الدراسة الثانية: آلية الطبيعة

١

في دراستي الأولى طرحت السؤال الذي يُعَد أساسيًّا، بالنسبة إلى الموضوع الذي أعالجه، وأعني به: هل الإنسان آلة أم ذات، وكانت النتيجة التي انتهيت إليها في تلك الدراسة هي أن الجواب يتوقف على الضروب الممكنة للمعرفة، أي على الطريقة التي تحول بها تجربتنا إلى ذات، فإن كان من الممكن صياغة كل معرفة صياغة شكلية دقيقة، فعندئذٍ يكون من الممكن، من حيث المبدأ، أن توجد آلة تُناظر الإنسان.

غير أن في وسعنا أن نلتمس معنًى أكثر إيجابية لكلمة «الذات» يكمن في الفكرة التي لدينا عما يجعل كُلًّا منا شخصًا. ولا شك أن الأفكار التقليدية في هذا الصدد قد عفا عليها الزمان؛ لأنها تصوِّر الشخص على أنه معطى، ثابت، أي على أنه شيء، وهذا يؤدي حتمًا إلى جعله جهازًا آليًّا، ولذلك فإن علينا أن ننظر إلى الذات الإنسانية على نحو مختلف كلَّ الاختلاف فالذات تنمو وتتغير دوامًا باكتسابها خبرات جديدة، والأمر الذي يميزها هو الطرق التي تتبعها في تحويل الخبرة إلى ذاتها وإلى معرفة. وسوف نهتدي إلى طابع الذات عن طريق دراسة الطريقتين المتميزتين اللتين تكتسب بهما المعرفة.

وفي هذه الدراسة سوف أبحث في إحدى هاتين الطريقتين، وهي العلم، أي معرفة طريقة عمل العالم فيزيائيًّا. ومن الملاحظ أن بعض العلماء يتحاشون لفظ المعرفة، ويؤكدون أن كل ما يفعلونه هو أنهم يكتشفون عمليات لها فعاليتها في التحكم في الطبيعة، غير أني لا أعتقد أن هذا التمييز يعني الكثير، بل إنني لا أعتقد أن المعرفة تتسم بتلك الصفات التجريدية التي تبيح لنا القيام بمثل هذا التمييز. فالرأي الذي أدافع عنه هو أن المعرفة إنما هي إعادة تنظيم للخبرة، نجمع فيه بين تلك الخبرات التي تبدو لنا متقاربة، ونفصلها من تلك التي لا تبدو لنا كذلك، وأن التحكم في الطبيعة ليتوقف على هذا الفصل ذاته بين الأفعال التي تبين أنها مرتبطة بغاية معينة، وتلك التي لا تبدو مرتبطة بها. وما النظرية العلمية والصورة العلمية للعالم بأسرها، سوى تجميع واسع الأفق لكل هذه الخبرات، غير أن هذا لا يقلل من الطابع العملي لتلك النظرية. ففي رأيي أننا لا نستطيع أن نسلك عمليًّا دون أن نُكَوِّن صورة ضمنية للعالم، تكون جزءًا لا يتجزأ من سلوكنا، ونحن لا نمارس عملنا على الطبيعة بنوبات مفاجئة، بل بتشكيل خبراتنا في نظرة مترابطة.

وسوف أقوم الآن برسم معالم صورة كهذه للعالم، وأعرض الخطوط العامة لآلية الطبيعة كما نتصورها الآن. وهدفي بعد ذلك هو أن أوضح عمليات الذهن التي وصل بها الناس إلى هذا الوصف العلمي؛ لذلك فإن مجموعة النظريات المتعاقبة التي اخترت أن أعرضها تستهدف هذا الغرض وهو كشف أساس كلٍّ من الاستدلال التجريبي والمنطقي في العلم.

٢

يبدو لنا أن أوضح وأحكم تفسير يمكننا أن نقدمه الآن للسمات الفيزيائية للعالم هو أن نتصورها على أنها منبثقة عن الحركة العادية والرائحة، لأعداد كبيرة من الجسيمات المنفصلة والجسيمات التي تكمن من وراء العالم اليومي هي الجزيئات molecules فمعظم العمليات الفيزيائية هي حركات متبادلة بين جزيئات صغيرة، ومعظم العمليات البيولوجية هي حركات متبادلة بين جزيئات كبيرة، هذه العمليات تتضمن أيضًا تبادلًا للطاقة، التي هي بدورها جسمية أو حبيبية. ومن الغريب أن العمليات الفيزيائية تتضمن عادةً تبادلًا لأعداد كبيرة من كميات (quanta) الطاقة على حين أن العمليات البيولوجية يتم فيها عادةً تبادل أعداد صغيرة.

