الْبَدْرُ الْآفِلُ

أَبْــعَــدَكَ يَــعْــرِفُ الــصَّــبْـرَ الْـحَـزِيـنُ
وَقَــدْ طَــاحَــتْ بِـمُـهْـجَـتِـهِ الْـمَـنُـونُ؟
رَمَــتْــكَ يَــدُ الــزَّمَــانِ بِــشَــرِّ سَــهْــمٍ
فَــلَــمَّــا أَنْ قَــضَـيْـتَ بَـكَـى الْـخَـئُـونُ
رَمَـــاكَ وَأَنْـــتَ حَـــبَّـــةُ كُـــلِّ قَـــلْــبٍ
شَـــرِيـــفٍ، فَــالْــقُــلُــوبُ لَــهُ رَنِــيــنُ
وَلَـــمْ يَـــكُ للـــزَّمَـــانِ عَــلَــيْــكَ ثَــارٌ
وَلَــمْ يَــكُ فِــي خِــلَالِــكَ مَــا يَـشِـيـنُ
وَلَـــكِـــنْ كُـــنْـــتَ ذَا خُـــلُـــقٍ رَضِــيٍّ
عَـــلَـــى خَــلْــقٍ لِــغَــيْــرِكَ لَا يَــكُــونُ
وَكُــنْــتَ تُــحِــيـطُ عِـلْـمًـا بِـالْـخَـفَـايَـا
وَتَــمْــنَــعُ أَنْ تُــحِــيـطَ بِـكَ الـظُّـنُـونُ
كَــأَنَّــكَ قَــدْ قَــتَــلْــتَ الــدَّهْـرَ بَـحْـثًـا
فَــعِــنْــدَكَ سِــرُّهُ الْــخَــافِــي مُــبِــيـنُ
حَــكَــيْــتَ الْــبَــدْرَ فِــي عُــمْـرٍ وَلَـكِـنْ
ذَكَـــــاؤُكَ لَا تُـــــكَـــــوِّنُـــــهُ قُـــــرُونُ
عَــجِــيــبٌ أَنْ تَــعِــيـشَ بِـنَـا الْأَمَـانِـي
وَأَنَّــــا لِلْأَمَــــانِـــي نَـــسْـــتَـــكِـــيـــنُ
وَمَـــــــا أَرْوَاحُــــــنَــــــا إِلَّا أُسَــــــارَى
وَمَــــا أَجْــــسَــــادُنَــــا إِلَّا سُــــجُـــونُ
وَمَــا فِــي الْـكَـوْنِ مِـثْـلُ الْـكَـوْنِ فَـانٍ
كَــمَــا تَــفْــنَـى الـدِّيَـارُ كَـذَا الْـقَـطِـيـنُ
لَــقَــدْ عَــلِــقَــتْــكَ أَسْــبَــابُ الْـمَـنَـايَـا
وَفِــــيًّــــا لَا يُــــخَــــانُ وَلَا يَـــخُـــونُ
أَيَــدْرِي الــنَّــعْــشُ أَيَّ فَــتًــى يُــوَارِي
وَهَــذَا الْــقَــبْــرُ أَيَّ فَــتًــى يَــصُــونُ؟
فَـتًـى جُـمِـعَـتْ ضُـرُوبُ الْـحُـسْنِ فِيهِ
وَكَــانَــتْ فِــيــهِ لِلْــحُــسْــنَــى فُـنُـونُ
فَـــبَـــعْـــضُ صِــفَــاتِــهِ لَــيْــثٌ وَبَــدْرٌ
وَبَـــعْـــضُ خِـــلَالِـــهِ شَـــمَــمٌ وَلِــيــنُ
أَمَـــارَاتُ الــشَّــبَــابِ عَــلَــيْــهِ تَــبْــدُو
وَفِــــي أَثْــــوَابِــــهِ كَــــهْــــلٌ رَزِيــــنُ
أَلَا لَا يَــــشْــــمَــــتِ الْأَعْــــدَاءُ مِـــنَّـــا
فَــكُــلُّ فَــتًــى بِــمَــصْــرَعِــهِ رَهِــيــنُ
أَيَـــا نُـــورَ الْـــعُــيُــونِ بَــعُــدْتَ عَــنَّــا
وَلَــمَّــا تَــمْــتَــلِــئْ مِــنْــكَ الْــعُــيُــونُ
وَعَــاجَــلَــكَ الْــحِــمَــامُ فَــلَــمْ تُــوَدِّعْ
وَبِـــنْـــتَ وَلَـــمْ يُــوَدِّعْــكَ الْــقَــرِيــنُ
