بَعْدَ الْمَنْفَى

Wave Image
أُنَـادِي الـرَّسْـمَ لَـوْ مَـلَـكَ الْـجَوَابَا
وَأَجْــزِيــهِ بِــدَمْــعِــيَ لَــوْ أَثَــابَـا
وَقَــلَّ لِــحَـقِّـهِ الْـعَـبَـرَاتُ تَـجْـرِي
وَإِنْ كَــانَــتْ سَـوَادَ الْـقَـلْـبِ ذَابَـا
سَـبَـقْـنَ مُـقَـبِّـلَاتِ الـتُّـرْبِ عَـنِّـي
وَأَدَّيْــنَ الــتَّــحِــيَّــةَ وَالْـخِـطَـابَـا
نَـثَـرْتُ الـدَّمْعَ فِي الدِّمَنِ الْبَوَالِي
كَـنَـظْـمِـي فِـي كَـوَاعِـبِـهَا الشَّبَابَا
وَقَـفْـتُ بِـهَـا كَـمَا شَاءَتْ وَشَاءُوا
وُقُــوفًــا عَـلَّـمَ الـصَّـبْـرَ الـذَّهَـابَـا
لَـــهَـــا حَــقٌّ وَلِــلْأَحْــبَــابِ حَــقٌّ
رَشَـفْـتُ وِصَـالَـهُـمْ فِـيـهَـا حَـبَابَا
وَمَـنْ شَـكَـرَ الْـمَـنَـاجِمَ مُحْسِنَاتٍ
إِذَا الـتِّـبْـرُ انْـجَـلَـى شَـكَـرَ التُّرَابَا
وَبَــيْــنَ جَــوَانِـحِـي وَافٍ أَلُـوفٌ
إِذَا لَــمَــحَ الـدِّيَـارَ مَـضَـى وَثَـابَـا
رَأَى مَـيْـلَ الـزَّمَـانِ بِـهَـا فَـكَـانَـتْ
عَــلَــى الْأَيَّـامِ صُـحْـبَـتُـهُ عِـتَـابَـا
•••
وَدَاعًـــا أَرْضَ أَنْـــدَلُـــسٍ وَهَـــذَا
ثَــنَــائِــي إِنْ رَضِــيـتِ بِـهِ ثَـوَابَـا
وَمَــا أَثْــنَــيْــتُ إِلَّا بَــعْــدَ عِــلْــمٍ
وَكَــمْ مِـنْ جَـاهِـلٍ أَثْـنَـى فَـعَـابَـا
تَـخِـذْتُـكِ مَـوْئِـلًا فَـحَـلَـلْتُ أَنْدَى
ذُرًا مِـــنْ وَائِـــلٍ وَأَعَـــزَّ غَـــابَـــا
مُــــغَــــرِّبُ آدَمٍ مِـــنْ دَارِ عَـــدْنٍ
قَـضَـاهَـا فِـي حِـمَـاكِ لِـيَ اغْتِرَابَا
شَـكَرْتُ الْفُلْكَ يَوْمَ حَوَيْتِ رَحْلِي
فَــيَــا لِــمُــفَـارِقٍ شَـكَـرَ الْـغُـرَابَـا!
فَأَنْــتِ أَرَحْــتِــنِـي مِـنْ كُـلِّ أَنْـفٍ
كَأَنْـفِ الْـمَـيْتِ فِي النَّزْعِ انْتِصَابَا
وَمَــنْــظَــرِ كُــلِّ خَــوَّانٍ يَــرَانِــي
بِــوَجْـهٍ كَـالْـبَـغِـيِّ رَمَـى الـنِّـقَـابَـا
وَلَــيْــسَ بِــعَــامِــرٍ بُـنْـيَـانُ قَـوْمٍ
إِذَا أَخْــلَاقُــهُــمْ كَــانَــتْ خَــرَابَـا
•••
أَحَــقٌّ كُــنْــتِ لِــلــزَّهْـرَاءِ سَـاحًـا
وَكُـنْـتِ لِـسَاكِنِ «الزَّاهِي» رِحَابَا؟
وَلَـمْ تَـكُ «جُورُ» أَبْهَى مِنْكِ وَرْدًا
وَلَــمْ تَــكُ بَــابِـلٌ أَشْـهَـى شَـرَابَـا
وَأَنَّ الْـمَـجْـدَ فِـي الـدُّنْـيَـا رَحِيقٌ
إِذَا طَــالَ الــزَّمَــانُ عَـلَـيْـهِ طَـابَـا