أما الجزيئات فإنها هي ذاتها مجموعات متآزرة من الذرات، أعني عددًا قليلًا من الذرات المتجمعة في الفيزياء، وعدة آلاف منها في البيولوجيا. والذرات بدورها مجموعات من جسيمات أصغر منها وتكون أساسًا لها، هي الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات. وهكذا فإن التكوين المعماري للطبيعة يُبنى دائمًا، خطوة فخطوة، من تجمعات ثابتة من الجسيمات الأصغر. والأمر الذي يُميز تجمعًا معينًا، أي الذي يميز نوعًا من الجزيئات من نوع آخر مثلًا، أو نوعًا من الذرات عن نوع آخر، هو بناؤه الهندسي مثلما هو الجسيمات التي تدخل في تكوينه.

هذه الصورة المنفردة الموحدة للعالم تفسر على نحو بسيط يدعو إلى الإعجاب كل السلوك اليومي للمادة. فلماذا يُلصق الصمغ؟ وكيف يكتب القلم الرصاص؟ وكيف يعمل المصباح الكهربي؟ ولماذا نرى وميض البرق قبل أن نسمع قصف الرعد؟ وكيف يزيل الصابون القاذورات؟ ولماذا كان الثلج ناعمًا؟ ولماذا يذوب عندما يسخن؟ ولماذا ننفخ الحساء لتخفيف حرارته؟ لقد تساءل جون تندال عن السبب الذي كانت من أجله السماء زرقاء، ثم قدم الجواب في عبارة خلَّابة: «لأننا نعيش في السماء، لا تحتها.»

ولقد تساءلت عندما طُلب إليَّ قياس الوميض من القنابل الذرية في اليابان، لماذا يصبح الجرانيت خشنًا فجأةً عندما تشتد سخونته، وتبين أن الجواب (الذي يتعلق بالتركيب البلوري للكوارتز) هو بدوره جواب عملي وهو بدوره جواب بديع في كشفه عن البناء الهندسي للطبيعة.

٣

كل هذه الأسئلة، التي نشعر في طفولتنا بلذة عظيمة، وشغف بالغ، عندما تتكشف لنا حقيقتها تدريجًا، تُجيب عن الصورة الذرية للعالم، وما يضيف إلى اللذة والشغف اللذين نشعر بهما في جيلنا الحالي. مما يُتاح لنا تعلُّمه عن هذه الأمور عندما نبلغ مرحلة النضج … ذلك لأنه قد تبين أن الصورة الذرية للعالم تضفي أيضًا تماسكًا عميقًا على العمليات الخفية للطبيعة وهذا أمر لم يتكشف للمرة الأولى إلا لجيلنا الحالي.

ولا شك أن هذه الحقيقة تقدم تبريرًا عميقًا غاية العمق لتلك الهرطقة القديمة العهد (التي كنا نتحدث عنها في بداية الدراسة السابقة). مثال ذلك أننا ندرك الآن أن المادة الموجودة في النجوم متشابهة بالفعل للمادة الموجودة لدينا، غير أنها هي ذاتها مادتنا في حالة تطور. فالهليوم يتكون عن طريق تصادم ذرات الهيدروجين، والكربون عن طريق التصادم النادر بين ذرات الهليوم، وهناك تغيرات مماثلة تحدث كلما صعدنا في السلم الذري. أي إن النجوم إنما هي علامات الطريق في التطور الكوني، وهو طريق تتحرك فيه الذرات، شأنها شأن الأنواع الحية، من البسيط إلى المركب.

