لُوسْ أَنْجِيلُوسْ

أَنَـا لَـسْـتُ فِـي دُنْـيَـا الْـخَـيَـالِ وَلَا الْكَرَى
وَكَـــأَنَّـــنِـــي فِـــيــهَــا لِــرَوْعَــةِ مَــا أَرَى
يَــا قَــوْمُ هَــلْ هَــذِي حَــقَــائِــقُ أَمْ رُؤًى
وَأَنَـــا؟ أَصَـــاحٍ أَمْ شَـــرِبْـــتُ مُــخَــدِّرَا؟
لَا تَــعْــجَــبُــوا مِـنْ دَهْـشَـتِـي وَتَـحَـيُّـرِي
وَتَــعَــجَّــبُــوا إِنْ لَــمْ أَكُــنْ مُــتَــحَــيِّــرَا
كَـــيْـــفَ الْــتَــفَــتُّ رَأَيْــتُ آيَــةَ شَــاعِــرٍ
لَــبِــقٍ تَــعَــمَّــدَ أَنْ يُــجِــيــدَ لِــيَــبْــهَــرَا
مَـسَـحَـتْ بِـإِصْـبَـعِـهَـا الْـحَـيَـاةُ جُـفُـونَـهُ
فَــرَأَى الْــمَــحَـاسِـنَ فَـانْـتَـقَـى وَتَـخَـيَّـرَا
مَـا «لُـوسُ أَنْـجِـيـلُـوسْ» سِـوَى أُنْـشُودَةٍ
اللـــهُ غَـــنَّـــاهَـــا فَـــجُـــنَّ لَــهَــا الْــوَرَى
خَــلَــعَ الــزَّمَــانُ شَــبَــابَــهُ فِــي أَرْضِـهَـا
فَـهْـوَ اخْـضِـرَارٌ فِـي السُّفُوحِ وَفِي الذُّرَى
أَخَـذَتْ مِـنَ الْـمُـدُنِ الْـعَـوَاصِـمِ مَـجْـدَهَـا
وَجَـــلَالَــهَــا وَحَــوَتْ حَــلَاوَاتِ الْــقُــرَى
هِـــيَ وَاحَـــةٌ لِلْـــمُــتْــعَــبِــيــنَ وَجَــنَّــةٌ
لِلْــعَــاشِــقِــيــنَ وَمَــلْــعَـبٌ لِـذَوِي الـثَّـرَا
كَـفَّـنْـتُ فِـي «نْـيُـويُـورْكَ» أَحْـلَامَ الـصِّبَا
وَطَــوَيْــتُــهَــا وَحَــسِــبْـتُـهَـا لَـنْ تُـنْـشَـرَا
لَـــكِـــنَّـــنِــي لَــمَّــا لَــمَــحْــتُ زُهُــورَهَــا
شَــاهَــدْتُ أَحْــلَامِــي تُـطِـلُّ مِـنَ الـثَّـرَى
تَـتَـنَـفَّـسُ الْـهَـضْـبَـاتُ فِـي رَأْدِ الـضُّـحَى
تِـــبْـــرًا وَفِــي الْآصَــالِ مِــسْــكًــا أَذْفَــرَا
فَـالـسِّـحْـرُ فِـي ضَـحِـكِ الـنَّـدَى مُتَرَقْرِقًا
كَـالـسِّـحْـرِ فِـي رَقْـصِ الـضِّـيَـاءِ مُـعَـطَّرَا
قُــلْ لِلْأُلَـى وَصَـفُـوا الْـجِـنَـانَ وَأَطْـنَـبُـوا
لَـيْـسَـتْ جِـنَـانُ الْـخُـلْـدِ أَعْـجَـبَ مَـنْـظَرَا
كُــلُّ الْــفُــصُــولِ هُــنَــا رَبِــيــعٌ ضَـاحِـكٌ
فَـــإِذَا تَـــرَى شَـــهْـــرًا رَأَيْــتَ الْأَشْــهُــرَا
إِنْ كُــنْـتَ تَـجْـهَـلُ مَـا حِـكَـايَـاتُ الْـهَـوَى
فَـانْـصِـتْ لِـوَشْـوَشَـةِ الـنَّـسِـيـمِ إِذَا سَرَى
وَانْــظُــرْ إِلَـى الْـغَـبْـرَاءِ تُـنْـبِـتُ سُـنْـدُسًـا
وَتَـــأَمَّـــلِ الْـــغُـــدْرَانَ تَــجْــرِي كَــوْثَــرَا
وَاشْــرَبْ بِــعَــيْــنَــيْــكَ الْــجَـمَـالَ فَـإِنَّـهُ
خَــمْــرٌ بِــغَــيْــرِ يَـدِ الْـهَـوَى لَـنْ تُـعْـصَـرَا
حَــاوَلْــتُ وَصْــفَ جَــمَــالِــهَـا فَـكَـأَنَّـنِـي
وَلَـــدٌ بِـــأُنْـــمُـــلِــهِ يَــحُــوشُ الْأَبْــحُــرَا
وَاسْـتَـنَـجْـدَتْ رُوحِـي الْـخَـيَالَ فَخَانَنِي
وَكَــبَــا جَــوَادُ فَــصَــاحَــتِــي وَتَــعَــثَّــرَا
أَدْرَكْــتُ تَــقْـصِـيـرِي وَضَـعْـفِـي عِـنْـدَمَـا
أَبْـــصَـــرْتُ مَـــا صَـــنَــعَ الْإِلَــهُ وَصَــوَّرَا
إِنِّــي شَــهِــدْتُ الْــحُــسْــنَ غَـيْـرَ مُـزَيَّـفٍ
بِـــئْـــسَ الْـــجَــمَــالُ مُــزَيَّــفًــا وَمُــزَوَّرَا
