التَّرْبِيَةُ وَالْأُمَّهَاتُ

Wave Image
هِـيَ الْأَخْـلَاقُ تَـنْـبُـتُ كَـالـنَّـبَاتِ
إِذَا سُـقِـيَـتْ بِـمَـاءِ الْـمَـكْـرُمَـاتِ
تَــقُــومُ إِذَا تَــعَـهَّـدَهَـا الْـمُـرَبِّـي
عَـلَـى سَـاقِ الْـفَـضِـيلَةِ مُثْمِرَاتِ
وَتَــسْــمُــو لِـلْـمَـكَـارِمِ بِـاتِّـسَـاقٍ
كَـمَـا اتَّـسَـقَـتْ أَنَـابِـيـبُ الْـقَـنَاةِ
وَتُنْعِشُ مِنْ صَمِيمِ الْمَجْدِ رُوحًا
بِأَزْهَـــارٍ لَـــهَــا مُــتَــضَــوِّعَــاتِ
وَلَــمْ أَرَ لِــلْـخَـلَائِـقِ مِـنْ مَـحِـلٍّ
يُــهَــذِّبُــهَــا كَـحِـضْـنِ الْأُمَّـهَـاتِ
فَـحِـضْـنُ الْأُمِّ مَـدْرَسَـةٌ تَسَامَتْ
بِــتَــرْبِـيَـةِ الْـبَـنِـيـنَ أَوِ الْـبَـنَـاتِ
وَأَخْـلَاقُ الْـوَلِـيـدِ تُـقَـاسُ حُسْنًا
بِأَخْــلَاقِ الــنِّــسَــاءِ الْــوَالِــدَاتِ
وَلَـيْـسَ رَبِـيـبُ عَـالِـيَـةِ الْـمَـزَايَا
كَـمِـثْـلِ رَبِـيـبِ سَـافِلَةِ الصِّفَاتِ
وَلَـيْـسَ الـنَّـبْتُ يَنْبُتُ فِي جِنَانٍ
كَـمِـثْـلِ الـنَّـبْتِ يَنْبُتُ فِي الْفَلَاةِ
فَـيَـا صَـدْرَ الْـفَتَاةِ رَحُبْتَ صَدْرًا
فَأَنْـتَ مَـقَـرُّ أَسْـنَـى الْـعَـاطِـفَاتِ
نَـرَاكَ إِذَا ضَـمَـمْـتَ الـطِّفْلَ لَوْحًا
يَـفُـوقُ جَـمِـيـعَ أَلْـوَاحِ الْـحَـيَـاةِ
إِذَا اسْـتَـنَـدَ الْوَلِيدُ عَلَيْكَ لَاحَتْ
تَــصَــاوِيـرُ الْـحَـنَـانِ مُـصَـوَّرَاتِ
لِأَخْـلَاقِ الـصَّـبِـيِّ بِـكَ انْـعِكَاسٌ
كَـمَا انْعَكَسَ الْخَيَالُ عَلَى الْمِرَاةِ
وَمَـا ضَـرَبَـانُ قَـلْـبِـكَ غَيْرُ دَرْسٍ
لِـتَـلْـقِـيـنِ الْـخِـصَـالِ الْفَاضِلَاتِ
فَأَوَّلُ دَرْسِ تَـهْـذِيـبِ الـسَّـجَـايَا
يَـكُـونُ عَـلَـيْـكَ يَـا صَـدْرَ الْـفَتَاةِ
فَـكَـيْـفَ نَـظُـنُّ بِـالْأَبْـنَـاءِ خَـيْـرًا
إِذَا نَـشَـئُـوا بِـحِـضْـنِ الْجَاهِلَاتِ
وَهَــلْ يُــرْجَـى لِأَطْـفَـالٍ كَـمَـالٌ
إِذَا ارْتَـضَـعُـوا ثُـدِيَّ الـنَّـاقِصَاتِ
فَــمَـا لِـلْأُمَّـهَـاتِ جَـهِـلْـنَ حَـتَّـى
أَتَــيْـنَ بِـكُـلِّ طَـيَّـاشِ الْـحَـصَـاةِ
حَـنَـوْنَ عَـلَـى الرَّضِيعِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
فَـضَـاعَ حُـنُـوُّ تِـلْـكَ الْـمُرْضِعَاتِ
أَأُمَّ الْــمُـؤْمِـنِـيـنَ إِلَـيْـكِ نَـشْـكُـو
مُـصِـيـبَـتَـنَـا بِـجَـهْـلِ الْـمُؤْمِنَاتِ
فَــتِـلْـكَ مُـصِـيـبَـةٌ يَـا أُمُّ مِـنْـهَـا
«نَـكَـادُ نَـغَـصُّ بِـالْـمَـاءِ الْفُرَاتِ»
تَــخِـذْنَـا بَـعْـدَكِ الْـعَـادَاتِ دِيـنًـا
فَأَشْـقَـى الْـمُـسْـلِمُونَ الْمُسْلِمَاتِ
فَـقَـدْ سَـلَـكُـوا بِـهِنَّ سَبِيلَ خُسْرٍ
وَصَـدُّوهُـنَّ عَـنْ سُـبُـلِ الْـحَـيَاةِ
بِـحَـيْـثُ لَـزِمْنَ قَعْرَ الْبَيْتِ حَتَّى
نَـــزَلْـــنَ بِـــهِ بِــمَــنْــزِلَــةِ الْأَدَاةِ
وَعَــدُّوهُــنَّ أَضْـعَـفَ مِـنْ ذُبَـابٍ
بِــلَا جُــنُــحٍ وَأَهْـونَ مِـنْ شَـذَاةِ
وَقَـالُـوا شِـرْعَـةُ الْإِسْلَامِ تَقْضِي
بِـتَـفْضِيلِ «الَّذِينَ عَلَى اللَّوَاتِي»
وَقَـالُـوا إِنَّ مَـعْـنَـى الْـعِلْمِ شَيْءٌ
