الفصل التاسع

ما وافَى عصر الغد حتى كانت يد شعبان قد امتدت إلى سماعة التليفون طالبًا فاطمة هانم، وسمع صوتها يقول له: «آسفة … اتصل بي عصر الخميس» وأنهت المكالمة، لكن لهجتها كانت لطيفة، لولا هذا لخامرته الظنون. كان اليوم الاثنين، فأجلت الموعد يومين، لا يمكن أن تكون قد رجعت إلى عقلها وأرادت التنصل من وعدها والمماطلة، مثلها كان يتخذ الطريق القاطع الحاسم ويحزم الأمر بالرفض فورًا، لكن هذا التأجيل لعصر الخميس لا بد له من سبب، فلينتظر إذن. وجاء عصر الخميس ورفع شعبان السماعة وطلبها وترقَّب إجابتها هذه المرة، فإذا هي تقول له بصوت هامس: «انتظرني الساعة السادسة على محطة المعادي.»

كانت الساعة وقتئذٍ حوالَي الخامسة، فرأى الأفضلَ أن يبادر هو ويكون في انتظارها، قطعًا للحُجج، وركب القطار إلى ضاحية المعادي وانتظر بالمحطة، وجاوزت عقارب ساعة المحطة السادسة وهو منتظر يقول في نفسه: «أما إذا اتضح أنه مقلب!» لكن القطار التالي الآتي من القاهرة لم يلبث أن ظهر ووقف، ونزلت منه فاطمة هانم، فاطمأن. اقترب منها مرحِّبًا فقالت له: «تعال معي» … وسارا معًا في طرقات المعادي إلى أن بلغا فيلَّا صغيرة من طابقين تكاد تختفي بين أشجار حديقة كبيرة محيطة بها، فتركته على بعد خطوات من باب الفيلَّا قائلة له: «أرجوك … انتظر هنا لحظة حتى أعود فأدعوك.» ومضت هي وحدها ودخلت، وبعد نحو عشر دقائق لمح امرأة تخرج من الفيلَّا وتسير متجهة إلى المحطة، امرأة مسنة يبدو من هيئتها أنها خادمة قديمة أو مربية، وما إن اختفت عن الأنظار حتى ظهرت فاطمة بالباب وأشارت إليه أن يدخل.

ودخل سائرًا خلف فاطمة التي قادته إلى داخل الطابق الأول، ونظر فوجد نفسه في صالة مفروشة فرشًا بسيطًا لكنه مريح، ووجد بابين مقفلين لحجرتين متقابلتين، وسلمًا خشبيًّا يؤدي إلى الطابق الأعلى، ثم بابًا صغيرًا تحته يؤدي إلى حمام ومطبخ وأوفيس … دعته إلى الجلوس فجلس على مقعد وهو يسألها: «أنحن وحدنا في هذا المنزل؟» فأجابته بالإيجاب، ثم تركته واتجهت إلى الباب الصغير قائلة: «انتظر حتى أعمل لك فنجان شاي.» وقعد قعدة مريحة مسندًا رأسه إلى ظهر الفوتيل ومادًّا ساقيه إلى الأمام كأنه في بيته، وجعل يدندن بصوت خافت.

وفجأة اعتدل وأصاخ بأذنيه، فقد خُيِّلَ إليه أنه سمع صوتًا يأتي من الطابق الأعلى، كأنه صوت نشيج بكاء انتهى بضحكة، صوتٌ نسائي على كل حال، لكنه غريب وخافت جدًّا إلى درجةٍ ظنَّ معها أنه مجرد وهم توهَّمه، وظل لحظة مترقبًا لعله يسمعه مرة أخرى، لكنه لم يتكرر. وعادت فاطمة بفنجان الشاي وقدمته إليه، فرشف منه رشفة ثم سألها مرة أخرى عمن بالمنزل، فقالت: «لا أحد غيرنا» فلما أخبرها عما توهم أنه سمع حملقت فيه قليلًا، ثم بادرت تقول له إنه مجرد وهم، ثم فتحت باب إحدى الحجرتين ودعته إلى الدخول، هذا في رأيها خير من الجلوس في الصالة، وفيها لن يسمع شيئًا إلا صوت طيور المساء وهي عائدة إلى أعشاشها، يسمع تغريدها من الشباك المفتوح على الحديقة. إنها حجرة نوم، وفيها بالفعل شباك تُرَى منه أشجار ضخمة كمَرَدة الجن، وأشارت له إلى مقعد بجوار السرير فجلس، وجعل يفكر فيما ينبغي أن يفعل بعد ذلك، يجب أن يقيس تصرفاته بدقة، فإن أي خطأ في التقدير يمكن مع مثل هذه السيدة أن يؤدي إلى نتيجة سيئة، والأصوب أن يرقب تصرفاتها هي ويتحين الفرصة المناسبة، فلتكن هي البادئة.

