الْكَمَنْجَةُ الْمُحَطَّمَةُ

شَــاهَــدْتُــهَــا كَــالْـمَـيْـتِ فِـي أَكْـفَـانِـهِ
فَــــوَجَــــمْـــتُ أَلَّا عَـــبْـــرَةٌ أُذْرِيـــهَـــا
مَــهْــجُــورَةً كَــسَــفِــيــنَــةٍ مَــنْــبُـوذَةٍ
فِــي الــشَّــطِّ غَــابَ وَرَاءَهُ مَــاضِـيـهَـا
نَـسَـجَـتْ عَـلَـيْـهَـا الْـعَـنْكَبُوتُ خُيُوطَهَا
وَكَــسَــى الْــغُــبَــارُ غِــلَالَـةً تَـكْـسُـوهَـا
أَقْــوَتْ وَبَــاتَــتْ كَـالْـمَـسَـامِـعِ بَـعْـدَهَـا
لَا شَــيْءَ يُــطْــرِبُــهَــا وَلَا يُــشْــجِـيـهَـا
وَكَــأَنَّــهَــا فِــي صَــمْـتِـهَـا، مَـشْـدُوهَـةً
أَنْ لَا تَـــرَى بِــهُــتَــافِــهَــا مَــشْــدُوهَــا
لَا حِــسَّ فِــي أَوْتَــارِهَــا، لَا شَـوْقَ فِـي
أَضْــلَاعِــهَــا، لَا حُــسْــنَ فِــي بَـاقِـيـهَـا
فَــارْزَحْ بِــحُــزْنِــكَ يَــا حَـزِيـنُ فَـإِنَّـهَـا
لَا تَــنْــشُــرُ الــشَّــكْــوَى وَلَا تَــطْـوِيـهَـا
وَإِذَا انْـقَـضَـى عَـهْـدُ الـتَّـعَـلُّلِ بِـالْـمُـنَـى
فَــالــنَّــفْـسُ يَـشْـفِـيـهَـا الَّـذِي يُـرْدِيـهَـا
لِلـــهِ عَـــهْـــدٌ مَـــرَّ لِـــي فِــي ظِــلِّــهَــا
أَبْـــكِـــي عَـــلَـــيْــهِ وَتَــارَةً أَبْــكِــيــهَــا
كَــانَــتْ كَــأَنَّ ضُــلُــوعَــهَــا مَـوْصُـولَـةٌ
بِــأَضَــالِــعِــي وَسَــرَائِــرِي فِــي فِـيـهَـا
كَــمْ مَــرَّةٍ حَــامَــتْ غَــرَابِـيـبُ الْأَسَـى
لِـتُـقِـيـتَ مِـنْ قَـلْـبِـي الْـجَـرِيـحِ بَـنِـيـهَا
فَــإِذَا الْأَغَــارِيــدُ اللَّــطِــيــفَــةُ دُونَــهَـا
سُــورٌ يَــصُــونُ حُـشَـاشَـتِـي وَيَـقِـيـهَـا
كَـمْ هَـزَّنِـي الـشَّـدْوُ الـرَّخِيمُ فَسَاقَطَتْ
نَــفْــسِــي هُـمُـومًـا أَوْشَـكَـتْ تُـبْـلِـيـهَـا
فَــإِذَا أَنَــا مِــثْــلُ الْــبَـنَـفْـسَـجَـةِ الَّـتِـي
ذَبُــلَــتْ فَــبَــاكَـرَهَـا الـنَّـدَى يُـحْـيِـيـهَـا
وَلَـكَـمْ سَـمِـعْـتُ خُـفُـوقَ أَجْنِحَةِ الْمُنَى
وَحَــفِــيــفَــهَــا فِــي نَـغْـمَـةٍ تُـوحِـيـهَـا
فَـسَـكِـرْتُ حَـتَّـى مَـا أَعِـي سُـكْرَ امْرِئٍ
بِــالْــخَــمْــرِ أَتْــرَعَ كَــأْسَــهُ سَــاقِــيـهَـا
وَرَأَيْـــتُـــنِــي مِــنْ جَــنَّــةٍ سِــحْــرِيَّــةٍ
لَا يَــرْتَــوِي مِــنْ حُــسْــنِــهَــا رَائِــيــهَـا
وَلَــمَــحْــتُ أَحْــلَامَ الـشَّـبَـابِ مَـوَاكِـبًـا
تَــتْــرَى أَمَــامِــي وَالْــهَــوَى حَــادِيــهَـا
سِــرُّ الــسَّــعَـادَةِ فِـي الـرُّؤَى أَنَّ الـرُّؤَى
لَا كَـــفَّ تُـــثْــبِــتُــهَــا وَلَا تَــمْــحُــوهَــا
وَلَـكَـمْ سَـمِـعْـتُ دَبِـيـبَ أَشْـبَاحِ الْأَسَى
عِــنْــدَ الْــمَــسَــا فِــي أَنَّــةٍ تُــزْجِــيـهَـا
فَـذَكَـرْتُ ثَـمَّ مَـحَـاسِـنًـا تَـحْـتَ الـثَّـرَى
غَــابَــتْ وَشَــوَّهَــهَـا الْـبِـلَـى تَـشْـوِيـهَـا
فَــإِذَا أَنَــا كَــالــسِّــنْــدِيَــانَـةِ شَـوَّشَـتْ
أَغْــصَــانَــهَــا الــرِّيــحُ الَّــتِـي تَـلْـوِيـهَـا
أَوْ كَـالـسَّـفِـيـنَـةِ فِـي الـضَّـبَابِ طَرِيقُهَا
ضَــلَّــتْ، وَغَــابَــتْ أَنْــجُــمٌ تَــهْــدِيـهَـا
شَــهِــدَ الــدُّجَـى وَالْـفَـجْـرُ أَنِّـي جَـازِعٌ
لِــسُــكُــوتِــهَــا جَــزَعَ الْـغَـدِيـرِ أَخِـيـهَـا
مَــا إِنْ سَــمِــعْــتُ أَنِــيـنَـهُ وَنَـشِـيـجَـهُ
إِلَّا وَيَــعْــرُو الــنَّــفْــسَ مَــا يَــعْــرُوهَـا
رَوَّى الـثَّـرَى، يَـا لَيْتَ رُوحِي فِي الثَّرَى
أَوْ فِـــي الــنَّــبَــاتِ لَــعَــلَّــهُ يَــرْوِيــهَــا
يَــا صَــاحِـبَـيَّ وَفِـي حَـنَـايَـا أَضْـلُـعِـي
هَـــمٌّ يَــكُــظُّ الــرُّوحَ بَــلْ يُــدْمِــيــهَــا
إِنَّ الَّــتِــي نَــقَــلَــتْ حِـكَـايَـاتِ الْـهَـوَى
لَــمْ يَــبْــقَ غَــيْــرُ حِــكَــايَــةٍ تَــرْوِيـهَـا
كَــمَــدِيــنَــةٍ دَكَّ الْــقَــضَـاءُ صُـرُوحَـهَـا
دَكًّـــا وَكَــفَّــنَ بِــالــسُّــكُــوتِ ذَوِيــهَــا
نُـعِـيَـتْ فَـرِيـعَ الْـفَجْرُ وَارْتَعَشَ الدُّجَى
مَــا كَــانَ أَهْــوَنَــهَــا عَــلَــى نَــاعِــيـهَـا
لَا تَـعْـجَـبَـا فِـي الْـغَـابِ مِـنْ نَوْحِ الصَّبَا
وَعَــوِيــلِــهَــا، إِنَّ الــصَّــبَــا تَــرْثِــيــهَـا
لَــوْ تَــسْــمَــعَــانِ نَــجِـيَّـهَـا مُـتَـمَـشِّـيًـا
كَــالــسِّـحْـرِ فِـي الْأَرْوَاحِ يَـسْـتَـهْـوِيـهَـا
لَــعَــلِــمْــتُــمَــا أَنَّ الْــقَــضَـاءَ اغْـتَـالَـهَـا
كَـــيْ لَا تَـــبُـــوحَ بِــكُــلِّ سِــرٍّ فِــيــهَــا

