جَمَعْتُ مِنْ فَرْعِ ذَاتِ الدَّلِّ أوْتَارِي

Wave Image
جَـمَـعْـتُ مِـنْ فَـرْعِ ذَاتِ الدَّلِّ أَوْتَارِي
وَصُـغْـتُ مِـنْ بَـسَـمَاتِ الْغِيدِ أَشْعَارِي
وَعِــشْــتُ لِـلْـفَـنِّ أَحْـيَـا فِـي بَـدَائِـعِـهِ
بَـيْـنَ الـظِّـلَالِ، وَبَيْنَ السَّلْسَلِ الْجَارِي
أَشْـدُو، فَإِنْ شِـئْتَ أَنْ تُصْغِي لِسَاجِعَةٍ
مِـنَ الْـخُـلُـودِ فَأَنْـصِـتْ تَحْتَ أَوْكَارِي
كَـادَتْ تَـزُقُّ يَـرَاعِـي الـطَّـيْـرُ تَـحْسَبُهُ
وَقَــدْ تَــغَــنَّـى بِـشِـعْـرِي سِـنَّ مِـنْـقَـارِ
قَـدْ عَـلَّـمَـتْـهُ الـتَّـغَـنِّـي فَـوْقَ أَيْـكَـتِـهِ
فَـفَـاقَـهَـا فِـي الـتَّـغَـنِّـي فَـوْقَ أَسْطَارِ
كَأَنَّ دَاوُدَ أَلْـــقَـــى عِـــنْـــدَ بَــرْيَــتِــهِ
أَثَــــارَةً مِــــنْ تَــــرَانِـــيـــمٍ وَأَسْـــرَارِ
أَعْــدَدْتُــهُ قَــبَــسًــا يُــذْكِــي تَــوَقُّـدُهُ
عَـزْمَ الـشَّـبَـابِ، وَيَـهْـدِي لَيْلَةَ السَّارِي
وَيَـكْـشِـفُ الْأَمَـلَ الْـمَحْجُوبَ سَاطِعُهُ
وَالْــيَأْسُ يَـغْـشَـى بِأَسْـدَافٍ وَأَسْـتَـارِ
•••
الــشِّــعْــرُ عَــاطِـفَـةٌ تَـقْـتَـادُ عَـاطِـفَـةً
وَفِــكْــرَةٌ تَــتَــجَــلَّــى بَــيْــنَ أَفْــكَــارِ
الــشِّــعْــرُ إِنْ لَامَـسَ الْأَرْوَاحَ أَلْـهَـبَـهَـا
كَـــمَـــا تَـــقَـــابَـــلَ تَـــيَّـــارٌ بِــتَــيَّــارِ
الـشِّـعْـرُ مِـصْـبَـاحُ أَقْـوَامٍ إِذَا الْـتَمَسُوا
نُــورَ الْــحَــيَــاةِ، وَزَنْـدُ الْأُمَّـةِ الْـوَارِي
الــشِّـعْـرُ أُنْـشُـودَةُ الْـفَـنَّـانِ يُـرْسِـلُـهَـا
إِلَــى الْـقُـلُـوبِ، فَـتَـحْـيَـا بَـعْـدَ إِقْـفَـارِ
الـشِّـعْـرُ هَـمْسُ غُصُونِ الدَّوْحِ مَائِسَةً
وَدَمْــعَــةُ الــطَّـلِّ فِـي أَجْـفَـانِ أَزْهَـارِ
الـشِّـعْـرُ لِـلْـمُـلْـكِ جَـيْـشٌ لَا يُـصَـاوِلُـهُ
جِـــلَادُ مُـــرْهَـــفَــةٍ أَوْ فَــتْــكُ بَــتَّــارِ
يَــغْــزُو وَيُــنْـصَـرُ، لَا أَشْـلَاءُ مَـعْـرَكَـةٍ
تُـــرَى وَلَا وَثَـــبَـــاتٌ حَـــوْلَ أَسْـــوَارِ
إِذَا تَــخَــطَّــرَ فِــي الْأَفْــوَاهِ تُــنْـشِـدُهُ
غَــضَّ الْــجُــفُـونَ حَـيَـاءً كُـلُّ خَـطَّـارِ
وَإِنْ أَغَـــارَ تَـــنَـــادَى كُــلُّ ذِي هَــلَــعٍ
إِلَـــى الْـــفِــرَارِ، وَأَوْدَى كُــلُّ مِــغْــوَارِ
قَـدْ كَـانَ حَـسَّـانُ جَـيْشًا فِي قَصَائِدِهِ
أَشَــــدَّ مِــــنْ كُـــلِّ زَحَّـــافٍ وَجَـــرَّارِ
وَكَــانَ مُـلْـكُ بَـنِـي مَـرْوَانَ فِـي أُطُـمٍ
عَـالٍ مِـنَ الـشِّعْرِ، يَرْمِي الشُّهْبَ بِالنَّارِ