وَمَــا عِــفْــتَ الْــوَدَاعَ قِــلًــى وَلَــكِــنْ
أَرَدْتَ وَلَــــمْ يُـــرِدْ دَهْـــرٌ ضَـــنِـــيـــنُ
فَــيَــا لَــهَــفِــي لِأُمِّــكَ حِــيــنَ يَـدْوِي
نَــعِــيُّــكَ بَــعْــدَمَــا طَــالَ الــسُّــكُـونُ
وَلَــهْــفَ شَــقِــيــقِـكَ الـنَّـائِـي بَـعِـيـدًا
إِذَا مَـــا جَـــاءَهُ الْــخَــبَــرُ الْــيَــقِــيــنُ
سَـتَـبْـكِـيـكَ الْـكَـوَاكِـبُ فِـي الـدَّيَاجِي
كَـمَـا تَـبْـكِـيـكَ فِـي الـرَّوْضِ الْـغُـصُونُ
وَيَــبْــكِــي إِخْــوَةٌ قَــدْ غِــبْـتَ عَـنْـهُـمْ
وَأُمٌّ ثَـــــــاكِـــــــلٌ وَأَبٌ حَــــــزِيــــــنُ
فَـــمَـــا تَـــنْـــدَى لَــنَــا أَبَــدًا ضُــلُــوعٌ
عَــلَــيْــكَ، وَمَــا تَــجِــفُّ لَــنَــا شُـئُـونُ
قَــدِ ازْدَانَــتْ بِــكَ الْــفِــتْــيَـانُ طِـفْـلًا
كَـــمَــا يَــزْدَانُ بِــالــتَّــاجِ الْــجَــبِــيــنُ
ذَهَــبْــتَ بِــزِيــنَــةِ الــدُّنْــيَـا جَـمِـيـعًـا
فَــمَــا فِــي الــدَّهْــرِ بَـعْـدَكَ مَـا يَـزِيـنُ
وَكُـــنْـــتَ لَــنَــا الــرَّجَــاءَ فَــلَا رَجَــاءٌ
وَكُــنْــتَ لَــنَــا الْــمُــعِـيـنَ فَـلَا مُـعِـيـنُ
أَبَـــعْـــدَكَ، يَـــا أَخِـــي، أَبْــغِــي عَــزَاءً
إِذَا شُـــلَّـــتْ يَــسَــارِي وَالْــيَــمِــيــنُ؟
يَـــهُـــونُ الـــرُّزْءُ إِلَّا عِـــنْـــدَ مِــثْــلِــي
بِـــمِـــثْـــلِـــكَ فَـــهْـــوَ رُزْءٌ لَا يَـــهُــونُ
عَــلَــيْـكَ تُـقَـطِّـعُ الْـحَـسَـرَاتُ نَـفْـسِـي
وَفِــيــكَ أَطَــاعَــنِـي الـدَّمْـعُ الْـحَـرُونُ
فَــمِــلْءُ جَــوَانِــحِــي حُــزْنٌ مُــذِيـبٌ
وَمِــلْءُ مَــحَــاجِــرِي دَمْــعٌ سَــخِــيـنُ
وَمَــا أَبْــقَــى الْـمُـصَـابُ عَـلَـى فُـؤَادِي
فَـــــأَزْعُـــــمُ أَنَّــــهُ دَامٍ طَــــعِــــيــــنُ
يَــذُودُ الــدَّمْــعُ عَــنْ عَــيْــنِـي كَـرَاهَـا
وَتَـــأْبَـــى أَنْ تُـــفَـــارِقَــهُ الْــجُــفُــونُ
لَــقَــدْ طَــالَ الــسُّــهَــادُ وَطَـالَ لَـيْـلِـي
فَـــلَا أَدْرِي الـــرُّقَـــادُ مَــتَــى يَــكُــونُ
كَــأَنَّ الــصُّــبْـحَ قَـدْ لَـبِـسَ الـدَّيَـاجِـي
عَــلَــيْــكَ أَسًــى لِــذَلِــكَ مَــا يَــبِــيــنُ
جَــــزَاكَ اللــــهُ عَــــنَّـــا كُـــلَّ خَـــيْـــرٍ
وَجَــادَ ضَــرِيــحَـكَ الْـغَـيْـثُ الْـهَـتُـونُ

عن القصيدة

  • مناسبة القصيدة: بكى بها شقيقه طانيوس ظاهر أبي ماضي
  • غرض القصيدة: الرثاء
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الوافر
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١