سابعًا: طرق النظر

بعد وجوب النظر أصبح آخر جزء في نظرية العلم طرق النظر أو مناهجه. فالطريق هنا يعني المنهج، طرق النظر هي مناهج النظر التي يمكن التوصل بها إلى المطلوب. ويبدو أن هذه المناهج كلها قد تم استعارتها من المنطق؛ فنظرية العلم هي في صورتها الأخيرة نظرية في المنطق، لذلك لما كان الإدراك تصورًا أو تصديقًا فكذلك المطلوب. إن كان تصوُّرًا يكون هو المعرف وإن كان تصديقًا يكون هو الدليل سواء كان ظنيًّا أم قطعيًّا. وقد يخص بالقطعي وحده وفي هذه الحالة يُسَمَّى الدليل الظني أمارة. وقد يخص بما يكون من المعلول إلى العلة، فيسمى عكسه تعليلًا؛ أي الانتقال من العلة إلى المعلول. وواضح أن التصديق عند القدماء ليس حكمًا، بل مجرد الدليل على التصور؛ أي ما يحقق التصور. وإذا كان الدليل بحسب اليقين ظنيًّا أم قطعيًّا، فإنه بحسب الدلالة يكون إمَّا برهان دلالة أو برهان علة. ويُلاحَظ على تصور القدماء لطرق النظر سيادة نظرية المنطق على نظرية العلم، وقبول القسمة التقليدية في المنطق عند الحكماء إلى تصور وتصديق، وأن التصور يُنال بالحد وأن التصديق يُنال بالبرهان. وهي القسمة التي رفضها الفقهاء وفنَّدوها وبيَّنوا تهافتها وسطحيتها بالرغم من دخولها أيضًا كمقدمة في علم أصول الفقه.١ والتركيز أكثر على الدليل، وهو ما يعادل الحكم المنطقي، وكان أهم شيء في علم أصول الدين ليس التصورات أو الأحكام بل الأدلة. ومن البداية يتم التمييز بين الدليل الظني والدليل القطعي من أجل تأسيس العقائد. والخشية أن تكون الأدلة ظنية ويظنها المتكلم قطعية. كما يبرز برهان العلة كأحد الأدلة وهو ما سيتحول فيما بعدُ إلى نظرية الوجود في مبحث العلة والمعلول كجزء من المباحث الطبيعية أكثر منه جزءًا من نظرية المنطق. تبدو القسمة عقليةً بديهية بصرف النظر عن موضوع علم الكلام، وهو «الذات والصفات والأفعال»، وكأن الموضوع كان مجرد وسيلة لصياغة المنهج ووضع نظرية في المنطق.٢

(١) التعريف

هو الطريق إلى التصور. ولما كان عالم أصول الدين لا يعرف تصوراته فلم يركز على التعريف قدر تركيزه على الأدلة، في حين أن «التراث والتجديد» يركز على التصورات قدر تركيزه على الأدلة لمعرفة هل يمكن تصور «الله»؟ قبل «هل يمكن البرهنة عليه؟» وقد تحدث القدماء في موضوعات ثلاث في التعريف:
  • (أ)
    معرفة المعرف به تسبق معرفة المعرف، ويكون غيره وأجلى منه، ويكون مساويه في العموم والخصوص. ويكون التعريف بالخصائص المميزة. فإن كان التمييز ذاتيًّا فهو الحد، وإن كان غير ذاتي فهو الرسم. وإن كان الذاتي بالجنس القريب فهو التعريف التام، وإلا فهو تعريفٌ ناقص. ويحدُّ المركب دون البسيط؛ لأن البسيط لا حدَّ له. وواضح أنه يستحيل تطبيق هذا التعريف المنطقي في الإلهيات؛ لأن «ذات الله» لا تساوي أحدًا في العموم المطلق، ولا يمكن تعريفها بالجنس القريب والفصل البعيد؛ لأن لا جنس لها، فهي جنس الأجناس ونوع الأنواع. كما أنها ليست مركَّبة حتى يمكن حدها. وأقصى ما يمكن عمله هو التعريف الناقص عن طريق الصفات العرَضية وهو الرسم، أقل درجة في التعريف. خاصةً وأنه لا يمكن إحصاء الخصائص المميزة لها لصياغة حد لها. ويبدو أن التعريف وضع للمنطق، للموضوعات العقلية الخالصة وليس لأي موضوعٍ «إلهي» خاص.٣
  • (ب)

    التعريف بالمثال، وهو تعريف بالمشابهة مثل التعريف الناقص أو الرسم وهو الوارد عادةً في معرفة «ذات الله»؛ إذ لا يمكن معرفتها بالحد التام، ولكن يمكن فقط عن طريق القياس والشبه، قياس الغائب على الشاهد الذي يؤدي إلى التشبيه، وهو المستعمل في علم الكلام عن قصد أو عن غير قصد، بوعي أو عن غير وعي. ويكون التنزيه بطبيعة الحال هو رد الفعل. ولكن التنزيه أيضًا متعلق بالتشبيه لأنه رد فعل عليه، ورفضٌ سالب له، وما زال يستعمل المفاهيم الإنسانية حتى في صورها الأكثر تجريدًا. ولكن يبدو أن المتكلم في خطابه كان يظن أنه يتحدث بالتعريف الأوَّل وهو في حقيقة الأمر لا يتحدث إلا بالتعريف الثاني. فلا سبيل إلى الوصول إلى الأوَّل على الإطلاق إلا عن طريق الثاني.

  • (جـ)
    التعريف اللفظي، وهو توضيح دلالة لفظ بلفظٍ آخر أوضح دلالة. ويُستعمل في التعريف العام. وتُستبعد الألفاظ الغريبة الوحشية، وكذلك الألفاظ المشتركة والمجازية بلا قرينة. ومِنْ ثَمَّ يعرف ألفاظ «الذات والصفات والأفعال» وباقي ألفاظ علم الكلام. والحقيقة أنها في غالبيتها ألفاظٌ مشتركةٌ مجازية، تفيد معاني إنسانية، ثم أُطلقت على «الله» على طريق المجاز، بلا قرينة إلا من قياس الغائب على الشاهد. فالإنسان له ذات وصفات وأفعال، ثم أُطلقت على «الله» فأصبحت ألفاظًا مشتركةً مجازيةً، أصلها الحقيقي في الإنسان.٤

(٢) الاستدلال

هي طريقة الانتقال من المقدمات إلى النتائج، وهو المعنى العام للاستدلال، ويتم هذا الانتقال بعدة طرق:
  • (أ)

    الاستدلال بالكلي على الجزئي، وهو القياس، وفي هذه الحالة يتم الانتقال من «ذات الله» إلى غيرها باعتبار أنها الكلي. والحقيقة أن ذلك مستحيل؛ لأنها لا يمكن أن تُعرَف، ولا يوجد أعم من «ذات الله» يمكن أن يُستدل به على ذات الله باعتباره كلًّا أخص أو جزءًا؛ وبالتالي فالقياس المنطقي بهذا المعنى لا يمكن استعماله في معرفة «ذات الله».