لكنها حتى الآن لم تَبْدُ منها أي حركة في غير محلها، فهي قد اتخذت مجلسها على كنبة وثيرة، وكلامها كله يدور حول ضاحية المعادي وهدوئها، وأن هذا المنزل هو لإحدى قريباتها، وهي مسافرة بضعة أيام، لم تترك فيه غير الخادمة العجوز التي خرجت منذ قليل في إجازة تبيت عند ذويها، كل هذا كلام معقول، لكن لماذا جاءت به إلى هذا المنزل المقفر؟ … ولماذا هو الآن في حجرة نوم معها؟ … إنها دبرت كل ذلك بعناية، وعليه هو إذن الباقي.

وأسرع عندئذٍ يقول لها: «لماذا نجلس متباعدَين هكذا» ونهض وقعد إلى جانبها على الكنبة … ثم جعل يشمها ويُطْرِي بإعجابٍ العطر المتضوع من شعرها، وهو يغمض عينيه ويأخذ نفسًا عميقًا، فقالت: «أأعجبك؟!» وكان لصوتها، وهي تلفظ هذه الكلمة، نعومة لم تظهر عليها من قبل، أدرك معها أنه في طريقه إلى هدفه. وبالفعل سار كل شيء بعد ذلك سيرًا طبيعيًّا سريعًا، وتوالت تفصيلات يكاد كلٌّ منهما لا يذكر منها شيئًا، وتم الانتقال من الكنبة إلى السرير دون أن يشعر أحدهما كيف تم … وقد راعى شعبان رغبتها فلم يتركها إلا بعد أن تراخت قبضتها عليه، فانفلت منها بلطف وعاد إلى الكنبة وارتدى ملابسه وأخذ يدخن سيجارة، وهي ما تزال فوق الفراش في شبه غيبوبة.

إنها ليست عانسًا بالمعنى الحقيقي، فهي ليست بكرًا، ويبدو أنها لم تتصل برجل منذ زمن طويل؛ رأى ذلك في نظراتها وفي تشبثها بكتفيه، كأنها لا تصدق ما هي فيه، تملكها شعور المرأة التي ذبلت ففقدت الأمل في المتعة مع رجل، ونفث الدخان من سيجارته ونظر إلى ذلك الجسد الممدد الغائب في نشوته، وأدرك حجم تلك المتعة التي تُلْقَى إلى محروم … العجيب أنه وجد في ذلك متعة له هو أيضًا، إن السعادة مُعدية كالمرض، وهذا الامتنان الصامت الذي يتلقاه من هذه المرأة يملؤه غبطة، إنه أراد التوسل بها إلى أخرى، لكنها هي أيضًا لها مذاقها، وهو من نوع آخر، إنها لفرط تقديرها لما نالت تشعرك بلذة الكرم. إنه الآن أدرك أن زير النساء الحقيقي هو قبل كل شيء رجل كريم، إنه يحب كل النساء، ولا يفرق بين سن وسن، يحبهن أحيانًا لأنفسهن، متعته أن يمتعهن.

وتذكر صديقه أدهم، ذلك الذي لا يستطيع فهم الأمر على هذا الوجه، لا يستطيع أن يرى غير المرأة التي يتعلق بها قلبه وفكره، هي وحدها التي يمنحها كل شيء، وعندئذ تصبح في عينه كلُّ نساء الأرض — ما عداها — كالعدم، إنه قلبٌ أناني وجسد معطل موقوف على امرأة واحدة، قلَّما يجدها، وأغلب الظن أنه لن يجدها، لأنه يصنعها بخياله صورة هائمة، ليس من السهل أن تُصَبَّ في كيان ملموس. أدهم هذا غير قدير على أن يضع شيئًا في كيان ملموس، ومع ذلك يسخر منه ومن اهتمامه بالنساء، من اهتمامه بأن يكون سخيًّا بقلبه وجسده مع كل من تصادفه، حتى مع تلك التي ضاعت منها الفرص، تلك رسالة زير النساء الخالدة في تاريخ البشرية! والأحمق أدهم لا يريد أن يفهمها.