أَحْـبَـبْـتُ حَـتَّـى الـشَّـوْكَ فِـي صَـحْـرَائِهَا
وَعَــشِــقْــتُ حَـتَّـى نَـخْـلَـهَـا الْـمُـتَـكَـبِّـرَا
اللَّابِــسَ الْــوَرَقَ الْــيَــبِــيــسَ تَــنَــسُّـكًـا
وَالْــمُــشْــمَــخِــرَّ إِلَــى الــسَّـمَـاءِ تَـجَـبُّـرَا
هُـــوَ آدَمُ الْأَشْـــجَـــارِ أَدْرَكَـــهُ الْـــحَــيَــا
لَـــمَّـــا تَـــبَـــدَّى عُـــرْيُـــهُ فَـــتَـــسَــتَّــرَا
ابْــنُ الــصَّــحَـارِي قَـدْ تَـحَـضَّـرَ وَارْتَـقَـى
يَــا حُــسْــنَــهُ مُــتَــبَــدِّيًــا مُــتَــحَــضِّـرَا
وَبَــدَتْ غِــيَــاضُ الْـبُـرْتُـقَـالِ فَـأَشْـبَـهَـتْ
جِـــلْـــبَـــابَ خَـــوْدٍ بِــالــنُّــضَــارِ مُــزَرَّرَا
مِــنْ فَــوْقِــهَــا انْـتَـشَـرَ الـضِّـيَـاءُ مُـلَاءَةً
مِـــنْ فَـــوْقِـــهِ جَـــوٌّ صَــفَــا وَتَــبَــلْــوَرَا
وَكَــأَنَّــمَــا تِــلْـكَ الْـقُـصُـورُ عَـلَـى الـرُّبَـى
عِـــقْـــدٌ لِـــغَــانِــيَــةٍ هَــوَى وَتَــبَــعْــثَــرَا
لَـــمَّــا تَــرَاءَتْ مِــنْ بَــعِــيــدٍ خِــلْــتُــهَــا
سُــفُــنًــا وَخِـلْـتُ الْأَرْضَ بَـحْـرًا أَخْـضَـرَا
نَــفَــضَ الـصَّـبَـاحُ سَـنَـاهُ فِـي جُـدْرَانِـهَـا
وَأَتَــى الــدُّجَــى فَــرَأَى مَــنَـائِـرَ لِلـسُّـرَى
مُــتَــأَلِّــقَــاتٍ كَــابْــتِــسَــامَــاتِ الــرِّضَــا
تُــنْــسِــيــكَ رُؤْيَــتُـهَـا الـزَّمَـانَ الْأَعْـسَـرَا
أَنَـــا شَـــاعِــرٌ مَــا لَاحَ طَــيْــفُ مَــلَاحَــةٍ
إِلَّا وَهَـــــلَّلَ لِلْـــــجَـــــمَـــــالِ وَكَــــبَّــــرَا
وَزَّعْــتُ نَـفْـسِـي فِـي الـنُّـفُـوسِ مَـحَـبَّـةً
لَا شَـــاكِـــيًـــا أَلَـــمًـــا وَلَا مُــتَــضَــجِّــرَا
وَمَــشَــيْــتُ فِـي الـدُّنْـيَـا بِـقَـلْـبٍ يَـابِـسٍ
حَــتَّــى لَـقِـيـتُ أَحِـبَّـتِـي فَـاخْـضَـوْضَـرَا
قَــدْ كُــنْــتُ أَحْــسَـبُـنِـي كِـيَـانًـا ضَـائِـعًـا
فَــإِذَا أَنَــا شَــخْــصٌ يَــعِــيــشُ مُــكَــرَّرَا
فَــكَــأَنَّــنِــي مَــاءُ الْــغَــمَـامِ إِذَا انْـطَـوَى
فِـــي الْأَرْضِ رَدَّتْـــهُ نَـــبَـــاتًــا مُــثْــمِــرَا
مَــا أَكْــرَمَ الْأَشْــجَــارَ فِـي هَـذَا الْـحِـمَـى
فِــيــهَـا لِـقَـاصِـدِهَـا الْـبَـشَـاشَـةُ وَالْـقِـرَى
تَـقْـرِي الْـفَـقِـيـرَ عَـلَـى خَـصَـاصَـةِ حَـالِـهِ
كَــرَمًــا كَــمَــا تَــقْـرِي الْـغَـنِـيَّ الْـمُـوسِـرَا
الْـــبَـــذْلُ دَيْـــدَنُــهَــا سَــوَاءٌ جِــئْــتَــهَــا
مُـــتَـــقَـــدِّمًــا أَمْ جِــئْــتَــهَــا مُــتَــأَخِّــرَا
فَــكَــأَنَّــهَــا مِــنْــكُــمْ تَــعَــلَّــمَـتِ الـنَّـدَى
كَــيْــمَـا تُـغِـيـثَ الـنَّـاسَ إِنْ خَـطْـبٌ عَـرَا

عن القصيدة

  • مناسبة القصيدة: ألقاها الشاعر في «الحفلة التكريمية» التي أقيمت على شرفه في لوس أنجلوس برعاية الجمعية السورية اللبنانية في فندق إمباسادور.
  • غرض القصيدة: الحكمة
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الكامل
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١