  • (ب)
    الاستدلال بالجزئي على الكلي، وهو الاستقراء. فإن كان الاستقراء تامًّا فهو استدلالٌ يقيني، وإن كان ناقصًا فهو استدلالٌ ظني. وهو طريق الانتقال من الإنسان إلى «الله»؛ أي من الجزء إلى الكل، طريق التشبيه وقياس الغائب على الشاهد. ويستحيل أن يكون تامًّا لأن الإنسان لن يستقرئ كل الجزئيات للاستدلال بها على «ذات الله» باعتبارها كل الكليات بالإضافة إلى أنه خطأ في اتجاه المعرفة. فالانتقال من الجزئي لا يكون إلا لجزئيٍّ مثله، دخولًا في العالم وليس خروجًا منه.٥
  • (جـ)
    الاستدلال بالجزئي على الجزئي، وهو التمثيل أو القياس الفقهي، أي مشاركة الجزأين في علة الحكم. وهو يجوز في الأشياء والأفعال، ولكن لا يمكن معرفة «ذات الله» به؛ لأن الله ليس جزءًا ولا يُقاس على جزء. أمَّا الاستدلال بالكلي (طبقًا للحالة الرابحة في القسمة العقلية)، فالكليان جزئيان لدخولهما تحت عنصرٍ ثالث مشترك. ولا يمكن «لذات الله» ككل أن يساويها كلٌّ آخر وإلا كان شِركًا. ومِنْ ثَمَّ يستحيل استعمال هذه الاستدلالات المنطقية في الفكر «الإلهي».٦

(٣) القياس

وهو المنهج الرئيسي في الاستدلال، وقلب المنطق وعمدته. وتأتي معظم أشكاله من المنطق الصوري. وكأن المتكلمين قد اعتمدوا على منطق الحكماء أكثر من اعتمادهم على منطق الأصوليين بالرغم من اشتراكهم معهم في «علم الأصول»؛ أصول الدين عند المتكلمين وأصول الفقه عند الفقهاء. وأهم صور القياس خمس:
  • (أ)

    الانتقال من حكمٍ إيجابي أو سلبي لكل أفراد الشيء إلى شيءٍ آخر كله أو بعضه، وثبوت نفس الحكم له قطعًا. وبلغة المنطق الصوري، الانتقال من الكلية الموجبة أو السالبة إلى الكلي أو الجزئي الموجب أو السالب. وهو ما يستحيل في معرفة «الله» باعتبارها كلًّا موجبًا (إثبات صفات الكمال) أو كُلًّا سالبًا (نفي صفات النقص). ولأنه غير مُعرَّف بعدُ فكيف يمكن الانتقال منه إلى موجب أو سالبٍ آخر، كلي أم جزئي؟

  • (ب)

    الانتقال من حكم لكل أفراد الشيء وحكمٍ مقابل لشيءٍ آخر كلي أو جزئي، فيعلم سلب الحكم الأوَّل عن الشيء الثاني؛ أي الانتقال من الكلية الموجبة إلى الكلية أو الجزئية السالبة عن طريق القلب أو التضاد، ولا يمكن معرفة «الله» أيضًا عن هذا القياس؛ لأن «الله» لا يمكن معرفته ثم الانتقال منه إلى معرفة الآخر. ولكن يمكن افتراضًا تعريف «ذات الله» تعريفًا كليًّا موجبًا، ثم قلبه إلى عكسه كلًّا أو جزءًا وسلب الحكم عنه. إذا كان «الله» حيًّا يكون الإنسان ميِّتًا، سواء كان الإنسان الكلي أو هذا الإنسان المتعيَّن.

  • (جـ)

    الانتقال من ثبوت أمرَين لثالث إلى ثبوته فيه سواء كان كليًّا أم جزئيًّا. وبلغة الرياضة المساويان لثالث متساويان أو بتعبيرٍ أدقَّ المتساويان مع ثالث يكون مساويًا لهما. وعلى افتراض معرفة «ذات الله»، فإنه لا يمكن الانتقال منها إلى معرفة شيءٍ آخر؛ نظرًا لعدم اشتراك الله مع غيره في صفاته المطلقة، وإلا وقعنا في الشرك في مفهوم المتكلمين.

  • (د)

    الانتقال من ملازمة شيئَين، ومن وجود الملزوم إلى وجود اللازم، ومن عدم اللازم إلى عدم الملزوم. وبلغة التعليل إذا ثبت وجود رابطة علة بين شيئَين، إذا وجدت العلة وجد المعلول، وإذا وجد المعلول وجدت العلة، وهو ما يُسَمَّى بقياس العلة بلغة الأصول. وهذا يقتضي أوَّلًا معرفة «الله» ثم معرفة أن علاقة «الله» بالعالم علاقة علة بمعلول؛ حتى يمكن استخدام قياس العلة لإثبات وجود «الله»، طالما وجد العالَم، وهو المعلول، وجد «الله» لاعتباره علة.

  • (هـ)

    الانتقال من المنافاة بين أمرَين من وجود أحدهما إلى عدم الآخر، وهو إثبات وجود الشيء ثم نفي ضده، وهو ما يقوم عليه التنزيه بإثبات صفات الكمال «لله» ونفيها عن الإنسان وإثبات صفات النقص للإنسان ونفيها عن «الله».

ويستمر التشعيب في أنواع القضايا وقسمتها إلى استثنائية واقترانية، وقسمة الاستثنائية إلى متصلة ومنفصلة. ثم تظهر أشكال القياس الأربعة وضروب كل منها سلبًا وإيجابًا، كليةً وجزئيةً كما هو الحال في المنطق الصوري.٧ ويُلاحَظ أن كل هذه الأشكال من القياس مستمَدَّة من المنطق الصوري الذي كان نموذجًا لنظرية العلم في علوم الحكمة التي طغت على علم الكلام في مرحلة البناء الكامل ودخلت فيه، وليست مستمدة من المنطق الأصولي على ما هو معروف في علم أصول الفقه ونقده لأشكال القياس القديم وتفضيله القياس الشرعي. كما أنها معروضة على نحوٍ نظريٍّ خالص دون بيان وجه استعمالها في «الإلهيات»؛ مما جعل نظرية العلم مقطوعة الصلة بموضوع العلم، وكأنها غاية في ذاتها وليست وسيلة لشيءٍ آخر وهو موضوع العلم «الإلهي». تفصل المنهج عن الموضوع وتستعمل المناهج في الاستدلال على موضوعٍ مفترض سلفًا مع أنه هو المطلوب إثباته وتأسيسه بنظرية العلم. وتخرج من نظرية العلم ولا تبدأ ببداياتٍ يقينية أولى لا تسبقها بداياتٌ أخرى؛ نظرًا لاستخدامها في افتراضاتٍ مسبقةٍ مستمَدَّة من «الإلهيات». وهل يتم التعبير عن الفكر الديني بمثل هذا الوعي النظري المنطقي؟ هل يقوم المتكلم بالتعبير عن خطابه واضعًا إياه في هذه الأشكال الصورية للقياس؟ ألم يقع الخطاب الكلامي، بالرغم من نظرية العلم هذه كنظرية في المنطق، في منطق الخطابة والجدل بعيدًا عن منطق البرهان؟ وهل يمكن استعمال هذا القياس بصرف النظر عن مادة نظرية العلم أي التجارب التي يخوضها المتكلم والواقع الذي يعيش فيه؟ قد تكون الميزة الوحيدة لهذا القياس هو بيان إمكانية وضع الخطاب الكلامي في قضايا منطقية حتى يكون لها معنًى، وكأن الخطاب «الدين» لا يحصل على معناه إلا بتحليل القضايا.٨

