سادسًا: مرتبته

(١) من حيث الموضوع

يضع القدماء علم الكلام في أعلى الدرجات، فهو أشرف العلوم من حيث الموضوع والمنهج والفائدة والغاية.١ هو أشرف العلوم من حيث الموضوع؛ لأنه يتناول أشرف الموضوعات، وهو «ذات الله وصفاته وأفعاله».٢ والحقيقة أنه ليس هناك علم «أشرف» من علم آخر؛ فالعلوم كلها على مستوى واحد؛ لأن الموضوعات كلها على مستوى واحد، لا تفاضُل بينها في الشرف أو القيمة، علم النبات ليس أشرف من علم الحشرات، وعلم الحيوان ليس أشرف من علم النبات، والعلوم الإنسانية ليست أشرفَ من العلوم الطبيعية، والعلوم الإلهية ليست أفضل من العلوم الإنسانية، وتعبِّر ألفاظ «أشرف» و«أفضل» عن أحكام قيمة وليس عن أحكام واقع، كما تعبِّر عن إسقاط من الإنسان على الواقع وليس عن الواقع ذاته. إن موضوعات الطبيعة لا تتفاوت فيما بينها شرفًا وكمالًا، بل يقع التفاوت في أعمال الإنسان.٣ وإذا كان لموضوع الذات شرف، فهو أنه أول حقيقة يقينية يبدأ منها الإنسان، وهي ذاته وصفاته وفي مقدِّمتها الفكر، فهي ذات مفكرة، وأفعالها وأولها التغيير والتطوير، فهي ذات فاعلة؛ أي أن الحقيقة اليقينية الأولى التي يضعُها العلم ويبدأ منها هي أن الإنسان نظرٌ وعمل، وأن الذات فكرٌ وسلوك، وشرف الذات ناتج عن كونها خالصة متعالية مفارقة، تشير إلى مستوى لامادي مثل المعيار في المنطق، فالخالص أساس الشائب، والصوريُّ مقياس المادي؛ ومِنْ ثَمَّ كان علم أصول الدين علمًا معياريًّا، نظريًّا صوريًّا خالصًا، على أساسه يمكن إقامة علوم الطبيعة وعلوم الإنسان، يتميز الموضوع إذن بكل خصائص العلم المجرَّد، مثل الشمول والعلو. موضوع العلم هو الشامل لا المتعين، والعام لا الخاص، والمتعالي لا الطبيعي الذي لا يُفارق مادته، شرف الموضوع في أنه المبدأ العام الذي ينتسب إليه الإنسان نظرًا وعملًا، وهو ذاته التي تصل إلى حدِّ الإطلاق عند تحقيق رسالتها، وحين تمتد وتنتشر وتحتوي العالم داخلها فتتحوَّل إلى مطلق.

ويضع علم الكلام ذات الرسول مع ذات الله، كلاهما موضوعان شريفان، وبالرغم مما في هذا الوضع من نقص في التنزيه للذات الإلهية ومساواتها على نفس درجة الشرف لذات النبي، فإن الذوات الإنسانية لا تتفاضَل أيضًا فيما بينها، فلا توجَد ذات إنسانية أشرفُ من ذاتٍ إنسانية أخرى حتى ولو كانت ذات النبي، الكل بشر، يتمثَّل نفس الأساس النظري، ويحقِّقه بنفس أنماط السلوك، وليس للنبي وظيفةٌ زائدة على وظائف سائر البشر إلَّا التبليغ الذي يمكن أن يقوم به أي إنسان، أمَّا صلة النبي كمبلغ بمصدر الرسالة فهو خارج نطاق العلم وأُدخل في نظرية النبوة والاتصال في علوم الحكمة.

وإذا نظرنا إلى نتائج العلم التي انتهى إليها في أشرف الموضوعات، وهي الذات الإلهية والذات النبوية، لوجدنا أنها لا تليق بها؛ فقد حدث تأليه للأشخاص عند غُلَاة الشيعة، كما ظهر تجسيم للذات في عموم الشيعة، كما حدث تشبيه عند أهل السنة، ولم يظهر التنزيه إلا عند المعتزلة، وبالرغم من أن هذا التنزيه أيضًا هو تجريد إنساني عالٍ، وإطلاق للصفات الإنسانية إلى أقصى حدٍّ، إلا أنهم لم يقدَّر لآرائهم الاستمرار والبقاء بعد انتصار «الأشعرية» كعقيدة رسمية للدولة، حتى هذا التنزيه الاعتزالي قائم على قدر من التشخيص للذات الإلهية وتصورها على أنها ذات إنسانية لها صفات وأفعال، فما أملنا فيه، ورغبنا في تحقيقه، ولم نستطع جعلناه صفاتٍ إيجابية للذات الإلهية، وما تصوَّرنا أنه نقص وعيب فينا نفيناه عن الذات الإلهية، وما عجزنا عن التعبير عنه قِسْناه على أنفسنا؛٤ ومِنْ ثَمَّ انتهى الحديث عن أشرف الموضوعات إلى حديث الإنسان عن نفسه ورجعنا إلى الموضوع الطبيعي.

