شعر [١–١٠ من ٤٨ كتاب]

غلواء

إلياس أبو شبكة

«الحدَّة» و«المبالغة» و«أول الأشياء»؛ هذا بعض ما تَحصل عليه من معانٍ حين تُطالع المعاجم بحثًا عن كلمة «غلواء». فما هي «غلواء» شاعرِنا «إلياس أبو شبكة»؟ أو بالأحرى مَن هي تلك التي يَدعوها «غلواء»؟ هل كانت حبيبته الأولى؟ هل هي مَن أذاقته أوَّلَ الحُبِّ، عذابَه وأعذبَه، وجوائزَه؟ هذا جائز، وإن أنكر شاعرنا هذا المعنى في مُفتتَح ديوانه، زاعمًا أنَّ «غلواء» ما هي إلا صنيعة خياله الشعريِّ المجرَّد، وليس في ملامحها مِن مَشاهد شبابه وصباه إلا النزْر اليسير. والقارئ في تنقُّله بين قصائد هذا الديوان الدافقة المترابطة يرى كيف أنَّ ذلك النزْر اليسير من العاطفة والشعور الحقيقيَّين قد صبغ الشِّعر صبغةَ الصدق، وغذَّى الروح الشاعرة لتفيض حرارةً وصورًا خلابة.

نداء القلب

إلياس أبو شبكة

يمكن اعتبار هذا الديوان القصير للشاعر الرومانسي الثائر «إلياس أبو شبكة» بمثابة ألبومٍ حيٍّ يحتوي على لوحات شعرية نابضة بالحياة، ذات تراكيب لغوية مبتكرة، وصور خيالية غير شائعة؛ مثل قوله: «عصرتُ فؤادي في إناء الهوى» في قصيدة «الإناء»، وقوله: «أَيَا قبلةً مرَّتْ على ضفَّتَيْ فمي» في قصيدته «أعذب الشعر»، وغير ذلك من التراكيب الجديدة التي عكست سعةَ خياله وعذوبةَ ألفاظه، وإنْ حمَلَ بعض القصائد شيئًا من قلقه ورؤيته القاتمة للحياة، الأمر الذي ظهَرَ جليًّا في أبيات قصيدة «الإناء»؛ وذلك لأن إلياس يحب أن يكون شعره حديثًا من القلب لما يعتمر في نفسه من مشاعر مختلفة، يودُّ أن يُشْرِك فيها القارئ علَّ ذلك يُسكِن روحه؛ فكان عنوان الديوان «نداء القلب».

حُب ابن أبي ربيعة وشعره

زكي مبارك

لم يكن في قريش أشعر منه، لشعره روعة في النفس، ونشوة في القلب؛ لسهولته، وأناقة لفظه، وحسن وصفه، وملاءمته لهوى النفس في نعت الجمال، ووصف المرأة. فتى قريش المُدلل «عمر بن أبي ربيعة» ساعده نسبه وترفه أن يقول من الغزل ما لم يجرؤ أحد على قوله، فكان يلتمس موسم الحج من كل عام، فيصف النساء حتى ولو كُنَّ بالحرم يطوفن. والكتاب الذي بين أيدينا «حُب ابن أبي ربيعة وشعره» يضع شاعرنا في مرمى النقد، ويتهمه في حُبه، فيُبرز لنا ما خفي من نفسية هذا الشاعر الذي أثار كُل الجدل في زمانه وبعد موته، فوقف على دقات قلبه، وخطرات فؤاده، فأبرز لنا أيضًا ما تفرَّد به من شاعرية، وكيف كان يراه شعراء زمانه فكان له صفة تُميِّزه عن غيره وتفضِّله عمَّن سواه.