ونفخ مرة أخرى الدخان من سيجارته ونظر بزهو ورضا إلى جسد فاطمة نصف العاري فوق السرير وهي تتنهد، ثم راقبها وقد أفاقت وحركت أعضاءها ثم فتحت عينيها والتفتت حولها، فلما وقع نظرها عليه، أسرعت بلم أطراف ثوبها في حياء، وابتسمت، ثم نهضت واستوت على قدميها وقالت له برقة: «تحب تأكل شيئًا!» … «أحضر لك فاكهة؟ انتظر لأرى ماذا يوجد في المطبخ!». وخرجت مسرعة ثم عادت بعد قليل بطبق بطيخ مثلج وشوكتين، وجلسا يأكلان معًا ويضحكان، وهي تقول إنها لم تضحك هكذا منذ أعوام طويلة … منذ شبابها الأول. وعند لفظها لشبابها الأول مرت سحابة في ذاكرتها، فتجهم وجهها فجأة، ولم يفطن شعبان لذلك، فقد كان التفاته في تلك اللحظة إلى الحديقة وأشجارها التي يلعب بأغصانها وأوراقها نسيم المساء، فاقترح عليها أن يخرجا ويمشيا بين هذه الأشجار، فراقت لها الفكرة، وعند الباب رجته أن يسبقها ريثما تأتي بالإشارب لتلفه حول عنقها وشعرها، لكنها بدلًا من أن تتجه إلى الحجرة التي كانا فيها صعِدت إلى الطابق الأعلى، وخرج هو يتمشى في ممرات الحديقة، ووجد مقعدًا من جذوع الشجر في خميلة من زهر أحمر فجلس ينتظرها.

وساءل نفسه بعد قليل لماذا ينتظر؟ … أما كان الأجدر أن يستأذن وينصرف؟ … لكن لا … إن الانصراف السريع هكذا معناه أنه جاء لقضاء حاجة ومضى، وهذا ما لا ينبغي أن يستقر في ذهنها، إنه يسعى إلى توثيق الصلة بينه وبينها، وأن يكتسب ثقتها ليعرف أشياء ويصل إلى أشياء … لكنها تأخرت داخل المنزل أكثر مما ينبغي، لا يمكن أن يكون كل هذا بحثًا عن غلالتها الحريرية … وأخيرًا ظهرت.

المنظر التاسع

(فاطمة تقبل على شعبان وتجلس إلى جواره على المقعد الخشبي.)