وبالإضافة إلى هذا الانتقاص من شأن أشرف الموضوعات بتأليه الأشخاص وتأليه الطبيعة، والتجسيم والتشبيه والتشخيص، وهي كلها أخطاء في تصوُّر الألوهية، يتدخَّل أشرف الموضوعات في الحياة الإنسانية ليقضي على كيانها واستقلالها؛ ففي أفعال الإنسان أدَّى تصور أشرف الموضوعات إلى القول بالجبر أو بالكسب الذي لا يختلف كثيرًا عن الجبر، ووُضعت الحرية الإنسانية موضع الشك، كما أدَّى في تصور العقل إلى إنكار استقلاله وقدرتِه على فَهْم الظواهر، وجعله تابعًا مبرِّرًا لا بادئًا وناقدًا. أدى أشرف الموضوعات إلى إثبات أولوية النقل؛ كلام الله، على العقل وهو كلام الإنسان وفهمه وإدراكه، كما كان من الضروري جعل أشرف الموضوعات مسئولًا عن الخير والشر معًا في العالم، وليست مسئولية الأوضاع الاجتماعية وممارسة الأفراد لحرياتهم، وفي الطبيعة كان من الضروري السماح لأشرف الموضوعات بالتدخُّل بإرادته المشخَّصة في سير قوانين الطبيعة وإنكار ثبوتها واطِّرادها مما يُفسح المجال للأسطورة والخرافة، وفي عمل الإنسان كان من الطبيعي لأشرف الموضوعات أن يرعى الإنسان برحمته ويُرجئ عمله عن إيمانه، وأن يعفو، وأن يغفر، وأن يتوب على الناس معطيًا الأولوية للإيمان على العمل؛ ومِنْ ثَمَّ خرج الفعل من الإيمان، وتحوَّل الإيمان إلى إيمان العجائز والضعفاء، وتُرك الفعل الإنساني حتى يفعل الحاكم ما يشاء، وفي السياسة كان من الطبيعي أن يُعين أشرف الموضوعات الحاكم، وأن يُطالب الناس بالطاعة والولاء الدائم للسلطة القائمة على الحق الإلهي، وليس على الاختيار الإنساني أو العقد الاجتماعي الذي يمكن أن يُفسخ إذا ما خرج الحاكم على بنوده وشروطه، وأصبح الحاكم هو المنقذ والمخلص وليس فعل الإنسان وجهده ورقابته على ما يدور حوله وأمامه. صحيح أنه كانت هناك اتجاهات معارضة تُنكر التأليه والتشبيه والتشخيص، وتُؤَوِّل ذلك كله على أنه مجاز، وتُثبت حرية الأفعال، وتؤكد أولوية العقل على النقل، وتجعل الإنسان مسئولًا عن الخير والشر، والعمل معبِّرًا عن الإيمان، وترى في الطبيعة كُمونًا وقوانين ثابتة وطبائع الأشياء، وتجعل من مستقبل الإنسان أملًا إنسانيًّا ونزوعًا نحو الكمال وليس تشخيصًا لعوالم متخيِّلة تلعب فيها الذات المشخصة الدور الرئيسي، وتصر على الشورى والبيعة كأساس للحكم، ولكن هذه الاتجاهات ما دامت منقوضةً باتجاهات أخرى معارضة، فإنها تكون مجرد وجهات نظر لأصحابها إن لم توصف بالخروج على التقليد والإجماع، وإن لم تتهم بالإلحاد والكفر، فأصبح الخطأ بديلًا عن الصواب، والباطل اختيارًا أمام الحق، وقد يتهرَّب الجميع عن الحق والصواب، نظرًا وعملًا، بدعوى أن فيهما «قولان».

