بِنْتُ سُورِيَّةَ

لَـيْـسَ يَـدْرِي الْـهَـمَّ غَـيْـرُ الْـمُـبْـتَـلَـى
طَــالَ جُــنْــحُ اللَّــيْــلِ أَوْ لَــمْ يَـطُـلِ
مَـا لِـهَـذَا الـنَّـجْـمِ مِـثْـلِـي فِـي الثَّرَى
طَـــائِـــرَ الــنَّــوْمِ شَــدِيــدَ الْــوَجَــلِ
أَتُـــــرَاهُ يَـــــتَّـــــقِـــــي طَــــارِئَــــةً
أَمْ بِـــهِ أَنِّـــي غَـــرِيــبُ الْــمَــنْــزِلِ؟
كُــلَّــمَــا طَــالَــعْــتُ خَــطْــبًــا جَــلَلًا
جَــاءَنِــي الــدَّهْــرُ بِــخَــطْــبٍ جَـلَلِ
أَشْـــتَــكِــي اللَّــيْــلَ وَلَــوْ وَدَّعْــتُــهُ
بِـــتُّ مِـــنْ هَــمِّــي بِــلَــيْــلٍ أَلْــيَــلِ
يَــا بَــنَــاتِ الْأُفْــقِ مَــا لِلـصَّـبِّ مِـنْ
مُـسْـعِـدٍ فِـي الـنَّاسِ؛ هَلْ فِيكُنَّ لِي؟
لَا عَــــرَفْــــتُــــنَّ الـــرَّزَايَـــا إِنَّـــهَـــا
شَـــيَّـــبَــتْ رَأْسِــي وَلَــمْ أَكْــتَــهِــلِ
سَــهِــدَتْ سُــهْــدِي الــدَّرَارِي إِنَّــمَــا
شَــدَّ مَــا بَــيْـنَ الْـمُـعَـنَّـى وَالْـخَـلِـي
لَــيْــتَ شِــعْـرِي مَـا الَّـذِي أَعْـجَـبَـهَـا
فَــهْــيَ لَا تَــنْــفَــكُّ تَــرْنُـو مِـنْ عَـلِ!
أَنَــــا لَا أَغْــــبِــــطُــــهَــــا خَـــالِـــدَةً
وَلَـــقَـــدْ أَحْـــسُــدُهَــا لَــمْ تَــعْــقِــلِ
كُــلَّــمَــا رَاجَــعْــتُ أَحْــلَامَ الــصِّــبَـا
قُــلْــتُ يَــا لَــيْــتَ الـصِّـبَـا لَـمْ يَـزَلِ!
أَيُّــهَــا الْــقَـلْـبُ الَّـذِي فِـي أَضْـلُـعِـي
إِنَّـــمَـــا اللَّـــذَّةُ جَـــهْـــلٌ فَــاجْــهَــلِ
تَـجْـمُـلُ «الـرِّقَّـةُ» فِـي الْـعَضْبِ فَإِنْ
كُــنْــتَ تَـهْـوَاهَـا فَـكُـنْ كَـالْـمِـنْـصَـلِ
هِــيَ فِــي الْــغِــيــدِ الْـغَـوَانِـي قُـوَّةٌ
وَهْــيَ ضَــعْــفٌ فِــي فُــؤَادِ الـرَّجُـلِ
لَا يَــغُـرَّ الْـحُـسْـنُ ذَا الْـحُـسْـنِ فَـقَـدْ
يَــصْــرَعُ الْــبُــلْـبُـلَ صَـوْتُ الْـبُـلْـبُـلِ
تُـــقْـــتَـــلُ الـــشَّــاةُ وَلَا ذَنْــبَ لَــهَــا
هِــيَ لَــوْلَا ضَــعْــفُــهَــا لَــمْ تُــقْــتَـلِ
إِنْ تَكُنْ فِي الْوَحْشِ كُنْ لَيْثَ الشَّرَى
أَوْ تَـكُـنْ فِـي الـطَّـيْـرِ كُـنْ كَـالْأَجْـدَلِ
أَوْ تَــكُــنْ فِـي الـنَّـاسِ كُـنْ أَقْـوَاهُـمُ
لَــيْــسَــتِ الْــعَــلْـيَـاءُ حَـظَّ الْـوُكَّـلِ!
مَــا لِــقَــوْمِــي لَا وَهَــى حَــبْــلُــهُــمُ
قَــنِــعُــوا مِــنْ دَهْــرِهِــمْ بِــالْـوَشَـلِ
أَنَـــا مِـــنْ أَمْـــرِهِـــمُ فِـــي شُـــغُــلٍ
وَهُـــمُ عَـــنْ أَمْــرِهِــمْ فِــي شُــغُــلِ
كُـــلَّــمَــا فَــكَّــرْتُ فِــي حَــاضِــرِنَــا
عَـاقَـنِـي الْـيَـأْسُ عَـنِ الْـمُـسْـتَـقْـبَـلِ
نَــحْـنُ فِـي الْـجَـهْـلِ عَـبِـيـدٌ لِلْـهَـوَى
وَمَـــعَ الْـــعِـــلْـــمِ عَـــبِــيــدُ الــدُّوَلِ
نَـعْـشَـقُ الـشَّـمْـسَ وَنَـخْـشَـى حَـرَّهَا
مَــا صَــعِــدْنَــا وَهْــيَ لَــمَّــا تَــنْــزِلِ
قَـدْ مَـشَـى الْـغَـرْبُ عَلَى هَامِ السُّهَى
