ثانيًا: ظهور الموضوعات من خلال الفرق، وظهور الفرق من خلال الموضوعات

يبحث البناء في هذه المرحلة التكوينية الأولى عن كيانه المستقل عن الفِرَق، وفي هذه المرحلة يتداخل الشعور البنائي مع الشعور التاريخي، فيظهر الشعور البنائي من خلال الشعور التاريخي مرة، ويظهر الشعور التاريخي من خلال الشعور البنائي مرة أخرى، وقد تمت هذه المرحلة في القرون الخمسة الأولى على النحو التالي:

(١) ظهور موضوعات من خلال الفِرَق (التنبيه والرد) في مقابل ظهور الفِرَق من خلال الموضوعات (التمهيد)

تظهر الموضوعات من خلال الفرق بلا إحصاء أو تبويب ولكن كموضوعات متفرِّقة، تتحدَّد فيها مادة البناء دون صورته. الفرق، إسلامية وغير إسلامية، هي الأساس، ولكن تنبزغ منها الموضوعات معلنة استقلالها عن التاريخ، وهي تشمل حوالي خمس العلم، وفي مقدمتها موضوعات مثل: باب ذكر متشابه القرآن، وباب ذكر الجامعة والنصيحة في الدين، الأوَّل يدل على أن علم الكلام نشأ من تفسير النصوص، والثاني يشير إلى تربية الجماعة بإرجاعها إلى نصوص الدين كأوامر وليس كنظريات، مما يدل على أن الإحساس بخطورة علم الكلام كان مصاحبًا لنشأته.١ تظهر المادة الكلامية من خلال تاريخ الفرق، مختلطة غير واضحة المعالم؛ فهي تاريخ للفرق، وتاريخ للجماعة الأولى، وبيان لعقائد أهل السنة، ونقد للفرق، يختلط في ذلك كله النقل بالعقل مع الاعتماد أكثر على النقل حتى لَتقترب بعض المصنفات من كتب الآثار لكثرة ما ورد فيها من منقول.٢
ولكن في مقابل ذلك، تظهر الفرق من خلال الموضوعات، خاصةً من خلال موضوعي التوحيد والنبوة، ويتم التركيز على الفرق غير الإسلامية؛ لأنها هي التي تمثِّل الخطورة من الثقافات المجاورة الغازية، حتى إنها تشمل أكثر من نصف العلم.٣ ثم تظهر الموضوعات وهي توحي ببناء العلم، فتظهر نظرية العلم ونظرية الوجود كمقدمة للعلم، وهو ما استقر في بناء العلم حتى قبل مرحلة العقائد الأخيرة، ولكنها لا تشمل إلا جزءًا من سبعة أجزاء من العلم في حين أن هذه المقدمات هي التي ستبتلع العلم كله فيما بعد، حين اكتمال بناء العلم.٤ وفي بناء العلم ذاته، تفوق السمعيات الإلهيات (التوحيد والعدل) من حيث الكم؛ مما يدل على أن العلم ما زال في مرحلته الإيمانية، ولم تصبح فيه بعدُ العقليات؛ وهي الإلهيات، الموضوع الأشمل والأعم، كما تتداخل السمعيات مع الإلهيات من حيث الأولوية، فأحيانًا تكون لها الأولوية إذ تسبق النبوة الحديث عن المجسمة في حين أنها أصبحت تالية للإلهيات في بناء العلم النهائي مما يدل على أن العلم ما زال في مرحلة تسبق فيها السمعيات العقليات، وتغلب فيها الموضوعات الإيمانية على الموضوعات العقلية. وفي الإلهيات، يفوق التوحيد من حيث الكم العدل حوالي عشرين مرة مما يدلُّ على أن الدفاع عن الله كان هو الغالب على الدفاع عن الإنسان، وأن إثبات الله في ذاته وصفاته كان