(٢) من حيث المنهج

وإذا كان الشرف من ناحية المنهج؛ فالمناهج كلها على مستوى واحد من الشرف، كل منهج له موضوعه، وكل موضوع له منهجه، ويكون الخطأ في المنهج أساسًا باستعمال منهج غير ملائم لموضوعه، فالموضوع التجريبي الحسي يُلائمه منهج استقرائي، والموضوع العقلي الصوري يلائمه منهج استنباطي، والموضوع الإنساني الشعوري يلائمه منهج استبطاني يقوم على تحليل الظواهر الشعورية، ولما كانت موضوعات علم الكلام قد عرضها القدماء على أنها موضوعات عقلية، فقد استعمل المنهج العقلي في دراستها وفهمها دون المناهج الاستقرائية أو الشعورية، في حين أن العقائد الإسلامية موجهات للسلوك تفعل في الناس، وتؤثر في مجرى حياتهم؛ ومِنْ ثَمَّ لزمت المناهج الاستقرائية الإحصائية لمعرفة هذا الجانب العملي من العقائد، وضرورة إلحاق المناهج الاجتماعية بالمناهج العقلية، كما أن العقائد الإسلامية تجارب إنسانية عامة يمكن التحقُّق من معانيها عن طريق تحليل وإدراك دلالاتها؛ ومِنْ ثَمَّ إلحاق مناهج التحليل الشعوري بالمناهج العقلية النقلية التقليدية، وليس هناك منهج أشرف من منهج، فالمناهج كلها على مستوى الشرف على حد سواء.

ولكن السؤال هو: هل استطاع علم الكلام اعتمادًا على المناهج العقلية التي مارسها القدماء الوصول إلى الأسس النظرية للعقائد أي إلى أصول الدين؟ هل كان استعمال العلم للعقل استعمالًا برهانيًّا أم استعمالًا جدليًّا؟ هل استطاع العقل أن يوصلَنا إلى اليقين، أم أنه لم يتجاوز حدود الظن؟ هل استعمل العقل استعمالًا مستقلًّا، أم أنه كان قائمًا على النقل؟ الحقيقة أن علم الكلام لم يُعطنا إلا أسسًا ظنيةً للعقائد، بدليل اختلافها وتضاربها، وكلها تدَّعي اليقين والصواب.٥ صحيح أن علم الكلام حاول العثور على أسس نظرية للعقائد، وتحويل الإيمان إلى تعقُّل، والنص الديني إلى معنى مستقلٍّ قائم بذاته، وتأسيس التوحيد ذاته على العقل وتحويله إلى علم نظري،٦ ولكن ماذا كانت النتيجة؟ تضاربت الأسس العقلية وتشعَّبت الآراء، حتى إنه لَيستحيل معرفة أي أساس نظري هو أساس الدين، وحتى إنه يصعب التعرف على «أصول الدين»، ضاع الحق وسط الآراء، ولم يَعُد هناك تصوُّر واحد، بل تصوُّرات عديدة، كل منها يدَّعي أنه أولى بالتمثُّل والاعتقاد، وكلما وجد الإنسان هواه مع أحدها انتسب إليها، والحق معه ما دام يجد في النص أو في الرأي سندًا له، فالذي هواه مع التجسيم ينتسب إلى التجسيم، والذي هواه مع الجَبْر يكون جبريًّا … إلخ. علم الكلام إذن هو تاريخ الأهواء والأغراض والمصالح أكثر منه تاريخًا للعقل، ثم ورَّث الهوى العداوة والبغضاء في النفوس، وضاعت وحدة العقل في تكثُّر الأهواء، وتلاشت وَحْدة الوحي في تضارب الرغبات والمصالح.٧ إن العقل بإمكانه تنظير كل شيء، وإن شئنا تبرير كل شيء، هو آلة يمكن استخدامها في كل اتجاه، فيمكن إيجاد براهين على التوحيد كما يمكن إيجاد براهين أخرى على التثليث.٨ العقل في معظم الأحيان تابع للشعور أو محلِّل لمضمونه، قد تكون هذه طبيعة العقل أو قد يكون هذا هو أسلوب استخدامه، أو قد يرجع ذلك إلى مستوى النضج الحضاري أو البلوغ الفكري، ولكن هذا هو وضع العقل داخل «اللاهوت» أيًّا كان، فما من دليل عقلي إلا ويمكن نقضه حتى الأدلة على التوحيد.٩ وما من برهان إلَّا ويمكن الإتيان بنقيضه، ولا يكون العيب في الموضوع مثل التوحيد، بل في أدلة العقل وبراهينه، وتكون نهاية العقل المستخدَم لإثبات قضايا الإيمان الوصول إلى ما بدأ منه، وكأن العقل لم يفعل أكثر من تَكرار ذاته مرة في البداية ومرة في النهاية، عمل العقل في علم الكلام إذن تحصيل حاصل، ونتائجه نتيجة لاستعمال العقل أيضًا تحصيل حاصل، لم يأت بجديد بالنسبة لعقائد الإيمان، ولم يَزِد شيئًا عما حوَتْه النصوص، بل إنه أحيانًا قال أقل مما قالتْه النصوص لأنه قاله معابًا، مهلهلًا منقوضًا عقلًا، في حين أن النصوص قد عبَّرت عنه في اتساق وبشعر وبلغة إنسانية يفهمها كل الناس. قضى علم الكلام على بساطة الوحي ووضوحه، وقدم عوضًا عنه تحليلات صعبة عويصة لا يفهمها الجمهور، ولا يقتنع بها العقلاء، وقدَّم إلى الوحي مسائل لا يستطيع أن يقول فيها شيئًا، وهي المسائل العقلية المحضة التي قدمَتْها البيئة الثقافية القديمة المجاورة مثل الحركة والزمان والجوهر الفرد، والخلاء، والملاء؛ فتحولت قضاياه ومسائله الجوهرية إلى قضايا فرعية لا يمكن الوصول فيها إلى رأي بمقياس شرعي، وكلما ازداد التفريع والتشعيب العقلي ازداد الابتعاد عن الوحي، واستعصى الوصول فيها إلى رأي يقيني، فقد تركها الوحي لحكم العقل الخالص أو لحكم التجربة أو لحكم الإنسان العام، لم يؤدِّ علم الكلام إلا إلى الخلط والتشويش، ومزج الحق بالباطل، والباطل بالحق، وقول الكل ولا شيء في آن واحد، فإذا كان شرف المنهج هو العقل والبرهان واليقين، دفاعًا عن العقيدة بالبرهنة عليها، فإنه قد انتهى إلى إضعافها وتجريحها، وكثيرًا ما مات علماء الكلام على دين العجائز.١٠ ومنهم من انقلب إلى صوفية يؤمنون بالأحوال والمقامات، وبحدود العقل، وبإيمان القلب، وبالعلم اللَّدُنِّي، وهذه هي «نهاية الإقدام».١١

