الفصل الخامس عشر

كيف يستعمر اليهود فلسطين؟

يقول «إدوين صمويل» في كتابه «نظام المستعمرات اليهودية»: إن اليهودي يخرج من أوروبا، بعد أن جردته ألمانيا من ماله، هابطًا أرض فلسطين وهو على حال من الفقر والتجرد من وسائل العيش.

فهل يتركونه ضالًّا يسير على غير هدى؟ كلا، إنه ليذهب في الحال إلى إحدى المستعمرات اليهودية التي أنشأها «الصندوق القومي اليهودي» الذي يموله أغنياء اليهود في جميع أنحاء العالم.

هذا؛ ويبلغ عدد المستعمرات اليهودية في فلسطين مائة يعيش فيها ٢٥ ألفًا من السكان على أدق المبادئ الاشتراكية التي لم تصل إليها بعض دويلات الاتحاد السوفييتي بعد، فهناك يخول الفلاح أن يقتني ثلاثة أفدنة وبقرة واحدة. أما في مستعمرات اليهود فليس لأحد فيها أملاك، بل الجميع من رجال ونساء، يزرعون الأرض ويوزعون حاصلاتها زرعًا وتوزيعًا بالمساواة، وكذلك ينشئون المطاعم والمدارس والمعابد والمستشفيات، ويصنعون الملابس، ويستمتعون استمتاعًا اشتراكيًّا تامًّا.

أما ما يفيض بعد أن يتناول كل منهم حصته، فإنه يضم إلى «الصندوق القومي» لإنشاء مستعمرات أخرى على النسق ذاته.

كذلك أنشأ اليهود مستعمرات صناعية يقوم فيها العمل على النظام الاشتراكي التام.

(١) رأي المؤلف

يبدو لنا أن الاشتراكية التامة في فلسطين لم تكن النظام المقصود لذاته، بل إنه جاء مترتبًا على فكرة تشييد الوطن القومي؛ ذلك أنه لا يتحقق إلا بأن يساهم أغنياء اليهود في العالم كله في هذا، وإلا بأن يسع اليهود المهاجرين، وكثرتهم من الفقراء، أن يجدوا عيشًا رغيدًا منظمًا، ليس فيه ما يبعث على التنافس والخصومة، ومن هنا قامت المستعمرات اليهودية على الاشتراكية كما يقوم أي مشروع خيري بالمجان يعطي لكل الأفراد حصة مساوية لحصة الآخرين.

ولئن كان مما لا شك فيه أن بين المهاجرين اليهود في فلسطين قومًا من المتشيعين للاشتراكية والشيوعية، إلا أن الممولين اليهود للمستعمرات الفلسطينية هم من الرأسماليين، وحسبنا أن نذكر هنا أنه قد جمعت رءوس أموال ضخمة، دون عقد مؤتمر لهذا الغرض، وأن أهم البيوت المالية التي أرصدت مالها من أجل المشروع الصهيوني بيت روتشيلد المعروف، وقد وظفت هذه الأموال في ثلاث شركات تتولى كل منها ناحية من النواحي، وهي:
  • (١)

    شركة كارين كايمت-إسرائيل: واختصاصها شراء الأراضي من العرب. وهي تؤجر ما تشتريه لليهود ولا تبيعه لهم خوفًا من أن يتسرب عن طريق الأفراد للعرب مرة ثانية. وما تجبيه من إيراد تأجير أراضيها تشتري به أرضًا جديدة. ويحتم قانون هذه الشركة على مستأجري أراضيها ألا يسمحوا لعربي بالعمل في هذه الأرض. بل تنص في عقود الإيجار على فسخ التعاقد إذا خالف المستأجر اليهودي هذا الشرط وسمح لعربي بأن يطأ الأرض المشتراة من العرب!

  • (٢)

    شركة تحسين الأراضي: ولا يدخل اسم هذه الشركة في غاياتها وأغراضها، فهي لا تقوم بإصلاح الأراضي وتمهيدها كما يبدو من الاسم، وإنما تنحصر أغراضها في تهيئة الصفقات للشركات الأخرى. ويدخل في نطاق التهيئة المساومة والإغراء والدخول في المزايدات التي تطرح فيها أراض عربية، ولا يجوز للأفراد أن يزيدوا على الأسعار التي تعرضها هذه الشركة، ويرأس هذه الشركة «خانكين» — الزعيم اليهودي الكبير — وهو رجل مثالي وقف حياته على استخلاص الأرض من العرب بأي سبيل، في سن الثمانين، يعيش عيشة بسيطة، لا يأخذ مرتبًا عن عمله إلا ما يكفيه لحياته البسيطة، ويعيش في شقة متواضعة في أحد شوارع تل أبيب. ومجال نشاط هذه الشركة غير محدود، ولها مطلق الحرية في الشراء لحساب الشركتين اللتين تقومان إلى جانبها.

  • (٣)
    شركة البيكا Palestine Yaddish Colonisation Association أي الشركة اليهودية لاستعمار أراضي فلسطين: ومهمة هذه الشركة أن تتملك الأراضي ومن ثم تقدمها للمؤسسات اليهودية بأثمان بخسة قد تقل عن ثمن الشراء. وقد تأسست هذه الشركة بأموال البارون روتشيلد الذي كان أول من ساعد على إنشاء مستعمرات يهودية مستقلة بإقطاع الأراضي للجماعات دون الأفراد.