أهمَّ من إثبات الله في أفعاله، وهو ما حدث في العقائد المتأخِّرة عندما ابتلع التوحيد العدل من جديد، وضاع العدل لحساب التوحيد، واختفى الإنسان لحساب الله، ولكن يبقى للعدل ميزتان: الأولى أنه مبحث متميز عن التوحيد، ولو أنه قليل من حيث الكم، والثاني أنه أحيانًا يسبق التوحيد من حيث الترتيب والأولوية وأحيانًا يتلوه، وتداخل التوحيد مع العدل في موضوع الأفعال يدل على ظهور العدل من خلال التوحيد كموضوع مستقل يبلغ أَوْجَه في المصنفات الاعتزالية عندما يفوق العدل التوحيد على الأقل من حيث الكم إن لم يكن من حيث الترتيب، أمَّا السمعيات فإنها تتركز كلها حول موضوعين اثنين: النبوة والإمامة من موضوعات أربع ظهرت فيما بعد في بناء العلم: النبوة والمعاد، والأسماء والأحكام (الإيمان والعلم)، والإمامة، ولكن من حيث الكم تفوق الإمامة النبوة، وتبلغ أربعة أمثالها مما يدل على أهمية السياسة على الدين نظرًا لحداثة العهد بالمشكلة السياسية التي فجَّرت علم الكلام وعملت على نشأته؛ وهو ما نفتقده حتى الآن إذ سقطت الإمامة كلية من العقائد المتأخرة التي تركزت حول موضوعي الله والرسول، وإن اختفاء موضوع المعاد لَيدل على أن ظهوره كان متأخرًا بعد تباطؤ الدفعة الأولى التي أنشأت الحضارة الإسلامية وعلومها العقلية، وبدأ الناس يفكرون في آخرتهم ودنياهم، وهو ما استمر في كتب العقائد المتأخرة، وما زال يفعل في وجداننا المعاصر، كما أن اختفاء موضوع الإيمان والعلم يدل على سرعة انتهائه من العقائد المتأخرة، وتحويله إلى عقائد الإيمان Credo وما يجب على المسلم التسليم به، ولكن تبقى ميزة أخيرة، وهي تركيز العلم كله حول موضوعَيِ التوحيد والإمامة أي الدين والسياسة، وأن شِئْنا الله والشعب، وأن صوت الله هو صوت الشعب، وهو ما يُمكن تطويره فيما بعدُ فيما يُسَمَّى بلغة عصرنا «الدين والثورة».٥

(٢) من الفرق إلى الموضوعات، أو من الموضوعات إلى الفرق

تظهر الفرق أوَّلًا وعلى رأسها فرقتا «أهل الزيغ والبدعة»، و«أهل الحق والسنة» كبابَيْن مستقلَّيْن حتى يمكن مقارنة القولَيْن معًا، ثم بعد ذلك يتمُّ الانتقال من عقائد الفرقتين إلى العقائد من حيث هي موضوعات مستقلة تحاول أن تضع نفسها في بناء العلم،٦ أمَّا من حيث موضوعات العلم ذاته فلم تظهر بعد نظرية العلم ونظرية الوجود، وكأن ظهورهما قد حل محل الحديث عن الفرق، فالعلم بديل عن الإيمان، والوجود بديل عن العقائد، وكان ظهور هاتين النظريتين يمثِّل تقدُّمًا كبيرًا في تحديد بناء العلم إجابة على سؤالَيْ: «كيف نعلم؟» و«ماذا نعلم؟» ثم تظهر موضوعات العلم الأساسية بلا بناء واضح، ولكن تبدو موضوعات الإلهيات وقد شملت حوالَيْ تسعة عشر جزءًا من العلم، وتحظى السمعيات بالجزء العشرين مما يدل على أن الإلهيات كانت في ذلك الوقت في خطر عظيم في حين أن السمعيات لم تكن كذلك، وأن قوة الدفع في