(٤) القياس «الديني»

ونعني به ثلاثة أدلةٍ أخرى تعرَّض القدماء لها وحكموا عليها بالضعف مع أنها دعامة الفكر الديني. أشار علماء أصول الدين إلى الاثنين الأوَّلين منها، بينما أشار علماء أصول الفقه إلى الثالث. ويظهر فيها إبداع نظرية العلم وقدرة الحضارة الجديدة على صياغة منطقٍ جديد في مقابل المنطق الصوري القديم، وهي:

(٤-١) قياس الغائب على الشاهد

وهو قياس إنساني معرفي؛ إذ لا يعرف الإنسان ما لا يعرف إلا قياسًا على ما يعرف، ولا يتصور اللامرئي إلا قياسًا على المرئي، وبالتالي قياس «ذات الله» على ذات الإنسان، و«صفات الله» على صفات الإنسان، و«أفعال الله» على أفعال الإنسان، وهو طريق التشبيه، طريق الأشاعرة والمشبهة والمجسمة بوجه عام، لا فرق بين الصفة أو الموصوف أو بين الصورة والجسم، ويقوم على إثبات علةٍ مشتركة بين الغائب والشاهد حتى يمكن القياس عليها. والحقيقة أن ذلك مستحيل وإلا وقع المتكلِّم في الشرك؛ «فالله» في عرف المتكلمين يتفرد وحده بالذات والصفات والأفعال، فكيف تكون المشاركة؟ قد تكون خصوصية الأصل شرطًا مثل صفات «الله» المطلقة مثل الخلق والرزق والإماتة والإحياء والحساب، وقد تكون خصوصية الفرع مانعًا، مثل صفات النقص والموت والفناء والعدم والنَّصَب، ولهذا القياس صور منطقية ثلاث:
  • (١)

    الطرد والعكس: أي وجود الصفة في الشيئَين أو غيابها عن واحد وحضورها في الآخر. والأفضل وجودهما معًا. وهما مبحث العلة عند الأصوليين، فبُلغَتهم دوران العلة والمعلول وجودًا وعدمًا، إذا حضرت العلة حضر المعلول وإذا غابت العلة غاب المعلول. وهو مبحثٌ أصولي خالص لا يتم إلا في الأفعال الحسية والأمور المرئية التي تخضع للتجريب.

  • (٢)
    السبر والتقسيم: أي الحصر ثم القسمة، حصر الصفات الذي قد يكون تامًّا أو ناقصًا، ثم التقسيم للبحث عن الصفات المشتركة، وهل يمكن حصر صفات الله؟٩
  • (٣)
    الإلزامات: وهو القياس على ما يقول الخصم لعلةٍ فارقة. وهو لا يفيد اليقين ولا الإلزام؛ لأنه يعتمد على أقوال الخصم الذي قد يمنع علة الأصل وحكمه، ويجعله واضع الدليل، ويقيم اليقين على الظن. والحقيقة أن هذا وارد في علم الكلام في منهج الجدل الذي يعتمد في مقدماته على مُسلَّمات الخصوم ما دام في ذلك إفحام له، وانتصار عليه.١٠
    وعلى هذا النحو يبدو قياس الغائب على الشاهد مُستعارًا كليةً من علم أصول الفقه دون مراعاة لطبيعة الموضوعَين «ذات الله وصفاته وأفعاله» في علم أصول الدين والأحكام الشرعية في علم أصول الفقه، وإلا كُنَّا قد افترضنا سلفًا أن موضوع علم أصول الدين موضوع حسي خاضع للتجريب والقياس، وبالتالي لا يفترق الأشاعرة عن المُشبِّهة والمُجسِّمة في شيء، أو الاعتراف والتسليم بأنه لا يمكن معرفة «ذات الله وصفاته وأفعاله» إلا قياسًا على ذات الإنسان وصفاته وأفعاله عن قصد أو عن غير قصد، عن وعي أو عن غير وعي. والاعتراف بالحق خير من التمادي في الباطل.١١

(٤-٢) قياس الأولى

ولم يذكره علماء أصول الدين في نظرية العلم كجزء من النظرية كما ذكره علماء أصول الفقه في نقدهم للمنطق الصوري القديم ووضع منطقٍ أصوليٍّ جديد بدلًا عنه. ولكن يظهر معناه في نظرية العلم في عرض موقف «المهندسين في الإلهيات»؛ إذ إن الغاية فيها (الإلهيات) «الظن والأخذ بالأحرى والأخلق». وهو أقرب إلى فعل الشعور منه إلى القياس ذي القواعد والأصول. إذا كان الإنسان عالمًا «فالله» أولى بالعلم، وإذا كان الإنسان قادرًا «فالله» أولى بالقدرة، وإذا كان الإنسان حيًّا «فالله» أولى بالحياة، وإذا كان الإنسان سميعًا بصيرًا متكلمًا مريدًا «فالله» أولى بالسمع والبصر والكلام والإرادة، وهكذا في باقي الأوصاف والصفات.١٢ فإذا كان قياس الغائب على الشاهد أصل التشبيه، فإن قياس الأولى أصل التنزيه، ولو أن بدايته في الحس ولكنه يجعل اللامحسوس أولى بصفات المحسوس؛ فهو في حقيقة الأمر تشبيهٌ مقنع أو تشبيه يصارع نفسه في صورة تنزيه، وتكون قمة انتصاره في تأكيد التعالي المستمر تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَصِفُونَ الذي يكمل القياس نهائيًّا ويطلقه من بدايته الحسية.١٣

