الْمَسَاء

السُّحْبُ تَرْكُضُ فِي الْفَضَاءِ الرَّحْبِ رَكْضَ الْخَائِفِينْ
وَالـشَّـمْـسُ تَـبْـدُو خَـلْـفَـهَـا صَـفْـرَاءَ عَاصِبَةَ الْجَبِينْ
وَالْــبَـحْـرُ سَـاجٍ صَـامِـتٌ فِـيـهِ خُـشُـوعُ الـزَّاهِـدِيـنْ
لَــكِــنَّــمَــا عَــيْـنَـاكِ بَـاهِـتَـتَـانِ فِـي الْأُفُـقِ الْـبَـعِـيـدْ
سَـــــلْـــــمَـــــى … بِـــــمَـــــاذَا تَــــفْــــكِــــرِيــــنْ؟
سَـــــلْــــمَــــى … بِــــمَــــاذَا تَــــحْــــلُــــمِــــيــــنْ؟
•••
أَرَأَيْـتِ أَحْـلَامَ الـطُّـفُـولَـةِ تَـخْـتَـفِـي خَلْفَ التُّخُومْ؟
أَمْ أَبْـصَـرَتْ عَـيْـنَـاكِ أَشْـبَـاحَ الْـكُـهُـولَةِ فِي الْغُيُومْ؟
أَمْ خِـفْتِ أَنْ يَأْتِي الدُّجَى الْجَانِي وَلَا تَأْتِي النُّجُومْ؟
أَنَــا لَا أَرَى مَــا تَــلْــمَــحِــيــنَ مِـنَ الْـمَـشَـاهِـدِ إِنَّـمَـا
أَظْـــــــلَالُـــــــهَـــــــا فِـــــــي نَـــــــاظِـــــــرَيْــــــك
تَــــــنِــــــمُّ، يَــــــا سَـــــلْـــــمَـــــى، عَـــــلَـــــيْـــــك
•••
إِنِّـي أَرَاكِ كَـسَـائِـحٍ فِـي الْـقَـفْـرِ ضَـلَّ عَـنِ الـطَّـرِيـقْ
يَـرْجُو صَدِيقًا فِي الْفَلَاةِ، وَأَيْنَ فِي الْقَفْرِ الصَّدِيقْ؟!
يَـهْـوَى الْـبُـرُوقَ وَضَـوْءَهَـا، وَيَخَافُ تَخْدَعُهُ الْبُرُوقْ
بَـلْ أَنْـتِ أَعْـظَـمُ حَـيْـرَةً مِـنْ فَـارِسٍ تَـحْـتَ الْـقَـتَامْ
لَا يَــــــسْــــــتَــــــطِــــــيــــــعُ الْإِنْــــــتِــــــصَــــــارْ
وَلَا يُـــــــــطِـــــــــيــــــــقُ الْإِنْــــــــكِــــــــسَــــــــارْ
•••
هَـذِي الْـهَـوَاجِـسُ لَـمْ تَـكُـنْ مَـرْسُـومَـةً فِي مُقْلَتَيْكْ
فَـلَـقَـدْ رَأَيْـتُـكِ فِـي الـضُّـحَـى وَرَأَيْتُهُ فِي وَجْنَتَيْكْ
لَـكِـنْ وَجَـدْتُكِ فِي الْمَسَاءِ وَضَعْتِ رَأْسَكِ فِي يَدَيْكْ
وَجَـلَـسْـتِ فِـي عَـيْـنَـيْكِ أَلْغَازٌ، وَفِي النَّفْسِ اكْتِئَابْ
مِـــــثْـــــلُ اكْـــــتِـــــئَـــــابِ الْــــعَــــاشِــــقِــــيــــنْ
سَـــــلْـــــمَـــــى ... بِـــــمَـــــاذَا تَـــــفْـــــكِــــرِيــــنْ؟
•••
بِـالْأَرْضِ كَـيْـفَ هَـوَتْ عُـرُوشُ الـنُّورِ عَنْ هَضَبَاتِهَا؟
أَمْ بِـالْـمُـرُوجِ الْـخُـضْـرِ سَـادَ الـصَّـمْـتُ فِي جَنَبَاتِهَا؟
أَمْ بِــالْــعَــصَــافِــيــرِ الَّــتِـي تَـعْـدُو إِلَـى وُكُـنَـاتِـهَـا؟
أَمْ بِـالْـمَـسَـا؟ إِنَّ الْـمَـسَـا يُـخْـفِـي الْـمَـدَائِـنَ كَالْقُرَى
وَالْـــــكُـــــوخُ كَـــــالْــــقَــــصْــــرِ الْــــمَــــكِــــيــــنْ
وَالـــــشَّـــــوْكُ مِـــــثْـــــلُ الْـــــيَـــــاسَـــــمِـــــيــــنْ
•••
لَا فَــرْقَ عِــنْــدَ اللَّــيـلِ بَـيْـنَ الـنَّـهْـرِ وَالْـمُـسْـتَـنْـقَـعِ
يُـخْـفِـي ابْـتِـسَـامَـاتِ الـطَّـرُوبِ كَـأَدْمُـعِ الْـمُـتَـوَجِّعِ