الحضارة كانت في أَوْجِها، فلم تشغل الناس أمور المعاد بل شغلهم أمر التوحيد، وهذا ما تخلَّفْنا نحن عنه الآن عندما سادت السمعيات وجداننا المعاصر من جديد، وفي الإلهيات يفوق التوحيد العدل من حيث الكم ويكون ضِعفه، مما يشير إلى أن المخاطر نحو الله كانت أعظم من المخاطر حول الإنسان، وعلى رأس موضوعات التوحيد يبرز موضوع إثبات الرؤية لله بالأبصار، وإثبات قِدَم القرآن ثم إثبات باقي الصفات مما يدل على أن غاية العلم في البداية كانت إثبات الرؤية ضد منكريها، وإثبات الصفات ضد نافيها، ولكن يبقى العدل متميزًا عن التوحيد ويمثِّل نصفه، أمَّا السمعيات فلا تتناول إلا موضوعين: المعاد، والإمامة دون النبوة، والإيمان والعمل، ويحظى المعاد بثلاثة أرباع السمعيات، ولا تحظى الإمامة إلا بالربع الأخير، وهو ما ساد حتى الآن في العقائد المتأخرة وفي وجداننا المعاصر من سيادة أمور الآخرة، وهي أمور المعاد، على شئون الدنيا، وهي السياسة، كما أن عدم ظهور موضوع النبوة يدل على إمكانية قيام العلم في بدايته دونها، وليس كما حدث في العقائد المتأخِّرة من قيامها على محور الله والرسول، وهما أيضًا ركيزتان في وجداننا المعاصر، أمَّا سقوط الإيمان والعمل من السمعيات فإنه يدل على أن الموضوع لم يؤخذ مأخذ الجد، فلا عجب أن توارى من العقائد المتأخرة، وتحول إلى مضمون الإيمان، وهي العقائد التي يجب التسليم بها، وسقطت مقولة العمل، وهو ما نعاني منه في واقعنا المعاصر.٧
وفي مقابل الانتقال من الفرق إلى الموضوعات يمكن الانتقال من الموضوعات إلى الفرق، فلما كانت كل فرقة كلامية اتجاهًا فكريًّا أو يغلب عليها موضوع فكري أمكن تقسيم المادة الكلامية حسب الموضوعات، ثم إدراج الفرق تحتها، وكأن الفِرَق ما هي إلا حلول متعددة لموضوع واحد، الأصل هو الموضوع، والفرع هو الفرق، ولكن العيب في ذلك أن الموضوع لم يكن إلا رأس موضوع أو عنوان، والمادة كلها من اختلاف الفرق في هذا الموضوع؛ فالمادة الكلامية تعطي تاريخ فرق مقنع تحت ستار الموضوعات، ولكن الفضل يكمن في اكتشاف أن الفِرَق ليست مجرد تاريخ، بل تندرج تحت أصول فكرية أو موضوعات مستقلة؛ وبالتالي يمكن حصرها ورؤية جدلها فيما بينها، ولو تُركت الفرق بلا أصول لما أمكن حصرها أو ضبطها؛ فبناء العلم سابق على تاريخ العلم، والموضوعات هو أساس التشعُّب والآراء، وقد نشأت الحاجة إلى الأصول من أجل ضبط الفرق إلى عيوب المنهج التاريخي الصِّرف الذي يكتفي بسرد الفرق وتوالدها عن بعضها البعض، فالتاريخ لا يمكن فهمه بدون الفكر، والحركات الفكرية لا يمكن إدراكها إلا بأنماط عقلية مثالية تكون هذه الحركات تجسيدًا لها.٨