فاطمة : أبطأت عليك؟
شعبان : قليلًا، أنت صعدت إلى الطابق الأعلى؟
فاطمة (في اختلاجة) : كيف عرفت؟ رأيتني؟
شعبان : طبعًا، كان هذا أمامي قبل أن أخرج.
فاطمة : آه … لم آخذ بالي، كنت مستعجلة و…
شعبان : ومع ذلك لم تأتي بالإشارب الذي ذهبت تبحثين عنه.
فاطمة : لم أجده، يظهر أني نسيته في … منزلنا بالدقي.
شعبان : على كل حال أنت هكذا أحسن … بدون إشارب!
فاطمة : لا تبالغ يا شعبان! أنا أعرف نفسي جيدًا.
شعبان : ما هو الذي تعرفينه عن نفسك؟
فاطمة : على الأقل ما يعرفه الناس وما تعرفه أنت، إني لست في سن الشباب.
شعبان : وماذا يهم؟
فاطمة : يعجبك هذا الشعر الأبيض؟!
شعبان : خصلات بيضاء وسط الشعر الأسود … جنان!
فاطمة : فكرت أمس قبل أن ألقاك أن أقول للكوافير يصبغها.
شعبان : إياك أن تفعليها!
فاطمة : ما دمت تريد ذلك … فسأمتثل.
شعبان : أنا أريدك كما أنت، لا تحاولي تغيير شيء.
فاطمة : أحقًّا أنت جاد في هذا الكلام؟
شعبان : وما مصلحتي في الكذب.
فاطمة : حقًّا … وهذا ما يدهشني.
شعبان : ما الذي يدهشك؟
فاطمة : هذا الإعجاب بي؟ … إني أكبر منك سنًّا؛
شعبان : ليس بشيء كثير.
فاطمة : أنت طيب القلب … إني مدينة لك بهذا السرور الذي تدخله على قلبي.
شعبان : أتساءل لماذا لم تتزوجي حتى الآن؟
فاطمة : ظروف.
شعبان : أهي مرفت؟
فاطمة : نعم.
شعبان : ولكنها هي تزوجت مرتين.
فاطمة : إنها دائمًا كانت في حاجة إلى وجودي بجانبها.
شعبان : لكن … لا بد أنه كان في حياتك رجل.
فاطمة (مرتجفة) : كيف عرفت؟
شعبان : طبعًا، هذا …
فاطمة (تفهم) : آه … طبعًا عرفت.
شعبان : كان اتصالًا بغير زواج؟ أقصد … كان حبًّا؟
فاطمة : نعم.
شعبان : لا بد كان ذلك من سنوات.
فاطمة (في تنهد وهي مطرقة) : نعم.
شعبان : أنا متأسف، يظهر أني دخلت في موضوعات شخصية لا يصح لي الكلام فيها، كل ما أردته هو أن أقول إنك جديرة أن يكون إلى جانبك رجل … يعزك و…
فاطمة : أنا متشكرة يا شعبان، وأحب أن أقول لك إنك أول رجل أتصل به … منذ … منذ تلك الأعوام الطويلة … منذ أيام شبابي.
شعبان : لا شك أنك في شبابك … أقصد شبابك الأول … كنت رائعة!
فاطمة : أظن.
شعبان : وكيف استطاع ذلك الرجل الذي عرفك تلك الأيام أن يتركك دون أن يتزوجك؟!
فاطمة : كان ذلك مستحيلًا.
شعبان : وأين هو الآن؟
فاطمة : مات … منذ زمن طويل … شعبان … أرجوك! … اترك هذا الموضوع!
شعبان : اعذريني … أنا قليل الذوق!
فاطمة : بالعكس، أنت مهتم بي، وأنا مقدرة هذا الاهتمام، لكن … فلنتحدث في شيء آخر … حدثني عن نفسك أنت … أنت متزوج؟
شعبان : كنت.
فاطمة : عندك أولاد؟
شعبان : لا … يظهر أني لا أنجب، على الرغم من أني تزوجت وطلقت أكثر من مرة.
فاطمة : أنت أيضًا؟
شعبان : نعم، مثل مرفت!
فاطمة : عرفت إذن نساء كثيرات، كلهن بالطبع صغيرات السن!
شعبان : ولكنك أنت شيء آخر.
فاطمة : من أي جهة؟
شعبان : أنت ممتعة.
فاطمة : أنا التي كان يجب أن أقول لك ذلك، لكني … أخشى أن تكون في نفسك تحتقرني!
شعبان : أحتقرك؟! … لماذا؟
فاطمة : ثق أني امرأة ذات مبادئ، ولا أدري لماذا أنا فعلت هذا؟!
شعبان : أنت لم تفعلي شيئًا يستوجب …
فاطمة : إني أكرر أخطائي … وإن كنت في هذه المرة لم أسئ إلى أحد.
شعبان : أوَكنتِ قد أسأت إلى أحد؟!
فاطمة : أرجوك … لا تحاول أن تعرف شيئًا عن حياتي!
شعبان : حياتك لا غبار عليها.
فاطمة : في الحاضر … ربما … إلى ما قبل هذا المساء.
شعبان : وما الذي حدث هذا المساء؟
فاطمة : هذا الذي وقع بيننا.
شعبان : شيء طبيعي.
فاطمة : ليس بالنسبة إليَّ … إلى امرأة في سني وتفكيري … ألم تُسائل نفسك ما هذه السيدة التي قادتك إلى هذا المنزل المنفرد بالمعادي لتلقي بجسدها في أحضانك … وتنهار هذا الانهيار … المخجل!
