أَنَا وَأُخْتُ الْمَهَاةِ وَالْقَمَرِ

آهِ مِــــنَ الْــــحُـــبِّ، كُـــلُّـــهُ عِـــبَـــرُ
عِــنْــدِيَ مِــنْــهُ الــدُّمُــوعُ وَالـسَّـهَـرُ
وَوَيْـــحَ صَـــرْعَــى الْــغَــرَامِ إِنَّــهَــمُ
مِــوْتَــى، وَمَــا كُــفِــنُــوا وَلَا قُـبِـرُوا
يَـمْـشُـونَ فِي الْأَرْضِ لَيْسَ يَأْخُذُهُمْ
زَهْـــوٌ وَلَا فِــي خُــدُودِهِــمْ صَــعَــرُ
لَــوْ وَلَــجَ الــنَّــاسُ فِــي سَـرَائِـرِهِـمْ
هَــانَــتْ، وَرَبِّــي، عَــلَــيْــهِــمُ سَــقَـرُ
مَـــا خَـــفَـــرُوا ذِمَّـــةً، وَلَا نَــكَــثُــوا
عَـــهْـــدًا، وَلَا مَـــالَــئُــوا وَلَا غَــدَرُوا
قَــدْ حَــمَـلُـوا الْـهُـونَ غَـيْـرَ مَـا سَـأَمٍ
لَــوْلَا الْــهَــوَى لِلْــهَــوَانِ مَـا صَـبَـرُوا
لَـمْ يُـبْـقِ مِـنِّـي الـضَّـنَـى سِوَى شَبَحٍ
يَـــكَـــادُ، لَـــوْلَا الــرَّجَــاءُ، يَــنْــدَثِــرُ
أَمْــسَــي وِسَــادِي مُـشَـابِـهًـا كَـبِـدِي
كِــلَاهُــمَــا الــنَّــارُ فِــيــهِ تَــسْــتَـعِـرُ
أَكُــلُّ صَــبٍّ، يَــا لَــيْــلُ، مَـضْـجَـعُـهُ
مِـــثْــلِــي فِــيــهِ الْــقَــتَــادُ وَالْإِبَــرُ؟
لَــعَــلَّ طَـيْـفًـا مِـنْ هِـنْـدَ يَـطْـرُقُـنِـي
فَــعِــنْــدَ هِــنْـدٍ عَـنْ شِـقْـوَتِـي خَـبَـرُ
مَـــا بَــالُ هِــنْــدٍ عَــلَــيَّ غَــاضِــبَــةً
مَــا شَــابَ فُــودِي وَلَـيْـسَ بِـي كِـبَـرُ
مَــا زِلْــتُ غَــضَّ الــشَّـبَـابِ لَا وَهَـنٌ
يَــا هِــنْــدُ فِــي عَــزْمَـتِـي وَلَا خَـوَرُ
لَا دَرَّ دَرُّ الْـــوُشَـــاةِ قَـــدْ حَـــلَــفُــوا
أَنْ يُــفْــسِــدُوا بَــيْـنَـنَـا وَقَـدْ قَـدَرُوا
وَاهًــــا لِأَيَّــــامِــــنَــــا، أَرَاجِــــعَـــةٌ؟
فَـــإِنَّـــهُـــنَّ الْـــحُـــجُــولُ وَالْــغُــرَرُ
أَيَّــــامَ لَا الـــدَّهْـــرُ قَـــابِـــضٌ يَـــدَهُ
عَــنِّــي، وَلَا هِــنْــدُ قَــلْــبُــهَـا حَـجَـرُ
لَــمْ أَنْــسَ لَــيْــلًا سَــهِــرْتُــهُ مَــعَـهَـا
تَــحْـنُـوْ عَـلَـيْـنَـا الْأَفْـنَـانُ وَالـشَّـجَـرُ
غَــفَــرْتُ ذَنْــبَ الــنَّــوَى بِــزَوْرَتِــهَــا
ذَنْــبُ الــنَّــوَى بِــاللِّــقَــاءِ يُــغْــتَـفَـرُ
بِــتْــنَــا عَــنِ الـرَّاصِـدِيـنَ يَـكْـتُـمُـنَـا
الْأَسْـــوَدَانِ؛ الـــظَّـــلَامُ وَالـــشَّــعَــرُ
ثَــــلَاثَــــةٌ لِلــــسُّـــرُورِ مَـــا رَقَـــدُوا
أَنَـــا وَأُخْـــتُ الْـــمَـــهَــاةِ وَالْــقَــمَــرُ
فَــمَــا لِــهَــذِي الــنُّــجُــومِ سَــاهِـيَـةٌ
تَـــرْنُـــو إِلَـــيْـــنَـــا كَـــأَنَّـــهَــا نُــذُرُ؟
إِنْ كَــانَ صُــبْــحُ الْــجَـبِـيـنِ رَوَّعَـهَـا
فَــإِنَّ لَــيْــلَ الــشُّــعُــورِ مُــعْــتَــكِــرُ
أَوِ انْــتِــظَــامُ الْــعُــقُــودِ أَغْــضَـبَـهَـا
فَــــإِنَّ دُرَّ الْــــكَــــلَامِ مُــــنْـــتَـــثِـــرُ
وَمَــا لِــتِــلْــكَ الْــغُــصُـونِ مُـطْـرِقَـةٌ
كَـــأَنَّـــهَـــا لِلـــسَّـــلَامِ تَـــخْــتَــصِــرُ
تَــبْــكِــي كَــأَنَّ الــزَّمَــانَ أَرْهَــقَــهَــا
عُــسْــرًا، وَلَــكِــنْ دُمُــوعُـهَـا الـثَّـمَـرُ
