الْمَسَاء

دَاءٌ أَلَــمَّ فَــخِــلْــتُ فِــيــهِ شِــفَــائِــي
مِـنْ صَـبْـوَتِـي فَـتَـضَـاعَـفَـتْ بُـرَحَائِي
يَــا لَلــضَّـعِـيـفَـيْـنِ! اسْـتَـبَـدَّا بِـي وَمَـا
فِـي الـظُّـلْـمِ مِـثْـلُ تَـحَـكُّـمِ الـضُّـعَـفَاءِ
قَــلْــبٌ أَذَابَــتْــهُ الـصَّـبَـابَـةُ وَالْـجَـوَى
وَغِــــــلَالَـــــةٌ رَثَّـــــتْ مِـــــنَ الْأَدْوَاءِ
وَالــرُّوحُ بَــيْــنَــهُــمَــا نَــسِـيـمُ تَـنَـهُّـدٍ
فِــي حَـالَـيِ الـتَّـصْـوِيـبِ وَالـصُّـعَـدَاءِ
وَالْـعَـقْـلُ كَـالْـمِـصْـبَـاحِ يَـغْـشَـى نُـورَهُ
كَــدَرِي وَيُــضْــعِـفُـهُ نُـضُـوبُ دِمَـائِـي
•••
هَــذَا الَّــذِي أَبْــقَــيْــتِــهِ يَــا مُـنْـيَـتِـي
مِـنْ أَضْـلُـعِـي وَحُـشَـاشَـتِـي وَذَكَـائِي
عُـمْـرَيْـنِ فِـيـكِ أَضَـعْـتُ لَـوْ أَنْصَفْتِنِي
لَــمْ يَــجْــدُرَا بِــتَــأَسُّــفِــي وَبُــكَـائِـي
عُـمْـرَ الْـفَـتَـى الْـفَـانِـي وَعُـمْـرَ مُـخَـلَّدٍ
بِـــبَـــيَـــانِـــهِ لَـــوْلَاكِ فِــي الْأَحْــيَــاءِ
فَــغَـدَوْتُ لَـمْ أَنْـعَـمْ كَـذِي جَـهْـلٍ وَلَـمْ
أَغْــنَــمْ كَــذِي عَــقْـلٍ ضَـمَـانَ بَـقَـائِـي
•••
يَــا كَــوْكَــبًــا مَـنْ يَـهْـتَـدِي بِـضِـيَـائِـهِ
يَـــهْـــدِيـــهِ طَـــالِـــعُ ضِـــلَّــةٍ وَرِيَــاءِ
يَــا مَــوْرِدًا يَــسْــقِـي الْـوُرُودَ سَـرَابُـهُ
ظَــمَــأً إِلَــى أَنْ يَــهْــلِــكُــوا بِــظَــمَـاءِ
يَــا زَهْــرَةً تُــحْـيِـي رَوَاعِـيَ حُـسْـنِـهَـا
وَتُـــمِـــيـــتُ نَــاشِــقَــهَــا بِــلَا إِرْعَــاءِ
هَــذَا عِــتَــابُــكِ غَــيْـرَ أَنِّـي مُـخْـطِـئٌ
أَيُــرَامُ سَــعْــدٌ فِــي هَــوَى حَـسْـنَـاءِ؟
حَـاشَـاكِ بَـلْ كُـتِبَ الشَّقَاءُ عَلَى الْوَرَى
وَالْــحُــبُّ لَــمْ يَــبْــرَحْ أَحَــبَّ شَــقَـاءِ
نِـعْـمَ الـضَّـلَالَـةُ حَـيْـثُ تُـؤْنِسُ مُقْلَتِي
أَنْـــوَارُ تِـــلْــكَ الــطَّــلْــعَــةِ الــزَّهْــرَاءِ
نِــعْــمَ الــشِّــفَــاءُ إِذَا رَوِيـتُ بِـرَشْـفَـةٍ
مَـــكْـــذُوبَـــةٍ مِــنْ وَهْــمِ ذَاكَ الْــمَــاءِ
نِــعْـمَ الْـحَـيَـاةُ إِذَا قَـضَـيْـتُ بِـنَـشْـقَـةٍ
مِــنْ طِــيــبِ تِــلْـكَ الـرَّوْضَـةِ الْـغَـنَّـاءِ
•••
إِنِّـي أَقَـمْـتُ عَـلَـى الـتَّـعِـلَّـةِ بِـالْـمُـنَـى
فِــي غُــرْبَــةٍ قَــالُــوا تَــكُــونُ دَوَائِـي
إنْ يَـشْـفِ هَـذَا الْـجِـسْمَ طِيبُ هَوَائِهَا
أَيُــلَــطِّــفُ الــنِّــيــرَانَ طِـيـبُ هَـوَاءِ؟
أَوْ يُـمْـسِـكِ الْـحَـوْبَـاءَ حُـسْـنُ مُـقَامِهَا
هَــلْ مَـسْـكَـةٌ فِـي الْـبُـعْـدِ لِلْـحَـوْبَـاءِ؟
