مَتَى يَذْكُرُ الْوَطَنَ النُّوَّمُ

جَـــلَـــسْــتُ وَقَــدْ هَــجَــعَ الْــغَــافِــلُــونَ
أُفَــــكِّــــرُ فِــــي أَمْــــسِــــنَــــا وَالْــــغَـــدِ
وَكَـــيْــفَ اسْــتَــبَــدَّ بِــنَــا الــظَّــالِــمُــونَ
وَجَـــارُوا عَـــلَـــى الـــشَّـــيْـــخِ وَالْأَمْــرَدِ
فَــخِــلْــتُ اللَّــوَاعِــجَ بَــيْــنَ الْــجُــفُــونِ
وَأَنَّ جَـــــهَـــــنَّـــــمَ فِـــــي مَـــــرْقَــــدِي
وَضَــــاقَ الْــــفُــــؤَادُ بِــــمَــــا يَـــكْـــتُـــمُ
فَــــأَرْسَــــلَــــتِ الْــــعَـــيْـــنُ مِـــدْرَارَهَـــا
ذَكَـــــرْتُ الْـــــحُــــرُوبَ وَوَيْــــلَاتِــــهَــــا
وَمَـــا صَـــنَـــعَ الـــسَّـــيْـــفُ وَالْــمِــدْفَــعُ
وَكَــــيْــــفَ تَــــجُــــورُ عَـــلَـــى ذَاتِـــهَـــا
شُــــعُــــوبٌ لَــــهَـــا الـــرُّتْـــبَـــةُ الْأَرْفَـــعُ
وَتَــــخْــــضِــــبُ بِــــالــــدَّمِ رَايَـــاتِـــهَـــا
وَكَــــانَــــتْ تَــــذُمُّ الَّــــذِي تَــــصْــــنَــــعُ
فَــــبَـــاتَـــتَ بِـــمَـــا شَـــيَّـــدَتْ تَـــهْـــدِمُ
صُـــــرُوحَ الْـــــعُـــــلُــــومِ وَأَسْــــرَارَهَــــا
نِــــــسَــــــاءٌ تَــــــجُـــــودُ بِـــــأَوْلَادِهَـــــا
عَـــلَـــى الْــمَــوْتِ، وَالْــمَــوْتُ لَا يَــرْحَــمُ
وَجُــــنْــــدٌ تَــــجُــــودُ بِــــأَكْــــبَــــادِهَــــا
عَــــلَــــى الْأَرْضِ، وَالْأَرْضُ لَا تَــــعْــــلَـــمُ
وَتَـــغْـــدُو الـــطُّـــيُـــورُ بِـــأَجْـــسَـــادِهَــا
فَـــإِنْ عَـــطِـــشَـــتْ فَـــالـــشَّــرَابُ الــدَّمُ
وَفِـــــي كُـــــلِّ مَـــــنْـــــزِلَـــــةٍ مَــــأْتَــــمٌ
تَـــــشُـــــقُّ بِـــــهَـــــا الْــــغَــــدَ أَزْرَارَهَــــا
لَــــقَــــدْ شَــــبِــــعَ الــــذِّئْـــبُ وَالْأَجْـــدَلُ
وَأَقْــــــــفَــــــــرَتِ الـــــــدُّورُ وَالْأَرْبُـــــــعُ
فَــكَــمْ يَــقْــتُــلُ الْــجَــحْـفَـلَ الْـجَـحْـفَـلُ
وَيَــــــــفْـــــــتِـــــــكُ بِـــــــالْأَرْوَعِ الْأَرْوَعُ
وَلَـــنْ يُـــرْجِـــعَ الْــقَــتْــلُ مَــنْ قُــتِّــلُــوا
وَلَـــنْ يَـــسْـــتَـــعِــيــدَ الَّــذِي ضَــيَّــعُــوا
فَـــبِـــئْـــسَ الْأُلَــى بِــالْــوَغَــى عَــلَّــمُــوا
وَبِــــئْــــسَ الْأُلَــــى أَجَّــــجُـــوا نَـــارَهَـــا
أَمِــــنْ أَجْــــلِ أَنْ يَــــسْـــلَـــمَ الْـــوَاحِـــدُ
تُـــطِـــلُّ الـــدِّمَـــاءُ وَتَـــفْــنَــى الْأُلُــوفْ؟
وَيَـــــــــــزْرَعُ أَوْلَادَهُ الْـــــــــــوَالِـــــــــــدُ
لِــتَــحْــصُــدَهُــمْ شَــفَــرَاتُ الــسُّـيُـوفْ؟
أُمُـــــورٌ يَــــحَــــارُ بِــــهَــــا الــــنَّــــاقِــــدُ
وَتُــدْمِــي فُــؤَادَ اللَّــبِــيــبِ الْــحَـصِـيـفْ
فَـــيَــا لَــيْــتَ شِــعْــرِي مَــتَــى يَــفْــهَــمُ
مَــــعَــــانِــــي الْـــحَـــيَـــاةِ وَأَسْـــرَارَهَـــا