على أن الكشف الأروع من النتيجة السابقة هو أن آلية التركيب الذري تعمل في الخلايا بنفس الطريقة الملموسة التي تعمل بها في النجوم؟ فهي التي توجه فيزيائيًّا، العمليات التي تحدث في الجسم الحي، فنحن ندرك الآن أن الحياة تتكاثر عن طريق جزيئات طويلة تستطيع أن تحاكي ذاتها وتكررها. كما نعلم أن هذه الجزيئات تعمل كما لو كانت أشرطة من التعليمات في الجزء الوراثي من الخلية، ونعلم (وإن يكن علمنا في الحالة الثانية أقل منه في الأولى) كيف تؤدي عملها في الأجزاء الباقية من الخلية، كذلك فإننا نعرف أبجدية التجمعات الأربعة الثابتة، التي يتألف معظمها من ذرات الكربون، والنيتروجين، والهيدروجين والأكسجين، والتي تتألف منها تلك الجزيئات الطويلة. وسوف نعرف في وقت قريب كيف تستطيع هذه الأبجدية ذات الحروف الأربعة أن تكوِّن في مجموعات ثلاثية تلك الكلمات العشرين الأساسية التي يتألف منها قاموس الخلية، وهي الأحماض الأمينية. ونحن نعرف شيئًا، وإن تكن معرفتنا هذه أقل، عن العمليات الآلية التي تجعل الخلايا تتخصص، أما أقل ما نعرفه فهو الطريقة التي تتعاون بها الخلايا المتخصصة من أجل صنع تلك المستعمرات الواسعة المتكاملة من الخلايا، التي نسميها أنا وأنت؛ أعني الكائنات الحية.

أما فيما وراء هذه المعرفة، التي هي جديدة، باهرة، وإن تكن لا تزال ضئيلة، فإن هناك ميدانًا ضخمًا يسوده الجهل، هو المخ. هذا المخ جزء من الجهاز العصبي المركزي، وهو ليس جزءًا متجانسًا. مثال ذلك أن بعض طبقاته قد ظهرت إلى الوجود في مرحلة متأخرة من تطور الإنسان بالنسبة إلى بعضها الآخر. ويمكن القول بمعنى معين أن المخ أقرب إلى الآلة التي يصنعها الإنسان من أي جزء آخر في الجسم. وأعني بذلك أن الطفل يولد وقد تكونت لديه بالفعل معظم خلايا المخ، ولهذا السبب كان رأس الوليد أضخم على نحو خلَّاب، وإن يكن غير متناسب، من بقية الجسم، إذ يبلغ حوالي ربع طوله، وخلال الحياة تموت من آنٍ لآخر بعض خلايا المخ، غير أنها، على خلاف خلايا الجسم، لا تتجدد، فالجهاز الآلي للمخ لا يعد إصلاح ذاته، ويمكن القول — على سبيل التخمين — أنه يفقد عند نهاية الحياة حوالي عشر الخلايا التي بدأ بها. وأغلب الظن أن تركيب المخ قد عمل حسابًا لهذا الفاقد، عن طريق الاحتفاظ بقدر كبير من الخلايا المتكررة والزائدة، أي عن طريق إيجاد عدة طرق بديلة لأداء الرسالة الواحدة.

٤

لقد اعتاد البعض تشبيه المخ، في عبارة كلاسيكية بأنه شبكة اتصال تليفونية. ومعنى ذلك أن الاعتقاد كان سائدًا بأن المعلومات التي تأتي من الحواس تصل إلى المخ مُجزَّأة، في إشارات منفردة ومحايدة، وأن هذه المعلومات تصنَّف بعد ذلك وتفسَّر بواسطة عمليات منطقية تستمد منها رسائل موجهة للسلوك. غير أن أبرز المعلومات الجديدة التي أصبحنا نعرفها عن المخ هي أن هذا التشبيه باطل، ولا بدَّ أن يكون باطلًا ففي أحد الطرفين، لا يتلقى المخ مدخلًا محايدًا من الحواس، وفي الطرف الآخَر، لا يكون المخ مخرجه (أو ناتجه) عن طريق ذلك النوع الذي نعرفه من الاستدلال المنطقي.

وأودُّ أولًا أن أقول، على سبيل التحوط، أن هناك بالفعل بعض الدوائر الكهربية البسيطة في المخ، التي تعمل بطريقة أشبه بطريقة شبكات الاتصال التليفونية. فهناك مثلًا تلك المراكز العجيبة التي اكتشفها جيمس أولدذ James Olds في عام ١٩٥٣م، وهي مراكز تؤدي بالحيوان إلى أن يشعر بلذة مباشرة عندما تُثار. وهذه اللذة تكون هائلة ودائمة إلى حد أن الحيوان الجائع يفضِّلها على الطعام إن كان له الخيار. وفي المخ أيضًا مراكز للألم، قريبة من مراكز اللذة هذه، تكون استجابتها مباشرة وقوية بنفس المقدار.