طَـوْرًا عَـلَـى الْأَرْضِ تَـنْـثَـنِـي مَـرَحًـا
وَتَــارَةً فِــي الْــفَــضَــاءِ تَــشْــتَــجِـرُ
فَــأَجْــلَــفَــتْ هِــنْــدُ عِـنْـدَ رُؤْيَـتِـهَـا
وَقَـــدْ تَـــرُوعُ الْـــجَـــآذِرَ الـــصُّـــوَرُ
هَــيْــفَــاءُ لَــوْ لَــمْ تَـلِـنْ مَـعَـاطِـفُـهَـا
عِــنْــدَ الـتَّـثَـنِّـي خَـشِـيـتُ تَـنْـكَـسِـرُ
مِـنَ اللَّـوَاتِـي — وَلَا شَـبِـيـهَ لَـهَا —
يَـــزِيـــنُـــهُـــنَّ الـــدَّلَالُ وَالْـــخَــفَــرُ
فِـــي كُــلِّ عُــضْــوٍ وَكُــلِّ جَــارِحَــةٍ
مَــعْــنًـى جَـدِيـدٌ لِلْـحُـسْـنِ مُـبْـتَـكَـرُ
تَــبِــيــتُ زُهْــرُ الــنُّــجُـومِ طَـامِـعَـةً
لَـــوْ أَنَّـــهَـــا فَـــوْقَ نَـــحْـــرِهَــا دُرَرُ
رَخِـيـمَـةُ الـصَّـوْتِ إِنْ شَـدَتْ لَـفَـتَتْ
لَــهَــا الــدَّرَارِي وَأَنْــصَــتَ الــسَّـحَـرُ
أَبُـــثُّـــهَـــا الْــوَجْــدَ وَهْــيَ لَاهِــيَــةٌ
أَذْهَــلَــهَــا الْــحُــبُّ فَــهِــيَ تَـفْـتَـكِـرُ
يَــا هِــنْــدُ كَــمْ ذَا الْأَنَــامُ تَــعْــذِلُـنَـا
وَمَــــا أَثِــــمْــــنَــــا وَلَا بِــــنَــــا وَزَرُ
فَــابْــتَــدَرَتْ هِـنْـدُ وَهْـيَ ضَـاحِـكَـةٌ
مَـــاذَا عَــلَــيْــنَــا وَإِنْ هُــمُ كَــثُــرُوا
فَــدَتْــكَ نَــفْـسِـي لَـوْ أَنَّـهُـمْ عَـقِـلُـوا
وَاسْـتَـشْـعَـرُوا الْـحُـبَّ مِـثْلَمَا عَذَرُوا
مَــا جَــحَــدَ الْــحُــبَّ غَـيْـرُ جَـاهِـلِـهِ
أَيَــجْـحَـدُ الـشَّـمْـسَ مَـنْ لَـهُ بَـصَـرُ؟
ذَرْهُــمْ وَإِنْ أَجْــلَـبُـوا وَإِنْ صَـخِـبُـوا
وَلَا تَـــلُـــمْــهُــمْ فَــمَــا هُــمُ بَــشَــرُ!
سِــرْنَــا الْــهُــوَيْــنَــاءَ مَـا بِـنَـا تَـعَـبٌ
وَقَــدْ سَــكَــتْــنَــا وَمَــا بِــنَـا حَـصَـرُ
لَـــكِــنَّ فَــرْطَ الْــهُــيَــامِ أَسْــكَــرَنَــا
وَقَــبْــلَـنَـا الْـعَـاشِـقُـونَ كَـمْ سَـكِـرُوا
فَــقُــلْ لِــمَــنْ يُـكْـثِـرُ الـظُّـنُـونَ بِـنَـا
مَــا كَــانَ إِلَّا الْــحَــدِيــثُ وَالــنَّــظَـرُ
حَـــتَّـــى رَأَيْــتُ الــنَّــجُــومَ آفِــلَــةً
وَكَــادَ قَــلْــبُ الــظَّــلَامِ يَــنْــفَــطِــرُ
وَدَّعْـــتُــهَــا وَالْــفُــؤَادُ مُــضْــطَــرِبٌ
أُكَــفْــكِــفُ الــدَّمْــعَ وَهْــوَ يَــنْـهَـمِـرُ
وَوَدَّعَــتْــنِــي وَمِــنْ مَــحَــاجِــرِهَــا
فَــوْقَ الْــعَـقِـيـقِ الْـجُـمَـانُ يَـنْـحَـدِرُ
قَـدْ أَضْـحَـكَ الـدَّهْـرُ مَـا بَـكَـيْـتُ لَـهُ
كَـــأَنَّـــمَـــا الْـــبَــيْــنُ عِــنْــدَهُ وَطَــرُ
كَـــانَـــتْ لَـــيَــالِــيَّ مَــا بِــهَــا كَــدَرُ
وَالْآنَ أَمْــــسَـــتْ وَكُـــلُّـــهَـــا كَـــدَرُ
إِنْ نَـــفِـــدَ الــدَّمْــعُ مِــنْ تَــذَكُّــرِهَــا
فَــجَــادَهَــا بَــعْــدَ أَدْمُــعِـي الْـمَـطَـرُ
عَــسَــى اللَّـيَـالِـي تَـدْرِي جِـنَـايَـتَـهَـا
عَــلَــى قَــتِــيــلِ الْــهَـوَى فَـتَـعْـتَـذِرُ

عن القصيدة

  • غرض القصيدة: الغزل
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: المنسرح
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١