ولقد اقترن النشاط العظيم الذي يقوم على حشد أعظم ما يمكن حشده من المهاجرين بنشاط أعظم منه، وهو امتلاك كل ما يُستطاع امتلاكه من الأراضي من أصحابها العرب، وانتزاعها منهم بشتى الطرق ومختلف الوسائل. وتقدر مساحة الأراضي التي يمتلكونها اليوم في فلسطين بأكثر من مليونين ونصف دونم؛ أي أكثر من «٧٠٠ ألف فدان» تعد من أجود الأراضي، وتقع في المناطق الجميلة الواسعة الممتدة بين يافا وحيفا وبين يافا والقدس وحول القدس، وفي مناطق بيسان وطبريا وصفد؛ أي في شمال فلسطين ووسطها، وقد مدوا أيديهم الآن إلى غزة وبير السبع؛ أي إلى المنطقة الجنوبية الرملية، ويعادل مجموع ما امتلكوه أكثر من ثلث أراضي فلسطين الزراعية الجيدة، وما كان يزيد مجموع الأراضي التي كانت لهم قبل الحرب؛ أي في العهد التركي، على ٥٠ ألف دونم «١٢ ألف فدان»، ويزيد مجموع اليهود الذين ينزلون فلسطين اليوم على ٥٥٠ ألفًا، وما كانوا يزيدون على ٤٠ ألفًا في العهد التركي؛ أي إنهم زادوا أكثر من ١٢ ضعفًا في ٢٥ سنة.

(٢) نشاط اليهود في العالم

قلنا: إن قضية اليهود مزدوجة ذات شقين: أولهما الحركة الصهيونية التي ترمي إلى اتخاذ فلسطين وطنًا قوميًّا تمهيدًا لإنشاء دولة يهودية على حساب العرب. وقد أفضى هذا إلى الحوادث التي بسطناها. أما ثانيهما فهو ذلك النشاط أو قل ذلك النفوذ الذي بلغه اليهود، مع كونهم الأقلية في كل مكان مما كان من أثره كراهتهم واضطهادهم.

ونسارع إلى القول هنا بأن أكبر نفوذ فاز به اليهود كان في أمريكا؛ إذ كانت حياتها تدور حول المال الذي ليس هناك من يباري اليهود في ميادينه. ومع أنهم حول ثلاثة ملايين، فإن لهم نفوذًا يؤثر على ١٣٠ مليون أمريكي في انتخابات رياسة الجمهورية ومحافظة نيويورك وعضوية المحكمة العليا، ولهم في إنجلترا نفوذ كبير، فكبار ساستهم موزعون بين الأحزاب خاصة حزب العمال،١ ويملك اليهود الكثير من الصحف والمجلات. أما في فرنسا فنفوذهم عظيم في حياتها السياسية والمالية وباب التأليف والفن وأساتذة الجامعات.

وأحسب أن حركة اضطهادهم في دول المحور جديرة بأن توقظ اليهود لكي ينتهجوا في علاقاتهم مع الأكثريات منهجًا آخر، فقد دفعوا في سبيل نشاطهم المرموق ونفوذهم المحسود ثمنًا عظيمًا من الكراهية والاضطهاد والعذاب. ففي ألمانيا المحورية أخرجوا من جميع مناصب الدولة والأستاذية والمسارح والبورصات والفنون. وحرم عليهم الزواج من غير اليهود. وقصر بيعهم وشراؤهم على بني جنسهم، ووضعت لهم كراسي في الحدائق العامة لا يجلسون على غيرها، وصودرت أموالهم. وقد ذهب مئات الألوف من اليهود ضحية الاضطهاد المنظَّم الفظيع، وأيقظت الدعاية المحورية في نفوس المسلمين والمسيحيين المتأصل عندهم من الكراهية القديمة والحقد الدفين للنشاط اليهودي العظيم.

من أجل هذا نرجو أن ينهج اليهود في علاقاتهم مع غيرهم نهجًا يقضي على أسباب كراهيتهم واضطهادهم، ويجعلهم شعبًا جديرًا بالإعجاب بمجهوده العلمي والمالي، حقيقًا بالعطف والمودة.

وعندنا أنه لو أدرك زعماء الصهيونية ورجال اليهودية هذا المعنى الجميل لقدموا هم الحل العادل لقضية عرب فلسطين، ونكئوا ذلك الجرح الدامي، وقضوا على الدعاية المسمومة ضدهم.

عظماء اليهود في العالم

في مصر عدد من اليهود بينهم عظماء الطائفة، غير أن أكثرهم من أصل أجنبي، ومن أمثلة ذلك سعادة العلامة الكبير السيد ناحوم الحاخام الأكبر في القاهرة. كان من أصل تركي ثم تمصَّر، وأسرة قطاوي أصلها من النمسا. وللمرحوم يوسف قطاوي باشا — الذي كان يعد رئيسًا مدنيًّا للطائفة في مصر — مؤلفات فنية قيمة عن نظام الري والصرف والشئون المالية. وكان صديقًا لجلالة الملك فؤاد الأول، ورنيه قطاوي بك — مدير شركة أراضي وادي كوم إمبو وعضو مجلس النواب المصري — وأسرة موصيري الكبيرة أصلها إيطالي. ومن أفرادها أصحاب البنوك والشركات والمتاجر، ورجال الطب والمحاماة، وأسرة سوارس من أصل إسباني، وقامت بإنشاء بنوك وشركات أراضي الدلتا والمعادي، وسكك حديدية مع الخديو عباس حلمي وأسرة شيكوريل مشهورة بمخازنها في شارع فؤاد الأول في القاهرة، وأسرة فارحي أصلها من بلغاريا، وقد كان المعلم فارحي وزير مالية الوالي أحمد الجزار باشا، وإبراهيم فارحي أجا كان رئيس ديوان طرود الخديو إسماعيل، وإبراهيم فارحي كان مع نوبار باشا في مهمته إلى باريس، وإبراهيم فارحي الشاب صحفي يكتب في واجب الشبان غير المسلمين في الاندماج مع المسلمين وفي تطبيق الفكرة الاشتراكية في مصر على نسق ما هو جارٍ في إسكندنياوه. والبارون منشي الذي يعد منشئ بلدية منشية الإسكندرية وسموحة من أصل بغدادي، صاحب أراضي تفتيش السيوف بالإسكندرية وبتشوتو. وحاييم درة صاحب مصانع درة المشهورة في الإسكندرية.