غير أن هذه الدوائر المباشرة، التي يمكن أن توصف بأنها كلاسيكية ليست هي القاعدة (مع ملاحظة أن معظم مراكز اللذة والألم توجد في الأجزاء القديمة — في سلم التطور — من المخ)، والذي يحدث عادةً هو أن الإشارات التي تحمل معلومات إلى المخ أو تعليمات منه تسير في خطوات متعددة، وترتد وتتوازن في الجهاز العصبي وتجوب في أنحائه مرات متعددة، فحواسنا تعالج رسائلها قبل أن تصل إلى المخ، وهذا ما تفعله، على سبيل المثال، حاسة البصر.

فقد كشفت سلسلة من التجارب العميقة الدقيقة التي أُجريَت في السنوات الأخيرة أن العين لا ترسل إلى المخ إشارات خالية محايدة لكي يقوم هو بتفسيرها، إذ درس هارتلاين H. K. Hartline وباحثون لاحقون حاسة الإبصار في أنواع متعددة من الحيوانات، وتبيَّن لهم أن القضبان والأجسام المخروطية في الشبكية ترتبط فيما بينها في مجموعات معقَّدة وفي مجموعات للمجموعات داخل العين. هذه الروابط المتداخلة التي تبلغ عددًا هائلًا، تقوم بمهمة تحقيق التكامل بين الإحساسات المنفردة قبل أن تترك العين، وهكذا فإن العين لا تستجيب لهذا الوميض المنفرد أو ذاك، بل إنها تحاول منذ البداية أن تهتدي إلى نموذج ترى من خلاله. والنموذج الذي تبحث عنه هو شكل الأشياء أو هيئتها. وعلى سبيل المثال فإن الارتباطات الداخلية في عين القط تجعلها حساسة للأطراف أو الأركان الحادة، أما عين الضفدعة فأكثر حساسية للأطراف المتحركة ولتقابلات النور والظل السريعة التغيُّر أو التحرك.

وهكذا فإن الرسائل التي تبعث بها عين القط، أو عين الضفدعة أو أعيننا نحن، ليست صفوفًا من النقاط المظلمة والمضيئة، كما يفعل صمام التلفزيون وإنما هي منذ البداية حزمة مترابطة توضِّح معالم هيئة أو شكل متحرك له حدوده الخاصة؛ أي إنها تبعث بصورة شيء. ومن الخطأ أن نتصوَّر أن واحدًا من الألياف العصبية يقول للمخ: «إن الجزء الخاص بي في مجال النظر مظلم»، بل إنه يقول: «إن طرف شيء يمر بهذا المجال» فكل واحد من الألياف يلاحظ ما يدور في كل النطاق المحيط بنقطة معينة في مجاله، وهو لا يقوم بإرسال تقرير خالٍ من المعنى من هذه النقطة، وإنما يرسل إشارة متعلقة بجزء له معناه، من شكل أو هيئة معينة.

ولكل واحد من هذه الألياف قدرة على إعطاء الأوامر فهو في كثير من الأحيان لا يقدم معلومات إلى المخ بقدر ما يوجهه عن طريق فحص الرسائل التي يوصلها إليه مقدمًا. وهو يقوم بهذه المهمة بفعالية عظيمة عن طريق مجرد حجب المعلومات، أي أن يحكم بنفسه على ما ليست له أهمية ويستبعده، دون إذن من المخ، ويتضح ذلك من البحوث البديعة التي قام بها هوراس بارلو Horace Barlow على الأرنب؛ إذ يبدو أن هناك اتجاهات مفضلة في عين الأرنب، فهو يلاحظ جيدًا في الاتجاه الأعلى والأدنى، وعبر العين في خطٍّ مستقيم، ولكن لا يبدو أنه يلاحظ جيدًا عبر العين في خط مائل. ولكن هناك تفضيلات أخرى أبعَد عن المتوقَّع، لا تتعلق بالعين ككل، بل تتكون في الخلية العصبية الواحدة. فقد يُفضل نوع من الخلية العصبية حركة هابطة ويتجاهل حركة صاعدة، على حين يفعل غيره عكس ذلك، وقد تلاحظ خلية الحركة السريعة لشيء ما وتتغافل عن حركته البطيئة، على حين أن الأخرى تفعل العكس.

