الدَّمْعَةُ الْخَرْسَاءُ

سَــمِـعَـتْ عَـوِيـلَ الـنَّـائِـحَـاتِ عَـشِـيَّـةً
فِــي الْـحَـيِّ يَـبْـتَـعِـثُ الْأَسَـى وَيُـثِـيـرُ
يَــبْــكِـيـنَ فِـي جُـنْـحِ الـظَّـلَامِ صَـبِـيَّـةً
إِنَّ الْــبُــكَــاءَ عَــلَــى الــشَّــبَـابِ مَـرِيـرُ
فَــتَــجَــهَّــمَــتْ وَتَــلَــفَّــتَـتْ مُـرْتَـاعَـةً
كَـــالـــظَّـــبْـــيِ أَيْـــقَــنَ أَنَّــهُ مَــأْسُــورُ
وَتَــحَــيَّــرَتْ فِــي مُــقْــلَـتَـيْـهَـا دَمْـعَـةٌ
خَــرْسَــاءُ لَا تَــهْــمِــي وَلَــيْــسَ تَــغُـورُ
فَــكَــأَنَّــهَــا بَــطَــلٌ تَــكَــنَّــفَــهُ الْـعِـدَى
بِــسُــيُــوفِــهِــمْ وَحُــسَــامُـهُ مَـكْـسُـورُ
وَجَــمَـتْ فَـأَمْـسَـى كُـلُّ شَـيْءٍ وَاجِـمًـا
الـــنُّـــورُ، وَالْأَظْـــلَالُ، وَالـــدَّيْـــجُـــورُ
الْـــكُــونُ أَجْــمَــعُ ذَاهِــلٌ لِــذُهُــولِــهَــا
حَـــتَّـــى كَـــأَنَّ الْأَرْضَ لَـــيْــسَ تَــدُورُ
لَا شَـــيْءَ مِــمَّــا حَــوْلَــنَــا وَأَمَــامَــنَــا
حَــسَــنٌ لَــدَيْــهَــا وَالْــجَــمَــالُ كَـثِـيـرُ
سَـكَـتَ الْـغَـدِيـرُ كَـأَنَّـمَـا الْـتَـحَفَ الثَّرَى
وَسَــهَــا الــنَّــسِــيــمُ كَــأَنَّــهُ مَــذْعُــورُ
وَكَــأَنَّــمَــا الْــفَــلَــكُ الْــمُــنَــوَّرُ بَــلْـقَـعٌ
وَالْأَنْـــجُـــمُ الـــزَّهْــرَاءُ فِــيــهِ قُــبُــورُ
كَـانَـتْ تُـمَـازِحُـنِـي وَتَـضْـحَـكُ فَانْتَهَى
دَوْرُ الْــمِــزَاحِ فَــضِــحْــكُــهُــا تَـفْـكِـيـرُ
قَـالَـتْ وَقَـدْ سَـلَـخَ ابْـتِـسَـامَتَهَا الْأَسَى:
صَــدَقَ الَّــذِي قَــالَ الْــحَــيَــاةُ غُــرُورُ!
أَكَــذَا نَــمُــوتُ وَتَــنْــقَــضِـي أَحْـلَامُـنَـا
فِــي لَــحْـظَـةٍ وَإِلَـى الـتُّـرَابِ نَـصِـيـرُ؟
وَتَــمُــوجُ دِيــدَانُ الــثَّــرَى فِــي أَكْــبُـدٍ
كَــانَــتْ تَــمُــوجُ بِــهَـا الْـمُـنَـى وَتَـمُـورُ
خَــيْــرٌ إِذَنْ مِــنَّــا الْأُلَــى لَــمْ يُــولَــدُوا
وَمِـــنَ الْأَنَـــامِ جَـــلَامِـــدٌ وَصُـــخُـــورُ
وَمِــنَ الْــعُــيُــونِ مَــكَــاحِــلٌ وَمَــرَاوِدٌ
وَمِـــنَ الـــشِّـــفَــاهِ مَــسَــاحِــقٌ وَذُرُورُ
وَمِــنَ الْــقُــلُـوبِ الْـخَـافِـقَـاتِ صَـبَـابَـةً
قَــصَــبٌ لِــوَقْـعِ الـرِّيـحِ فِـيـهِ صَـفِـيـرُ!