والأصول أربع: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والسمع والعقل؛ فالأصلان الأوَّل والثاني استقرَّا فيما بعد في بناء العلم، ولكن الأصل الثالث وهو الوعد والوعيد يشمل مسائل عديدة يدخل بعضها في العدل في موضوع «أفعال الشعور الداخلية»،٩ والبعض الآخر في السمعيات مثل موضوع الإيمان والعمل الذي يأخذ اسم «الأسماء والأحكام»، وبعض مسائل المعاد، وأوائلها في الدنيا مثل التوبة والوعد والوعيد دون صورها الفنية من جنة ونار، وصراط وميزان، وحوض وشفاعة … إلخ، أمَّا الأصل الرابع، وهو السمع والعقل، فإنه يشمل موضوع العقل والنقل، وهو داخل الإلهيات مع الذات والصفات والأفعال في بناء العلم بعد اكتماله، ويشمل موضوعَيِ النبوة والإمامة، وهما من موضوعات السمعيات، لا توجد إذن تفرقة في الأصول الأربع بين الإلهيات والسمعيات، تلك التفرِقة التي حدثت في بناء العلم فيما بعد، وأصبح موضوعَا النبوة والإمامة من الموضوعات العقلية لدخولهما تحت أصل السمع والعقل وليس تحت باب السمعيات كما هو الحال في بناء العلم المتأخر، بل إنه لَأول مرة يظهر السمع والعقل كأصل مستقل عن التوحيد والعدل، وبالتالي يكون فكرنا المعاصر قد تخلَّف بفتحه بابًا للسمعيات تبعًا لبناء العلم المتأخر، وإسقاطه أصل السمع والعقل، كما تخلَّفت عقائدنا المتأخِّرة بإسقاط العدل وابتلاعه في التوحيد حتى لم يعُد العدل موجودًا في سلوك الإنسان أو في النظم الاجتماعية.١٠ وهنا تبرز أهمية إحدى الحركات الإصلاحية الحديثة بإبرازها أصل العدل وأصل السمع والعقل من أجل إرساء قواعد العدالة الاجتماعية والعقلانية الحديثة، وبناءً على هذه الأصول الأربع تصبح الفرق أربعًا: القدرية، والصفاتية، والخوارج، والشيعة.١١ ويُعد ذلك انتصار العقل على التاريخ إذا علمنا أن تاريخ الفرق كان باستمرار تاريخًا موجَّهًا بالنص الذي يجعلها ثلاثًا وسبعين فرقة!

(٣) من الفِرَق ثم الموضوعات بلا بناء إلى الفرق ثم الموضوعات المبنية

في نفس الوقت الذي يظهر فيه علم الكلام على أنه تاريخ فرق يظهر أيضًا على أنه موضوعات مستقلة، وإن لم تدخل تحت تبويب معين حتى نعلم بناء العلم، يتم عرض الفرق أوَّلًا ثم الموضوعات ثانيًا دون أدنى ربط بين الشعور التاريخي والشعور البنائي، وكأن هناك شعورين مستقلين عن بعضهما البعض لا رابط بينهما، بل إن عرض الفرق لم يتم طبقًا لأصول معينة فكرية أو طبقًا لبناء معين أو حتى طبقًا لموضوعات علم الكلام الرئيسية، بل يدور معظمها حول المسائل الطبيعية، وبعض مسائل أصول الفقه والأحكام، وبعض مسائل الكلام مثل الإمامة والذات والصفات دون ترتيب أو تبويب، بل أحيانًا بتَكرار وسرد وكأن المعاني ما زالت تتحسَّس طريقًا نحو البناء، وكأن علم الكلام ما زال في بدايته، محاولةً لتجميع المعاني، وتحول النصوص إلى موضوعات نظرية وإن لم يجمعها جامع واحد.١٢