أفاعي الفردوس

إلياس أبو شبكة

الشعر مرآة صادقة يُعبر عما يجول في ذات الشاعر وما يخالجه من مشاعر. ولكن بمرور الزمن تحول الشعر إلى مجرد صنعة، ووضعوا لها القيود التي تحكم الصنائع؛ فخرج الشعر عن الدور المنوط به. ودخل عدد من الشعراء في معارك حول نظريات وضعوها ليضيقوا على أنفسهم، وكثرت المدارس الشعرية التي حشدت المؤيدين وتبادلت الاتهامات مع مخالفيها. فراحَ «إلياس أبو شبكة» يحاول أن ينأى بنفسه عن تلك الصراعات — وإن لم ينجح تمامًا — مؤكدًا أن الشعر يجب أن يتحرر من كل ذلك. ويتميز هذا الديوان بأن قصائده كُتبت في فترات زمنية مختلفة، وكذا بتنوع موضوعاته؛ حيث راح الشاعر يقتطف من ثمرات القصيد ما يروي به ظمأ المتعطِّشين لحلاوة الشعر.

الكائن الثاني

أحمد زكي أبو شادي

لم تقتصر إسهامات مجددي الشعر العربي الحديث على إتحافنا بالقصائد متنوعة الأغراض والأنساق، بل حرصوا — ومن بينهم «أحمد زكي أبو شادي» — على تقطير رسالاتهم الأدبية والشعرية، وإلحاقها بقطار الثقافة العربية الجديدة. ومن هنا تأتي أهمية المقدِّمة القيِّمة التي قدَّم بها الشاعر لمجموعته الشعرية التي انتقاها بعناية لتضمَّ خمسًا وعشرين قصيدة، ضمَّنها من المعاني الخفية ما يظهر فيه التمرد على الصور الشعرية المستهلَكة، وكذلك الانحياز إلى موسيقى المعنى لا موسيقى اللفظ المُصطنَعة، فهو يُنوِّع القوافي تبعًا لتنوُّع المعاني وعُمقها لا العكس، ويُطوِّع اللغة لتستوعب وعيًا شعريًّا فريدًا يتمثَّل قيم الجمال المجردة، ويرى العالم بعين الحقيقتين الإنسانية والعلمية، فينفذ إلى القلوب والعقول على حدٍّ سواء، بشاعرية مطبوعة، ودون تكلُّف.

أنشودة المطر

بدر شاكر السياب

يَعُدُّ النُّقَّاد ديوان «أنشودة المطر» للشاعر العراقي «بدر شاكر السياب» من أهم دواوينه التي أحدثت نقلة في الشعر الحر، الذي يُعَدُّ السياب من رواده الأوائل. والسياب صاحب أسلوب شعري مميَّز لا يتحرَّج من استخدام بعض الألفاظ الدارجة والمستمَدَّة من الثقافة الشعبية؛ الأمر الذي يعكس حُبَّه الذي يقترب من الوَلَه لبيئته العراقية، خاصة قريته الأثيرة «جيكور» التي طالما تغنى باسمها في قصائده. كما يميل بشدة للمدرسة الرمزية، حيث يعبر بألفاظ موحية عن معانٍ كبرى؛ الأمر الذي نجده واضحًا في قصيدته «أنشودة المطر»، فالمطر يعكس حزنه كالقطرات المتساقطة التي تبدو كدموع تُهْرَقُ على وطنه «العراق»، الذي تلاعب المستعمر بمستقبل أبنائه ومُقَدَّرَاتِ بلدهم، وترك لهم الفقر والصراعات الدموية.

ديوان عبد الرحمن شكري

عبد الرحمن شكري

عبد الرحمن شكري هو رسولُ الوجدانِ الإنساني الذي يُجْلِي مَرَايَا النفس الإنسانية في ثوبٍ شعري، فهو صاحب الكلمة الشعرية الصادقة في تعبيرها عن المفهوم الجديد للشعر لدى جماعة الديوان، وديوانه هذا خير سفير ينطقُ بلسان وجدانيته في الشعر حيثُ تَحَدَّث في هذا الديوان عن الحياة والموت والحب — هذا الأخير الذي يمثل عنده الحياة ومحور الوجود — في رقةٍ وعفة تُجَسِّدُ الحب في شكلٍ صوفي معَبِّرًا عن شغف الإنسان بمعرفة المجهول من أسرار هذا الكون، مُجَسِّدًا ذلك في قصيدتهِ «إلى المجهول» التي توضح جدلية الحوار مع الذاتِ والحياة. ويمزجُ شكري في شعرهِ بين الخيال والفكر، وينأى بأشعاره عن التكلُّف؛ فيُرِينَا عيون الندى على خدِّ الزهر بألفاظٍ سهلةٍ عذبة يمزجُ فيها بين جمال الطبيعة وبين رقة الوجدان الإنساني؛ ولا غرْوَ في ذلك، فهو الشاعر الذي لا يمكنُ لشعره أن يُوصَف بأنه عاطفي، ولا بأنه عقلي؛ ولكنه شِعرٌ ذو طابعٍ خاصٍّ يستند إلى الاستبطان الذاتي أو التأملات النفسية.