وفي أمريكا: من عظماء اليهود في أمريكا هنري مويستان وزير المالية، ولويس براندس عضو المحكمة العليا، وجولباس روزنوالد المليونير الكبير.

وفي إنجلترا: إيمانويل شياويل — ضد الصهيونية — نائب ومن رجال حزب العمال، واللورد هربرت صمويل — الوزير والمندوب السامي البريطاني الأسبق في فلسطين، وهوربليشا — وزير الحرب الأسبق، وحاييم وايزمان — زعيم حركة الصهيونية.

وفي فرنسا: ليون بلوم، وجورج مانديل، وبنسيتس — وزير حكومة دي جول، وبرجسون الفيلسوف المعروف، وجاك هاداميد الرياضي، وذور بن جوريون من رجال الاشتراكية الصهيونية، وسالامون بولتسير وليون كان وفاهل من أساتذة الجامعات ورؤساء الكليات، وأندريه موروا وبيير لازار رئيس تحرير الباري سوار.

وفي ألمانيا: أنشتين، وفرويد صاحب النظريات المشهورة في علم النفس والتربية.

وفي إيطاليا: ليفي سيفيتا الرياضي المشهور.

ومن رجال السينما: شارلي شابلن، وصمويل جولدوين، وشنك، وملفين دوجلاس، وبول موني، وإدوارد روبنسون، وميوون ليكوف. هذا؛ وقد حدث في ٢٥ آذار سنة ١٩٢٥م «١ رمضان سنة ١٣٤٣ﻫ» أن احتج مسلمو فلسطين ونصاراها على مجيء اللورد بلفور إلى القدس لافتتاح الجامعة العبرية وأضربوا عن الأعمال. وكذلك حين زار دمشق بعدئذ أضرب سكانها محتجين في مظاهرة من خمسة آلاف. وفي ٢٨ آيار ١٩٢٥م أنذرت بريطانيا الملك حسين بمغادرة العقبة، حين وصل إليها بعد سقوط الحجاز في أيدي السعوديين. وفي نيسان ١٩٢٥م احتج الفلسطينيون لدى وزير المستعمرات البريطانية مستندين إلى عهد عصبة الأمم وعهود الحلفاء للملك حسين، وبلاغ اللنبي في جملة فلسطين، وصك الانتداب، والتصريحات الرسمية. وهم لا يغمطون لليهود حقًّا. بل لا يريدون أن يتمتعوا بحق الأكثرية العربية، ويريدون تأسيس حكومة وطنية مشتركة أمام مجلس نيابي منتخب تسن قانون الأساس «دستوره» جمعية وطنية تأسيسة. وقد ثار عرب فلسطين في ١٩٢١ و١٩٢٩ و١٩٣٤ و١٩٣٦م.

(٣) اضطرابات في فلسطين

وقع في أول نوفمبر سنة ١٩٣٨م اضطراب عام أعقبه حوادث كثيرة؛ مما أدى إلى إعادة بحث الحالة في إنجلترا.

وقد أذيع في يوم ٩ نوفمبر سنة ١٩٣٨م تقرير اللجنة الملكية «لجنة وودهود» الموفدة لبحث مشروع تقسيم فلسطين.

سياسة الحكومة البريطانية في فلسطين «بيان رسمي عنها»

  • أولًا: نشرت اللجنة الملكية برئاسة المرحوم اللورد بيل تقريرها في شهر يوليو سنة ١٩٣٧م مقترحة — كحل للمسألة الفلسطينية — مشروع تقسيم هذه البلاد إلى دولتين مستقلتين؛ دولة عربية ودولة يهودية، مع إبقاء جزء من البلاد تحت سلطة الانتداب.

    وعلى أثر نشر هذا التقرير أعلنت حكومة جلالة الملك في المملكة المتحدة سياستها في الموضوع، معلنة أنها توافق موافقة عامة على ما جاء بتقرير اللجنة الملكية من البراهين والنتائج، وأن الخطة العامة التي أوصت بها اللجنة للتقسيم لهي في رأيهم أفضل حل مُرضٍ للمعضلة.

  • ثانيًا: كان الحل الذي عرضته اللجنة مبنيًّا على ضوء المعلومات التي تمكنت اللجنة من الوصول إليها في ذلك الحين، وكان مفهومًا أيضًا يومئذ أنه من الضروري إجراء بحث آخر مدقق قبل الوصول إلى قرار نهائي في هل كان الحل المقترح يمكن تطبيقه عمليًّا. وقد صار بحث هذا المشروع في كل من البرلمان البريطاني ولجنة الانتدابات الدائمة ومجلس عصبة الأمم. وعهد بعدها لحكومة جلالة الملك بإجراء تمحيص دقيق للمشروع للتثبت من إمكان تطبيق مبدأ التقسيم.

    وفي ٢٣ ديسمبر سنة ١٩٣٧م أرسل وزير المستعمرات خطابًا إلى المندوب السامي في فلسطين يُنبِئه فيه بأن حكومة جلالة الملك قد قررت إجراء تحقيق آخر يمكنها من وضع تصميم أكثر إحكامًا وتفصيلًا مما تقدمه. وقد جاء في الخطاب المذكور أنه لا يمكن الوصول إلى قرار نهائي بصيغة عامة، بل يجب بحث المسألة بالتدقيق مرة أخرى لكي تتمكن الحكومة — عندما يعرض عليها أفضل مشروع للتقسيم يمكن الوصول إليه — من الحكم فيما إذا كان المشروع عادلًا وممكنًا تنفيذه عمليًّا.