وَهَـلْ زَهَـتْ بِـبَـنِـي الْـعَـبَّـاسِ دَوْلَتُهُمْ
إِلَّا بِأَمْــــثَــــالِ حَــــمَّـــادٍ وَبَـــشَّـــارِ؟
فَــقُــلْ لِـمَـنْ رَاحَ لِـلْأَهْـرَامِ يَـرْفَـعُـهَـا:
الْـخُلْدُ فِي الشِّعْرِ لَا فِي رَصْفِ أَحْجَارِ
كَـمْ حِـكْـمَـةٍ فِـيـهِ لَا تَـفْـنَـى بَشَاشَتُهَا
وَمِــنْ حَــدِيــثٍ عَــلَـى الْأَيَّـامِ سَـيَّـارِ
الــشِّــعْــرُ لِــلْــمُــلْــكِ مِــرْآةٌ مُـخَـلَّـدَةٌ
عَـــلَــى تَــعَــاقُــبِ أَجْــيَــالٍ وَأَدْهَــارِ
صَـوَّرْتُ فِـيـهِ سَـنَـا الْـفَـارُوقِ مُـؤْتَلِقًا
يَــزْدَانُ بِــاثْــنَــيْــنِ؛ إِجْــلَالٍ وَإِكْــبَـارِ
وَصُــغْــتُــهُ فَــاتِــنَ الْأَلْـوَانِ مُـزْدَهِـرًا
كَأَنَّــــمَــــا نَــــقَــــشَـــتْـــهُ كَـــفُّ آذَارِ
•••
مُـلْـكٌ مِـنَ الـنُّـورِ قَـدْ ضَـاءَتْ دَعَائِمُهُ
كَأَنَّــمَــا شِــيــدَ مِــنْ هَــالَاتِ أَقْــمَــارِ
وَدَوْلَــــةٌ رَكَّــــزَ الْإِسْــــلَامُ رَايَــــتَـــهُ
فِــيــهَــا عَــلَــى طَــوْدِ تَــارِيـخٍ وَآثَـارِ
وَعَـاهِـلٌ مِـنْ صَـمِـيـمِ الـنِّـيـلِ نَـبْـعَتُهُ
أَمَــا تَــرَى لِــيَــدَيْــهِ وَكْــفَ أَمْــطَــارِ!
أَحْــيَـا الـنُّـفُـوسَ بِآمَـالٍ تُـضَـاحِـكُـهَـا
فَـالْـيَأْسُ فِـيـهَـا غَـرِيـبُ الْأَهْلِ وَالدَّارِ
•••
كَأَنَّ أَيَّـــامَـــهُ وَالْـــبِـــرُّ يَـــغْـــمُــرُهَــا
صَـحَـائِـفُ الـطُّـهْـرِ فِـي أَيْـمَـانِ أَبْـرَارِ
كَأَنَّــمَــا عَــهْــدُهُ وَالْــبِــشْــرُ يَــمْــلَـؤُهُ
تَـبَـسُّـمُ الـشَّـرْقِ عَـنْ أَنْـفَـاسِ أَسْـحَارِ
كَأَنَّ ذِكْـــرَاهُ لَـــمَّـــا سَــارَ سَــائِــرُهَــا
عَــبِــيــرُ دَانِــيَــةِ الــظِّـلَّـيْـنِ مِـعْـطَـارِ
كَأَنَّ أَمْــدَاحَــهُ فِــي أُذْنِ سَــامِــعِــهَـا
مَـسَـاقِـطُ الـشَّـهْـدِ مِـنْ أَعْـوَادِ مُشْتَارِ
كَأَنَّ طَــلْــعَــتَــهُ وَالــشَّــوْقُ يَـرْقُـبُـهَـا
وَجْـهُ الـصَّـبَـاحِ يُـحَـيِّـي نِـضْـوَ أَسْفَارِ
•••
«فَـارُوقُ» يَـا زِيـنَـةَ الـدُّنْـيَـا وَبَـهْجَتَهَا
وَأَسْــعَــدَ الــنَّــاسِ فِـي وِرْدٍ وَإِصْـدَارِ
وَابْـنَ الْـمُـلُـوكِ الْأُلَـى فَـلَّـتْ عَـزَائِمُهُمْ
مِــنْ حَــدِّ كُـلِّ صَـلِـيـبِ الْـحَـدِّ جَـبَّـارِ
أَقْــمَــارُ مَــمْــلَــكَــةٍ، آسَــادُ مَـلْـحَـمَـةٍ
أَمْــلَاكُ مَــرْحَــمَــةٍ، صُــنَّــاعُ أَقْــطَـارِ
مِـنْ كُـلِّ نَـدْبٍ بَـعِـيـدِ الـرَّأْيِ مُـسْـتَبِقٍ
إِلَــى الْــجِــهَـادِ مُـغَـارِ الْـفَـتْـلِ صَـبَّـارِ