قطرتان : من النثر والنظم

أحمد زكي أبو شادي

«قطرتان من النثر والشعر» هو كتاب صغير الحجم عميق المعنى، يلقي من خلاله أحمد زكي أبو شادي — برؤيةٍ فلسفيةٍ وشعرية — إضاءاتٍ على موضوعات عدَّة، وهي إضاءات يكتبها بالمنثور والمنظوم من الكلام، فكتابه هذا هو بالفعل قطرتان؛ قطرة منثورة يحدثنا فيها عن قانون الطبيعة ومسرح الحياة وحياة اللغة وماهية الشعر والفن وطبقة الشعراء وفظائع الحرب وغيرها، وقطرة منظومة يقرض من خلالها الشعر في أجمل صور الرومانسية الطبيعية فيحدثنا عن النيل والكروان والفاكهة والحب، ومن اللافت في هذا الكتاب أن وِحْدَتَه الكامنة خلف تنوُّع موضوعاته تكمن في تركيزه على الطبيعة والعاطفة والوجدان وهي موضوعات تتسم بها كتابات أعضاء مدرسة أبولو وعلى رأسهم مؤسس هذه المدرسة أحمد زكي أبو شادي.

الألحان: ومقتطفات من غلواء

إلياس أبو شبكة

ربما يملك الشعراء آذانًا حساسةً مُرهفةً، تُسمعهم ألحانًا سرية عذبة يصنعها الكون وقد انتظمت عناصره فيما يشبه الجوقة الكبيرة التي تحفظ الكثير من الأغاني الرائعة المتجددة؛ فتنطلق في موسم الحصاد منشدة بسعادة ألحانًا يملأها البِشر والأمل، تشدُّ من أزر الفلاحين وتحمِّسهم، وتصنع من حركاتهم النشيطة والخيوط الذهبية لأشعة الشمس الساقطة على الزروع الخضراء لوحةً حيةً رائعة، كمشهدٍ من فيلمٍ غنائيٍّ للأطفال، وتتعاقب الفصول المناخية؛ فالشتاء الوقور له ألحانه المميزة التي لا تخلو من الحزن والخوف، تردِّدها الزعابيب والعواصف، بينما تقرع الأمطار الطبول استعدادًا للربيع الذي ما إن يعتلي المسرح حتى تشاركه الطيور والأطفال الصغار في عزفٍ جديدٍ سعيدٍ كلحظة الميلاد.

أغاني الدرويش

رشيد أيوب

هذا الديوان شاهد على طور من أطوار التوهُّج الفنِّيِّ لدى الشاعر «رشيد أيوب» كدرويشٍ ناهَزَ الخمسين من عمره، يقف راسخ القدم بين شعراء «الرابطة القلميَّة» الذين جمعهم الشِّعر بعدما فرَّقهم عن أوطانهم المهجر. يغنِّي الدرويش أغاني الحزن والفرح، الشكِّ واليقين، اليأس والأمل، الحرمان والامتنان، والحلم. نلمح في قصائد الديوان نغمة أسًى مع انقضاء الشباب وحلول الشَّيْب، ورقصة ابتهاج بطلعة الصبح من بعد ليل طويل، وبطيب العيش بعد صبر جميل. نقرأ شكاوى شاعر مهموم، يجيد الاهتمام، ويتقن التشكِّي، لكنه في الوقت ذاته يلاحق بدأبٍ آمالَه الضائعة، حتى وإن اقتضت الملاحقة الارتحال عن الحياة، يرحل عن جزر النسيان مبحرًا في سُبُل الحبِّ، يذكر وطنه كذكره نفسه والحبيبة، يحِنُّ، ولا ينفكُّ يرعى عهد الهوى، يهجو زمانه، لكنه يمتنُّ للحبِّ والشِّعر وصوت الناي.