(٣) من حيث الأولوية

وإذا كان الشرف من حيث الأولوية والأساس، فإن علم الكلام يضع نفسه في أول العلوم؛ ومِنْ ثَمَّ فهو أهمُّها وأعلاها، وأعمُّها وأشرفُها؛ لأنه العلم النظري الذي يبحث عن أسس العقيدة وقواعد السلوك، ترجع الأهمية هنا إلى أنه علم نظري يبحث في الأمور النظرية، وهو العلم الشامل الذي يضم كل العلوم، والأساس النظري لها جميعًا، وهو الذي يحدِّد لنا تصور العالم، ليس فقط عن طريق معرفة الحق والاطمئنان النظري إليه، بل أيضًا من أجل توجيه السلوك، الشرف هنا يعني درجة التجريد في العلم؛ فأول العلوم هو أكثرها تجريدًا؛ لأنه يعطي الأساس النظري للسلوك؛ ومِنْ ثَمَّ كان علمًا معياريًّا بالنسبة لغيره من العلوم النظرية، هو محك للسلوك ولتحقيق الأفعال؛ وبالتالي فهو الأوَّل والأساس؛ فنظرًا لهذا الشرف الناتج عن البحث عن الأسس النظرية والمبادئ العامة، كان هو الكلام وما سواه يعتمد عليه، ويكون في تصنيف العلوم أول ما يمكن تعلُّمُه لأنه لا يحتاج إلى أكثر من الكلام، علم الكلام عند القدماء هو أول العلوم؛ لأنه يبحث في الأسس والمبادئ العامة، وهي أوائل العلوم، ومبادئُه بيِّنة بذاتها، وغير مستمدَّةٍ من علمٍ آخر، وإلا لما كان أول العلوم؛ لذلك اتصل علم الكلام عند المتأخرين بمبادئ العلم الطبيعي والعلم الرياضي لأنها أيضًا علوم نظرية أولية.١٢
والسؤال الآن: هل استطاع علم الكلام بالفعل أن يكون أول العلوم؟ هل استطاع تكوين الأساس النظري للسلوك؟ إن أول العلوم هو علم سابق على علم الكلام، وهو علم المبادئ العامة للوحي L’Axiomatique de La Révélation وهو العلم الذي يضع المبادئ العامَّة في الوحي والتي تحدِّد الأسس العقلية العامة لكل العلوم.١٣ ثم يأتي علم التفسير الذي يضع مناهج تفسير النصوص حتى لا يخضع تفسيرها إلى هوى فردي أو مصلحة شخصية، ثم يأتي علم الإحصاء الاجتماعي الذي يعطي صورة للواقع المراد تنظيره، والذي سيكون مصبًّا للعقائد، وبعد ذلك يأتي علم التوحيد بعد أن تحدَّدَت المبادئ العامة للوحي، وبعد أن اكتملت نظرية التفسير، وبعد أن أدركنا الواقع الذي نعيش فيه، أمَّا إذا قام علم الكلام على أساس من التعصُّب وليس على التنظير العقلي، وإذا تغلب الهوى على العقل، والانفعال على النظر، والفائدة الشخصية على المصالح العامة، وإذا قصر العلم في التأسيس النظري، ولم يستطع الوصول إلى اليقين فيه واقتصر على الشك والتردُّد، وإذا انقلب الهدف من العلم وهو تأسيس العقائد إلى إفساد للعقائد والتشويش عليها وضياعها، وإذا تحوَّل البرهان إلى غوامض الكلام وصعوبة المفاهيم وتعذَّر الوسائل — إذا حدث ذلك كله، فإن علم الكلام لا يكون أشرف العلوم من حيث تأسيسه وتنظيره وأولويته على كل ما عداه.