وَحَـــوَّلْـــتُ طَـــرْفِـــي إِلَـــى الْــمَــشْــرِقِ
كَـمَـا اجْـتَـمَـعَـتْ حَـوْلَ نَـفْـسِـي الْـغُـمُـومْ
فَـــأَسْـــنَـــدْتُ رَأْسِـــي إِلَـــى مِــرْفَــقِــي
وَقُــلْــتُ، وَقَــدْ غَــلَــبَــتْــنِــي الْــهُــمُــومْ
بِـــــرَبِّـــــكِ، أَيَّـــــتُـــــهَـــــا الْأَنْـــــجُـــــمُ
مَــــتَـــى تَـــضَـــعُ الْـــحَـــرْبُ أَوْزَارَهَـــا؟
كَــمَــا يُــقْــتَــلُ الــطَّــيْــرُ فِــي الْــجَــنَّــةِ
وَيُــقْــتَــنَــصُ الــظَّــبْـيُ فِـي الـسَّـبْـسَـبِ
كَــــذَلِـــكَ يُـــجْـــنَـــى عَـــلَـــى أُمَّـــتِـــي
بِــــــلَا سَـــــبَـــــبٍ وَبِـــــلَا مُـــــوجِـــــبِ
فَـــــحَــــتَّــــامَ تُــــؤْخَــــذُ بِــــالْــــقُــــوَّةِ
وَيُـــقَـــتَـــصُّ مِـــنْـــهَـــا، وَلَــمْ تُــذْنِــبِ؟
وَكَـــمْ تَـــسْـــتَـــكِـــيــنُ وَتَــسْــتَــسْــلِــمُ
وَقَــــدْ بَــــلَــــغَ الــــسَّــــيْــــلُ زُنَّـــارَهَـــا
وَسِــيــقَــتْ إِلَــى الــنَّـطْـعِ سَـوْقَ الْـغَـنَـمْ
مَــــــــغَـــــــاوِرُهَـــــــا وَرِجَـــــــالُ الْأَدَبْ
وَكُـــلُّ امْـــرِئٍ لَـــمْ يَـــمُـــتْ بِـــالْـــخَــذَمْ
فَـــقَـــدْ قَـــتَــلُــوهُ بِــسَــيْــفِ الــسَّــغَــبْ
فَــمَــا حَــرَّكَ الــضَّــيْــمُ فِــيــهَــا الـشَّـمَـمْ
وَلَا رُؤْيَـــةُ الـــدَّمِ فِـــيـــهَـــا الْـــغَــضَــبْ
تَـــــبَـــــدَّلَــــتِ الــــنَّــــاسُ وَالْأَنْــــجُــــمُ
وَلَــــــمَّــــــا تَــــــبَــــــدَّلُ أَطْــــــوَارُهَـــــا
أَرَى اللَّـــيْـــثَ يَــدْفَــعُ عَــنْ غَــيْــضَــتِــهْ
بِــــــأَنْــــــيَــــــابِـــــهِ وَبِـــــأَظْـــــفَـــــارِهِ
وَيَـــجْـــتَـــمِــعُ الــنَّــمْــلُ فِــي قَــرْيَــتِــهْ
إِذَا خَـــــشِــــيَ الْــــغَــــدْرَ مِــــنْ جَــــارِهِ
وَيَـــخْـــشَـــى الْــهَــزَارُ عَــلَــى وُكْــنَــتِــهْ
فَــــيَــــدْفَــــعُ عَـــنْـــهَـــا بِـــمِـــنْـــقَـــارِهِ
فَـــلَا الْـــكَـــاسِـــرَاتُ وَلَا الـــضَّـــيْـــغَـــمُ
وَلَا الـــــشَّـــــاةُ تَـــــمْـــــدَحُ جَــــزَّارَهَــــا
عَـــجِـــبْـــتُ مِـــنَ الــضَّــاحِــكِ اللَّاعِــبِ
وَأَهْـــلُـــوهُ بَــيْــنَ الْــقَــنَــا وَالــسُّــيُــوفْ
يَــــبِــــيـــتُـــونَ فِـــي وَجَـــلٍ نَـــاصِـــبِ
فَـــإِنْ نَـــصِـــبُــوا أُلْــجِــئُــوا لِلْــكُــهُــوفْ
وَمِـــــمَّـــــنْ يُــــصَــــفِّــــقُ لِلــــضَّــــارِبِ
وَأَحْـــبَـــابُـــهُ يَـــجْــرَعُــونَ الْــحُــتُــوفْ
مَــــتَــــى يَــــذْكُــــرُ الْـــوَطَـــنَ الـــنُّـــوَّمُ
كَـــمَـــا تَـــذْكُـــرُ الـــطَّـــيْـــرُ أَوْكَـــارَهَــا؟

عن القصيدة

  • غرض القصيدة: الحكمة
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: المتقارب
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١