  • ثالثًا: وقد وصل الآن إلى حكومة جلالة الملك تقرير لجنة فلسطين للتقسيم بعد أن قام أعضاؤها بمهمة التحقيق بكل دقة ومقدرة، وفيه يتضح أن هذه اللجنة قد جمعت معلومات قيمة وثمينة ستساعد أولي الأمر كثيرًا عند النظر مرة أخرى في الموضوع.

    ومما يذكر أن أربعة من أعضاء اللجنة أجمعوا على رفض مشروع التقسيم كما وضعته اللجنة الملكية، كذلك ورد بالتقرير أن اللجنة قد بحثت علاوة على مشروع اللجنة الملكية مشروعين معروفين بمشروع حرف «ب» ومشروع حرف «ج».

  • رابعًا: فبعد أن درست حكومة جلالة الملك تقرير لجنة التقسيم أدركت أن تحقيق اللجنة الأخير قد أوضح أن المشروع المنطوي على إقامة دولتين مستقلتين في فلسطين تعترضه صعوبات سياسية وإدارية ومالية عظيمة جدًّا تجعل حل المسألة أساسه بعيد الاحتمال.
  • خامسًا: بناءً على ما تقدم قررت حكومة جلالة الملك استمرار حمل مسئولية حكومة فلسطين جمعاء، إنما تواجه الآن حكومة جلالة الملك المركز الصعب الذي وصفه تقرير اللجنة الملكية، وأصبح من المتحتم عليها أن تختار الوسائل لمعالجة الحالة مع مراعاة التزاماتها نحو العرب واليهود، وهي تعتقد أن الوصول إلى هذه الوسائل غير متعسر؛ فإنه بعد أن أعارت الحكومة هذه المشكلة غاية الانتباه على ضوء التقارير التي قدمتها كل من اللجنة الملكية ولجنة التقسيم أصبح من الواضح لديها أن أَمْتن أساس يمكن تشييده لأجل نشر السلام والنجاح في فلسطين هو أن يسود التفاهم بين العرب واليهود هناك، وأن حكومة جلالة الملك مستعدة أن تبذل غاية الجهد في بداية الأمر لتشجيع هذا التفاهم.

    فلأجل الوصول إلى هذا الغرض قد ارتأت الحكومة البريطانية أن تدعو لمفاوضتها في لندن بأسرع ما يمكن مندوبين من عرب وفلسطين ومن الدول الأخرى المجاورة، كما أنها ستدعو معهم مندوبين عن الوكالة اليهودية وذلك لأجل المفاوضة في السياسة التي ستتبع في المستقبل في فلسطين وإقرار مسألة الهجرة إليها. أما فيما يختص بمندوبي عرب فلسطين فإن حكومة جلالة الملك يجب أن تحفظ لنفسها الحق في رفض أي زعيم من الزعماء الذين تعتقد بمسئوليتهم في حملة القتل والعنف.

  • سادسًا: تأمل حكومة جلالة الملك بأن هذه المفاوضات العتيدة في لندن ستساعد على الوصول إلى اتفاق فيما يتعلق بسياسة فلسطين في المستقبل. وعليه إذا لم تسفر المفاوضات في لندن عن الوصول إلى اتفاق في زمن معقول؛ فإن حكومة جلالة الملك ستتخذ لنفسها قرارًا على ضوء التحقيق الذي تم إلى الآن في الموضوع، وعلى ضوء المباحثات بلندن، وتعلن حينئذ السياسة التي ستقرر اتباعها.
  • سابعًا: وستأخذ حكومة جلالة الملك بعين الاعتبار على الدوام عند بحث وتقرير السياسة التي ستتبع الصفة الدولية للانتداب الذي عهد به إليها والالتزامات الناتجة عنه.

(٤) الإرهاب اليهودي في عام ١٩٤٤م

وفي سنة ١٩٤٤م، نشطت الجمعيات الثورية اليهودية مرة أخرى في فلسطين، كان من عواقبها، أن أفضى في صدد ذلك وزير المستعمرات البريطانية يومئذ، مستر إليفر ستانلي، ببيان جاء فيه ما يلي:

في ليل ٢٧ سبتمبر سنة ١٩٤٤م، اعتُدي على أربعة مراكز للبوليس. وكان المعتدون من أعضاء جمعية «إيرجون رقاي ليومي»، وهي هيئة عسكرية تابعة للجمعيات الصهيونية الجديدة. وقام بوضع خطط الاعتداء وتنفيذها قوة تقدر بنحو ١٥٠ رجلًا على الأقل مسلحين بالقنابل والأسلحة الأوتوماتيكية. وقتل عدد من جنود البوليس الفلسطيني. ومن السكان المدنيين. وأصيبت بنايات البوليس بخسائر فادحة. وقتل عدد من الإرهابيين أيضًا، وقبض على اثنين منهم، أصيب أحدهما بجرح، واستولت السلطات على كميات من الذخيرة، وعلى قنبلتين، ورايات لهذه الجمعية، وفي صباح يوم ٢٩ سبتمبر اغتيل المستر ويلكن، وهو ضابط بوليس بريطاني كبير من رجال قسم المباحث الجنائية في أثناء ذهابه إلى مكتبه في القدس. ونجا القتلة، وفي ليل ٥-٦ أكتوبر أغار خمسون شخصًا على مكاتب «مصلحة الصناعات الخفيفة»، ومخازنها في تل أبيب. وكان بعض المغيرين مسلحًا، ونقلوا منسوجات تبلغ قيمتها ١٠٠٠٠٠ جنيه. وقد أعلن هؤلاء المغيرون أنهم أعضاء جمعية «إيرجون زفاي ليومي».

وليس من شك في أن هذه الاعتداءات التي يراد بها الترويج لأغراض سياسية تعوق سير الجهود التي تبذلها الدول المتحالفة في سبيل الحرب بصورة خطيرة، وهي من صنع طائفة صغيرة نسبيًّا من المتطرفين. وقد استنكرها المسئولون من زعماء اليهود في فلسطين وفي جميع أنحاء العالم.