وَتَــوَقَّــفَـتْ فَـشَـعَـرْتُ بَـعْـدَ حَـدِيـثِـهَـا
أَنَّ الْـــوُجُـــودَ مُـــشَـــوَّشٌ مَـــبْـــتُــورُ
الــصَّــيَــفُ يَــنْـفُـثُ حَـرَّهُ مِـنْ حَـولِـنَـا
وَأَنَــــا أُحِــــسُّ كَـــأَنَّـــنِـــي مَـــقْـــرُورُ
سَـاقَـتْ إِلَـى قَـلْـبِـي الـشُّكُوكَ فَنَغَّصَتْ
لَــيْــلِـي، وَلَـيْـسَ مَـعَ الـشُّـكُـوكِ سُـرُورُ
وَخَـشِـيـتُ أَنْ يَـغْـدُو مَـعَ الرَّيْبِ الْهَوَى
كَـــالـــرَّسْــمِ لَا عِــطْــرٌ وَفِــيــهِ زُهُــورُ
وَكَـــدُمْــيَــةِ الْــمَــثَّــالِ حُــسْــنٌ رَائِــعٌ
مِــلْءُ الْــعُــيُــونِ وَلَــيْــسَ ثَـمَّ شُـعُـورُ
فَــأَجْــبَــتُــهَـا: لِـتَـكُـنْ لِـدِيـدَانِ الـثَّـرَى
أَجْــسَــامُــنَــا، إِنَّ الْــجُــسُــومَ قُــشُـورُ
لَا تَـجْـزَعِـي فَـالْـمَـوتُ لَـيْـسَ يَـضِـيرُنَا
فَــــلَـــنَـــا إِيَـــابٌ بَـــعْـــدَهُ وَنُـــشُـــورُ
إِنَّـا سَـنَـبْـقَـى بَـعْـدَ أَنْ يَـمْـضِـي الْـوَرَى
وَيَـــزُولَ هَــذَا الْــعَــالَــمُ الْــمَــنْــظُــورُ
فَـــالْـــحُـــبُّ نُـــورٌ خَــالِــدٌ مُــتَــجَــدِّدٌ
لَا يَـــنْـــطَـــوِي إِلَّا لِـــيَـــسْـــطَــعَ نُــورُ
وَبَــنُــو الْــهَــوَى أَحْــلَامُــهُــمْ وَرُؤَاهُـمُ
لَا أَعْــــيــــنٌ وَمَــــرَاشِـــفٌ وَنُـــحُـــورُ
فَــإِذَا طَــوَتْــنَــا الْأَرْضُ عَــنْ أَزْهَــارِهَـا
وَخَـــلَا الــدُّجَــى مِــنَّــا وَفِــيــهِ بُــدُورُ
فَــسَــتَــرْجِــعِــيـنَ خَـمِـيـلَـةً مِـعْـطَـارَةً
أَنَـــا فِــي ذُرَاهَــا بُــلْــبُــلٌ مَــسْــحُــورُ
يَــشْــدُو لَــهَـا وَيَـطِـيـرُ فِـي جَـنَـبَـاتِـهَـا
فَــتَــهِــشُّ إِذْ يَــشْــدُو وَحِـيـنَ يَـطِـيـرُ
أَوْ جَـــدْوَلًا مُـــتَـــرَقْــرِقًــا مُــتَــرَنِّــمًــا
أَنَـــا فِــيــهِ مَــوْجٌ ضَــاحِــكٌ وَخَــرِيــرُ
أَوْ تَـــرْجِـــعِـــيـــنَ فَــرَاشَــةً خَــطَّــارَةً
أَنَـا فِـي جَـنَـاحَـيْـهَـا الـضُّحَى الْمَوْشُورُ
أَوْ نَــسْــمَــةً أَنَـا هَـمْـسُـهَـا وَحَـفِـيـفُـهَـا
أَبَـــدًا تُـــطَــوِّفُ فِــي الــرُّبَــى وَتَــدُورُ
تَـغْـشَـى الْـخَـمَـائِـلَ فِـي الـصَّبَاحِ بَلِيلَةً
وَتَــئُــوبُ حِــيــنَ تَـئُـوبُ وَهْـيَ عَـبِـيـرُ
أَو تَـلْـتَـقِـي عِـنْـدَ الْـكَـثِيبِ، عَلَى رِضًى
وَقَـــنَـــاعَـــةٍ، صَــفْــصَــافَــةٌ وَغَــدِيــرُ
تَــمْــتَــدُّ فِــيــهِ وَفِــي ثَــرَاهُ عُـرُوقُـهَـا
وَيَــسِــيــلُ تَــحْـتَ فُـرُوعِـهَـا وَيَـسِـيـرُ
وَيَــغُــوصُ فِــيــهِ خَــيَــالُــهَـا فَـيَـلُـفُّـهُ
وَيَــشِــفُّ فَـهْـوَ الْـمُـنْـطَـوِي الْـمَـنْـشُـورُ
يَــأْوِي إِذَا اشْــتَــدَّ الْــهَــجِـيـرُ إِلَـيْـهِـمَـا
الــنَّــاسِــكَــانِ؛ الــظَّــبْـيُ وَالْـعُـصْـفُـورُ
لَــهُــمَــا سَــكِــيــنَــتُـهَـا وَوَارِفُ ظِـلِّـهَـا