في كل هذه التفضيلات لا يرى الأرنب رؤية أفضل أو أسوأ، أرى أن حدة بصره واحدة، من حيث رؤيته للكل. غير أنه يلاحظ على نحو أفضل لأن الوصلات الموجودة في العين قد نظمت بحيث تلتقط الاتجاهات والحركات الخاصة وتستجيب لها. فعين الأرنب غير منحازة من حيث هي أداة للإبصار، غير أن العين ليست أداة للإبصار فحسب بل هي أيضًا شبكة كهربائية تعمل كل وحدة فيها على ربط الحالات المعتمة والمضيئة التي تراها في رسائل محددة وتحدد أي الرسائل ينبغي أن تثير الانتباه وأيها لا يتعين أن تثيره. وعندما تفسِّر وحدة من الشبكة الكهربية تعاقُب الحالات المعتمة والمضيئة على أنها حركة هابطة فإنها ترسل إلى المخ إشارة بصرية قوية ولكن عندما تبدو الحركة صاعدة فإن هذه الوحدة تحجب رسالتها، فتسجل رسالة ضعيفة وترسلها أو لا ترسل شيئًا على الإطلاق.

ومن المرجح أن الوحدات بدورها تتجمع من أجل إبلاغ رسائل كلية ذات أهمية للأرنب. مثال ذلك أن أولئك الذين يلتقطون الحركات البطيئة ربما كانوا يركزون على الأفق. وواضح أن مما له أهميته بالنسبة إلى تطور الأرنب أن يكون أكثر تنبهًا إلى الشيء الذي يمشي من بعيد ببطء، وإلى الهيئة الطويلة التي تلوح بغموض في الأفق، وإلى بعض الحركات أكثر من البعض الآخَر، وأن يدفع جهاز التحذير المبكر لديه قدمًا بقدر الإمكان، من المخ إلى أعضاء الحس، فبقاء أي حيوان على قيد الحياة يقتضي أن يحكم في أسرع وقت ممكن على دلالة الأشكال والحركات التي يراها، وقد اكتشفنا الآن أنه يفعل ذلك في الحواس. غير أن هذا الاكتشاف يضع حدًّا لاعتقاد الفلاسفة بأن المخ يتلقى صورة محايدة عن العالم ويقوم بدور القاضي الذي يحكم عليها. وقد كتب وليم بليك يقول:

إنني لا أسائل عيني الجسمية أو النامية أكثر مما أسائل النافذة عن المنظر الذي تطل عليه. فأنا أنظر خلالها لا بها.

هذا الكلام، شأنه شأن كل ما كتبه بليك، يتسم بالجزالة وسعة الخيال، غير أنه مخطئ.

٥

وعلى الطرف الآخر في سلسلة الأوامر في المخ، نتساءل: كيف يقرِّر نوع الأوامر التي يصدرها؟ ولقد كان هناك ميل قوي، فيما مضى إلى الاعتقاد بأن الأوامر يتم التوصل إليها من خلال المعلومات الواردة إلى المخ بخطوات منطقية. كما يحدث في شبكة الاتصال التليفونية الآلية، أو كما يحدث في الحاسب الإلكتروني؛ إذا شئنا أن يكون التشبيه أدق. غير أن جون فون نيومان John von Neumann قد أثبت قبل وفاته مباشرة في عام ١٩٥٧م أن الأمر لا يمكن أن يكون على هذا النحو، ففي لحظة واحدة، في أثناء كتابتي، سوف يقوم مخي بإخبار يدي بالمكان الذي تضع فيه النقطة التي تختم هذه الجملة، ولو كان مخي يحسب الخطوات المتعددة في هذا الأمر، كما يفعل الحاسب الإلكتروني، لاقتضت الدقة التي يصل إليها في آخر ما يصدره إلى يدي من تعليمات أن تكون كل خطوة مضبوطة إلى عاشر رقم عشري على الأقل. غير أن الآلية الكهربية التي استخدمها المخ والجهاز العصبي المركزي لا يمكنها أن تعمل في أية خطوة واحدة بقدر من الدقة يفوق ثلاثة أرقام عشرية على الأكثر (وهذا ما نعرفه عن طريق دراسة أساسية لطريقة إرساله). وعلى ذلك فإن المخ أبعَد عن الدقة، بمقدار عشرة ملايين مرة على الأقل، من أن يعمل بأساليب الحاسب الذي صنعه الإنسان، وهو لا يصل إلى قراراته بالمنطق التقليدي الذي نعرفه. أو على حد تعبير فون نيومان فهو يستخدم نظامًا للتدوين يختلف جذريًّا عن ذلك الذي اعتدناه، أعني نظامًا ينقل فيه المعنى عن طريق الخصائص الإحصائية للرسالة.