(٤-٣) ما لا دليل عليه يجب نفيه

ويتفق عليه علماء الأصول؛ أصول الفقه وأصول الدين. فالدليل على الشيء وجوده. وما الفائدة من وجود شيء لا دليل عليه؟ وجود الشيء هو البرهان عليه، والبرهان على الشيء هو الذي يوجده. فالبرهان علة الوجود، والدليل أساسه؛ لذلك كان العلم أساسًا هو الاستدلال إثباتًا أو نفيًا، بالعقل أم بالواقع. وكان هَمُّ المتكلمين نقد أدلة المُثبتين لشيء وبيان ضعفها عقلًا أو حصرها، ثم نفيها واقعًا. ولولا ذلك لانْتفَت الضروريات لجواز أن تكون هناك أشياء لا نراها ولا دلائل عليها، ولانتفت النظريات لجواز معارض للدليل لا نعلمه. ولما كان ما لا دليل عليه لا متناهٍ كان إثباته محالًا؛ إذ إن قدرات الإنسان تمنع من إثبات شيء لا دليل عليه. وإذا كان عدم الدليل في نفس الأمر ممتنع، فذلك يكون دافعًا على البحث الدائب عن الدليل وعدم إثبات شيء لا دليل عليه، وعدم الرضا بالعلم الظني والمشكوك فيه والجهل، والوهم، ودفع المعارض؛ لأن ذلك ضروري في القطعيات. والدليل هو الدليل العقلي الخالص الذي يشمل الحس والوجدان والذي لا يعتمد على الإيمان بشيء مسبقًا وإلا كان حكمًا وابتسارًا. وذلك يتطلب قدرًا من الشجاعة والاعتراف، فوجود الأشياء معرفتنا لها؛ ومِنْ ثَمَّ تكون الأولوية المطلقة للمعرفة على الوجود.١٤

(٥) المقدمات

وهي مادة العلم التي يتم الاستدلال عليها وهي على نوعين: قطعية وظنية.

(٥-١) المقدمات القطعية

وهي المقدمات التي تنشأ منها نتائج قطعية، إذا صح الاستدلال، وتأتي القطعية من طبيعة مادة المقدمات اليقينية، وكأن الصواب والخطأ ليس من صورة العلم وحدها، ولكن أيضًا من مادته، وهي سبع.

  • (١)

    الأوليات: وهي البداهات التي لا تخلو أي نفس منها بعد تصور الطرفين، مثل المُسلَّمات والبديهيات. وتعتمد عليها نظرية العلم في بداية العلم، وذلك مثل وجود الإنسان ووجود العالم والحقائق الضرورية النظرية أو العملية ومنها شهادات الوجدان التي لا تقلُّ بداهة عن أوائل العقول.

  • (٢)
    الحدسيات: وهي البديهيات العقلية الخالصة، مثل دلالة إتقان الصنعة على الصانع. وهي استدلالٌ مباشر بلا مقدمات وتوسط، بل بالقفز من المقدمات إلى النتائج مباشرة. وهي مثل الأوليات، ولكن مع قدر من الاستدلال الحدسي أو مثل القضايا التي قياساتها معها دون أن تكون متضمَّنة فيها. وهو ما يدركه الحس أو العقل أو الوجدان مرةً واحدة بلا تأمل أو انتظار أو تكرار أو تحقُّق. وقد يكون وجوديًّا كوجود الإنسان، أو بدنيًّا كالصحة والمرض، أو «فزيولوجيًّا» كاللذَّة والألم، أو عاطفيًّا كالغم والفرح، أو إراديًّا كالقدرة والعجز، أو نزوعيًّا كالإرادة والكراهة، أو إدراكيًّا كالإدراك والعمى.١٥ وهناك معارفُ ضرورية حدسية تخبر عن الواقع بالخطاب الذي يلقيه المتكلم على السامع. والعلم بالانفعالات النفسية عن الآخرين علمٌ بديهي بشرط وجود الأمارة مثل حمرة الخجل وصفرة الوجل. والعلم بالمبادئ الخلقية أيضًا علمٌ بديهي.
  • (٣)

    قضايا قياساتها معها: وهي البديهيات المركبة التي يمكن حلها إلى بديهياتٍ بسيطة مثل أن الأربعة تساوي اثنين واثنين؛ أي الاستدلال الصحيح الذي يقوم مقام بديهية ويعادل المعارف الفطرية. والحقيقية قد تختلف درجة البداهة لهذه القياسات باختلاف درجة الوضوح والبساطة فيها، وهي أشبه بالقضايا التحليلية في الرياضة بصرف النظر عن درجات التحليل ومدى خطواته.

  • (٤)
    المشاهدات: وهي المدركات الحسية التي يحكم العقل بصحَّتها مع الحذر من خداع الحواس. وظاهر الحس منها يُسَمَّى حسيات، وباطن الحس منها يُسَمَّى وجدانيات. فبالرغم من خداع الحواس، إلا أن الإدراكات الحسية موجودة.١٦ وهنا تتكرر الوجدانيات مرةً ثانية، فكأنها في أوائل العقول، وفي الحدسيات وفي القضايا التي قياساتها معها، وكأنها هي الشامل لمجموعة المعارف البديهية بصرف النظر عن مستوى البداهة، العقل أم الحس أم الرؤية الحدسية.
  • (٥)
    المجرَّبات: وهي المدركات الحسية التي يحكم العقل بصدقها مع تكرارها وتحوُّلها إلى عادات وقوانينَ ثابتة؛ لذلك أصبحت المشاهدة ومجرى العادات حد مقاييس الصدق في علم الأصول وتكرار المدركات الحسية، مثل تكرار المقدمات في الاستدلال، كلاهما يؤدي إلى اليقين.١٧
  • (٦)

    الوهميات في المحسوسات: وهي المدركات الحسية العادية أو أحكام الحس مثل الحسيات على مستوى العقل مثلًا كل جسم في جهة. ويمكن تسميتها الحدوس الحسية التي قد يكذبها العقل، ولكنها جزء من المعرفة البشرية ومادة العلم.