شعبان : ليس بالمخجل … إنه ممتع!
فاطمة : اسمع يا شعبان …
شعبان : اسمعي أنت يا فاطمة هانم أريد أن أؤكد لك …
فاطمة : أرجوك أولًا … لا تقل فاطمة هانم … لأن هذا مضحك! … نادني بفاطمة فقط، نعم … بعد الذي حدث بيننا في الفراش، أظن من المناسب أن تناديني باسمي المجرد!
شعبان : هل تظنين أن ما حدث بيننا يمكن أن يقلل من احترامي لك؟
فاطمة : هذا ما أرجوه.
شعبان : تأكدي أني أعرف تمامًا من أنت.
فاطمة : أنا نشأت في أسرة فقيرة بسيطة … كما قلت لك … أبي كان معاون إدارة مركز في الريف، لم يكن في بيتنا الصغير حنفيات ماء، كنا نشرب من الزير، وكنا نطحن قمحنا ونقوم من الفجر نعجن ونخبز خبزنا بأيدينا، ومع ذلك علَّمنا والدنا أنا وأختي في المدارس، وكان كل ما يطمع فيه أن يراني يومًا مدرِّسة بنات بالأقاليم.
شعبان : أنت سيدة تستحقين كل تقدير.
فاطمة : لو أن القدر أراد لي أن أكون مدرسة كما كنا نطمع … لكن مع الأسف حدث التحول الخطير في حياتنا أنا وأختي، ودخلنا أسرة عاطف … وبعدها توالت علينا المصائب.
شعبان : أي مصائب؟! ألم تكن أختك سعيدة بهذا الزواج؟
فاطمة : كانت سعيدة فعلًا … في مبدأ الأمر … أحبت زوجها بعد الزواج حب عبادة … كان عادل حقًّا رجلًا يُحَب … كانت في عينيه نظرات لا تُقاوَم … لكن … لماذا فتحنا هذا الموضوع؟ أرجوك يا شعبان تكلم في شيء آخر!
شعبان (ناظرًا جهة المنزل صائحًا) : انظري … انظري!
فاطمة : ماذا؟
شعبان (يشير بأصبعه) : هناك في الطابق الأعلى … خلف هذه النافذة … لمحت شيئًا.
فاطمة : ماذا لمحت؟!
شعبان : خُيِّلَ لي أني لمحت شبح امرأة يمر ويختفي!
فاطمة : امرأة؟!
شعبان : نعم، امرأة بيضاء الشعر.
فاطمة : دعك من هذا … أرجوك!
شعبان : ربما كان هذا المنزل مسكونًا بالأشباح!
فاطمة : هل تؤمن بالأشباح؟
شعبان : ولم لا.
فاطمة : إذن ستخاف أن تأتي هنا مرة أخرى؟!
شعبان : أتريدين أن آتي هنا مرة أخرى؟
فاطمة : أيسوءُك هذا؟
شعبان : بالعكس، هذا يسرني.
فاطمة : يسرك حقًّا؟
شعبان : بكل تأكيد.
فاطمة : أما أنا فإني … خائفة.
شعبان : خائفة؟ … خائفة من ماذا؟ من الأشباح؟
فاطمة : أن … أن أضعف مرة أخرى.
شعبان : أوكنت تظنين أن ينتهي ما بيننا هكذا سريعًا؟!
فاطمة : قل لي يا شعبان … متى ينتهي هذا العمل الذي تشتركون فيه مع منير؟
شعبان : والله هذا … شيء في علم الغيب.
فاطمة : أنا لا أثق أبدًا في منير عاطف … كلام بيني وبينك.
شعبان : أليس هو المتولي شئونكم؟
فاطمة : نعم هو الذي يدير ميراث مرفت … طبعًا هي لا تحاسبه … لكني لا أقصد من هذه الجهة.
شعبان : مرفت هي العقبة في سبيلك.
فاطمة : أي سبيل؟
شعبان : استقرارك في بيتك الخاص، لم يكن من المتعذر قطعًا أن تجدي الزوج المناسب، كل مرحلة من العمر ولها ما يناسبها.
فاطمة : تَقدَّم لي بالفعل رجل محترم أرمل في الخمسين، لكن … كيف أتزوج وأترك مرفت تعيش بمفردها بلا زوج؟!
شعبان : أليس في نيتها الزواج مرة ثالثة؟
فاطمة : لا.
شعبان : لماذا لا تجرب؟ … ربما كانت الثالثة ثابتة!
فاطمة : لا تريد.
شعبان : كيف تعيش إذن؟
فاطمة : أسخف وأتفه حياة يمكن تصورها، ألم أقل لك ذلك عندما قابلتك في مكتبك أول مرة؟
شعبان : نعم، وحدثْتِني عن قلقك عليها.
فاطمة : أتعرف ما حقيقة قلقي عليها؟ هو أنها مجردة من القلق، إنها لا تدرك أن حياتها في حاجة إلى إصلاح أو تغيير، وعندما يصل إنسان إلى هذه الدرجة، عندما يفقد الحاجة إلى نقد نفسه، أو القلق عليها، فإنه يصبح في حالة غير طبيعية!
شعبان : أليست هي راضية عن حياتها هذه؟
فاطمة : راضية … كلمة مريحة … قل إنها عابثة بحياتها.