وإني لعلى ثقة بأن مجلس العموم كله سيشترك معي في استنكار هذه الاعتداءات، وفي إبداء العطف على ضحايا هؤلاء السفاحين المجرمين. «هتاف».

ولما سأل الكولونل أرثو إيفانس العضو عن حزب المحافظين عن الطريقة التي حصل بها هؤلاء الرجال على هذه الأسلحة الأوتوماتيكية والذخائر وعن التدابير التي اتخذت لإعادة النظام إلى نصابه، قال المستر ستانلي في رده: إنه في خلال السنوات الخمس الماضية كثرت حركة تنقلات الجنود في الشرق الأوسط، ولا شك في أن كمية معينة من الأسلحة قد سرقت أو بيعت لهم في بعض الحالات.

وتكلم بعده الأيرل ونترتون من المحافظين فقال: هل يعلم المستر ستانلي أن الذين لهم اتصال منا بالشعب هناك «أي في فلسطين» قد جزعوا للمعلومات التي وصلت إليهم، وهي معلومات تدل على أن الفريقين يتسلحان استعدادًا لحرب أهلية بعد هذه الحرب؟ فهل للمستر ستانلي أن ينظر في أمر إصدار «كتاب أبيض» في هذا الموضوع؛ حتى يدرك أهل هذه البلاد «إنجلترا» خطورة الحالة، ويشعروا بما تعانيه الحكومة في فلسطين من ضغط لا يحتمل؟

فأجابه المستر ستانلي بقوله: إنه من أهم الأشياء أن يدرك الناس خطورة الحالة هناك، وسأنظر في الطريقة التي أستطيع بها إبلاغ الجمهور البريطاني في الأمر.

ثم رد على سؤال آخر بقوله: إن حمل الأسلحة من غير تصريح يعد جناية.

السكان اليهود ومعاونتهم للسلطات

وتساءل المستر جون ماك «من العمال» عما إذا كان المستر ستانلي سيُبيِّن بوضوح أن أعمال هذه الطائفة الصغيرة جدًّا في فلسطين لم تُثر استنكار زعماء اليهود المسئولين وحدهم. ولكنها أثارت استنكار كل سكان فلسطين اليهود أيضًا، وأنهم يعتزمون تقديم كل مساعدة ممكنة للسلطات في فلسطين حتى لا تتكرر أمثال هذه الأعمال.

فرد عليه المستر ستانلي بالإيجاب، ثم مضى فقال: إن الاستنكار اللفظي لا يكفي وحده بطبيعة الحال، والذي نريده نحن ونرجو أن يتحقق، هو أن نلقى تعاونًا فعالًا من جميع السكان اليهود في فلسطين. «هتاف».

بلاغ رسمي

وفي أكتوبر سنة ١٩٤٤م، أصدر القائم بأعمال الحكومة في فلسطين، والقائد العام لقوات الشرق الأوسط: البلاغ الرسمي التالي:
يرغب القائم بأعمال الحكومة في فلسطين، والقائد العام لقوات الشرق الأوسط، بعد أن تبادلا الرأي في الحالة القائمة في هذا البلد، في أن يطبعا في نفوس الجمهور، وخاصة الجمهور اليهودي، التصريح التالي:

لقد تمتعت فلسطين، بفضل الجهود والتضحيات التي بذلتها القوات البريطانية وقوات الدول المتحالفة مدى خمس سنوات، بالحصانة الفعلية من ويلات الحرب التي أنزلت النكبات والآلام التي لا توصف بغيرها من البلاد.

على أن فلسطين كانت — منذ أوائل هذه السنة — مسرحًا لسلسلة من الجرائم المروعة التي اقترفها رجال الإرهاب من اليهود عمدًا أملًا في الوصول، بطريق القوة إلى حالة تساعد على تحقيق أغراض سياسية. وقد قتل رجال الأمن العام من الضباط والجنود في غير ما حرج وهم يؤدون واجبهم في سبيل الدفاع عن الأرواح والممتلكات، وكذلك قتل الأبرياء من عابري السبيل، ودَمَّرَت المواد المتفجرة والنيران بنايات الحكومة بما تبلغ قيمته عشرات الألوف من الجنيهات. وحاول المجرمون أيضًا اغتيال ممثل صاحب الجلالة البريطانية في كمين نصبوه له وقد نجا بعناية إلهية.

وتجري هذه الأعمال الإجرامية جنبًا إلى جنب مع أقسى مراحل النضال العصيب بين الدول المتحدة وألمانيا النازية، وهو أفظع جلاد بغيض عرفته اليهودية في تاريخها.

(٥) مقتل اللورد موين

وقد حدث في نوفمبر سنة ١٩٤٤ أن اعتدى يهوديَّان متنكران على اللورد موين وزير الدولة البريطانية في الشرق الأوسط حين خرج من داره في الزمالك، واستطاع الكونستابل النوبي المصري الأمين محمد علي القبض عليهما، وقد حكمت عليهما المحكمة العسكرية العليا المصرية بإعدامهما، ونفذ الحكم فيهما في عام ١٩٤٥.

وقد صدر في ١٢ نوفمبر ١٩٤٤ بيان رسمي بالقرار الذي أصدره المرحوم أحمد ماهر باشا — رئيس الوزارة ووزير الداخلية يومئذٍ — بترقية الكونستابل الأمين محمد عبد الله ترقية استثنائية إلى الملازم الثاني المحلية والعسكري محمد زعفران إلى رتبة أومباشي «مكافأة لهما على الخدمة الممتازة التي قاما بها لمصلحة الأمن العام في القبض على قاتلي اللورد موين.»

ثم جاء في البيان أن دولته رأى توزيع المكافآت الآتية عليهما وعلى الذين اشتركوا معهما في اعتقال القاتلين. وهذه المكافآت هي: ألف جنيه: الأمين محمد عبد الله أفندي و٥٠ جنيهًا:كل من فهمي سليمان «طاهي اللورد موين»، والأومباشي محمد زعفران، و٢٥ جنيهًا: كل من البوليس الملكي محمد بدر والعسكري علي راغب.