(٤) من حيث الغاية

أمَّا إذا كان الشرف من حيث الغاية والفائدة، وهي الحصول على السعادة في الدنيا، ونيل الفوز في الآخرة عن طريق الاشتغال بالمعارف والعلوم والحصول على المعقولات، فإن علم الكلام في الحقيقة من أقل العلوم شرفًا لأنه من أخطر العلوم، ومن أقرب السبل إلى التهلكة.١٤ فلا توجد سعادة معروفة يبحث عنها الناس بالفعل إلا في هذه الدنيا وليس خارجها، ولا يوجد فوز يَبغيه الناس ويسعَون إليه إلا في هذا العالم، وليس في عوالم أخرى سابقة على حياته كما هو الحال عند الصوفية، أو لاحقة على مماته كما هو الحال عند المتكلِّمين. ليست الغاية من العقائد تعويض الإنسان عن مآسيه في العالم، ووعده بسعادة مستقبلية تعويضًا عن شقائه الحاضر، بل توجيه السلوك نحو العالم، وتحقيق رسالة الإنسان في هذه الدنيا، وتحقيق غايته على الأرض.١٥ تعارضت الأسس في علم الكلام، وتضارَبَت الآراء، وتعددت الحقائق، وسادت الأهواء، وعمَّت المصالح، وتوهَّجت الانفعالات؛ فعلم الكلام ليست له أية فائدة عملية، بل على العكس يؤدي إلى مخاطر جمة وضرر بالغ على الفكر والسلوك، على الفرد والجماعة، على الحاضر والتاريخ، هو مضيعة للوقت، ومَذْهَبة للعمر، لا تنتج عنه أية فائدة، واشتغال بما لا يُغني أو يُفيد.١٦ علم الكلام يبعد الجماعات عن مصالحها الفعلية، ويقدِّم لها موضوعات وهمية وإشكالات خاطئة تصرف فيه طاقات الجماعة، وتعطيها معركة وهمية تاركة المعركة الحقيقية للسياسة وممارسة الحركة العلمانية أو نضال الفقهاء، علم الكلام لا يزيد عن كونه كلامًا في كلام، وكأن الكلام غايته ووسيلته، وربما سُمِّي العلم «علم الكلام» لأنه كلام، بدايةً وطريقًا ونهايةً، مقدمةً واستدلالًا ونتيجةً، لا يحقِّق فوزًا لأحد حتى لصاحب المصنفات فإنها تضرُّه أكثر مما تنفعه، ويعصي بها أكثر مما يطيع، ويعاقب عليها أكثر مما يُثاب.١٧ يمثِّل علم الكلام خطورةً كبرى على الجماعة، فإنه يفرِّقها أكثر مما يوحِّدها، ويدعو إلى الاختلاف أكثر مما يدعو إلى الاتفاق، ويقوِّي من ذلك الفكرة الموجهة من افتراق الجماعة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة! علم الكلام إذن هو تاريخ الفرق الدينية التي نشأت ابتداءً من وقائع تاريخية معينة يتركَّز معظمُها في حوادث الفتنة الأولى، ثم انحصرت عناية كل فرقة في إظهار ما تختلف فيه عن غيرها والبرهنة عليه والتعصُّب له، وعدم التنازل عنه، كما توجَّهت عنايةُ الباحثين لذلك، قدماء ومحدثين في بيان «اختلاف المصلين» و«الفرق بين الفِرَق» في حين أن هذه الفرق كلها خرجت من مصدر واحد وهو الوحي؛ أي أنها تجمع بينها نقطة تلاقٍ في المصدر، كما أن هناك نقطة تلاقٍ أخرى في الوقائع التاريخية التي أصبحت حالات جديدة تستدعي حكمًا مثل صاحب الكبيرة، وما دامت الفِرَق قد انغلقت على نفسها، ودافعت عن وجودها مع فكرها ما دامت مهددة في وجودها