وفي مقابل ذلك يُعرض علم الكلام أيضًا على أنه فرق، ثم يُعرض ثانيًا على أنه موضوعات مبنية، ولكن الفرق هي الفرق غير الإسلامية وعلى رأسها اليونان، والنصارى، واليهود، والبراهمة لأن الفرق الإسلامية تُركت في نهاية العلم كما هو الحال في المصنَّفات التي تحدَّد فيها بناء العلم النهائي، وذكر الفرق غير الإسلامية أوَّلًا ليس من أجل السرد والإحصاء أو الإخبار والتعريف أو التاريخ والبيان، بل تقوم الفرق على أساس فكري، وتمثل كل فرقة موضوعًا مستقلًّا، الفرقة موضوع تاريخي مستقل ولكنه يتحقَّق في التاريخ، والفرق ست: الأولى مبطلو الحقائق أو السوفسطائية، وهي تشير إلى نظرية العلم كمقدمة أولى في بناء العلم.١٣ والثانية القائلون بقِدَم العلم دون إله، والثالثة القائلون بقِدَم العالم وقِدَم الله، والرابعة القائلون بحدوث العالم بمدبِّرَيْن أو أكثر. وهذه الفرق الأربع تتناول نظرية الوجود وهي المقدمة الثانية في بناء العلم النهائي، إثبات حدوث العالم وأن له صانعًا ومدبِّرًا،١٤ والفرقة الخامسة التي تثبت حدوث العالم ووجود الصانع وتنكر النبوات كلها كالبراهمة، والسادسة كالخامسة ولكنها تُثبت بعض النبوات وتنكر البعض كاليهود والنصارى، وهاتان الفِرْقتان تتناولان موضوع النبوة، وهو أول موضوع في السمعيات بعد بناء العلم.١٥ كل فرقةٍ إذن ليست تاريخًا بذاتها بل هي موضوع، ومجموعها يكون العقائد الإسلامية في بناء العلم.١٦
أمَّا الموضوعات فهي ست: التوحيد، والقدر، والإيمان، والوعيد، والإمامة، واللطائف أي الطبيعيات، تشمل الإلهيات التوحيد والقدر، وتشمل السمعيات الإيمان والوعيد والإمامة، أمَّا الطبيعيات فتشير إلى بدايات التفكير العلمي في الطبيعة التي استعملت من قبل كسلم للإلهيات، كما هو واضح في دليل الحدوث، أمَّا النبوة فقد دخلت من قبل في عرض الفرق غير الإسلامية وإثبات التحريف في الكتب المقدسة، كما دخلت أيضًا نظرية العلم ونظرية الوجود في عرض الفرق غير الإسلامية، وبالتالي يكتمل بناء العلم بالمنهجين التاريخي والموضوعي، وظهور الشعورين، التكويني والبنائي؛ ومن حيث الأهمية، تفوق السمعيات الإلهيات من حيث الكم إلى درجة الضعف وهو ما زال مسيطرًا على وجداننا المعاصر، ولو أن جزءًا من السمعيات يغلب عليها الطابع العملي مثل الإمامة والمفاضلة، أمَّا من حيث الكم، فالطبيعيات هو الموضوع الذي يأتي في الدرجة الأولى مع الإمامة وكأن موضوعَيِ الطبيعة والسياسة هما أهم موضوعين أصوليين في العلم، وهو ما تخلَّفنا عنه بوجداننا المعاصر عندما توارَت الطبيعة، وفتر الناس من قاموس السياسة بعد أن أصبحت حرفة ونفاقًا.١٧ ثم تأتي مسألتا القدر والإيمان في الدرجة الثانية مما يدل أيضًا على أن موضوعي حرية الأفعال والإيمان والعمل يأتيان من حيث الأهمية بعد الطبيعة والسياسة، وكأن الإنسان من حيث هو عامل حر هو الذي ينتشر في الطبيعة وفي السياسة، وهو الذي يفعل في التاريخ وفي المجتمع، ثم يأتي في الدرجة الثالثة موضوعَا التوحيد والوعد والوعيد، وكأن الإنسان الذي يفعل بحرِّيَّة في التاريخ وفي المجتمع هو الذي يوحِّد بالله وهو