وفي ذلك يقول جون فون نيومان في جملة كانت من آخِر ما كتب: «لو نظرنا إلى المنطق والرياضة في الجهاز العصبي المركزي على أنهما لغتان، فلا بد أن تكون هاتان لغتين تختلفان في بنائهما اختلافًا أساسيًّا عن تلك اللغات التي تشير إليها تجربتنا المعتادة.»

إننا، حين نلجأ إلى الاستدلال بالقلم والورق، في الأجزاء الرياضية للعلم مثلًا، نستخدم منطقًا يتسم باليقين التام. أما المخ فلا يستخدم في عملياته الداخلية الدقيقة منطق العالم الكبير. وصحيح أننا لا نعرف أي منطق يستخدم، ولكن من المحال أن يكون ما يستخدمه هو هذا المنطق. والواقع أننا لو حاولنا أن نطبِّق هذا المنطق على عمل المخ، لكُنَّا في بعدنا عن الصواب أشبَه بعلماء الفيزياء السابقين الذين حاولوا أن يتحكموا في الذرة من خلال مبادئ الهندسة الميكانيكية. وحقيقة الأمر أن الآلات تتألف من ذرات، ولكن العكس ليس صحيحًا. والمنطق الكلاسيكي مبنيٌّ على منطق المخ لا العكس؛ فالمخ لا يستطيع أن يصل إلى استنتاجاته الداخلية عن طريق أي منطق يقيني، بل إن المخ ينبغي أن يفعل، بدلًا من ذلك، شيئَين: فيجب أن يقنع بقبول معرفة أقل من اليقينية، ويجب أن تكون لديه هو أساليب إحصائية تختلف في نوعها عن أساليبنا، يصل بها إلى مستوى اللايقين المقبول لديه. وبهاتين الوسيلتين يشيد المخ صورة للعالم لا تتسم باليقين، ولكن أجزاءها شديدة الإحكام.

ولقد تعمدت أن أستخدم تعبير: صورة العالم الشديدة الإحكام، لأننا لا نعرف كيف يثبت المخ صورته؛ أي كيف تعمل الذاكرة مثلًا. ولكننا على أية حال نكون على خطأ لو نظرنا إلى الصورة التي نكونها من العالم على أنها تسجيل سلبي … فهذه الصورة تتكون بواسطة نشاطنا وتتألف منه، ابتداءً من منطق المخ حتى استخدام المحراث والعجلة. إنها هي محصلة جميع معاملاتنا مع الطبيعة، والمعبر عنها بصورة رمزية. وليست هذه الصورة هي منظر العالم، وإنما هي طريقتنا في النظر إليه: أي إنها ليست تعبيرًا عن الطريقة التي يصدمنا بها العالم، بل عن الطريقة التي نشيده بها.

فلقد كانت لدى أناس آخَرين، وعصور أخرى، صور مختلفة. فلا ينبغي أن نعتقد أن أولئك الذين طرَّزوا نسجيات بايو Bayeux١ كانوا يرون الأشياء عادةً في منظوراتها وإن لم يعرفوا كيف يرسمونها. إنهم قطعًا كانوا يستطيعون رؤية الأشياء في منظورها مثلما نستطيع نحن أن نتعامل مع خداع نظر في رءوسنا، غير أن عاداتهم وتركيبهم الذهني الكامل كان يتجه إلى رؤية العلاقات في العالم بطريقة مختلفة، وهذا هو ما رسموه. وقد روت مرجريت ميد Margaret Mead قصة حديثة تتضح فيها الفكرة التي نقول بها:

«هذه العلاقة بالبيئة المادية هي نوعٌ من الوجود في البيئة أكثر مما هي رؤية للبيئة. وهناك مثَل مؤثِّر جدًّا لمجموعة الأطفال الأستراليين الأصليين الذين كانوا مُحتجَزين في مدرسة إصلاحية بعيدًا عن أهلهم. وقد أخذ أحد المشرفين، وكان في الأصل معلِّمًا، يعلِّم الأطفال أصول الحِرَف اليدوية والرسم، ولكن صبيًّا صغيرًا هتف ذات يوم، على حين غرة، قائلًا: «لقد فهمت! لقد فهمت! إنك لا ترسمها بالطريقة التي تعرفها عليها. إنك ترسمها بالطريقة التي تراها عليها!» وهكذا بزغت في ذهنه فكرة المنظور لأول مرة.»

٦

من هذا كله أصل إلى نتيجة عن طبيعة المعرفة تبدو لي الآن نتيجة لا مفر منها. هذه النتيجة تتعلَّق بالطريقة التي نصل بها إلى عبارات تتسم بالعمومية عن طريق الاستدلال من الأمثلة الجزئية التي نجدها متناثرة حولنا في العالم الخارجي، وهي أول خطوة فيما يطلق عليه العلم اسم الاستقراء. هذه الطريقة يظن عادة أن مقرها هو المخ وحده، ولكن ما نعرفه الآن يكشف لنا بوضوح أن الأمر ليس كذلك، بل إن ما يحدث هو أن هناك حوارًا مستمرًّا — إن جاز التعبير — بين المخ والحواس؛ فالعين تبعث برسالة تقول إنها رأت شيئًا، ويكون وصفها لهذا الشيء مبدئيًّا بسيطًا. ولكني سأفترض — لكي أجعل العرض الذي أقدمه واضحًا — أن هذا الوصف يمكن أن يلائم حمار الوحش، ولكن المخ الذي يقلب في جوانبه احتمالات متعددة يرفض الاعتراف بوجود حمار الوحش في المنطقة القطبية، ولذا يتساءل أيكون ذلك دبًّا قطبيًّا؟ فترد العين بالنفي، قائلة إنه يقفز، وإنه مخطط (وليلاحظ القارئ، أنني أبالغ في هذا الحوار إلى حدٍّ يجعله يبدو هزليًّا، ولكن هذه المبالغة ذاتها هي التي تعطينا لُب الموضوع) فيقول المخ إنه لا بدَّ إذن أن يكون عجل البحر من النوع الأمهق، محاولًا في قوله هذا أن يوفق بين مجموعة من الصفات الغريبة الخيالية، يستمدها من المقولات المعروفة لديه. وهكذا يستمر الحوار حتى يشعر المخ بالرضا، إما لأنه استطاع أن يجد مكانًا لهذا المخلوق بين مقولاته، وإما لأنه استبعده بوصفه خدَّاعًا. ذلك لأن من الواجب ألا يعزب عن بالنا أن الخداع والهلوسة أمران مألوفان، شأنهما شأن الأحكام الصائبة، وليس ثمة اختلاف في العملية التي تؤدي إلى ذاك. فليس ثمة تعميم معصوم من الخطأ.

والآن، بعد أن خلق المخ مقولة عامة جديدة، هي عجل البحر الأمهق، أو خدعة الضوء القطبي، فإن العين ستبحث في المستقبل عن مجموعة من البدائل أوسع مدًى، فهناك مزيد من الرسائل التي تنتقل بينها وبين المخ. وفي المرة القادمة التي تلمح فيها العين ما يمكن أن يكون عجل بحر أمهق، سيكون على المخ أن يتخذ الخطوة التالية في الاستقراء، أي أن يُخمن ما هو القانون الذي يحكم عودة ظهوره، أهو عجل البحر نفسه، وفي هذه الحالة، ما هو قانون هجرة عجول البحر؟ أم هو عجل آخر، وفي هذه الحالة ما هو قانون وراثة صفة المهق؟ وفي هذا الحوار أيضًا تلعب الحواس دورها. فعملية الاستقراء التي نصنع بها مقولات عامة، وقواعد لهذه المقولات والتي نشيد بها لغةً للألفاظ العامة، هي عملية غدو ورواح دائم بين المخ والحواس.