وفكرها معًا، فإن النضال بينها قد تحوَّل إلى نضال مسلح، كل فرقة تهدِّد الأخرى بالاستئصال، وأصبح الدفاع عن الفرقة هو دفاع عن البقاء، وقد وصل التنازع إلى حد سفك الدماء وقتل المعارضين. وهو ما استمر حتى جيلنا هذا من اعتقال للمعارضة السياسية بل وتصفيتها جسديًّا، وتجاوز أدبيات الحوار للتقريب بين وجهات النظر وللجمع بين الآراء مع الحد الأدنى من الاتفاق دون قهر الأغلبية للأقلية، ودون قمع من فرقة السلطة لفرق المعارضة، خاصةً وأنها مسائل نظرية صرفة لا تنتج منها شرائع عملية مباشرة، والجماعة حرة في التأويل النظري، ومُلزمةً بدليل العمل الجماعي بصرف النظر عن اختلاف الأطر النظرية عند مختلف الفِرَق. لقد أدَّى علم الكلام إلى التشتُّت والتفرُّق، وإلى اضطهاد الفرق بعضها للبعض، وتكفير بعضها للبعض، واستعداء كل منها السلطة على الأخرى حتى تفوز هي بفرقة السلطان، فيعم الاضطهاد، وتنتشر الرقابة، ويسود الإرهاب، وتتطاير الرقاب! واستعمال السلطة لقهر الناس على الاعتقاد، ولإجبارهم على الإيمان مضاد لمقصد الوحي الذي أتى معبِّرًا عن الطبيعة، ومعلنًا استقلال العقل؛ فاستعمال القوة لإجبار الناس مقابلة تعصُّب بتعصُّب، وجهل بجهل، وعناد بعناد، والفكر لا يُسايره إلا فكر مثله؛ الفكر هو القادر على التغيير، والعناد لا يطول إذ ينتهي بالعزلة، ولا يُقابَل إلا بالتسامح، وبالرغم من هذا التشعُّب والتداخُل العقائدي والثراء النظري، فإن السلطة كثيرًا ما كانت تتدخَّل لنصرة فريق على فريق، فيحدث الاضطهاد عندما تتدخل السُّلطة في المعارك الفكرية.١٨

علم الكلام إذن من حيث المرتبة ليس بأشرف العلوم، لا من حيث الموضوع ولا من حيث المنهج، ولا من حيث الأولوية، ولا من حيث الفائدة، بل إنه أخطر العلوم العقلية النقلية القديمة من حيث تشويه الوحي والتعمية عن واقع المسلمين.

١  المقاصد، ص١٧؛ شرح التفتازاني، ص١٤؛ المواقف، ص٨؛ وسيلة العبيد، ص٣-٤.
٢  غاية المرام، ص٤؛ المواقف، ص٤؛ أشرف المقاصد، ص٣؛ الخلاصة، ص٢؛ إتحاف المريد، ص٢٨؛ تحفة المريد، ص١٢؛ القول المفيد، ص٤؛ الحصون الحميدية، ص٥.
٣  ويشير إلى ذلك القرآن بقوله: مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ (٦٧: ٣)، بالرغم مما قد يُوحي به المعنى من أن التفاوت هنا هو الاختلال في النسب والمقادير والموازين، وهو المعنى التقليدي والموجود في آية: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٥٤: ٤٩).
٤  انظر الفصلين الرابع «الوعي الخالص»، والخامس «الإنسان الكامل».
٥  طوالع الأنوار، ص٥؛ مطالع الأنوار، ص٢-٣، ص٦؛ شرح المواقف، ص٢؛ شرح المقاصد، ص٣.
٦  رسالة التوحيد، ص٥.
٧  يقول الشافعي: «لو علم الناس ما في هذا الكلام من الأهواء لفرُّوا منه فرارَهم من الأسد» (شرح الفقه، ص٤). ويورد الإيجي خمس فوائد لعلم الكلام لم تتحقَّق، بل نتج عكسها، وهي:
  • (أ)