إِنَّ الْـجَـمَـالَ يَـغِـيـبُ مِـثْـلَ الْـقُـبْـحِ تَـحْـتَ الْـبُـرْقُـعِ
لَــكِــنْ لِــمَــاذَا تَــجْـزَعِـيـنَ عَـلَـى الـنَّـهَـارِ وَلِلـدُّجَـى
أَحْـــــــــــلَامُـــــــــــهُ وَرَغَـــــــــــائِـــــــــــبُـــــــــــهْ
وَسَـــــــــــمَــــــــــاؤُهُ وَكَــــــــــوَاكِــــــــــبُــــــــــهْ؟
•••
إِنْ كَــانَ قَــدْ سَــتَــرَ الْــبِــلَادَ سُـهُـولُـهَـا وَوُعُـورُهَـا
لَــمْ يَــسْــلُـبِ الـزَّهْـرَ الْأَرِيـجُ وَلَا الْـمِـيَـاهَ خَـرِيـرُهَـا
كَــلَّا، وَلَا مَــنَـعَ الـنَّـسَـائِـمَ فِـي الْـفَـضَـاءِ مَـسِـيـرُهَـا
مَـا زَالَ فِـي الْـوَرَقِ الْـحَـفِـيـفُ وَفِـي الصَّبَا أَنْفَاسُهَا
وَالْــــــــعَـــــــنْـــــــدَلِـــــــيـــــــبُ صُـــــــدَاحُـــــــهُ
لَا ظُـــــــــــفْـــــــــــرُهُ وَجَـــــــــــنَــــــــــاحُــــــــــهُ
•••
فَـاصْـغِي إِلَى صَوْتِ الْجَدَاوِلِ جَارِيَاتٍ فِي السُّفُوحْ
وَاسْـتَـنْـشِـقِـي الْأَزْهَـارَ فِـي الْجَنَّاتِ مَا دَامَتْ تَفُوحْ
وَتَـمَـتَّـعِـي بِـالـشُّـهْـبِ فِـي الْأَفْـلَاكِ مَـا دَامَـتْ تَلُوحْ
مِــنْ قَـبْـلِ أَنْ يَـأْتِـي زَمَـانٌ كَـالـضَّـبَـابِ أَوِ الـدُّخَـانْ
لَا تُــــــبْــــــصِــــــرِيــــــنَ بِــــــهِ الْــــــغَــــــدِيــــــرْ
وَلَا يَـــــــــلَـــــــــذُّ لَـــــــــكِ الْـــــــــخَــــــــرِيــــــــرْ
•••
لِــتَــكُــنْ حَــيَــاتُــكِ كُــلُّــهَــا أَمَــلًا جَــمِـيـلًا طَـيِّـبَـا
وَلْـتَـمْـلَأِ الْأَحْـلَامُ نَـفْـسَـكِ فِـي الْـكُـهُـولَـةِ وَالـصِّبَى
مِـثْـلَ الْـكَـوَاكِـبِ فِـي الـسَّـمَاءِ وَكَالْأَزَاهِرِ فِي الرُّبَى
لِــيَــكُــنْ بِــأَمْــرِ الْــحُــبِّ قَـلْـبُـكِ عَـالِـمًـا فِـي ذَاتِـهِ
أَزْهَـــــــــــــــــــارُهُ لَا تَـــــــــــــــــــذْبُـــــــــــــــــــلُ
وَنُـــــــــــجُـــــــــــومُـــــــــــهُ لَا تَـــــــــــأْفُـــــــــــلُ
•••
مَـاتَ الـنَّـهَـارُ ابْـنُ الـصَّـبَـاحِ فَـلَا تَـقُـولِي كَيْفَ مَاتْ
إِنَّ الــتَّــأَمُّــلَ فِـي الْـحَـيَـاةِ يَـزِيـدُ أَوْجـاَعَ الْـحَـيَـاةْ
فَـدَعِـي الْـكَـآبَـةَ وَالْأَسَـى وَاسْـتَـرْجِـعِي مَرَحَ الْفَتَاةْ
قَـدْ كَـانَ وَجْـهُـكِ فِـي الضُّحَى مِثْلَ الضُّحَى مُتَهَلِّلَا
فِــــــيــــــهِ الْــــــبَـــــشَـــــاشَـــــةُ وَالْـــــبَـــــهَـــــاءْ
لِـــــيَـــــكُـــــنْ كَـــــذَلِـــــكَ فِـــــي الْـــــمَـــــسَــــاءْ

عن القصيدة

  • مناسبة القصيدة: وجود أناس يعيشون في شقاء وتعاسة وأوهام لا مبرر لها.
  • غرض القصيدة: النصح والإرشاد (للتمتع بالحياة وجمالها ونبذ الهواجس والتشاؤم)
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الكامل
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١