وَالْــمَــاءُ إِنْ عَــطِــشَــا لَــدَيْــهِ وَفِــيــرُ
أُعْـــجُـــوبَـــتَــانِ زَبَــرْجَــدٌ مُــتَــهَــدِّلٌ
نَـــامٍ تَـــدَفَّـــقَ تَـــحْـــتَـــهُ الْـــبَـــلُّــورُ
لَا الـصُّـبْـحُ بَـيْـنَـهُـمَا يَحُولُ وَلَا الدُّجَى
فَــكِــلَاهُــمَــا بِــكِــلَــيْــهِــمَــا مَــغْـمُـورُ
تَــتَــعَــاقَــبُ الْأَيَّــامُ وَهْــيَ نَــضِــيــرَةٌ
مُـــخْـــضَـــرَّةُ الْأَوْرَاقِ، وَهْـــوَ نَــمِــيــرُ
فَــالــدَّهْــرُ أَجْــمَــعُــهُ لَــدَيْـهَـا غِـبْـطَـةٌ
وَالـــدَّهْـــرُ أَجْــمَــعُــهُ لَــدَيْــهِ حُــبُــورُ
فَـتَـبَـسَّـمَـتْ وَبَـدَا الـرِّضَـا فِـي وَجْـهِـهِا
إِذْ رَاقَــهَــا الــتَّــمْــثِــيــلُ وَالـتَّـصْـوِيـرُ
عَــالَــجْــتُــهَــا بِـالْـوَهْـمِ فَـهْـيَ قَـرِيـرَةٌ
وَلَــكَــمْ أَفَــادَ الْــمُــوجَــعَ الــتَّــخْـدِيـرُ
ثُــمَّ افْــتَــرَقْــنَــا ضَـاحِـكَـيْـنِ إِلَـى غَـدٍ
وَالــشُّــهْــبُ تَـهْـمِـسُ فَـوْقَـنَـا وَتُـشِـيـرُ
هِــيَ كَــالْــمُــسَــافِـرِ آبَ بَـعْـدَ مَـشَـقَّـةٍ
وَأَنَــــا كَـــأَنِّـــي قَـــائِـــدٌ مَـــنْـــصُـــورُ
لَــكِــنَّــنِــي لَــمَّــا أَوَيْــتُ لِــمَـضْـجَـعِـي
خَــشُــنَ الْــفِــرَاشُ عَــلَـيَّ وَهْـوَ وَثِـيـرُ
وَإِذَا سِـرَاجِـي قَـدْ وَهَـتْ وَتَـلَـجْـلَـجَتْ
أَنْـــفَـــاسُـــهُ فَـــكَـــأَنَّـــهُ الْــمَــصْــدُورُ
وَأَجَـلْـتُ طَـرَفِـي فِـي الْكِتَابِ فَلَاحَ لِي
كَــالــرَّسْـمِ مَـطْـمُـوسًـا وَفِـيـهِ سُـطُـورُ
وَشَـرِبْـتُ بِـنْـتَ الْـكَـرْمِ أَحْسَبُ رَاحَتِي
فِــيــهَــا فَــطَــاشَ الــظَّــنُّ وَالـتَّـقْـدِيـرُ
فَــكَــأَنَّــنِــي فُــلْــكٌ وَهَــتْ أَمْــرَاسُـهَـا
وَالْــبَــحْــرُ يَــطْــغَــى حَـولَـهَـا وَيَـثُـورُ
سَــلَـبَ الْـفُـؤَادَ رَوَاهُ وَالْـجَـفْـنَ الْـكَـرَى
هَـــمٌّ عَـــرَا، فَـــكِـــلَاهُـــمَـــا مُـــوتُــورُ
حَـامَـتْ عَـلَـى رُوحِـي الـشُّـكُـوكُ كَـأَنَّهَا
وَكَـــأَنَّـــهُـــنَّ فَـــرِيـــسَـــةٌ وَصُـــقُـــورُ
وَلَــقَــدْ لَـجَـأْتُ إِلَـى الـرَّجَـاءِ فَـعَـقَّـنِـي
أَمَــا الْــخَــيَــالُ فَــخَــائِــبٌ مَــدْحُــورُ
يَـــا لَـــيْــلُ أَيْــنَ الــنُّــورُ؟ إِنِّــي تَــائِــهٌ
مُــرْ يَــنْــبَـثِـقْ، أَمْ لَـيْـسَ عِـنْـدَكَ نُـورُ؟
أَكَــذَا نَــمُــوتُ وَتَــنْــقَــضِـي أَحْـلَامُـنَـا
فِــي لَــحْـظَـةٍ وَإِلَـى الـتُّـرَابِ نَـصِـيـرُ؟
خَــيْــرٌ إِذَنْ مِــنَّــا الْأُلَــى لَــمْ يُــولَــدُوا
وَمِـــنَ الْأَنَـــامِ جَـــنَـــادِلٌ وَصُـــخُـــورُ

عن القصيدة

  • غرض القصيدة: الرثاء
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الكامل
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١