شعبان : العبث بالحياة فيه أحيانًا متعة … دعيها تعبث بالحياة، تلهو كيفما شاءت … مع من تشاء … اتركيها يا ستي تتمتع بشبابها.
فاطمة : لن أمنعها … خصوصًا الآن … بعد هذه الليلة!
شعبان : اتفقنا إذن.
فاطمة : اتفقنا على ماذا؟
شعبان : على هذا الرأي طبعًا … العبث والمتعة ليس فيهما دائمًا عيب!
فاطمة : أنت يا شعبان لم تفهم قصدي، أنا لا أقلق على مرفت لكونها تريد أن تلهو مرة مع شخص ما.
شعبان : أنت إذن لا تمانعين في أن تلهو أحيانًا مع شخص ما؟
فاطمة : ليس هنا جوهر المسألة.
شعبان : بل هذا هو جوهر المسألة عندي.
فاطمة : عندك؟!
شعبان : أقصد … باعتباري أعالج الموضوع … بناء على استشارتك السابقة … طبعًا.
فاطمة : افهمني يا شعبان … خوفي على مرفت هو لظاهرة أعتبرها خطيرة، ربما كان لقراءاتي دخل … ولكني أعتبر الشخص الذي لا يَضيق بحالته ولا يُحلل نفسه، ولا يريد أن يعرف أخطاءه هو إنسان في حالة غيبوبة.
شعبان : وهل مرفت في حالة غيبوبة؟
فاطمة : ألم أقل لك إنها لا تعرف شيئًا مما يجري حولها؟ … تأكد أنها لا تشعر ولا تبالي بما يقع من أحداث، لا تشعر إذا كانت في عهد ملوكية أو جمهورية! … لا ترى أي فرق! لا تقرأ أبدًا … حتى ولا الجرائد … كل معلوماتها تصل إليها في قالب إشاعة أو نكتة أو قفشة، فتضحك بلا مبالاة، وتهز كتفيها … لكل شيء، ولأي شيء … حاولت كثيرًا أن أغيرها فلم أستطع.
شعبان : قلت لك ونحن في المكتب، لا تحاولي … ودعيها وشأنها!
فاطمة : كيف أدعها وشأنها، أنا المسئولة عنها.
شعبان : من قال إنك المسئولة؟ … هل أنت التي صنعت طبعها؟ إنها خلقت هكذا.
فاطمة : يجوز … ربما ورثت عن أبيها … أبوها أيضًا كان فيه هذه اللامبالاة … لكن أنا التي توليت تنشئتها بعد ذلك، لماذا فشلت في تربيتها؟ … أتُراني بالغت في تدليلها؟ إنها كانت تكره الدراسة، وكلما هربت من المدرسة كنت أتسامح ولا أجرؤ على إرغامها، وكلما طرحت الكتاب أو مزقته تركتها تفعل … كلنا في خدمتها … لم تخدم نفسها مرة … لقد أتلفتها … أتلفت حياتها.
شعبان : لا تعذبي نفسك بهذه الأفكار، أرجوك … ما من أحد يتلف حياة أحد … كل إنسان مسئول عن حياته.
فاطمة : نتركها هكذا في هذا الضياع؟!
شعبان : إنها ليست أول ضائعة ولا آخر ضائعة!
فاطمة : ماذا يمكن أن تصنع مثل هذه في الدنيا لو فُرِضَ وانقطع إيرادها؟! أي عمل تُحسنه؟ … إن فكرة العمل نفسها لا تعرف لها وجودًا ولا معنى، أنا وأنت مثلًا نستطيع أن نقوم بأي شيء لكسب لقمتنا.
شعبان : ثقي أنها ستأكل … وستجد دائمًا من يؤكِّلها! … اطمئني! الدنيا ما زالت زاخرة والحمد لله بالعاطلين والفارغين والعابثين يعمرون البلاجات واليخوت والكباريهات، هنا وفي بقاع كثيرة من العالم!
فاطمة : آه … ليس أشق من حمل مسئولية الأولاد! … خصوصًا في حالتي.
شعبان : حالتك؟ … ما لها حالتك؟!
فاطمة : أنت لا تعرف … لو عرفت لعذرت!
شعبان : أعرف ماذا؟
فاطمة : حقيقة حالي.
شعبان : قولي لي إذن … أرجوك!
فاطمة : لا … لا أستطيع.
شعبان : ما هو المانع؟ … ماذا يمنعك من أن تقولي لي؟
فاطمة : لم يحن الأوان بعد.
شعبان : أنا إذن … لست بعدُ محل ثقتك.
فاطمة : ليست مسألة ثقة.
شعبان : اسمعي يا فاطمة هانم … اسمحي لي الآن أقول لك يا فاطمة … وأرجوك أن تعتبريني صديقًا … إني أراك في حاجة إلى صديق.
فاطمة : هذا صحيح.
شعبان : لا تخفي إذن عني شيئًا … واعتمدي على إخلاصي … سأكون في خدمتك، ثقي من ذلك.
فاطمة : إني واثقة، لكني … لست في حل …
شعبان : لستِ في حل من ماذا؟ تكلمي يا فاطمة … كل ما أريد هو راحتك والتخفيف عنك … هذا واجبي … لا يصح أن أتركك هكذا معذبة بأشياء أجهلها.
فاطمة : دعني أفكر.
شعبان : أمرك.

