مَتَى ارْتَجَعَتْ مَوَاهِبَهَا الْكِرَامُ

Wave Image
مَـتَـى ارْتَـجَعَتْ مَوَاهِبَهَا الْكِرَامُ
وَهَـلْ يَـسْـتَـرْجِـعُ الْغَيْثَ الْغَمَامُ
أَيَـصْعَدُ عَائِدًا فِي السُّحْبِ قَطْرٌ
تَـنَـزَّلَ فِـي الْـوِهَـادِ بِـهِ الـرِّهَـامُ
أَرَى الْـعَـلْـيَـاءَ مِـنْ تَقْصِيرِ أَمْرِي
بِـهَـا خَـجَـلٌ وَبِـالْـمَجْدِ احْتِشَامُ
جَـمَالَ الْمُلْكِ غَيْرِي مِنْكَ يُدْهَى
وَغَــيْــرُكَ مَــنْ تُـغَـيِّـرُهُ الـلِّـئَـامُ
أُعِـيـذُكَ مِـنْ رِضًـا يَتْلُوهُ سُخْطٌ
وَمِـنْ نُـعْـمَـى يُـكَـدِّرُهَـا انْـتِـقَامُ
أَيَـرْجِـعُ جَـفْـوَةً ذَاكَ الـتَّـصَافِي
وَيُــخْــفَــرُ ذِمَّــةً ذَاكَ الــذِّمَــامُ
أَتَـبْـرِيـنِـي يَـدٌ رَاشَـتْ جَـنَـاحِي
وَيَـحْـسِمُنِي نَدًى هُوَ لِي حُسَامُ
وَيُـغْـرِي بِـي الْحِمَامَ أَخُو سَمَاحٍ
بِـهِ عَـنْ مُـهْـجَـتِـي دُفِعَ الْحِمَامُ
أَعِـرْنِي طَرْفَ عَدْلِكَ تَلْقَ عِرْضًا
نَـــقِـــيًّــا لَا يُــلِــمُّ بِــهِ الْــمَــلَامُ
وَحَـقِّـقْ بِـالـتَّأَمُّـلِ كَـشْفَ حَالِي
فَـغَـيْـرِي عَـاشِـقٌ وَبِـيَ الـسَّـقَامُ
إِذَا مَـا افْـتَـرَّ بَـرْقُكَ فِي سَمَائِي
تَـجَـلَّـى الـظُّـلْـمُ عَـنِّـي وَالظَّلَامُ
أَتُـغْـرِقُـنِـي وَلَـيْـسَ الْـمَـاءُ مِنِّي
وَتَـحْـرُقُـنِي وَمِنْ غَيْرِي الضِّرَامُ
وَأُوخَـذُ فِـي حِمَاكَ بِذَنْبِ غَيْرِي
فَأَيْــنَ الْــعَــدْلُ عَـنِّـي وَالْـكِـرَامُ
وَأَيْـنَ خَـلَائِـقٌ سَـتَـحُـولُ عَـنْهَا
إِذَا حَـالَـتْ عَـنِ الـسُّـكْـرِ الْـمُدَامُ
فَـلَا تَـعْـدِلْ إِلَـى الْوَاشِينَ سَمْعًا
فَإِنَّ كَـــلَامَ أَكْـــثَـــرِهِــمْ كَــلَامُ
وَإِنَّ الْـــوُدَّ عِـــنْــدَهُــمُ نِــفَــاقٌ
إِذَا طَــاوَعْــتَـهُـمْ وَالْـحَـمْـدَ ذَامُ
وَلِــلْأَقْـوَالِ إِنْ سُـمِـعَـتْ سِـهَـامٌ
تُـقَـصِّـرُ عَـنْ مَـوَاقِـعِـهَـا السِّهَامُ
فَـمَـا نُـصْـحًـا لِـمَجْدِكَ بَلْ مُرَادًا
لِـمَـا قَـدْ سَـاءَنِي قَعَدُوا وَقَامُوا
وَلَــوْ إِذْ أَقْــدَمُـوا لَاقَـوْكَ دُونِـي
كَـعَـهْـدِكَ أَحْجَمُوا عَنِّي وَخَامُوا
فَـلَـيْـتَـكَ تَـسْـمَـعُ الْقَوْلَيْنِ حَتَّى
يُـبَـيِّـنَ فِـي مَـنِ الْـحَقُّ الْخِصَامُ
أَبَــعْــدَ تَـمَـسُّـكِـي بِـنَـدَاكَ دَهْـرًا
وَحَـبْـلُ نَـدَاكَ لَـيْـسَ لَهُ انْصِرَامُ
وَكَوْنِي مِنْ دِفَاعِكَ فِي حُصُونٍ
مَــنِــيــعَــاتِ الـذَّوَائِـبِ لَا تُـرَامُ
وَأَخْـذِي مِـنْـكَ مِـيـثَـاقًـا كَـرِيمًا
وَعَــهْـدًا مَـا لِـعُـرْوَتِـهِ انْـفِـصَـامُ
يَــنَــالُ مُــرَادَهُ مِــنِّــي حَـسُـودٌ
وَيُـمْـكِـنُ عَـادِيًـا فِـيَّ اهْـتِـضَامُ
أَتَـرْضَـى لِـلْـمَـحَـامِـدِ أَنْ تَـرَاهَـا
بِأَرْضِـكَ تُـسْـتَـبَـاحُ وَتُـسْـتَضَامُ