الذي يكون له مستقبل مضمون. التوحيد إذن ليس شرطًا بل مشروط، والفعل الحر في التاريخ والمجتمع ليس مشروطًا بل شرط؛ وبالتالي يكون فكرنا المعاصر قد تخلَّف عندما جعل التوحيد شرطًا لا مشروطًا، وعندما جعل فعل الإنسان الحر في التاريخ والمجتمع مشروطًا لا شرطًا، وإذا أخذنا موضوعات الفرق غير الإسلامية في الاعتبار وهي نظرية العلم ونظرية الوجود والنبوة ووضعناها مع الموضوعات الأصولية الست ورتبناها من حيث الأهمية نجد الترتيب الآتي: (١) النبوة. (٢) الطبيعيات. (٣) الإمامة. (٤) القدر. (٥) الإيمان. (٦) التوحيد. (٧) الوجود. (٨) الوعد والوعيد. (٩) العلم. وهو ما تخلَّفْنا عن معظمه بتركنا مسألة النبوة ودراستها دراسة علمية تاريخية، وتركِنا إحساسنا بالطبيعة واتحادِنا بها، وفتورنا من السياسة، وقصورنا عن الفعل الحر، وتواري عملنا وراء الإيمان، وإعطائنا الأولوية المطلقة لله وللأخرويات، ثم انحسار العلم عن مظاهر الحياة وعدم إقامتها على أسس علمية؛ فالعلم كان آخر الموضوعات التسع من حيث الأهمية والكم، وإن كان أولها من حيث الترتيب، ومن خلال هذه الموضوعات الأساسية تتم الإشارة إلى الفرق الإسلامية وهي خمس: أهل السنة، والمعتزلة، والمرجئة، والشيعة، والخوارج.١٨
١  بعد أن يعرض الملطي الشافعي في «التنبيه والرد» للفرق الأربع: الروافض، والمُرْجِئة، والمعتزلة، والخوارج، وقبل أن ينتقل إلى نقدها؛ يدخل في موضوعين: باب ذكر متشابه القرآن، وباب في ذكر الجماعة والنصيحة في الدين. في الموضوع الأوَّل تغلب الإشارة إلى الجهمية لإنكارها لوقائع المعاد من جنة ونار، وصراط ونيران، وحوض وشفاعة، ولإنكارها التشبيه من استواء ويد ونزول وصعود لله. والموضوعان معًا يشملان أقل من خُمس العلم (التنبيه، ص٥٤–٩٠).
٢  «وشرحت نصًّا من المحكم وأيضًا عن الخبر» (التنبيه، ص١).
٣  في «التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والروافض والخوارج والمعتزلة» على غير ما يُوحي به العنوان من التركيز على الفرق الإسلامية يذكر الباقلَّاني خمس فرق غير إسلامية دفاعًا عن التوحيد وهي: القائلون بفعل الطباع، والمنجمون، وأهل التثنية، والمجوس، والنصارى. وخمس فرق أخرى دفاعًا عن النبوة وهي: البراهمة، والمجوس، والصابئة، واليهود، والنصارى (التمهيد، ص٥٢–١٤٨).
٤  نظرية العلم ونظرية الوجود في «التمهيد»، ص٣٤–٤٦؛ «الإلهيات والتوحيد والعدل»، ص٤٦–٩٦؛ «السمعيات» (النبوة والإمامة)، ص٩٦–٢٤١؛ «النبوة»، ص٩٦–١٤٨؛ «المجسمة والصفات والأحوال»، ص١٤٨–١٦٠؛ «التوحيد»، ص٤٦–٩٦. «العدل»، ص٥٠–٥٢؛ «الإمامة»، ص١٦٠–٢٤١.
٥  في «الإبانة في أصول الديانة» للأشعري تظهر الفِرقتان في ص٦–١٢، ويشمل باقي العلم، ص١٢–٦٧.
٦  موضوعات الإلهيات، ص١٢–٦٥؛ موضوعات السمعيات: ص٦٥–٦٧؛ موضوعات التوحيد، ص١٢–٤٦؛ موضوعات العدل، ص٤٩–٦٥؛ أمور المعاد، ص٦٥–٦٧؛ الإمامة، ص٦٧.