أُولَــئِــكَ أُمَّـةٌ ضَـرَبُـوا الْـمَـعَـالِـي
بِــمَــشْــرِقِــهَـا وَمَـغْـرِبِـهَـا قِـبَـابَـا
جَـرَى كَـدَرًا لَـهُـمْ صَـفْـوُ الـلَّـيَالِي
وَغَــايَــةُ كُــلِّ صَــفْـوٍ أَنْ يُـشَـابَـا
مُــشَــيَّـبَـةُ الْـقُـرُونِ أُدِيـلَ مِـنْـهَـا
أَلَـمْ تَـرَ قَـرْنَـهَـا فِـي الْـجَـوِّ شَابَا؟
مُــعَــلَّــقَــةٌ تَــنَــظَّــرُ صَـوْلَـجَـانًـا
يَــخِــرُّ عَـنِ الـسَّـمَـاءِ بِـهَـا لُـعَـابَـا
تُـعَـدُّ بِـهَـا عَـلَـى الْأُمَـمِ الـلَّـيَـالِـي
وَمَـا تَـدْرِي الـسِّـنِينَ وَلَا الْحِسَابَا
•••
وَيَـا وَطَـنِـي لَـقِـيـتُـكَ بَـعْدَ يَأْسٍ
كَأَنِّــي قَـدْ لَـقِـيـتُ بِـكَ الـشَّـبَـابَـا
وَكُــلُّ مُــسَـافِـرٍ سَـيَـئُـوبُ يَـوْمًـا
إِذَا رُزِقَ الـــسَّـــلَامَـــةَ وَالْإِيَــابَــا
وَلَـوْ أَنِّـي دُعِـيـتُ لَـكُـنْـتَ دِيـنِـي
عَـلَـيْـهِ أُقَـابِـلُ الْـحَـتْـمَ الْـمُـجَـابَا
أُدِيـرُ إِلَـيْـكَ قَـبْـلَ الْـبَـيْتِ وَجْهِي
إِذَا فُــهْــتُ الـشَّـهَـادَةَ وَالْـمَـتَـابَـا
وَقَـدْ سَـبَـقَـتْ رَكَـائِـبِـيَ الْقَوَافِي
مُـــقَـــلَّـــدَةً أَزِمَّـــتُـــهَــا طِــرَابَــا
تَـجُـوبُ الـدَّهْـرَ نَـحْوَكَ وَالْفَيَافِي
وَتَـقْـتَـحِـمُ الـلَّـيَـالـيَ لَا الْـعُـبَـابَـا
وَتُــهْــدِيـكَ الـثَّـنَـاءَ الْـحُـرَّ تَـاجًـا
عَـلَـى تَـاجَـيْـكَ مُـؤْتَـلِـقًـا عُـجَـابَا
•••
هَــدَانَــا ضَـوْءُ ثَـغْـرِكَ مِـنْ ثَـلَاثٍ
كَـمَـا تَـهْـدِي «الْـمُـنَـوَّرَةُ» الـرِّكَـابَا
وَقَـدْ غَـشَّـى الْـمَـنَـارُ الْـبَـحْرَ نُورًا
كَـنَـارِ «الـطُّـورِ» جَـلَّـلَـتِ الـشِّعَابَا
وَقِــيـلَ الـثَّـغْـرُ فَـاتَّأَدَتْ فَأَرْسَـتْ
فَـكَـانَـتْ مِـنْ ثَـرَاكَ الـطُّـهْـرِ قَـابَا
فَـصَـفْـحًـا لِـلـزَّمَـانِ لِـصُـبْـحِ يَوْمٍ
بِــهِ أَضْــحَــى الـزَّمَـانُ إِلِـيَّ تَـابَـا
وَحَــيَّــا الــلـهُ فِـتْـيَـانًـا سِـمَـاحًـا
كَـسَـوْا عِـطْـفَـيَّ مِـنْ فَـخْـرٍ ثِيَابَا
مَـــلَائِــكَــةٌ إِذَا حَــفُّــوكَ يَــوْمًــا
أَحَــبَّــكَ كُــلُّ مَـنْ تَـلْـقَـى وَهَـابَـا
وَإِنْ حَـمَـلَـتْـكَ أَيْـدِيـهِـمْ بُـحُـورًا
بَـلَـغْـتَ عَـلَـى أَكُـفِّـهِـمِ الـسَّـحَـابَا
تَـــلَـــقَّـــوْنِـــي بِـــكُـــلِّ أَغَــرَّ زَاهٍ
