة ليس لها اصطلاحٌ خاص؛ لأنها رد فعل على نظرية المعتزلة في «التوليد». إثباتًا عند المعتزلة ونفيًا عند الأشاعرة (المقاصد، ص٥٧-٥٨؛ مطالع الأنوار، ص٣١). ومما يدعو للتأمل اقتران المذهب الحسِّي بالدين وبالإيمان بالله مع أنه معروف أنه مضاد له!
٥  الشامل، ص١٠٥–١٠٧، ص١١٢-١١٣؛ الإرشاد، ص٦؛ التحقيق التام، ص١٦-١٧، انظر أيضًا: الفصل السابع، خلق الأفعال.
٦  شرح المقاصد، ص٥٨؛ المحصل، ص٢٨-٢٩؛ التلخيص، ص٢٩-٣٠؛ شرح التفتازاني، ص٢٥؛ التحقيق التام، ص١٦.
٧  المعالم، ص٨؛ المغني، ج١٢؛ النظر والمعارف، ص٨٤–٨٧، ص١٩٦–١٩٨، ص٢٠٨-٢٠٩، ص٤٩٠-٤٩١.
٨  المغني، ج١٢؛ النظر والمعارف، ص٩٥، ص١٤٤–١٤٦، ص١٦٥-١٦٦.
٩  المغني، ج١٢؛ النظر والمعارف، ص١٥٦-١٥٧، ص١٦٠–١٦٣، انظر أيضًا سابقًا: أقسام العلم والرد على خداع الحواس.
١٠  المغني، ج١٢؛ النظر والمعارف، ص١٥٣–١٥٦. ص١١٩–١٢٢.
١١  التلخيص، ص٢٩-٣٠.
١٢  المغني، ج١٢؛ النظر والمعارف، ص١٤٥-١٤٦، ص١٥٣–١٥٦.
١٣  المغني، ج١٢؛ النظر والمعارف، ص١٥٧–١٦٠.
١٤  المغني، ج١٢، النظر والمعارف، ص١٣٧–١٥٠.
١٥  المغني، ج١٢؛ النظر والمعارف، ص١٥٣، ص٢٦٧-٢٦٨.
١٦  هذا هو رأي المعتزلة (المواقف، ص٢٧-٢٨).
١٧  المحصل، ص٢٩؛ المغني، ج١٢؛ النظر والمعارف، ص٨٤–٨٧، ص١٢٧–١٣٧، ص١٤٤-١٤٥.
١٨  المغني، ج١٢؛ النظر والمعارف، ص٨٤–٨٧، ص٩٨-٩٩، ص٤٥٠–٤٥٥، ص٤٦٥-٤٦٦، ص٤٦٧–٤٧٠.
١٩  المغني، ج١٢، النظر والمعارف، ص١٤٧–١٥٠.
٢٠  المغني، ج١٢، النظر والمعارف، ص١٦٣–١٦٥.
٢١  المغني، ج١٢، النظر والمعارف، ص٦٩، ص٧٧–٨٤، ص٩٢، ص١٠٠–١٠٣، ص٢٢٧–٢٣٧.
٢٢  المغني، ج١٢، النظر والمعارف، ص٦٩، ص١٠٤–١١٣، ص١١٦–١١٨، ١٢٧–١٣٧، ص٢٥٥–٢٥٨، ص٢٦٩-٢٧٠.
٢٣  المغني، ج١٢، النظر والمعارف، ص٩٠، ص٩٦.
٢٤  المواقف، ص٢٨، انظر أيضًا في هذا الفصل تعريف العلم. أطلق القاضي اسم الشرط على النظر (الشامل، ص١١٠–١١١).
٢٥  اشترط المعتزلة في وجود الحياة في الشيء أن يكون ذا بنيةٍ مخصوصة، أقل أجزائها ثمانية أو ستة أو أكثر حسب اختلافهم في عدد أجزاء الجسم، وأجاز الصالحي منهم وجود العلم والقدرة والإدراكات في الأموات، واشترط الأشعري الحياة في وجود الكلام فيما ليس بحي، وأجاز القلانسي من أهل السنة وجود الكلام فيما ليس بحي، ولم تُجز الكرامية وجود القدرة إلا في حي (المغني، ج١٢، النظر والمعارف، ص١٣، ص٢٢٠–٢٢٥؛ الشامل، ص١١٠؛ الأصول، ص٢٨–٣٠).
٢٦  شرح المقاصد، ص٧٤؛ الإرشاد، ص١٥؛ المغني، ج١٢، النظر والمعارف، ص٢٢٠–٢٢٥، ص٢٣٥–٢٣٨.
٢٧  الإرشاد، ص٥، ص١٤-١٥؛ الشامل، ص١١٤-١١٥.
٢٨  الشامل، ص٩٧–٩٩، ص١٠٦-١٠٧؛ المعالم، ص٧٢؛ شرح المقاصد، ص٧٣-٧٤؛ المغني، ج١٢، النظر والمعارف، ص١١-١٢. وهذا هو معنى قول المسيح: «لن تبحث عني إن لم تكن قد وجدتني من قبلُ.» انظر أيضًا بحثنا عن هذا المنهج في «حكمة الإشراق والفينومينولوجيا»، دراسات إسلامية.
٢٩  هناك ثلاثة أمور: (أ) العلم بذات الدليل. (ب) العلم بذات المدلول. (ﺟ) العلم بكون الدليل دالًّا على المدلول. والأول مغاير للثاني والثالث (المواقف، ص٣٤؛ المحصل، ص٣٠؛ الشامل، ص١٠٥-١٠٦؛ المقاصد، ص٧٣؛ شرح المقاصد، ص٧٤؛ الخلاصة، ص٧).
٣٠  انظر تحليلنا لهذا الدليل في «نماذج من الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط»، ص١١٨–١٣٠.
٣١  هذا هو رأي ابن سينا، وقد عارضه الرازي وأيده الإيجي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