  • (٧)
    المتواترات: وهي الأخبار التي يمتنع في رواتها تواطؤهم على الكذب. ويدخل موضوع التواتر كما هو وارد في علم أصول الفقه في نظرية العلم، وليس فقط باعتبار الأدلة النقلية أو العقلية النقلية. فالتواتر يؤدي إلى العلم الضروري، مثل العلم بوجود المدن أو العلم الاستدلالي مثل العلم بالتوحيد. يفيد العلم على عكس أنصار المعارف الحسية أو العقلية أو الذين يُجوِّزون اجتماع الأمة على الخطأ، وبالتالي يمنعون أن يكون التواتر أساسًا لعلمٍ ضروري.١٨ وقد فصل علم مصطلح الحديث وعلم أصول الفقه شروط التواتر وإفادته لليقين، وهي أربعة: اتفاق المتن مع شهادة الحواس ومجرى العادات؛ منعًا للأسرار والخرافات، وأن يكون السند متعدد الرواة مُستقلِّين عن بعضهم البعض؛ ليمنع تواطؤهم على الكذب، وأن يكون العدد كافيًا؛ حتى يزيد من احتمال اليقين، وأن يكون انتشار الرواية متجانسًا في الزمان؛ منعًا لانتحال الأخبار أو لمؤامرات الصمت حول الخبر الصحيح. والمشهور خبر ينقصه تجانس الانتشار في الزمان إذا كان أوَّلًا محصورًا ثم انتشر ثانيًا، وربما كانت المصلحة سببًا في انتشاره. فالمتواترات هي الروايات التاريخية الصحيحة بالاشتراك مع دلائل الحسِّ والعقل، بل إنها لا تفيد اليقين بمفردها إلا باعتمادها على الحس والعقل. وقد أتى الوحي كمقدمات من هذا النوع. والتواتر ليس جمع آحاد وآحاد، بل هو خبر مستقلٌّ واحد، له وحدته وبناؤه الداخلي؛ لأن مجموع ظنَّين لا يكون يقينًا. يقين خبر الواحد في عدالة الراوي وضبطه وصدقه. وله شروطٌ خاصة. ولا يهم اعتبار العلم الناشئ عن التواتر ضروريًّا أم كسبيًّا، فهو ضروري بمعنى أنه معرفةٌ بديهية كمعرفة الحس وبداهة العقل، وهو كسبي لأن التواتر يقوم على شروطها مجموعها دليل الحس والعقل والوجدان.١٩ ويدخل التواتر نفسه كجزء في نظريةٍ أعمَّ، وهي نظرية الخبر وقسمته إلى تواتر وآحاد ومتوسط بينهما، وهو ما فعله علماء أصول الفقه في باب الأخبار. ويظهر أثر هذه القسمة في النظر والعمل على السواء؛ فالتواتر يورث اليقين في النظر والعمل، في حين أن الآحاد يورث اليقين في العمل فقط، ويكون النظر ظنيًّا. وإذا كان التواتر يورث علمًا ضروريًّا والآحاد علمًا مكتسبًا، فإن التوسط بينهما يقوم على قرائن واستدلالاتٍ أخرى. والأخبار كلها من تواتر وآحاد ومستفيض تدخل في قسمةٍ أعم للخبر من حيث هو خبر إلى خبر صادق وخبر كاذب. فالخبر الصادق مطابق للواقع، والخبر الكاذب غير مطابق للواقع. والخبر هو المعلَن بلسان شخصٍ حي مرئي وليس رسالة أو تبليغًا باطنيًّا أو خارجيًّا؛ أي إنها الروايات التاريخية الشفاهية أو المدونة، وهي أساس المعرفة التاريخية.٢٠
وقد اختلف القدماء في ترتيبها، أو في عددها.٢١ والحقيقة أنه يمكن تصنيفها في مجموعاتٍ ثلاث: الحس، والعقل، والخبر؛ فالحس يشمل الأوليات والحدسيات والقضايا التي قياساتها معها. ثم يأتي الخبر في النهاية الذي لا يستقل بذاته ويعتمد على مقدمات الحس الثلاث ومقدمات العقل الثلاث.٢٢
لم يغفل القدماء تحليلات الشعور ولم تكن تحليلات الشعور غائبة عندهم؛ فالنظر حركة للنفس نحو المبادئ وترتيبها نحو المطلوب، النظر عمليتان شعوريتان، الفكر حركة النفس في المعاني، حديث النفس، والعلم الضروري علم بداهة الأشياء في النفس، والاستدلال نظر القلب للمطلوب، والإيمان تصديق النفس. وهي عظيمة النفع في العلوم، مشتركة بين الناس، يسهل إقناع الآخرين بها. ليس النظر تحليل العقل لذاته والتفكير في موضوعاتٍ صورية خالصة، بل هو التأمل والتفكر في النفس وفي الطبيعة وفي معاني النصوص والآيات. فالموضوع إمَّا نصٌّ لغوي أو ظاهرةٌ طبيعية، والإنسان جزء من الطبيعة. النظر نظر في موضوع، والموضوع الخارجي يتحول إلى موضوعٍ داخلي وجودًا وعدمًا. النظر هو الاعتبار؛ أي رؤية الدلالة في الشعور، وموضوعات علم أصول الدين موضوعاتٌ شعورية أساسًا، يمكن تأسيسها عقلًا أو بناؤها واقعًا. هي موضوعات إنسانية. التوحيد بناءٌ شعوري، والحرية تجربة شعورية، والفعل تحقيقٌ شعوري، والعمل تحليلٌ شعوري، والنبوة بُعدٌ شعوري، والمعاد اتجاهٌ شعوري. فبالرغم من أن شهادات الوجدان لم يكن لها قسمٌ خاص في المقدمات القطعية إلا أنها موجودة في كل نوع وكأن الحس والعقل والخبر أبعاد للشعور، وكأن الشعور يتخارج في الحس والعقل والخبر.٢٣ وفي حياتنا المعاصرة تأخرنا عما عرضه القدماء، فغلَّبنا الخبر على شهادات الحس وأوائل العقول، وأصبح الدليل الوحيد هو: «قال الله» و«قال الرسول»، في حين أن الخبر له شروط وفي مقدمتها الاتفاق مع شهادات الحس وبداهات العقل. وأسقطنا المدركات الحسية والتحليلات العقلية من مقدماتنا النظرية، وتحوَّلت شهادات الوجدان إلى انفعالات عامة تنمُّ عن ضيق النفس وتبرُّمها بالبيئة ورفضها للواقع ورغبتها في الثأر والانتقام. فضمر الوحي، وتحجَّرت النبوة، وتقوقع النص داخل نفسه. يتحدث المؤمنون لبعضهم البعض دون ما قدرة على الحوار مع غيرهم، وأصبحت المقدمات القطعية في العلم هي مسلمات الإيمان أو موضوعات الغيب التي تدخل فيها روايات الدين الشعبي وخيالاته، والتي تكون أكبر دعامة للسلطة السياسية وللنظم القائمة. وفي علم الكلام المتقدم كانت هذه المقدمات السبع التفصيلية مجرد أقسام للعلم الضروري الذي يشمل:
  • (أ)

    العلم بالذات وبوجودها؛ فهذه هي الضرورة الوجودية أو البداهة المباشرة، مثل: أنا أفكر، أنا أحيا، أنا أكتب، أنا أتنفس، أنا أحس، أنا موجود.

  • (ب)
    العلم بالمدركات الحسية، مثل: أرى الورقة أمامي، أحس بالقلم في يدي، أسمع صوتًا في الخارج. وعند بعض القدماء قد تحصل بعض المدركات من غير طريق، مثل حصول إبصار من غير بصر أو سمع من غير أُذن، وهذا جائز في المدركات العقلية وحدها التي ليس لها حاسة، بل تلك التي تنتج من تحليل العقل أو رؤية الشعور، وهما طريقان للمعارف. وإن إدراك الدلالات إدراكًا مباشرًا لا يعني تدخل أفعالٍ خارجية في الشعور، بل يعني أن الشعور مفتوح بطبعه وخالق بطبعه وقادر على رؤية المعاني رؤيةً مباشرة. ويستحيل خلق مدركاتٍ حسية بلا حواس. ليس كل إحساس إدراكًا، فالإحساس يلزمه الانتباه حتى يتحول إلى إدراك، والمادة الحسية تحتاج إلى دلالة. الشعاع الخارجي من الموضوع إلى الذات هو الانطباع الحسي يقابله شعاعٌ آخرُ داخلي من الذات إلى الموضوع، وهو الإدراك، وذلك عمل الشعور وحده.٢٤
  • (جـ)
    العلم بأحوال الذات، فالذات لها أحوال مثل الهم والانفطار، وهي المدركات الوجدانية.٢٥

    وبالتالي تكون المعارف أوائل العقول وشهادات الحس ومعطيات الوجدان، كما وضح في علم الكلام المتقدم.