    «الترقِّي من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان»، وقد انتهى العلم إلى تقليد عقائد السلف.

  • (ب)

    «إرشاد المسترشدين بإيضاح الحجة وإلزام المعاندين بإقامة الحجة»، وقد انتهى العلم إلى الخلط والتشويش ونشر البدع، ولم يوضِّح حجَّة إلا ولها حجَّة مضادة، ولم يلزم المعاندين بل زاد الخصوم.

  • (جـ)

    «حفظ قواعد الدين عن أن تزلَّها شبه المبطلين»، وانتهى العلم إلى تحويل العقائد إلى ظنِّياتٍ خالصة لكثرة التنازُع حولها، وتضارب الآراء فيها.

  • (د)

    «أن تُبنى عليه العلوم الشرعية، فإنه أساسها، وإليه يئول أخذها واقتباسها»، ويستحيل إقامة العمل على الظن أو السلوك على التضارب والاختلاف.

  • (هـ)

    «صحة النية والاعتقاد؛ إذ بها يُرجى قَبول العمل، دعاة ذلك كله الفوز بسعادة الدارين»، وقد انتهى العلم إلى تدخُّل الأهواء والمصالح، وخسارة الأمة، وضياع التوحيد فكرًا وواقعًا (المواقف، ص٨).