تَـضِـيـقُ بِـهِ صُـدُورُ الْـغَـانِـيَـاتِ
وَقَـالُـوا الْـجَـاهِـلَاتُ أَعَـفُّ نَفْسًا
عَـنِ الْـفَـحْـشَـا مِـنَ الْـمُـتَعَلِّمَاتِ
لَـقَـدْ كَـذَبُـوا عَـلَى الْإِسْلَامِ كِذْبًا
تَــزُولُ الــشُّــمُّ مِــنْـهُ مُـزَلْـزَلَاتِ
أَلَـيْـسَ الْعِلْمُ فِي الْإِسْلَامِ فَرْضًا
عَــلَــى أَبْـنَـائِـهِ وَعَـلَـى الْـبَـنَـاتِ
وَكَـانَـتْ أُمُّـنَـا فِـي الْـعِـلْـمِ بَحْرًا
تَـحُـلُّ لِـسَـائِـلِـيـهَـا الْـمُـشْـكِلَاتِ
وَعَــلَّــمَــهَــا الـنَّـبِـيُّ أَجَـلَّ عِـلْـمٍ
فَــكَـانَـتْ مِـنْ أَجَـلِّ الْـعَـالِـمَـاتِ
لِــذَا قَــالَ ارْجِـعُـوا أَبَـدًا إِلَـيْـهَـا
بِـثُـلْـثَـيْ دِيـنِـكُـمْ ذِي الْـبَـيِّـنَـاتِ
وَكَـانَ الْـعِـلْـمُ تَـلْـقِـيـنًـا فَأَمْسَى
يُـحَـصَّـلُ بِـانْـتِـيَـابِ الْمَدْرَسَاتِ
وَبِـالـتَّـقْـرِيـرِ مِـنْ كُـتُـبٍ ضِخَامٍ
وَبِــالْــقَــلَــمِ الْــمُــمَـدِّ مِـنَ دَوَاةِ
أَلَـمْ تَـرَ فِـي الْـحِسَانِ الْغِيدِ قَبْلًا
أَوَانِــسَ كَــاتِــبَــاتٍ شَــاعِــرَاتِ
وَقَـدْ كَـانَـتْ نِـسَـاءُ الْـقَوْمِ قِدْمًا
يَـرُحْـنَ إِلَـى الْحُرُوبِ مَعَ الْغُزَاةِ
يَـكُـنَّ لَـهُـمْ عَـلَـى الْأَعْـدَاءِ عَوْنًا
وَيَـضْـمِـدْنَ الْـجُـرُوحَ الـدَّامِيَاتِ
وَكَـمْ مِـنْـهُـنَّ مَنْ أُسِرَتْ وَذَاقَتْ
عَـذَابَ الْـهُـونِ فِـي أَسْـرِ الْعُدَاةِ
فَـمَـاذَا الْـيَـوْمَ ضَـرَّ لَـوِ الْـتَـفَـتْنَا
إِلَــى أَسْـلَافِـنَـا بَـعْـضَ الْـتِـفَـاتِ
فَـهُـمْ سَـارُوا بِـنَهْجِ هُدًى وَسِرْنَا
بِــمِـنْـهَـاجِ الـتَّـفَـرُّقِ وَالـشَّـتَـاتِ
نَـرَى جَـهْـلَ الْـفَـتَـاةِ لَـهَـا عَـفَافًا
كَأَنَّ الْــجَــهْــلَ حِـصْـنٌ لِـلْـفَـتَـاةِ
وَنَــحْــتَـقِـرُ الْـحَـلَائِـلَ لَا لِـجُـرْمٍ
فَــــنُـــؤْذِيـــهِـــنَّ أَنْـــوَاعَ الْأَذَاةِ
وَنُـلْـزِمُـهُـنَّ قَـعْـرَ الْـبَـيْـتِ قَـهْـرًا
وَنَـحْـسِـبُـهُـنَّ فِـيـهِ مِـنَ الْـهَنَاتِ
لَـئِـنْ وَأَدُوا الْـبَـنَـاتَ فَـقَـدْ قَبَرْنَا
جَـمِـيـعَ نِـسَـائِـنَـا قَـبْـلَ الْـمَمَاتِ
حَـجَـبْـنَـاهُـنَّ عَـنْ طَلَبِ الْمَعَالِي
فَـعِـشْـنَ بِـجَـهْـلِـهِـنَّ مُـهَـتَّـكَـاتِ
وَلَـوْ عَـدِمَـتْ طِـبَـاعُ الْقَوْمِ لُؤْمًا
لَـمَـا غَـدَتِ الـنِّـسَـاءُ مُـحَـجَّـبَاتِ
وَتَـهْـذِيـبُ الـرِّجَـالِ أَجَـلُّ شَرْطٍ
لِــجَــعْـلِ نِـسَـائِـهِـمْ مُـتَـهَـذِّبَـاتِ
وَمَـا ضَـرَّ الْـعَـفِـيفَةَ كَشْفُ وَجْهٍ
بَـــدَا بَـــيْـــنَ الْأَعِـــفَّــاءِ الْأُبَــاةِ
فِـدًى لِـخَـلَائِـقِ الْأَعْـرَابِ نَفْسِي
وَإِنْ وُصِـفُـوا لَـدَيْـنَـا بِـالْـجُـفَـاةِ
فَـكَـمْ بَـرَزَتْ بِـحُـبِّـهُـمُ الْـغَوَانِي
حَــوَاسِــرَ غَــيْـرَ مَـا مُـتَـرَيِّـبَـاتِ
وَكَـمْ خِـشْـفٍ بِـمَـرْبَـعِهِمْ وَظَبْيٍ
يَــمُــرُّ مَــعَ الْـجَـدَايَـةِ وَالْـمَـهَـاةِ
وَلَـوْلَا الْـجَـهْـلُ ثَـمَّ لَقُلْتُ مَرْحَى
لِـمَـنْ أَلِـفُـوا الْـبَـدَاوَةَ فِي الْفَلَاةِ