وفي علم الكلام المتأخر أيضًا قد ينقسم العلم الضروري طبقًا لكمال العقل إلى عِلمَين:
  • (أ)

    ما يعدُّ من كمال العقل ويستند إلى ضرب من الخبر، مثل تعلق الفعل بفاعله. (وهذا لا يحتاج إلى خبر، بل الخبر في حاجة إليه). وعلمٌ آخر لا يستند إلى ضرب من الخبر، مثل العلم بوجود الذات. والحقيقة أن العلم الأوَّل ليس خبريًّا، بل هو علمٌ بديهيٌّ ضروري، وإذا كان الخبر هنا يعني النظر والاستدلال، فإن هذا العلم يظل بديهيًّا.

  • (ب)
    ما لا يُعدُّ من كمال العقل ويختلف فيه العقلاء، وهذا ليس علمًا.٢٦
كان المتقدمون على هذا الربط بين الحس والعقل والخبر كمقدماتٍ ضرورية لمادة العلم، وما دون ذلك لا يكون علمًا. وكانت المقدمات القطعية نموذجًا للعلم الضروري وأولها المعرفة الحسية الناشئة من الحواس السليمة، المشاهدات والحسيات، وتكون إحدى المقدمتَين في القياس، وتُسَمَّى أحيانًا مدارك العلوم أو وسائل المعرفة لا المعرفة ذاتها، وهي ليست الحواس العضوية، بل الإدراكات الحسية، ولا الأجسام المدركة كجواهر مستقلة، بل الإدراكات التي من فعل الذات.٢٧ والعلم الشعوري علمٌ اضطراري بديهي كالعلم الحسي، وهو ما يجده كل إنسان بنفسه ويشعر به دون أدنى شك، وقد يُسَمَّى أحدهما بالآخر فيتساوى العلم بالمدركات مع علم المرء بنفسه مع استحالة جميع المتضادات.٢٨

(٥-٢) المقدمات الظنية

أمَّا المقدمات الظنية فهي أربع:
  • (١)

    المُسلَّمات: وهي التي تقبل على أنه قد تمت البرهنة عليها من قبلُ في مكانٍ آخر. فعلم الكلام ليس علمًا مستقلًّا بذاته عن باقي العلوم، بل يبني مقدماته على غيره، وهي أقل المقدمات الظنية خطورةً؛ إذ عليها يعتمد الدعاة. ولذلك تعددت فروع علم الكلام وأساليبه ومستوياته؛ فهناك علم الكلام العلمي أو الرياضي أو الإنساني الذي يبدأ بمسلمات أحد هذه العلوم ويعتمد عليها. وفي هذه الحالة يكون الفضل للعلوم الأخرى، ويكون علم الكلام مجرد «متسلق» عليها، علم كل العصور وكل المفكرين وكل العلوم. ولما كانت مقدمات العلوم متغيرة طبقًا لاكتشافات كل عصر تغيَّرت مادة علم الكلام وأصبح مشاعًا كالمرأة المشاع. ليست وظيفة علم الكلام اكتشاف علوم أو وضع نظريات، ولكن الاعتماد على العلوم والنظريات القائمة لدعوة الناس؛ فهو مجرد علمٍ إقناعيٍّ خطابيٍّ جدلي ليس له مادة من ذاته ولا يقدم إلا الأسلوب والمحاجَّة.

  • (٢)
    المشهورات: وهي التي يتفق عليها الجم الغفير من الناس، أي المسلَّمات الاجتماعية المقبولة في كل مجتمع، والتي تعبر عنها الأمثال الشعبية وحكم الشعوب. وهي أيضًا متغيرة من عصر إلى عصر، ومن مكان إلى مكان، ومن أمة إلى أمة. وقد لا يتفق البعض منها مع المقدمات القطعية، مقدمات الحس أو العقل أو الخبر. وقد لا يتفق مع المقدمات الظنية الأخرى مثل المسلَّمات. وقد تتغير كليةً بعد أن يتم نقدها ورفضها ووضع مقابل لها أقرب إلى الصلاح وأكثر تعبيرًا عن روح كل عصر. ويقوم بذلك عادةً الرواد والمفكرون الأحرار في كل عصر. وهي غير محصورة في عددٍ معين، ومتنوعة وعلى جميع المستويات. كثيرًا ما تتعارض فيما بينها كما هو الحال في الأمثال العامية.٢٩
  • (٣)

    المقبولات: وهي التي تؤخذ ممن حسن الظن فيه وتصديقه وامتناع الكذب عليه. وهي أقرب إلى التقليد لأنها تقوم على التصديق بمصدر الحكم وليس بالحكم ذاته، كما أنها أقرب إلى الخبر الذي يعتمد على صحة النقل، وفي الأخبار من الأنبياء غنًى عنه. وهي الأقوال المأثورة والسير والملاحم، المشهورات إذن عبارةٌ لغوية تكشف عن عملياتٍ شعوريةٍ سابقة عليها، مثل التشبيه والتنزيه. وتدل على أنه لا يمكن الحديث عن «الله» أو عن العقائد إلا من خلال الثقافة الشعبية أو ثقافة الجماهير والأعراف والعادات والصور الذهنية المتوارثة في تراث الأمم والشعوب.

  • (٤)
    المقرونة بقرائن: مثل نزول المطر بوجود السحاب، وهي الاستدلالات الحسية والمشاهدات والمجرَّبات وأكثر المشهورات قبولًا، ولكنها ظنية لاعتمادها فقط على القرائن الحسية دون بداهات العقول أو الخبر؛ مما يدل على أن مادة علم الكلام مستمدَّة من مشاهدات الحوادث ومجريات الأمور.٣٠

    وهنا تمحى التفرقة بين صورة المنطق ومادته. فلا فرق بين القياس الذي يعطينا صورة الفكر وبين الحسيات والمتواترات التي تعطينا مادة الفكر. ولا فرق في مادة الفكر بين المقدمات القطعية والمقدمات الظنية. الكل معارف «كلامية»، فرق بين صورة الفكر ومادته، ولا بين مادة ومادة. وهو ما يميز المنطق الكلامي عن المنطق الصوري.