عن القصيدة

  • غرض القصيدة: الوصف – الحكمة
  • طريقة النظم: عمودي
  • لغة القصيدة: الفصحى
  • بحر القصيدة: الكامل
  • عصر القصيدة: الحديث

عن الشاعر

إيليا أبو ماضي: واحد من أبرز شعراء المهجر الذين أثْرَوُا الشعر العربي في أوائل القرن العشرين بقصائدهم ودواوينهم.

ولد إيليا ضاهر أبو ماضي عام ١٨٩٠م في قرية «المحيدثة» إحدى قرى لبنان، في أسرة فقيرة معدمة، عانى معها الاغتراب منذ صغره. وحينما بلغ الحادية عشرة من عمره، رحلت أسرته إلى مصر، ونزلت الإسكندرية ثم انتقلت إلى القاهرة، حيث مارس فيها إيليا التجارة طلبًا للمال، فاتخذ محلًّا لبيع السجائر والدخان.

وقد كان إيليا منذ صغره محبًّا للعلم والتعلم، شغوفًا بالأدب والشعر، يستغل أوقات فراغه في حفظ الشعر ونظمه، ومطالعة كتب الأدب ودراستها. وقد رآه ذات مرة الأستاذ أنطون الجُميِّل يكتب الشعر أثناء عمله، فأعجب بشعره وحرص على نشره في مجلة الزهور التي كان يصدرها، وكانت تلك الخطوة فاتحة خير عليه، فظل يكتب الشعر وينشره طيلة ثمانية أعوام، ثم جمعه في ديوان أطلق عليه اسم: «تذكار الماضي».

وكان إيليا يتطلع إلى العيش في الولايات المتحدة الأمريكية، فهاجر من مصر إلى هناك وسكن مدينة «سنسناتي»، ثم انتقل بعدها إلى نيويورك ليلتقي بألمع رجال النخبة العربية التي هاجرت إلى هناك، أمثال: ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، ونسيب عريضة، وأحمد زكي أبو شادي وغيرهم، ليؤلف معهم ما أطلقوا عليه بعد ذلك: «الرابطة القلمية» التي كانت أبرز علامات الأدب العربي الحديث.

وفي نيويورك عمل إيليا نائبًا لرئيس تحرير جريدة «مرآب الغرب» وتزوج من السيدة دورا نجيب دياب ابنة صاحب الجريدة، وأنجب منها أربعة أولاد، وقد توجت جهوده الأدبية عام ١٩١٩م بإصدار «مجلة السمير» التي كانت تعد في ذلك الوقت أهم مجلة عربية في المهجر، والتي حوَّلها بعد ذلك إلى جريدة تصدر يوميًّا.

توفي إيليا أبو ماضي عام ١٩٥٧م في نيويورك إثر نوبة قلبية، تاركًا إنتاجًا أدبيًّا متميزًا قوامه أربعة دواوين، هي: «تذكار الماضي» و«ديوان إيليا أبي ماضي» و«الجداول» و«الخمائل»، وديوان خامس كان معدًّا للطبع أُطلق عليه: «تبر وتراب».

تسجيل الدخول إلى حسابك

Sad Face Image

قم بتسجيل الدخول ليبدأ التحميل، وتحصل على جميع مزايا ومحتوى هنداوي فاونديشن سي آي سي.

تسجيل الدخول إنشاء حساب

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١