الْــمَـجْـدُ أَبْـقَـى لَـهُـمْ ذِكْـرَى مُـخَـلَّـدَةً
أَعْــمَــارُهُــمْ وُصِــلَـتْ مِـنْـهَـا بِأَعْـمَـارِ
•••
الــشَّــعْـبُ شَـعْـبُـكَ، وَالْأَيَّـامُ بَـاسِـمَـةٌ
وَالـدَّهْـرُ كَـالـزَّهْـرِ، فِـي صَـفْوٍ وَإِنْضَارِ
أَحَـبَّـكَ الـشَّـعْـبُ فَـانْـعَـمْ فِي مَحَبَّتِهِ
فَأَنْــتَ مِــلْءُ قُــلُــوبٍ، مِــلْءُ أَبْـصَـارِ
مُرْ وَانْهَ فِي الْحَقِّ، فَالْأَسْمَاعُ مُصْغِيَةٌ
فِـــدَاؤُكَ الــنَّــفْــسُ مِــنْ نَــاهٍ وَأَمَّــارِ
وَارْفَـعْ لِـوَاءَكَ فَـوْقَ الـشَّـرْقِ تَـلْـثِـمُـهُ
أَفْــــوَاهُ أَوْدِيَـــةٍ فِـــيـــهِ وَأَمْـــصَـــارِ
•••
ذِكْــرَاكَ فِــي الــدَّهْــرِ آيَـاتٌ مُـطَـهَّـرَةٌ
تَــحْــلُــو بِــغَــنٍّ وَتَــرْتِــيــلٍ وَتَــكْـرَارِ
شَـدَوْتُ بِاسْمِكَ حَتَّى كِدْتُ مِنْ طَرَبٍ
أَظُــنُّــنِــي ذَا جَــنَــاحٍ بَــيْــنَ أَطْــيَـارِ
فَإِنْ سَــمِــعْــتَ رَنِــيـنًـا كُـلُّـهُ عَـجَـبٌ
فَــالْــعُــودُ عُــودِيَ، وَالْأَوْتَــارُ أَوْتَـارِي
جُـلُـوسُـكَ الْـيَـوْمَ أَثْـمَـارُ الْمُنَى يَنَعَتْ
يَـا حُـسْـنَـهَـا مِـنْ مُـنًـى خُضْرٍ وَأَثْمَارِ!
عِــيــدٌ بِــهِ الْأَرْضُ وَالْآفَـاقُ مُـشْـرِقَـةٌ
تَـــمَـــازَجَـــتْ فِـــيـــهِ أَنْــوَارٌ بِأَنْــوَارِ
عِــيــدٌ كَأَنَّ الــلَّـيَـالِـي قَـدْ وَهَـبْـنَ لَـهُ
مَـا فِـي الْـخَـلِـيـقَـةِ مِـنْ يُـمْنٍ وَإِيسَارِ
الــنِّـيـلُ فِـيـهِ جَـرَى يُـمْـلِـي بَـشَـائِـرَهُ
وَيَــنْــثَــنِــي بَــيْــنَ أَدْوَاحٍ وَأَشْــجَـارِ
إِذَا الـــرَّبِـــيـــعُ رَمَــى فِــيــهِ أَزَاهِــرَهُ
جَــزَاهُ بِــالــتِّــبْــرِ دِيــنَــارًا بِــدِيــنَـارِ
أَوِ الْــحَــمَــائِـمُ غَـنَّـتْ فَـوْقَ مَـائِـجَـةٍ
حَــبَــا الْــحَــمَــائِــمَ تَـهْـدَارًا بِـتَـهْـدَارِ
•••
يَـا كَـالِـئَ الـدِّيـنِ وَالدُّسْتُورِ مِنْ جَنَفٍ
وَحَــارِسَ الــنِّـيـلِ مِـنْ أَوْضَـارِ أَكْـدَارِ
وَحَـافِـزَ الـشَّـعْـبِ يَـدْعُـوهُ فَـيَـتْـبَـعُـهُ
إِلَــى الــنُّــجُــومِ جَـرِيـئًـا غَـيْـرَ خَـوَّارِ
الْـعِـلْـمُ لِـلـشَّـعْـبِ رُكْـنٌ غَـيْـرُ مُنْصَدِعٍ
وَالـشَّـعْـبُ بِـالْـعِـلْـمِ صَـفٌّ غَـيْرُ مُنْهَارِ
اخْــتَــارَكَ الــلــهُ لِــلْإِسْــلَامِ تَـنْـصُـرُهُ
فَــكُــنْــتَ مَــؤْئِـلَـهُ يَـا خَـيْـرَ مُـخْـتَـارِ
عِشْ فِي الْقُلُوبِ فَقَدْ أَعْطَتْ مَقَالِدَهَا
وَفِـي نَـعِـيـمٍ عَـمِـيـمِ الْـغَـيْـثِ مِـدْرَارِ