عن القصيدة

  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الوافر
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

معروف الرُّصافي: أديب وشاعر وأكاديمي عراقي له إسهامات معتبَرة في حقلَي التعليم والثقافة.

وُلِدَ معروف عبد الغني محمود الجباري في مدينة بغداد العراقية عام ١٨٧٥م وتلقَّى علومه الأوَّلِيَّة في الكتاتيب كباقي أقرانه، ثم التحق ﺑ «المدرسة العسكرية الابتدائية» لفترة، ولكنه انتقل للدراسة في المدارس الدينية حيث تتلمذَ على يد مجموعة من علماءِ بغداد الكبار، وقد لقَّبَهُ أحد شيوخه بمعروف الرُّصافي بدلًا من معروف الكرخي.

بعد تخرُّجه عمِل الرُّصافي معلمًا ﺑ «مدرسة الراشدية» ثم مدرسًا للأدب العربي ﺑ «المدرسة الإعدادية» ببغداد، وقد تنقَّل بين المدارس حتى أصبح مدرِّسًا للُّغة العربية ﺑ «الكلية الشاهانية» بإسطنبول، وكان أيضًا يمارس الصحافة؛ حيث عمل محررًا بجريدة «سبيل الرشاد».

انتُخِب الرصافي عضوًا ﺑ «مجلس المبعوثان» العثماني في عام ١٩١٢م (وهو شبيه بالمجالس النيابية الآن)، وتقديرًا لجهوده الأدبية والتعليمية انتُخِب عضوًا ﺑ «مجمع اللغة العربية» بدمشق، ثم عُيِّنَ مفتشًا بمديرية المعارف العراقية.

آمَن الرُّصافي بأهمية التعليم وعمِل على نشره بين العراقيين من خلال دعواته وجهاده المستمر لبناء المزيد من المدارس، محفِّزًا الأغنياء على دعم المشاريع التعليمية وكفالة طلبة العلم، حيث رأى أن طريق التحرُّر الوطني يمر بالمدارس. والحديث عن التحرُّر الوطني يَجرُّنا بالضرورة إلى نشاط الرُّصافي السياسي ورفضه للاحتلال البريطاني واستبداد السلطة؛ فنجده قد دبَّج المقالات وألَّف القصائد الحماسية محرِّضًا الشعب على النضال السياسي، وكذلك الثورة ضد التقاليد والجمود.

ترك الرُّصافي الكثير من الأعمال الشعرية والنثرية المميزة التي عكست أسلوبَه الرصين ولغته المتينة جزْلة الألفاظ، وقد تنوعت الموضوعات التي كتب فيها ما بين السياسي والاجتماعي والأدبي والتاريخي، وكثيرًا ما أثارت كتبه ضجَّةً كبرى في الأوساط الثقافية؛ فكتابه الشهير «الشخصية المحمدية» اعتبره البعض تهجُّمًا على الدين ومقدساته.

تُوُفِّيَ الرُّصافي بعد حياة حافلة في عام ١٩٤٥م عن سبعين عامًا.

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