١  قارن مثلًا رفض ابن تيمية لنظرية المنطق، وقسمته في «نقض المنطق» وفي «الرد على المنطقيين»، وكذلك في تلخيصات السيوطي «ترجيح أساليب القرآن على منطق اليونان»، والغزالي في «المستصفى» هو الذي تبنَّى هذه القسمة المنطقية كمدخل لعلم أصول الفقه.
٢  المواقف، ص٣٤-٣٥؛ المحصل، ص٣٢؛ طوالع الأنوار، ص١١–١٤. انظر أيضًا: الفصل الرابع: نظرية الوجود، العلة والمعلول. وكل هذه التقسيمات المنطقية ما دامت عقلية فهي ممكنة ما دام العقل يقبلها ولا يرفضها، مثل قسمة التصور إلى حد ورسم، والرسم إلى تام بالمميز الذاتي وناقص بالمميز العرضي، وقسمة التصديق إلى قياس واستقراء وتمثيل، والقياس إلى استثنائي واقتراني، والاسثتنائي إلى متصل ومنفصل، والاقتراني إلى حملي وشرطي. ثم قسمة الاستقراء إلى تام وناقص، وقسمة التمثيل إلى قطعي وظني. كلها تتبع تحليل العقل، وهو الأساس، وتوجد كلها داخل نظرية العقل العامة أحد جوانب نظرية اليقين. ويدخل القياس الفقهي في الاستدلال ويكون هو التمثيل. وبهذا احتوت نظرية المنطق القياس الفقهي (المحصل، ص٣٢؛ طوالع الأنوار، ص٧، ص١٨؛ شرح المقاصد، ص١٢؛ المقاصد، ص٨٨–٩٠).
٣  يضع الرازي ثلاثة مبادئ للتعريف: (أ) البسيط لا يعرف ولا يعرف به. (ب) الاحتراز عن تعريف الشيء بما هو مثله، وبالأخص وعن تعريف الشيء بنفسه أو بما لا يُعرَف إلا به. (ﺟ) تقديم الأعمِّ على الأخصِّ (المحصل، ص٥-٦؛ طوالع الأنوار، ص١٤).
٤  تُقام بعض الاعتراضات المنطقية على التعريف، منها أنه لا يمكن معرفة جميع الأجزاء، فربما يندُّ منها شيء؛ وبالتالي يستعصى التعريف. ويرد على ذلك بأن تصور الأجزاء كافٍ لحدوث تصور الشيء. كما يعترض بأن المطلوب إن كان مشعورًا به امتنع تحصيله وإن لم يكن مشعورًا به امتنع طلبه، ويُردُّ بأنه يُعرَف ببعض اعتباراته (المواقف، ص٣٥؛ المحصل، ص٢٢؛ طوالع الأنوار، ص١١–١٤)، انظر أيضًا: «التراث والتجديد». رابعًا: طرق التجديد. (١) منطق التجديد اللغوي. (أ) قصور اللغة التقليدية، ص١٢٧–١٣٥.
٥  والقرآن صريح في استحالة إحصاء الأجزاء إحصائيًّا للحصول على المعنى الكلي، مثلًا: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا (١٤: ٣٤)، عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ (٧٣: ٢٠)، ولا يقدر على الإحصاء الكامل أي الاستقراء التام إلا «الله» مثلًا: وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٧٢: ٢٨)، أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ (٥٨: ٦)، لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا (١٨: ٤٩)، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (١٩: ٩٤)، وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (٣٦: ١٢)، وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٧٨: ٢٩).
٦  المواقف، ص٣٥-٣٦.
٧  يقول الإيجي: «ولهذه تفاصيل أفرد لها منه» (المواقف، ص٣٦؛ طوالع الأنوار، ص١٩–٢٤).
٨  وهذا ما قمنا به في تحليل الذات والصفات. انظر الفصلين الخامس والسادس.
٩  لا يمكن إحصاء صفات الله أو كلامه بنص القرآن: وَلِلهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٧: ١٨٠)، قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٨: ١٠٩)، وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ (٣١: ٢٧).
١٠  انظر الفصل الأوَّل، (د) منهجه، (ب) المنهج الجدلي.
١١  المواقف، ص٣٧-٣٨.
١٢  انظر الفصلين الخامس «الوعي الخالص أو الذات»، والسادس: «الوعي المتعيَّن أو الصفات».
١٣  المواقف، ص٢٦. وقد فصَّله ابن تيمية كثيرًا في كتبه المنطقية.
١٤  المواقف، ص٣٧. وقد ركز عليه علماء أصول الفقه كثيرًا، وأيضًا ابن تيمية في كتبه المنطقية.
١٥  التمهيد، ص٣٧؛ أصول الدين، ص٨-٩؛ التحقيق التام ص٨.
١٦  انظر ثالثًا: أقسام العلم – (٣) إثبات العلم الضروري.
١٧  يضع البغدادي ضمن العلوم النظرية العلوم بالتجارب والرياضيات كعلم الطب في الأدوية والمعالجات، وكذلك العلم بالحِرَف والصناعات. وقد يقع في هذا النوع ما يستدرك بالقياس على المعتاد، غير أن أصولها مأخوذة من التجارب والعادات (أصول الدين، ص١٤).
١٨  ينكر السمنية أن التواتر يفيد العلم لاعتمادهم على المعرفة الحسية وحدها، كما ينكره البراهمة لاعتمادهم على العقل، وينكره النظام لتجويزه اجتماع الأمة على الخطأ. فالأخبار المتواترة لا حجة فيها لأنه يجوز وقوعها كذبًا (أصول الدين، ص١١-١٢؛ الفصل، ج٥، ص١٩٢-١٩٣). وقد نشأ رد فعل على النظام مؤدَّاه أن ما اتفقت عليه أمتنا بآرائها فهي معصومة بخلاف سائر الأمم، ولا برهان على هذا (الفصل، ج٥، ص١٩٢).
١٩  أصول الدين، ص١١-١٢، ص٢١–٢٣؛ شرح التفتازاني، ص٣٠، ص٣٥؛ الفصل، ج٥، ص١٩٢؛ التحقيق التام، ص٨-٩. انظر أيضًا رسالتنا: Les Méthodes d’Exégèse؛ وأيضًا «علم أصول الفقه»، دراسات إسلامية.
٢٠  أصول الدين، ص١٢–١٤، ص١٧-١٨؛ النسفي، ص٢٨–٣٤؛ الشافعي، ص١٠٠-١٠١؛ شرح التفتازاني، ص٢٨، ص٣٥-٣٦؛ حاشية التفتازاني، ص٣٩.
٢١  يرتبها الإيجي كالآتي: (١) الأوليات. (٢) قضايا قياساتها معها. (٣) المشاهدات. (٤) المجربات. (٥) الحدسيات. (٦) المتواترات. (٧) الوهميات في المحسوسات. ويجعل الغزالي مدركات العلوم ستًّا: (١) الحسيات. (٢) العقل المحض. (٣) التواتر. (٤) القياس. (٥) السمعيات. (٦) مسلَّمات الخصم (الاقتصاد، ص١٣–١٥).
٢٢  المواقف، ص٣٨؛ الطوالع، ص٢٦؛ المحصل، ص٥-٦؛ المقاصد، ص٤٢-٤٤؛ التحقيق التام، ص٨؛ الاقتصاد، ص١٣؛ شرح التفتازاني، ص٢٥-٢٦؛ المقاصد، ص٤٤-٤٥.