كَأَنَّ عَـــلَـــى أَسِــرَّتِــهِ شِــهَــابَــا
تَــرَى الْإِيــمَــانَ مُـؤْتَـلِـقًـا عَـلَـيْـهِ
وَنُــورَ الْــعِــلْـمِ وَالْـكَـرَمَ الـلُّـبَـابَـا
وَتَـلْـمَـحُ مِـنْ وَضَـاءَةِ صَـفْـحَتَيْهِ
مُــحَــيَّــا مِــصْــرَ رَائِـعَـةً كَـعَـابَـا
وَمَــا أَدَبِــي لِــمَــا أَسْــدَوْهُ أَهْــلٌ
وَلَـكِـنْ مَـنْ أَحَـبَّ الـشَّـيْءَ حَابَى
شَـبَـابَ الـنِّـيـلِ، إِنَّ لَـكُـمْ لَـصَـوْتًا
مُـلَـبًّـى حِـيـنَ يُـرْفَـعُ مُـسْـتَـجَابَا
فَهُزُّوا «الْعَرْشَ» بِالدَّعَوَاتِ حَتَّى
يُــخَـفِّـفَ عَـنْ كِـنَـانَـتِـهِ الْـعَـذَابَـا
أَمِـنْ حَـرْبِ الْـبَـسُـوسِ إِلَى غَلَاءٍ
يَـكَـادُ يُـعِـيـدُهَـا سَـبْـعًـا صِـعَابَا؟
وَهَـلْ فِـي الْـقَـوْمِ يُوسُفُ يَتَّقِيهَا
وَيُـحْـسِـنُ حِـسْبَةً وَيَرَى صَوَابَا؟
عِـبَـادُكَ رَبِّ قَـدْ جَـاعُـوا بِـمِـصْـرٍ
أَنِـيـلًا سُـقْـتَ فِـيـهِـمْ أَمْ سَـرَابَا؟
حَـنَـانَـكَ وَاهْـدِ لِـلْـحُـسْنَى تِجَارًا
بِـهَـا مَـلَـكُـوا الْـمَـرَافِـقَ وَالـرِّقَـابَا
وَرَقِّــقْ لِــلْــفَــقِــيــرِ بِـهَـا قُـلُـوبًـا
مُـــحَـــجَّــرَةً وَأَكْــبَــادًا صِــلَابَــا
أَمَــنْ أَكَــلَ الْــيَـتِـيـمَ لَـهُ عِـقَـابٌ
وَمَـنْ أَكَـلَ الْـفَـقِـيـرَ فَـلَا عِـقَـابَا؟
أُصِـيـبَ مِـنَ الـتِّـجَـارِ بِـكُـلِّ ضَارٍ
أَشَــدَّ مِــنَ الــزَّمَـانِ عَـلَـيْـهِ نَـابَـا
يَــــكَـــادُ إِذَا غَـــذَاهُ أَوْ كَـــسَـــاهُ
يُــنَــازِعُـهُ الْـحُـشَـاشَـةَ وَالْإِهَـابَـا
وَتَــسْــمَــعُ رَحْــمَـةً فِـي كُـلِّ نَـادٍ
وَلَــسْــتَ تُـحِـسُّ لِـلْـبِـرِّ انْـتِـدَابَـا
أَكُـــلٌّ فِـــي كِـــتَـــابِ الـــلـــهِ إِلَّا
زَكَــاةَ الْـمَـالِ لَـيْـسَـتْ فِـيـهِ بَـابَـا
إِذَا مَـا الـطَّاعِمُونَ شَكَوْا وَضَجُّوا
فَـدَعْـهُـمْ وَاسْـمَعِ الْغَرْثَى السِّغَابَا
فَــمَـا يَـبْـكُـونَ مِـنْ ثُـكْـلٍ وَلَـكِـنْ
كَـمَـا تَـصِـفُ الْـمُـعَـدِّدَةُ الْـمُـصَـابَا
وَلَـمْ أَرَ مِـثْـلَ سُـوقِ الْـخَيْرِ كَسْبًا
وَلَا كَــتِـجَـارَةِ الـسُّـوءِ اكْـتِـسَـابَـا
وَلَا كَأُولَـــئِــكَ الْــبُــؤَسَــاءِ شَــاءً
إِذَا جَــوَّعْــتَـهَـا انْـتَـشَـرَتْ ذِئَـابَـا
وَلَــوْلَا الْــبِــرُّ لَـمْ يُـبْـعَـثْ رَسُـولٌ
وَلَــمْ يَــحْــمِـلْ إِلَـى قَـوْمٍ كِـتَـابَـا