وهذا عدا مكافأة قدرها ٥٠ جنيهًا منحتها إدارة الأمن العام لسائق سيارة راضي بك.

اليهود يستنكرون الحادث

وقد تلقى دولة رئيس الوزراء على أثر هذا من رئيس الوكالة اليهودية في فلسطين البرقية الآتية:

الهيئة اليهودية كلها بفلسطين والشعب اليهودي في جميع أنحاء العالم شعروا بصدمة مروعة بسبب ما وقع بالقاهرة في وضح النهار من مقتل لورد موين الوزير البريطاني المقيم بالشرق الأوسط، وإننا لنعتبر القاتلين خائنين لقضية شعبهما، ونعطف كل العطف على مركز الحكومة المصرية التي قد تكون شعرت بالحرج من جراء هذه الجريمة، ونكون شاكرين إذا وافقتم على نشر هذا التلغراف في الصحف المصرية.

النشاط العربي السياسي والاقتصادي

نشط العرب الفلسطينيون لمناهضة الهجرة اليهودية والوطن القومي اليهودي، من ذلك أنه قامت في فلسطين أحزاب عربية، توحدت في ١٩٣٦م باسم «اللجنة العربية العليا» التي كان يرأسها فضيلة السيد أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، ثم انفصل عن اللجنة حزب الدفاع، ويعد حزبًا معتدلًا قليل الأنصار.

أما من الناحية الاقتصادية، فقد تم إنشاء المؤسستين الكبيرتين اللتين نهضتا لحمل رسالة النشاط الاقتصادي، وهما البنك العربي، وصندوق الأمة العربية. قد اتجهتا إلى هاتين الناحيتين بالذات، فالبنك العربي، وهو أقدم مؤسسة عربية اقتصادية، تأسس منذ خمسة عشر عامًا لينهض بالمشروعات الاقتصادية وتموين الصناعة والتجارة الفلسطينية على نطاق كان محدودًا أول الأمر، واتسع في السنوات الأخيرة اتساعًا ارتفع برأس ماله من ١٥٠٠٠٠ من الجنيهات إلى ١٠٠٠٠٠٠ عام ١٩٤٣م، ثم إلى ٢٠٠٠٠٠٠ من الجنيهات في ١٩٤٤-١٩٤٥م، كما أعلن أخيرًا، منها مليون لرأس المال ومليون للاحتياطي، أما صندوق الأمة العربية فهو المؤسسة التي تقوم بمهمة استنقاذ الأراضي وإدراك ما يوشك أن يقع منها في أيدي الصهيونية. وهو بهذا يقوم بمهمة المقرض لمن يوشف أن يبيع أرضه.

وهذا هو الإعلان الذي نشره البنك في الصحف:
البنك العربي
شركة محدودة الأسهم مركزها القدس
فروعه القدس، يافا، حيفا، نابلس، عمَّان، أربد، دمشق، بيروت والقاهرة
بدئ الاكتتاب في الأسهم الجديدة

تنفيذًا لقرار الجمعية العمومية في اجتماعها السنوي بتاريخ ٩ فبراير سنة ١٩٤٥م، قرر البنك العربي أن يصدر ١١٢٥٠٠ سهم عادي لاكتتاب الجمهور في فلسطين وسوريا ولبنان وشرق الأردن والعراق ومصر والمهجر وسائر البلاد العربية بسعر عشرة جنيهات فلسطينية للسهم الواحد بموجب شروط الاكتتاب الموجودة في مركز البنك وفروعه، وبواسطة بنك الرافدين في بغداد، على أن لا يقل كل اكتتاب عن خمسة وعشرين سهمًا، ويبتدئ الاكتتاب في أول شهر أبريل سنة ١٩٤٥م.

وبهذه المناسبة ننشر أرقامًا عن مركز البنك ونسبة الأرباح الموزعة على المساهمين في خلال السنوات الثلاث الماضية:

سنة ١٩٤٢ سنة ١٩٤٣ سنة ١٩٤٤
جنيه ف جنيه ف جنيه ف
رأس المال المدفوع بكامله ١٠٥٠٠٠ ٢٥٠٥٠٨ ٥٥٠٠٠٠
مجموع الاحتياطي المدفوع بكامله ٥٣٨٦٦ ١٦٠٢٤٣ ٤٧١٦٦٠
مجموع الأرباح الصافية ٤٣٨٣٢ ١٠٤٧٨٣ ٢٠٨٢٩٨
حصص الأرباح الموزعة عن كل ١٠٠ جنيه ف ٢٥٦٥٢ ٦٤٢٧٤ ١٢٢٢٥٤
١٢ ٣٢ ٢٤

(٦) من الأحق بفلسطين العرب أم اليهود؟«مناقشة بين العالمين: حتى وآنشتين»

أولهما الدكتور فيليب حَتَّى؛ لبناني عربي متجنس بالأمريكية، وثانيهما العلامة آنشتين؛ من أصل ألماني ومقيم في أمريكا الآن. وقد أدلى الدكتور فيليب حتى الأستاذ بجامعة برنسون ببيان إلى لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي يبسط فيه وجهات نظر العالم العربي والإسلامي في المسألة الصهيونية ردًّا على اقتراح عرض على اللجنة مفاده أن حكومة الولايات المتحدة يجب أن تتخذ التدابير اللازمة لفتح أبواب فلسطين في وجه اليهود. وقد نشر هذا البيان في جريدة أمريكية وهذه خلاصته:

وقد نشرت مجلة «المصور» في ١٤ يوليو سنة ١٩٤٤م رأي الدكتور فيليب حتى قال: إن التفكير في إنشاء دولة يهودية في فلسطين حركة مفتعلة تستند إلى أموال دولية. بيد أنه لا رجاء في نجاحها أو تحقيقها. وهي تبدو كمغالطة تاريخية، لا في نظر الخمسين مليونًا من العرب فحسب — وأكثرهم من سلالة الكنعانيين الذين نزحوا إلى البلاد قبل أن تطأ أقدام العبرانيين أرض فلسطين بزمان طويل — وإنما في نظر العالم الإسلامي بأسره.