٨  انظر مثلًا كتاب «التثليث» للقديس أوغسطين، وقد حاول المتكلِّمون القيام بذلك إبرازًا للمهارة العقلية.
٩  هذا ما فعله ابن رشد في «مناهج الأدلة» ونقد أدلة الأشاعرة خاصةً والمتكلمين عامةً في إثبات وجود الله أو وحدانيته.
١٠  «وأمَّا منفعته فقد يُظن أن فائدته كشف الحقائق لديه، ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات؛ فليس في الكلام وفاءً بهذا المطلب الشريف، وهل التخبيط والتضليل أكثر من الكشف والتعريف … الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود، ولَعَمْري لا ينفعك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور» (شرح الفقه، ص٤). فآلَ علم الكلام والجدل إلى الحيرة في الحال، والضلال والشك في المآلِ، كما قال ابن رشيد الحفيد، ومن الذي قال في الإلهيات شيئًا يُعتدُّ به؟ وكذلك الآمدي أفضل أهل زمانه واقف في المسائل الكبار حائر، وكذلك الغزالي انتهى أمره إلى التوقُّف والحيرة في المسائل الكلامية، ثم أعرض عن تلك الطرق، وكذلك الرازي حيث قال:
نهاية إقدام العقول عِقال
وغاية سعي العالمين ضلالُ
وأرواحنا في وَحْشةٍ من جسومنا
وحاصل دنيانا أذًى وَوَبالُ
ولم نستفِدْ من بحثِنا طول عمرنا
سوى أن جمعْنا منه قيل وقالوا
وقال الشهرستاني في أنه لم يجد على الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، حيث قال:
لعَمْري لقد طُفتُ المعاهدَ كلَّها
وسيَّرتُ طَرْفي بين تلك المعالمِ
فلم أرَ إلا واضعًا كفَّ حائر
على ذقنه أو قارعًا سنَّ نادمِ
وقال الجويني: «يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام؛ فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به.» وقال عند موته: «لو خضت البحر الخِضَم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهَوْني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي وعلى عقيدة عجائز أهل نيسابور.» وقال الخسروشاهي: «والله ما أدري ما أعتقد …» وقال الخونجي عند موته: «ما عرفتُ مما حصَّلت شيئًا سوى أن الممكن مفتقر إلى مرجح، والافتقار وصف سلبي، أموت وما عرفت شيئًا.» وقال آخر: «أضطجع على فراشي، وأضع الملحفة على وجهي، وأقابل بين حجج هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجَّح عندي منها شيء، ومن يصل إلى مثل هذا الحال إن لم يداركه الله بالرحمة والإقبال تَزَنْدَق وساء له المآل …» (شرح الفقه، ص٥-٦).
١١  نهاية الإقدام، ص٣-٤.
١٢  شرح الفقه، ص٢؛ غاية المرام، ص٤؛ شرح المواقف، ص٢؛ أشرف المقاصد، ص٣، ص٢٣-٢٤؛ المواقف؛ ص٨؛ المقاصد، ص٢–٢٣؛ شرح المقاصد، ص٢٣-٢٤؛ الخلاصة، ص٢-٣؛ تحفة المريد، ص١٢؛ الحصون الحميدية، ص٥؛ شرح التفتازاني، ص١١.
١٣  انظر بحثنا: Hermeneutics as Axiomatics في Relégions Dialogue and Revolution, P. 1–20.
١٤  غاية المرام، ص٣-٤؛ المواقف، ص٤؛ شرح الكلنبوي، ص٤.
١٥  المقاصد، ص١٢، ص١٦؛ الاقتصاد، ص٥-٦؛ المواقف، ص٨؛ الخلاصة، ص٢.
١٦  المقاصد، ص١٦؛ شرح المقاصد، ص١٦-١٧؛ أشرف المقاصد، ص١٦-١٧؛ تحفة المريد، ص١٢؛ شرح الخريدة، ص١٠؛ الحصون الحميدية، ص٥؛ التحقيق التام، ص٢.
١٧  «اعلم أن صرف الهمم إلى ما ليس بمهم، وتضييع الزمان بما عنه بد هو غاية الضلال ونهاية الخسران، سواء كان المنصرف بالهمة من العلوم أو من الأعمال، فنعوذ بالله من علم لا ينفع … فمثال الملتفت إلى ذلك مثل رجل لدغته حية أو عقرب وهي مُعاوِدة اللدغ، والرجل قادر على الفرار، ولكنه متوقِّف ليعرف أن الحية جاءتْه من جانب اليمين أو من جانب اليسار؛ وذلك من أفعال الأغبياء. أعوذ بالله من الاشتغال بالفضول مع تضييع المهمات والأصول» (الاقتصاد، ص٥-٦). «سبب ذلِّهم عدولُهم عن الأخذ بأصول الإسلام واشتغالهم بما لا يعنيهم في مقام المرام» (شرح الفقه، ص٤).
١٨  «ولكل فرقة مقالة على حيالها وكتب صنفوها، ودولة عاونتهم، وصولة طاوعتهم» (الملل، ج١، ص٦٥). «لم تُظهِر الجهمية قولها صراحةً بنفي الصفات خوف السيف!» (الإبانة، ص٣٩-٤٠). «ويصنِّف الغزالي الناس أربع فرق: العامة، والمتعصبين الجهلة، والشكاك المقلدين، والشكاك المفكرين. ويقترح استعمال السيف مع الفرقة الثانية، وهي طائفة مالت عن اعتقاد الحق كالكفار والمبتدعة، فالجافي الغليظ منهم الضعيف العقل الجامد على التقليد الممتري على الباطل من مبتدأ النشوء إلى كبر السن، لا ينفع معه إلا السوط والسيف؛ فأكثر الكفرة أسلموا تحت ظلال السيوف؛ إذ يفعل الله بالسيف والسنان ما لا يُفعل بالبرهان واللسان، وعن هذا إذا استقرأت تواريخ الأخبار لم تصادف ملحمة بين المسلمين والكفار إلا انكشفت عن جماعة من أهل الضلال مالوا إلى الانقياد، ولم تصادف مجمع مناظرة ومجادلة انكشفت إلا من زيادة إصرار وعناد» (الاقتصاد، ص٨). والأمثلة كثيرة على تدخل السلطة السياسية في المعارك الفكرية وأشهرها محنة أحمد بن حنبل في مشكلة خلق القرآن حتى استشهاد حسن البنا، وعبد القادر عودة، وسيد قطب في جيلنا المعاصر. انظر مقدمتنا لرسالة اسبينوزا في اللاهوت والسياسة بعنوان: «الدين والدولة»، وأيضًا: «مواطن حر في دولة حرة»، ص٩٥–١٠٦. انظر أيضًا الخاتمة: «من الفرقة الذهبية إلى الوحدة الوطنية».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