عَــبَــثٌ طَــوَافِــي فِـي الْـبِـلَادِ وَعِـلَّـةٌ
فِــي عِــلَّــةٍ مَــنْــفَــايَ لِاسْــتِــشْــفَـاءِ
مُـــتَـــفَــرِّدٌ بِــصَــبَــابَــتِــي مُــتَــفَــرِّدٌ
بِـــكَـــآبَـــتِــي مُــتَــفَــرِّدٌ بِــعَــنَــائِــي
شَـاكٍ إِلَـى الْـبَـحْرِ اضْطِرَابَ خَوَاطِرِي
فَــيُــجِــيــبُــنِــي بِـرِيَـاحِـهِ الْـهَـوْجَـاءِ
ثَــاوٍ عَــلَــى صَـخْـرٍ أَصَـمَّ وَلَـيْـتَ لِـي
قَــلْــبًــا كَــهَـذِي الـصَّـخْـرَةِ الـصَّـمَّـاءِ!
يَــنْــتَــابُــهَـا مَـوْجٌ كَـمَـوْجِ مَـكَـارِهِـي
وَيَــفُــتُّــهَـا كَـالـسُّـقْـمِ فِـي أَعْـضَـائِـي
وَالْــبَــحْـرُ خَـفَّـاقُ الْـجَـوَانِـبِ ضَـائِـقٌ
كَــمَــدًا كَــصَــدْرِي سَــاعَــةَ الْإِمْـسَـاءِ
تَــغْــشَــى الْــبَــرِيَّــةَ كُــدْرَةٌ وَكَــأَنَّــهَـا
صَــعِـدَتْ إِلَـى عَـيْـنَـيَّ مِـنْ أَحْـشَـائِـي
وَالْأُفْــقُ مُــعْــتَــكِــرٌ قَــرِيــحٌ جَــفْـنُـهُ
يُــغْــضِــي عَـلَـى الْـغَـمَـرَاتِ وَالْأَقْـذَاءِ
يَـــا لَلْــغُــرُوبِ وَمَــا بِــهِ مِــنْ عِــبْــرَةٍ
لِلْـــمُـــسْــتَــهَــامِ وَعِــبْــرَةٍ لِلــرَّائِــي !
أَوَلَــيْــسَ نَــزْعًــا لِلــنَّــهَــارِ وَصَــرْعَـةً
لِلــشَّــمْــسِ بَــيْــنَ مَــآتِــمِ الْأَضْــوَاءِ؟
أَوَلَــيْـسَ طَـمْـسًـا لِلْـيَـقِـيـنِ وَمَـبْـعَـثًـا
لِلــشَّــكِّ بَــيْــنَ غَــلَائِــلِ الــظَّــلْـمَـاءِ؟
أَوَلَــيْــسَ مَـحْـوًا لِلْـوُجُـودِ إِلَـى مَـدًى
وَإِبَــــادَةً لِــــمَـــعَـــالِـــمِ الْأَشْـــيَـــاءِ؟
حَــتَّــى يَــكُـونَ الـنُّـورُ تَـجْـدِيـدًا لَـهَـا
وَيَــكُــونَ شِــبْــهَ الْـبَـعْـثِ عَـوْدُ ذُكَـاءِ
•••
وَلَـــقَـــدْ ذَكَــرْتُــكِ وَالــنَّــهَــارُ مُــوَدِّعٌ
وَالْـــقَــلْــبُ بَــيْــنَ مَــهَــابَــةٍ وَرَجَــاءِ
وَخَــوَاطِــرِي تَــبْـدُو تُـجَـاهَ نَـوَاظِـرِي
كَــلْــمَــى كَــدَامِـيَـةِ الـسَّـحَـابِ إِزَائِـي
وَالـدَّمْـعُ مِـنْ جَـفْـنِـي يَسِيلُ مُشَعْشَعًا
بِـسَـنَـى الـشُّـعَـاعِ الْـغَـارِبِ الْـمُـتَـرَائِي
وَالـشَّـمْـسُ فِـي شَـفَـقٍ يَـسِـيلُ نُضَارُهُ
فَــوْقَ الْــعَــقِــيـقِ عَـلَـى ذُرًى سَـوْدَاءِ
مَــرَّتْ خِــلَالَ غَــمَــامَــتَــيْـنِ تَـحَـدُّرًا
وَتَــقَــطَّــرَتْ كَــالــدَّمْــعَــةِ الْـحَـمْـرَاءِ
فَـــكَـــأَنَّ آخِــرَ دَمْــعَــةٍ لِلْــكَــوْنِ قَــدْ
مُــزِجَــتْ بِــآخِــرِ أَدْمُــعِــي لِــرِثَـائِـي
وَكَـــأَنَّـــنِــي آنَــسْــتُ يَــوْمِــي زَائِــلًا
فَــرَأَيْـتُ فِـي الْـمِـرْآةِ كَـيْـفَ مَـسَـائِـي