٧  «اعلم أن لأصحاب المقالات طرقًا في تعديد الفرق الإسلامية لا على قانون مستنِدٍ إلى نص ولا على قاعدة مخبرة عن الوجود، فما وجدت مصنفين منهم متفقين على منهاج واحد في تعديد الفرق، ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أن ليس كل من تميَّز عن غيره بمقالة ما في مسألة ما؛ عُدَّ صاحب مقالة وإلا فتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر والعدد، ويكون من انفرد بمسألة من أحكام الجوهر مثلًا معدودًا في عداد أصحاب المقالات، فلا بد إذن من ضابط في مسائل هي أصول وقواعد يكون الاختلاف فيها اختلافًا يعتبر مقالة، ويعد صاحبه صاحب مقالة، ما وجدت لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط لأنهم استرسلوا في إيراد مذاهب الأمة كيف اتفق، وعلى الوجه الذي وجد لا على قانون مستقر وأصل مستمر» (الملل، ج١، ص٩-١٠). «فإذا وجدنا انفراد واحد من أئمة الأمة بمقالة من هذه القواعد عددنا مقالته مذهبًا، وجماعته فرقة، وإن وجدنا واحدًا انفرَدَ بمسألة فلا نجعل مقالته مذهبًا وجماعته فرقة، بل نجعله مندرجًا تحت واحد ممن وافق سواها مقالته، ورددنا باقي مقالته إلى الفروع التي لا تُعد مذهبًا مفردًا، فلا تذهب المقالات إلى غير النهاية» (الملل، ج١، ص١٣).
٨  «أهل الأصول المختلفون في التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والسمع والعقل» (الملل، ج١، ص٦١).
٩  انظر: «أفعال الشعور الداخلية» في الفصل السابع: «خلق الأفعال».
١٠  «فاجتهدت على ما تيسَّر من التقدير وتقدَّر من التيسير حتى حصرتها في أربع قواعد، هي الأصول الكبار؛ القاعدة الأولى: الصفات والتوحيد فيها، وهي تشتمل على مسائل الصفات الأزلية إثباتًا عند جماعة ونفيًا عند جماعة، وبيان صفات الذات وصفات الفعل وما يجب لله تعالى وما يجوز عليه وما يستحيل وفيها الخلاف بين الأشعرية والكرامية والمجسمة والمعتزلة. القاعدة الثانية: القدر والعدل وهي التي تشتمل مسائل القضاء والجبر والكسب في إرادة الخير والشر والمقدور والمعلوم إثباتًا عند جماعة ونفيًا عند جماعة، وفيها الخلاف بين القدرية والنجارية والجبرية والأشعرية والكرامية. القاعدة الثالثة: الوعد والوعيد، والأسماء والأحكام، وهي تشتمل على مسائل الإيمان والتوبة والوعيد والإرجاء والتكفير والتضليل إثباتًا على وجه عند جماعة، ونفيًا عند جماعة، وفيها الخلاف بين المرجئة والوعيدية والمعتزلة والأشعرية والكرامية. القاعدة الرابعة: السمع والعقل، والرسالة والإمامة، وهي تشتمل على مسائل التحسين والتقبيح والصلاح والأصلح واللطف والعصمة في النبوة وشرائط الإمامة نصًّا عند جماعة وإجماعًا عند جماعة، وكيفية انتقالها على مذهب من قال بالنص، وكيفية إثباتها على مذهب من قال بالإجماع، والخلاف فيها بين الشيعة والخوارج والمعتزلة والكرامية والأشعرية» (الملل، ج١، ص١١-١٢).
١١  هي محاولة محمد عبده في «رسالة التوحيد». «وإذا تعيَّنت المسائل التي هي قواعد الخلاف تبينت أقسام الفرق، وانحصرت كبارها في أربع بعد أن تداخل بعضها في بعض، كبار الفرق الإسلامية أربع: القدرية، والصفاتية، والخوارج، والشيعة، ثم يتركَّب بعضها من بعض، ويتشعَّب عن كل فرقة أصناف فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة» (الملل، ج١، ص١٣). الرسالة.