عن القصيدة

  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الوافر
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

أحمد شوقي: شاعر مصري، يُعَدُّ أحد أعظم شعراء العربية في مختلِف العصور، بايعه الأدباء والشعراء في عصره على إمارة الشعر فلقب ﺑ «أمير الشعراء». كان صاحب موهبة شعرية فَذَّةٍ، وقلم سَيَّال، لا يجد عناء في نظم الشعر، فدائمًا ما كانت المعاني تتدفق عليه كالنهر الجاري؛ ولهذا كان من أخصب شعراء العربية، فبلغ نتاجه الشعري ما لم يبلغه تقريبًا أيُّ شاعر عربي قديم أو حديث، حيث وصل عدد أبيات شعره إلى ما يتجاوز ثلاثةً وعشرين ألف بيت وخمسمائة.

وُلد «أحمد شوقي علي» بحي الحنفي بالقاهرة في عام ١٨٦٨م، لأبٍ شركسي وأُمٍّ ذات أصول يونانية، لكنه نشأ وتربَّى في كنف جَدته لأمه التي كانت تعمل وصيفة في قصر الخديوي إسماعيل. أُدخل شوقي في الرابعة من عمره الكُتَّاب فحفظ فيه قدرًا من القرآن، ثم انتقل بعدها ليُتِمَّ تعليمه الابتدائي، وأظهر الصبي في صغره ولعًا بالشعر، جعله يَنْكَبُّ على دواوين فحول الشعراء فيحفظ وينهل منها قدر ما يستطيع، ولما أتمَّ الخامسة عشرة من عمره التحق بقسم الترجمة الذي أُنشِئَ حديثًا بمدرسة الحقوق، سافر بعدها إلى فرنسا ليكمل دراسته القانونية، ورغم وجوده في باريس آنذاك، إلا أنه لم يُبْدِ سوى تأثرٍ محدودٍ بالثقافة الفرنسية، فلم ينبهر بالشعراء الفرنسيين أمثال: رامبو، وبودلير، وفيرلين. وظل قلبه معلقًا بالشعراء العرب وعلى رأسهم المتنبي.

يُعَدُّ أحمد شوقي من مؤسسي مدرسة الإحياء والبعث الشعرية مع كل من: محمود سامي البارودي، وحافظ إبراهيم، وعلي الجارم، وأحمد محرم. وقد التزم شعراء هذه المدرسة بنظم الشعر العربي على نهج القدماء، خاصة الفترة الممتدة بين العصر الجاهلي والعباسي، إلا أنه التزامٌ مازَجَه استحداث للأغراض الشعرية المتناوَلَة، التي لم تكُن معروفة عند القدماء، كالقصص المسرحي، والشعر الوطني، والشعر الاجتماعي. وقد نظم شوقي الشعر بكل أغراضه: المديح، والرثاء، والغزل، والوصف، والحكمة.

بايع الأدباء والشعراء أحمد شوقي أميرًا لهم في حفلٍ أُقِيمَ بالقاهرة عام ١٩٢٧م، وظل الرجل مَحَلَّ إعجاب وتقدير ليس فقط بين الخاصة من المثقَّفين والأدباء بل من عموم الناس أيضًا، وفي عام ١٩٣٢م رحل شوقي عن عالمنا، وفاضت رُوحُهُ الكريمة إلى بارئها عن عمر يناهز أربعة وستين عامًا.

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