وَتَـصْـبِـرُ عَـنْ غَـرَائِبِهَا وَصَبْرُ الْـ
ـفَــتَـى فِـي دِيـنِـهَـا أَبَـدًا حَـرَامُ
وَهَـلْ يَـسْـلُو عَنِ الْأَحْبَابِ يَوْمًا
مُـحِـبٌّ لَـيْـسَ يَـسْـلُـوهُ الْـغَـرَامُ
فَـلَا تَـدَعِ الْـعِـرَاقَ وَأَرْضَ مِـصْرٍ
تَــفُــوزُ بِـهَـا وَيُـحْـرَمُـهَـا الـشَّآمُ
فَـمِـنْ حَـقِّ الْـقَـوَافِـي مِنْكَ دَفْعٌ
يَـجِـيـشُ بِـمِـثْلِهِ الْجَيْشُ اللُّهَامُ
لَـقَـدْ مَـلَّ الـرُّقَـادُ جُـفُونَ عَيْنِي
وَمَـا مَـلَّ الـدُّمُـوعَ لَـهَـا انْسِجَامُ
فَـمَـا يَـسْـرِي إِلَـى قَـلْـبِي سُرُورٌ
وَلَــكِـنْ لِـلْـهُـمُـومِ بِـيَ اهْـتِـمَـامُ
سَيَرْضَى الْحَاسِدُونَ إِذَا تَمَطَّتْ
بِـيَ الْـوَجْـنَاءُ وَاضْطَرَبَ الزِّمَامُ
إِذَا جَـــاوَزْتُ غُــرَّبَ أَوْ غُــرَابًــا
وَحَــالَ الْــقَــاعُ دُونِـي وَالْإِكَـامُ
فَـمَـنْ يَـجْـلُو عَلَيْكَ بَنَاتِ فِكْرِي
وَأَنْــتَ بِــهِــنَّ صَـبٌّ مُـسْـتَـهَـامُ
يُـقَـيِّـدُنِـي بِـنَـجْـدِ الـشَّـامِ وَجْدٌ
وَيَـدْعُـونِـي إِلَـى الْـغَـوْرِ اعْتِزَامُ
فَـعَـنْ أَمْـرِ الـنَّـوَائِـبِ لِـي رَحِيلٌ
وَفِـي حُـكْـمِ الـصَّـبَابَةِ لِي مُقَامُ
وَمَـنْ يَـرْضَـى مِنَ الدُّنْيَا بِعَيْشٍ
عَــلَـيْـهِ لِـجَـائِـرٍ فِـيـهِ احْـتِـكَـامُ
تَأَمَّــلْ مَــا أَبُـثُّ تَـجِـدْ حَـقِـيـقًـا
بِــشَــمْـلٍ فِـي ذَرَاكَ لَـهُ الْـتِـئَـامُ
أَيَـعْـظُـمُ أَنْ تَذُودَ الْخَطْبَ عَنِّي
وَعِـنْـدَكَ تَـصْـغُـرُ النُّوَبُ الْعِظَامُ
إِذَا لَـمْ أَعْـتَـصِـمْ بِـكَ مِـنْ عَـدُوٍّ
فَـهَـلْ فِـي الْعَالَمِينَ لِيَ اعْتِصَامُ
لَـعَـلَّ دُجَـى الْحَوَادِثِ أَنْ تُجَلَّى
بِــبَــدْرٍ لَا يُــفَــارِقُــهُ الــتَّــمَــامُ
أَتِـيـهُ عَـلَـى الـزَّمَـانِ بِهِ ابْتِهَاجًا
وَتَـحْـسُـدُنِـي الْكَوَاكِبُ لَا الْأَنَامُ
وَحَـسْـبِـي الـلـهُ فِـيـمَـا أَرْتَـجِيهِ
وَعَـضْـبُ الـدَّوْلَـةِ الْـمَلِكُ الْهُمَامُ
لَـقَـدْ شَـغَـلَ الْـمَحَامِدَ عَنْ سِوَاهُ
أَغَــرُّ بِــمَــدْحِــهِ شَـرُفَ الْـكَـلَامُ
جَـمَـعْـتُ صِـفَـاتِـهِ جَـمْـعَ اللَّآلِي
فَـلِـي مِـنْـهَـا الْـفَـرَائِـدُ وَالـتُّـؤَامُ
تَـدُلُّ عَـلَـيْـهِ فِـي الْـجُـلَّـى عُلَاهُ
وَهَـلْ لِـلْـبَـدْرِ فِـي الظُّلَمِ اكْتِتَامُ
أَنَـافَ عَـلَـى الْقِيَامِ فَطَالَ عَنْهُمْ
كَأَنَّ قُــعُــودَهُ فِــيــهِــمْ قِــيَــامُ
تَــصَــوَّبَ جُــودُهُ فِــي كُـلِّ وَادٍ
كَـمَـا يَـتَـصَـوَّبُ الـسَّـيْـلُ الرُّكَامُ
دَقِـيـقُ مَـحَـاسِنِ الْأَخْلَاقِ يَبْدُو
أَمَــامَ نَــدَاهُ بِــشْــرٌ وَابْــتِـسَـامُ
وَمَـقْـتَـرِحٌ عَـلَـيَّ الْـحَمْدَ أَرْضَى
سَـلَامَـتَـهُ اقْـتِـرَاحِـي وَالـسَّلَامُ