١٢  هذا هو ما فعله الأشعري في «مقالات الإسلاميين»، الجزء الأوَّل عن الفرق، والثاني عن الموضوعات، وللأشعري أيضًا: «مقالات غير الإسلاميين»، مثل: اليهود، والنصارى، و«مجمل المقالات»، وفيه مقالات الملحدين ومجمل أقاويل الموحدين، ولكنهما لم يصلا إلينا، ج١، ص٢٩-٣٠ من مقدمة محيي الدين عبد الحميد.
١٣  انظر الفصل الثالث: نظرية العلم.
١٤  انظر الفصل الرابع: نظرية الوجود.
١٥  انظر الفصل التاسع: النبوة (تطور الوحي).
١٦  يشمل الكلام على رءوس الفرق المخالفة لدين الإسلام، وهي الفرق الست عند ابن حزم كلَّ الجزء الأوَّل من «الفصل»، والجزء الثاني حتى ص١٠٥، وهذه الفرق هي: «(أ) مُبطلو الحقائق الذين يسمِّيهم المتكلِّمون السوفسطائية. (ب) إثبات الحقائق إلا أنهم قالوا إن العالم لم يزل وإنه لا محدث له ولا مدبر. (ﺟ) إثبات الحقائق وأن العالم لم يزل له مدبِّر ولم يزل. (د) إثبات الحقائق وأن العالم لم يزل له مدبِّر وبعضهم قال مُحدِث، واتفقوا على أن له مدبِّرين وأنهم أكثر من واحد واختلفوا في عددهم (النصارى). (ﻫ) إثبات الحقائق وأن العالم مُحدَث وأن له خالقًا واحدًا لم يزل وأبطلوا النبوات كلها. (و) إثبات الحقائق وأن العالم محدَث وأن له خالقًا واحدًا لم يزل وأثبتوا النبوات إلا أنهم خالفوا في بعضها فأقَّروا ببعض الأنبياء وأنكروا بعضهم (النصارى).» وفي مقابل ذلك يضع ابن حزم مجموع العقائد الإسلامية المقابلة في تصور عام قائلًا: «وأوضحنا البراهين الضرورية على إثبات الأشياء ووجودها ثم على حدوثها كلها جواهرها وأعراضها بعد أن لم تكن، ثم على أن لها محدِثًا واحدًا مختارًا لم يزل وحده لا شيء معه، وأنه فعل لا لعلة وترك لا لعلة، بل كما شاء لا إله إلا هو، ثم على صحة النبوات، ثم على صحة نبوة محمد، وأن ملته هي الحق، وكل ملة سواها باطل، وأنه آخر الأنبياء، وملته آخر الملل» (الفصل، ج٢، ص١٠٥).
١٧  انظر مقالنا: «القاموس السياسي والثقة المفقودة»، «قضايا معاصرة (٣): في الثقافة الوطنية» (العنوان الأصلي الذي غيَّره رئيس التحرير الرقيب كان: فتور الشعب من قاموس السياسة).
١٨  «ونحن نبتدئ من هنا إن شاء الله تعالى في المعاني التي هي عمدة ما استقر المسلمون عليه، وهي: التوحيد، والقدر، والإيمان، والوعد، والإمامة، والمفاضلة، ثم أشياء يسمِّيها المتكلمون اللطائف» (الفصل، ج٢، ص١١٠)، الكلام في التوحيد ونفي التشبيه، ج٢، ص١١٠–١٦٩، ج٣، ص٣–١٨، الكلام في القدر، ج٣، ص١٨–١٣٧، كتاب الإيمان والكف والطاعات والمعاصي والوعد والوعيد، ج٣، ص١٣٧–١٧٤، ج٤، ص٣–٦٨، الكلام في الوعد والوعيد، ج٢، ص٦٨–١٠٦، الكلام في الإمامة والمفاضلة، ج٤، ص١٠٦–١٧٤، ج٥، ص٧١–٢١١، أشياء يسمِّيها المتكلِّمون اللطائف ج٥، ص٧١–٢١١، ج٢، ص١٠٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