٢٣  سأورد هنا عينة من النصوص القديمة التي تبدو فيها تحليلات الشعور عند القدماء، مثل: «النظر حركة النفس … ما ابتدئ في النفس» (الإنصاف، ص١٤). «الاستدلال هو نظر القلب … العلم الضروري الذي يلزم نفس المخلوق» (التمهيد، ص٣٥). «الدليل لما دلَّ بصفته النفسية» (الإرشاد، ص٧). «فكل هذه المعلومات توجد مختزنة في النفس» (التمهيد، ص٣٧). «حد المعتزلة العلم بأنه اعتقاد الشيء على ما هو به مع توطيد النفس» (الإرشاد، ص١٣). «من حكم المتماثلين وجوب استوائهما في صفات النفس» (الشامل، ص٨٢). «المطلوب إن لم يكن مشعورًا به استحال طلبه لأن ما لا شعور به البتة لا تصير الناس طالبةً له، وإن كان مشعورًا به استحال طلبه» (المحصل، ص٤). «المقدمتان لا يجتمعان في الذهن معًا لأنَّا متى توجهنا إلى حكمٍ مقصود امتنع مِنَّا في تلك الحالة التوجه إلى آخر بالوجدان» (المواقف، ص٢٤). «يتم العلم عند المعتزلة بركون النفس إليه» (المواقف، ص٢٦). «الشيء إذا عُلم بلميته اطمأنت إليه النفس» (المواقف، ص٩٧). «أصناف الإدراكات، الأوَّل الحكم بالكلي على الجزئي والثاني وجداني» (المواقف، ص٢٣٤)، «وأمَّا بطلان الثاني فبالوجدان» (المواقف، ص٢٥٩). «ما لا تدركه النفس» (تحفة المريد)، «صفة للنفس» (شرح الخريدة، ص١٢). «والراجح أن التصديق غير الجزم؛ لأن مرجعه الكلام النفساني» (تحفة المريد، ص٣١). «الإيمان هو حديث النفس» (حاشية العقيدة، ص١٦). «المعلومية بحكم الوجدان، العلم من المعاني النفسية، فحصوله في النفس علم به» (شرح المقاصد، ص٢٧). «تصور العلم حاصل بالوجدان» (أشرف المقاصد، ص٣٦). «الفكر حركة النفس» (شرح المقاصد، ص٥). وما أكثر هذه النصوص عند المتقدمين والمتأخرين. والقرآن ذاته حديثٌ شعوري يربط العالم كله بالشعور ويجعل الشعور اليقظ الوعي والإحساس محورًا للعالم. وينقد اللاشعور. وقد ذكر لفظ «شَعَرَ» في القرآن ٢٧ مرة، كلها في صيغة النفي «ولكن لا يشعرون» أو «وما يشعرون» نقدًا للاشعور وإذكاءً للشعور. كما أن الشعور له مرادفات عديدة، مثل: القلب (١٣٢ مرة) والفؤاد (١٦ مرة) والنفس (٢٩٥ مرة). وكل منها شرط الإدراك الحسي وأساس الوعي بالعالم، وكل منها له مضمون كموضوع مثلًا: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٢٢: ٤٦). إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا، (١٨: ٥٧) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا (٢٢: ٤٦)، أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٤٧: ٢٤)، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٥٠: ٣٧)، ولكل منها مضمون، إمَّا مضمونٌ سلبي، مثل: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ (٣٣: ٣٢)، سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ (٣: ١٥١)، وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا (٥٩: ١٠)، وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ (٢: ٩٣)، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ (٣: ٧)، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ (٩: ١٤)، تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ (٩: ٦٤)، رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ (٩: ١١٠)، فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ (٤٨: ٢٦)، وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (٢: ٢٨٣). وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢: ٢٠٤)، أو مضمون إيجابي مثل: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ (٤٨: ٤)، إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا (٨: ٧٠)، وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (٤٩: ٧)، ويكون الفؤاد أي الوعي كذلك شرط الإدراك الحسي: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ (١٦: ٧٨)، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (٥٣: ١١)، أو يكون ذا مضمون: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا (٢٨: ١٠)، أو باعث: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ (١٤: ٣٧)، أو قيمة: مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (١٤: ٤٣)، أو عمل: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ (٢٥: ٣٢)، أمَّا مضمون الشعور فواضح في عديد من آيات النفس، مثل: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ (٥: ١٦٦)، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ (٥: ٣٠)، فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ (١٢: ٧٧)، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٢٠: ٦٧)، فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥: ٥٢)، وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ (٩: ١١٨)، اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ (١١: ٣١)، سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ (٤١: ٥٣)، وهذه موضوعات دراسة مستقلة. لا أريد إذن أن يأتي أحد الآن أو فيما بعدُ من المستشرقين أو العرب المستغربين أو يدعي بأثر أحد الاتجاهات الفلسفية المعاصرة، أعني الظاهرات «الفينومينولوجيا»، فهؤلاء ما زال الغرب إطارًا مرجعيًّا لهم ونقطة إحالة، إمَّا لانتسابهم إلى الغرب كالمستشرقين أو لتغريبهم كباحثينا المستغربين. وأكرر التنبيه مرة ومرة وأنا أعلم أنه لن يستمع أحد إلى قولي وكأن تفريغ الحضارة من مضمونها أحد الوسائل للقضاء على إبداعنا الذاتي: «اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد.»
٢٤  انظر رسالتنا: L’Exégèse de la Phénoménologie.
٢٥  شرح الأصول، ص٥٠.
٢٦  المحيط، ص١٧؛ شرح الأصول، ص٥٠-٥١؛ الإنصاف، ص١٤؛ الإرشاد، ص١٣–١٤.
٢٧  انظر: الفصل الرابع، نظرية الوجود، الكيف، المدركات الحسية.
٢٨  التمهيد، ص٣٦.
٢٩  أمثال بعض المشهورات: (أ) ليس العدد بأولى من عدد في قضية مثل الوحدة أو تعلق علم بمعلومين أو قدرة بمقدورين، فما المانع من الإثنينية أو التعدد أو تعلق علم أو قدرة بمعلومات أو مقدورات ثلاثة أو أربعة إلى ما لا نهاية؟ (ب) الحكم على المشاركين في صفة بالمساواة؛ لذلك نفى المعتزلة قدم الصفات حتى لا تساوى الذات، وكون الله عالمًا بعلم حتى لا يساوي علمنا حرصًا على التنزيه. (ﺟ) إثبات صفات الكمال لله ونفي صفات النقص عنه، سواء في الذات أو الصفات أو الأفعال، وهي كلها صفاتٌ مشهورة قد يختلف عليها الناس، وتتغير من مجتمع إلى مجتمع، ومن دين إلى دين. فالجسم صفة نقص في علم الكلام الإسلامي وصفة كمال في علم اللاهوت المسيحي. والاختيار غير المسبب، اختيار الله لبني إسرائيل صفة كمال في علم اللاهوت اليهودي، وصفة نقص في علم أصول الدين الإسلامي.
٣٠  الاقتصاد، ص١٤-١٥؛ طوالع الأنوار، ص٢٥–٢٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