عن القصيدة

  • مناسبة القصيدة: تولِّي الملك فاروق سلطته الدستورية سنة ١٩٣٨م.
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: البسيط
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

علي الجارم: أديب، وشاعر مصري، ورائد من رواد مدرسة الإحياء والبعث إلى جانب كل من أحمد شوقي وحافظ إبراهيم. أَثْرَت مؤلفاته المكتبة الأدبية العربية؛ حيث تعددت وتنوعت بين الدواوين الشعرية، والروايات الأدبية والتاريخية، إضافة إلى الكتب المدرسية، وكانت له مساهمات فعالة في حقل اللغة العربية. وقد اشتهر بغيرته على الدين واللغة والأدب، وتمكن من أن يحوز مكانة شعرية رائدة.

ولد علي صالح عبد الفتاح الجارم، بمدينة رشيد عام ١٨٨١م، تلك المدينة التي شهدت الكثير من أحداث مصر التاريخية. كان والده الشيخ محمد صالح الجارم عالمًا من علماء الأزهر، وقاضيًا شرعيًّا بمدينة دمنهور. تلقى علي دروسه الأولى بمدينة رشيد، فأتم بها التعليم الابتدائي، وواصل تعليمه الثانوي بالقاهرة حيث التحق بالأزهر الشريف، واختار بعد ذلك أن يلتحق بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة. سافر عام ١٩٠٨م إلى إنجلترا وتحديدًا نوتينجهام لإكمال دراسته، فدرس هناك أصول التربية، ثم عاد إلى مصر عام ١٩١٢م بعد أربع سنوات قضاها في الغربة.

عُيِّن الجارم عقب عودته مدرسًا بمدرسة التجارة المتوسطة، ثم تدرج في مناصب التربية والتعليم حتى عُيِّن كبير مفتشي اللغة العربية بمصر، كما عمل الجارم وكيلًا لدار العلوم، وكان عضوًا مؤسِّسًا لمجمع اللغة العربية، وقد مَثَّل مصر في عدد من المؤتمرات العلمية والثقافية.

سَخَّر الجارم طاقاته الإبداعية وإمكانياته الثقافية في إنجاز العديد من الروايات الأدبية التاريخية التي تتخذ من التاريخ العربي موضوعًا لها، مثل: «فارس بني حمدان» و«هاتف من الأندلس» و«مرح الوليد» و«خاتمة المطاف» و«نهاية المتنبي». توفي علي الجارم عام ١٩٤٩م عن ثمانية وستين عامًا، وقد رثاه كبار أدباء ومفكري عصره.

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