عن القصيدة

  • مناسبة القصيدة: أُصيب الشاعر بمرض، ونصحه الأطباء بالذهاب إلى الإسكندرية، ولكن تضاعفت آلامه؛ فلجأ إلى الشعر يُعبِّر عن مصابه وألمه.
  • غرض القصيدة: المدح
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الكامل
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

خليل مطران: رائد من رواد التجديد في الشعر العربي المعاصر، وأحد أركان النهضة الشعرية العربية. لقِّب بشاعر القطرين — مصر والشام — وشاعر الأقطار العربية بعد وفاة شوقي وحافظ.

ولد خليل بن عبده بن يوسف مطران عام ١٨٧٢م في مدينة بعلبك شرقِيِّ لبنان، لأسرة لبنانية تتصل جذورها بقبائل الأزد اليمنية، بدأ تعليمه في المدرسة الشرقية بزحلة، ثم التحق بالمدرسة البطريركية للروم الكاثوليك في بيروت، وأنهى فيها المرحلة الثانوية. وقد عرف بإلمامه الكبير بالثقافتين العربية والفرنسية؛ فقد درس العربية وأتقنها على يد الشيخين خليل وإبراهيم اليازجي، وأتقن الفرنسية على يد أستاذ فرنسي من إقليم «تور» الذي يشتهر باللسان الفرنسي الدقيق والرشيق.

برع مطران في نظم الشعر منذ الصغر، وقد استخدمه كأداة لنشاطه السياسي في مواجهة استبداد الحكم العثماني الذي يعاني أهل بلاده منه، فنظم القصائد للتنديد به والتشنيع عليه؛ مما أغضب السلطان عبد الحميد الذي أصدر أمره بالتخلص منه، فهرب مطران خوفًا على حياته متجهًا إلى فرنسا، وهناك استطاع أن ينضم إلى الحركة الثورية التركية من حزب «مصر الفتاة» التي كانت تعارض الحكم العثماني، لكنه لم يهنأ بالمكوث فيها جراء التضييقات التي كانت تمارس عليه، فقرر السفر إلى مصر ملاذ الثوار العرب وقتئذٍ.

عمل مطران في القاهرة محررًا في جريدة «الأهرام»، ثم تركها بعد سنوات ليصدر مجلة «الجوائب المصرية» التي حولها بعد ذلك إلى جريدة يومية تهتم بالشعر والتاريخ والنقد الأدبي. ثم ترك العمل بالصحافة عام ١٩٠٤م، واتجه إلى التجارة فمُني فيها بخسائر فادحة دعته إلى تركها والاتجاه للعمل سكرتيرًا مساعدًا في الجمعية الزراعية، ثم مديرًا للفرقة القومية للتمثيل العربي.

وصدر له من إنتاجه الشعري «ديوان الخليل»، وله من الأعمال الأخرى عدة دراسات عن الإرادة والشباب وينابيع الحكمة، وترجم من عيون المسرح الكلاسيكي لراسين وكورناي، والمسرح الرومانسي لفيكتور هوجو وبول بورجيه، كما ترجم بعض الأعمال من مسرح شكسبير.

وقد لاقى خليل مطران من الإشادة والتكريم الشيء الكثير، وأُنعم عليه بالوسام المجيدي عام ١٩١٣م، وتوفي في القاهرة في الأول من يونيو عام ١٩٤٩م.

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١