عن القصيدة

  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الوافر
  • عصر القصيدة: العباسي الثاني

عن الشاعر

هو أحمد بن محمد بن علي بن يحيى التغلبي، يُعَد أحد رُواد الأدب العربي، وأشهر شعراء الشام الذين ساهموا في النهضة الشعرية التي شهدها العصر العباسي الثاني، اتسم شِعره بحُسن البيان، وجزالة العبارة، وعُمق المعنى.

وُلد في دمشق سنة ٤٥٠ﻫ/ ١٠٥٨م، حين كانت تحت سيطرة الدولة الفاطمية، ونشأ وترعرع بها؛ فدرس علوم اللغة، والكتابة، ونَظَم فيها أُولى قصائده. وظل بها حتى سيطر عليها السلاجقة فهاجر منها إلى حماة، وكان عُمره آنذاك ثمانية عشر عامًا، ومكث في حماة مدةً قاربت اثنتَي عشرة سنة، واتصل بأميرها «محمد بن مانك» وعمل عنده كاتبًا، ثم انتقل إلى شينيز ومدح أميرها «علي بن مقلد بن منقذ»، ومنها إلى حلب السورية، وهناك التقى ﺑ «ابن حيُّوس» أشهر شعراء زمانه، ولازَمه مدةً حتى صار امتدادًا لشِعره، ثم اتجه غربًا إلى طرابلس الليبية التي أقام فيها مدةً قاربت عشر سنوات، وفيها ذاع صِيتُه، ووصلت شُهرته الآفاق، ونَظَم أبدع قصائده وأشهرها، وتَقرَّب من حاكمها «جلال الدين بن عمار»، ثم عاد ثانيةً إلى دمشق وحط فيها رِحاله، وصاحَب وزيرها السلجوقي «هبة الله بن بديع الأصفهاني».

سُمي ﺑ «ابن الخياط» لاشتغال أبيه بحرفة الخياطة، وسُمي بالكاتب لاشتغاله بالكتابة؛ حيث عمل كاتبًا لدى أمراء الدولة العباسية، كما نَظَم الشعر بأغراضه المتنوعة، كالهِجاء، والرِّثاء، والغزَل، ولكنَّ النصيب الأوفر من قصائده كان في المديح، حتى اشتُهر بذلك؛ فذكَرَته كُتُب المؤرخين المعاصرين بأنه من الشعراء المُجيدين، امتَدح الناس، وطاف البلاد، ودخل بلاد العجم وامتَدح أهلها. وصل إلينا ديوانه الذي حوى أبهى قصائد الشعر العربي، وأعذب العبارات، وأبلغ المعاني.

تُوفِّي «ابن الخياط» بدمشق في ١١ رمضان ٥١٧ﻫ/١ نوفمبر ١١٢٣م، عن عُمرٍ يُناهز سبعًا وستين سنة.

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