والمجتمع الإسلامي مجتمع قوي عزيز الجانب يبلغ عدد أفراده زهاء ٢٧٥ مليون نسمة، يقيمون في رقعة متسعة مترامية الأطراف من القارتين الأفريقية والآسيوية. فلو حدث أن تحقق البرنامج السياسي لأنصار الصهيونية ودعاتها بفضل معاونة بريطانيا وأمريكا، فكيف يتسنى لدولة يهودية أن تبقى وتعمر وسط العالم الإسلامي في جو مشبع — باعتبار ما سيكون — بالنفور والعداء؟ وليكن معلومًا أنه لم يحدث قط أن اتحدت آراء العرب والمسلمين وأجمع الكل على سياسة واحدة إزاء مشكلة من المشكلات مثل هذا الاتحاد والإجماع. فقد توالت الاحتجاجات من جميع البلدان الإسلامية من مراكش حتى شبه جزيرة الملايو ضد الصهيونية، وقرر الجميع وجوب وقفها عند حدها.

•••

لقد كانت القدس القبلة الأولى التي يمم المصلون المسلمون وجوههم شطرها قبل أن يولوا وجوههم صوب مكة، فالقدس في نظر المسلم «الحرم» الثالث الذي يلي مكة والمدينة في المنزلة، وهبها المولى عز وجل للمسلمين المجاهدين. لذلك كان تخليهم عن حقوقهم في فلسطين تهاونًا في عقيدتهم، وإخلالًا بأحكام دينهم. ثم إن بيت المقدس أكثر قدسية عند المسيحيين الذين يبلغ عدد المتوطنين منهم في فلسطين قرابة ١٣٠ ألف نسمة.

وهذه المقاومة العنيفة للحركة الصهيونية من جانب العرب لا تعني عداءً لليهود، ولا تنطوي على بغض للجنس السامي أو تحامل عليه، فهم يعلمون أنهم ساميون مثلهم، وأن بين اليهودية والإسلام علاقة متينة تكاد تكون أقوى من علاقة كل منهما بالمسيحية. كما أن اليهود لم يحظوا في العصور الوسطى أو الحديثة بمعاملة أفضل مما لاقوه في البلاد العربية الإسلامية.

•••

إن العرب والمسلمين عاجزون عن معرفة الأسباب التي من أجلها يتحتم أن تحل مشكلة اليهود على حسابهم! إن قلوبهم تخفق بالعطف على اليهود المضطهدين، ولكنهم لا يدركون لماذا لم يرفع المشرع الأمريكي — وقد وقف مناصرًا ليهود أوروبا ومدافعًا عنهم — الحواجز والقيود في سبيل قبول المهاجرين منهم الذين يتسنى للملايين منهم الإقامة في براري «الأريزونا» و«تكساس» الخالية من السكان والعمران.

إن كثيرين من علماء الأمريكان وأغنيائهم أدوا خدمات جليلة للشرق، ولهم فيه جولات موفقة في ميادين الخدمة العامة، وقد كان هدف الكثيرين ممن أقاموا في الأقطار العربية العطاء لا الأخذ، والخدمة والتضحية لا الإفادة والكسب، مجردين من المطامع والأهواء الاستعمارية؛ لذلك فازوا بثقة الشعوب الإسلامية والعربية، وأصبحت للأمريكان في نفوسهم مكانة رفيعة جليلة. ولكن هذه الثقة عرضة للتحلل والانهيار إذا أصرت أمريكا على موقفها من المسألة الصهيونية.

إن الشعب الأمريكي لا يقف اهتمامه عند حد كسب هذه الحرب، بل يتعداه إلى المساهمة في بناء عالم جديد يسوده الاستقرار والوئام، وتنعدم فيه أو تكاد أسباب الخلاف ودواعي التشاحن والشقاق. وليس هناك ما يدعو إلى القلق والاضطراب أكثر من إنشاء حكومة يهودية في فلسطين على حساب العرب والمسلمين.

وقد رَدَّ على الدكتور حتى، العالم المعروف آنشتين، وهو الآن أستاذ الجامعة نفسها، ومعه الأستاذ كحلر للدفاع عن الصهيونية وحقوق اليهود فقال: المعروف أن العرب واليهود تفرعوا من أصل واحد، فهم جميعًا أحفاد سيدنا إبراهيم الذي هجر إلى فلسطين، لذلك ليس لأحدهم أن يزعم استقراره في البلاد قبل الآخر، وتدل الآراء الحديثة على أن فريقًا من الإسرائيليين نزح إلى مصر كما ورد في قصة يوسف وأن الفريق الآخر بقي في فلسطين. لذلك فإن الكنعانيين الذين اصطدم بهم اليهود عند دخولهم أرض الموعد في أيام النبي يوشع كان بعضهم من الإسرائيليين، فليس للعرب إذن أفضلية السبق في التوطن بالبلاد.