وَمَـشَـيْـنَـا فِـي الْـحَـضِـيضِ الْأَسْفَلِ
سَــجَّــلَ الْــعَــارَ عَــلَــيْــنَــا مَـعْـشَـرٌ
سَــجَّــلُــوا الْــمَــرْأَةَ بَــيْــنَ الْــهَـمَـلِ
فَـــهْـــيَ إِمَّـــا سِـــلْـــعَــةٌ حَــامِــلَــةٌ
سِـــلَـــعًـــا أَوْ آلَـــةٌ فِـــي مَـــعْــمَــلِ
أَرْسَـــلُـــوهَــا تَــزْرَعُ الْأَرْضَ خُــطًــا
وَتُــــبَــــارِي كُـــلَّ بَـــيْـــتٍ مَـــثَـــلِ
تَــتَــهَــادَاهَــا الْــمَــوَامِــي وَالــرُّبَـى
فَــهْــيَ كَــالــدِّيــنَــارِ بَــيْــنَ الْأَنْـمُـلِ
لَا تُــبَــالِــي الْــقَــيْــظَ يَـشْـوِي حَـرُّهُ
لَا وَلَا تَــــحْــــذَرُ بَـــرْدَ الـــشَّـــمْـــأَلِ
وَلَـــهَـــا فِـــي كُـــلِّ بَـــابٍ وَقْـــفَـــةٌ
كَــامْــرِئِ الْــقَــيْــسِ حِـيَـالَ الـطَّـلَلِ
تَـتَّـقِـي قَـوْلَ «اغْـرُبِـي» خَـشْـيَـتَـهَـا
قَــوْلَـةَ الْـقَـائِـلِ «يَـا هَـذِي ادْخُـلِـي»
فَــهْــيَ كَـالْـعُـصْـفُـورِ وَافَـى صَـادِيًـا
فَــرَأَى الــصَّــيَّــادَ عِــنْــدَ الْــمَــنْـهَـلِ
كَــامِــنًــا فَـانْـصَـاعَ يُـدْنِـيـهِ الـظَّـمَـا
ثُـــمَّ يُـــقْـــصِـــيـــهِ اتِّــقَــاءُ الْأَجَــلِ
وَلَــــكَــــمْ طَــــافَـــتْ بِـــهِ آمِـــلَـــةً
وَانْــثَــنَــتْ تَــقْــطَــعُ خَــيْـطَ الْأَمَـلِ
وَلَـــكَـــمْ مَـــدَّتْ إِلَــى الــرِّفْــدِ يَــدًا
خُــلِــقَــتْ فِــي مِــثْــلِــهَــا لِلْــقُــبَـلِ
مَـــا بِـــهَــا؟ لَا كَــانَ شَــرًّا مَــا بِــهَــا
مَــا لَــهَــا مِــنْ أَمْــرِهَــا فِـي خَـبَـلِ؟
سَــائِــلُــوهَــا أَوْ سَـلُـوا عَـنْ حَـالِـهَـا،
إِنْ جَــهِــلْــتُــمْ كُــلَّ طِــفْـلٍ مُـحْـوِلِ
فِــي سَــبِــيــلِ الْــمَــالِ أَوْ عُـشَّـاقِـهِ
تَــــكْــــدَحُ الْـــمَـــرْأَةُ كَـــدْحَ الْإِبِـــلِ
مَـــا تَـــرَاهَـــا وَهْــيَ لَا حَــوْلَ لَــهَــا
تَــحْــتَ عِــبْءٍ فَــادِحٍ كَــالْــجَــبَــلِ
شُــدَّتِ الْأَمْــرَاسُ فِــي سَــاعِــدِهَــا
مَـنْ رَأَى الْأَمْـرَاسَ حَـوْلَ الْـجَدْوَلِ؟
جَــشَّــمُــوهَــا كُــلَّ أَمْــرٍ مُــعْــضِــلٍ
وَهْــيَ لَــمْ تُــخْــلَـقْ لِـغَـيْـرِ الْـمَـنْـزِلِ
فَـــإِذَا فَـــارَقَـــتِ الـــدَّارَ ضُـــحًـــى
لَـــمْ تَـــعُـــدْ إِلَّا قُــبَــيْــلَ الــطَّــفَــلِ
أَلِـــفَـــتْ مَـــا عَــوَّدُوهَــا مِــثْــلَــمَــا
تَــأْلَـفُ الـظَّـبْـيَـةُ طَـعْـمَ الْـحَـنْـظَـلِ!
بِــنْــتَ سُــورِيَّــا الَّــتِــي أَبْـكِـي بِـهَـا
هِـــمَّـــةَ اللَّـــيْـــثِ وَرُوحَ الْــحَــمَــلِ
مَــا أَطَـاعُـوا فِـيـكِ أَحْـكَـامَ الـنُّـهَـى
لَا وَلَا قَـــوْلَ الْـــكِــتَــابِ الْــمُــنْــزَلِ
قَــدْ أَضَــاعُــوكِ وَمَــا ضَــيَّــعْــتِـهِـمْ
فَـــأَضَـــاعُـــوا كُـــلَّ أُمٍّ مُـــشْـــبِـــلِ

عن القصيدة

  • غرض القصيدة: الحكمة
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الرمل
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١