(ينهض.)

فاطمة : أتنصرف؟
شعبان : بعد إذنك.
فاطمة : أرجوك يا شعبان لا تغضب مني.
شعبان : أنا أغضب منك؟! … لماذا؟
فاطمة : قد تظن أني غير واثقة فيك، إني على قصر المدة التي تعارفنا فيها أشعر أنك صديق يمكن الاعتماد عليه.
شعبان : وسأكون دائمًا عند حسن ظنك.
فاطمة : وسأكون لك بدوري مخلصة، تأكد!
شعبان : أنا متأكد.
فاطمة : اسمع يا شعبان، خذوا بالكم من منير … أنا غير مرتاحة!
شعبان : غير مرتاحة؟!
فاطمة : لست أدري ما الذي حشره معكم؟ … إنه لا يدخل في عمل إلا ليكسب من ورائه شيئًا.
شعبان : ونحن أيضًا نكسب.
فاطمة : ليس نفس الشيء، على كل حال فتحوا عيونكم!
شعبان : عيوننا بخير … والظاهر لنا أنه هو الخسران في الشغلة.
فاطمة : أتظن ذلك؟
شعبان : حتى الآن هذا مؤكد.
فاطمة : أنا غير متأكدة.
شعبان : لا تخافي علينا! … كوني أنت في نفسك … وهدئي بالك … وأريحي أعصابك وارفعي معنوياتك وانظري إلى الدنيا بروح طيبة مرحة متفائلة.
فاطمة : اليوم أشعر بذلك فعلًا … بفضلك يا شعبان.
شعبان : العفو يا فاطمة، متى سنتقابل!
فاطمة : اتصل بي بالتليفون … مساء الخميس القادم … مثل اليوم.
شعبان : بعد أسبوع بطوله؟!
فاطمة : هذا هو اليوم الذي يناسبني.
شعبان : أمرك … والآن …
فاطمة (تمد يدها إليه) : إلى اللقاء يا شعبان.
شعبان : ألا تنصرفين معي؟
فاطمة : لا … سأبقى هنا.
شعبان : وحدك؟ … في هذا المنزل؟!
فاطمة : نعم، قليلًا.
شعبان : مع الأشباح؟!
فاطمة : نعم … مع الأشباح.
شعبان : وهو كذلك … أذهب أنا إذن.
فاطمة : مع ألف سلامة!
شعبان (قبل أن ينصرف) : تسمحين يا فاطمة؟ …

(يقبلها.)

فاطمة (بتأثر وامتنان) : متشكرة يا شعبان!

(ينصرف وهي تشيعه بعينيها.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