وإذا كانت القدس للعرب مدينة مقدسة في المرتبة الثالثة، فإنها لليهود المدينة الوحيدة المكرمة، ففيها تمثلت حوادث تاريخهم القديم. وإذا كانت يومًا قبلة المصلين المسلمين فقد تغيرت القبلة بعدئذ، ولا يجوز أن تتخذ طقوسًا عَفَت ودرسَت أساسًا لمزاعم العرب في فلسطين. إن اليهود في دفاعهم لا يلجئون إلى القوة ولا إلى الحقوق التاريخية، فالاستناد إليها لا يجدي بكثير أو بقليل؛ لأننا لو اتخذنا الحوادث التاريخية مقياسًا للأحقية لاحتفظت شعوب قليلة بحقها في أوطانها، ولسقط حق الكثيرين فيها. يقول الدكتور حتى: إن العرب لا يفهمون لماذا لا تحل المشكلة إلا على حسابهم، وهي مشكلة ليست من صنعهم ولا دخل لهم فيها ولا جريرة. والحقيقة أنهم بانتصارهم في الحرب التي شنوها على فلسطين واستيلائهم عليها قد ساهموا بنصيب في إيجاد المشكلة، وإن كان نصيبهم أقل من غيرهم من الشعوب نسبيًّا.

ومن الغريب أن الموقف الذي يتخذه العرب حيال اليهود يعدل تمامًا موقف شعوب العالم أجمع نحونا، ولكن هناك فارقًا بين العرب وبقية الشعوب، فكل شعب له وطن واحد لا علاقة له بالتقاليد اليهودية، أما العرب فإنهم يمتلكون أربع ممالك؛ المملكة العربية السعودية وبها جميع البلاد العربية المقدسة واليمن والعراق وشرق الأردن، هذا لو تركنا جانبًا مصر وسوريا ومستعمرات شمال أفريقيا، وفلسطين هي المكان الوحيد في العالم الذي يتصل اتصالًا وثيقًا بتاريخ اليهود من صنوف العذاب والحرمان والاضطهاد منذ أن غادروا وطنهم وشتتوا على وجه البسيطة هنا وهناك! لذلك فإن الحركة الصهيونية أو بعبارة أوضح حركة البحث عن ميناء يهرع إليه اليهود ويتحصنون فيه ليست حركة مفتعلة كما يقول الدكتور حتى، ولكنها الحاجة الماسة والضيق الشديد الذي دفعنا إليها.

إن اليهود على استعداد للعمل والخدمة والتضحية، وقد تمكن الشباب اليهودي ولا يزال يأمل في تحويل الأراضي العقيمة القاحلة بفلسطين إلى حقول مزدهرة ناضرة، والأماكن الجرداء المقفرة بها إلى مدن حديثة عامرة، وبذا يتسنى رفع المستوى المعيشي للعرب واليهود على السواء.

(٧) فلسطين للعرب

ثم تناول الدكتور حتى هذا الدفع ودحضه، قائلًا: عندما انتقل سيدنا إبراهيم إلى أرض كنعان «فلسطين» لم تكن خالية من السكان كما تدلنا على ذلك رواية العهد القديم، وما تسميهم الآن عرب فلسطين — وخاصة المسيحيين منهم — هم ذرية هذا الجنس الذي توطن في فلسطين قبل وصول سيدنا إبراهيم.

ثم انتقل إلى مسئولية العرب في إيجاد المشكلة عن طريق طرد اليهود من فلسطين، وأثبت أن استيلاء العرب على فلسطين كان في القرن السابع بعد الميلاد حينما كانت فلسطين إذ ذاك قد أفلتت من قبضة اليهود نهائيًّا، وأصبحت مسيحية لا يهودية.

ثم قال: وأما ضربكم على الوتر العاطفي بالتحدث عما عاناه اليهود من تقتيل وتشريد واضطهاد فإننا نرجو أن تستمع إليه أمريكا وأن تسمح بهجرة اليهود إليها، وأما حجة إصلاح أراضي فلسطين وتحسين المستوى المعيشي بها فهي حجة طالما سمعناها من الطليان بشأن طرابلس عام ١٩١٢م، وبخصوص الحبشة عام ١٩٣٥م، وهي حجة يعلم رجال الاقتصاد المطلعون على بواطن الأمور بطلانها وسخفها.

يهود يحاربون الصهيونية

في ٨ نوفمبر ١٩٤٤م، عقدت الجمعية الأخوية اليهودية في لندن اجتماعها الأول برياسة السر بزويل كوهين، وهي ترمي إلى مناهضة الروح الصهيونية، وتذهب إلى أن اليهود طائفة دينية لا جماعة قومية سياسة، وإلى اشتراك اليهود مع العرب، وتعاونهما في فلسطين، وتقوية روابط الصداقة.

قال المربرجر الحاخام الأمريكي اليهودي، رئيس المجلس اليهودي الأمريكي في سان فرانسيسكو، الذي حضر للاتصال بالمجلس المحلي في سان فرانسيسكو، ناب عن الرئيس وعميد جامعة كاليفورنيا في حركة مقاومة الصهيونية:

إن الجمعية اليهودية التي يرأسها المربرجر تعارض في نظرية القومية اليهودية أو الوحدة الجنسية، وهي تراها ضد مصلحة اليهود. كما تعارض الجمعية في كل فلسفة أو منهج يرمي إلى جعل اليهود جنسًا مستقلًّا بذاته أو جماعة؛ لأن هذا يعيد تحالف الكنيسة والدولة في العصور الوسطى. ويجب أن يكون اليهود في فلسطين فلسطينيين مشاركين سكانها في الامتيازات والالتزامات مع المسلمين والمسيحيين. ويجب أن يعود اليهود الأوروبيون إلى بلادهم التي فروا منها. وليس هناك أية هيئة يهودية لها سلطة تخولها إنشاء كتلة قومية يهودية.

هذا؛ وقد عقد في يوليو ١٩٤٥م مؤتمر صهيوني في لندن، ونشطت مكاتب الدعاية العربية في الرد على حركته وتفنيد دعوته وحجته.

١  لما كان المؤلف في لندن في سني ١٩٢٩ و١٩٣٠ و١٩٣٦م كان العمال يؤيدون استقلال مصر، على حين أنهم كانوا ينصرون الصهيونية، بينما كان المحافظون غير راضين عليها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