هذا التحليل يُظهر بوضوح أنه ليس في وسع المخ أن يصل إلى معرفة يقينية، ومن المؤكد أن كل هذه الأنساق الشكلية، في الرياضة والفيزياء وفلسفة العلم، وهي الأنساق التي تدَّعي أنها تُرسي أُسس حقائق يقينية، من المؤكد أنها واهمة. وإني لأجد نفسي ميَّالًا إلى القول بأننا لا نبحث عن الحقيقة، بل نبحث عن المعرفة. غير أنني لا أحب هذه الصيغة، وذلك لسببين: أولهما أننا نبحث بالفعل عن حقيقة، أيًّا كان تعريفنا لها، أما المعرفة فهي ما نهتدي إليه، وثانيهما أن ما نعجز عن الاهتداء إليه ليس الحقيقة وإنما اليقين. فطبيعة الحقيقة هي بعينها المعرفة التي نجدها بالفعل. والإضافة الوحيدة غير المتوقعة فيما نقول به هي أن الحقيقة بهذا المعنى لها أكثر من شكل، وما المعرفة العلمية سوى شكل واحد من أشكالها. وستكون مهمتي في الدراسة التالية هي أن أختبر الشكل الآخر، وهو معرفة الذات. وإذا كانت المعرفة العلمية شكلًا أدق من معرفة الذات، بمعنًى محدد، فإن هذا لا يعني أنها أصح، إذ إنها ليست أكثر منها يقينًا. فمن المحال أن تكون المعرفة يقينية إذا كانت تزداد معنا اتساعًا ونحن نحيا داخل الجسد النامي لخبرتنا.

إن خبراتنا لا تقتصر على ربطنا بالعالم الخارجي، بل إنها هي نحن، وهي العالم بالنسبة إلينا، وهي تجعلنا جزءًا من العالم. ولا شك أن الصورة التي نكتسبها عن العالم تكون باطلة لو نظرنا إليه على أنه مجموعة من الحوادث التي تتعاقب بطريقتها الخاصة على نحوٍ مُطلَق، والتي لا نملك إزاءها إلا أن نكون مشاهدين فحسب. وهنا أجد نفسي عبر الحدود الفاصلة من الفلسفة إلى الفيزياء، فقد أثبت ألبرت أينشتين ذلك على أنه أمر واقع لا ينكر في نظرية النسبية. ولو دوَّنا قوانين الطبيعة وكأنه لا دور لنا فيها، لكانت الإجابات التي نصل إليها عن أبسط الأسئلة إجابات باطلة، كما هي الحال مثلًا في السؤال عن مدار الكوكب عطارد. ولقد أثبت أينشتين أن الخطأ الأساسي في هذا الحساب ينبثق من الاعتقاد بأن الطبيعة آلة تسير في طريقها الخاص، ونكتفي نحن بالتطلع إليها من الخارج، هذه صور باطلة، سواء في الفيزياء وفي الفلسفة. ذلك لأن الطبيعة شبكة من الأحداث التي لا تنبسط أمامنا في الزمان مثلما تنبسط السجادة الحمراء، وإنما تتشابك بين كل أجزاء العالم، التي نعد نحن واحدًا منها. في مثل هذا التداخل لا نستطيع الوصول إلى اليقين لأنه ليس موجودًا حتى نصل إليه، بل إن وجوده يقتصر على النموذج غير الصحيح. ولذلك كانت المفارقة هنا تكمن في أن الإجابات اليقينية هي الإجابات الباطلة، أما اليقين فهو المطلب الذي ينادي به الفلاسفة الذين يتأملون العالم من الخارج، على حين أن المعرفة العلمية معرفة من أجل الفعل، لا التأمل. ففي نظرية النسبية أو في أي علم، لا توجد نظرة للطبيعة مماثلة للنظرة التي تقوم بها العين الإلهية، بل توجد نظرة العين الإنسانية فحسب.

٧

من الواضح أن مما له أهمية عملية عظمى أن نفهم على أي نحو نكون نحن أنفسنا مندمجين في نسق العلم الذي نكشف جانبًا منه، ونخلق الجانب الآخر. مثل هذا النسق يصف فاعلية الطبيعة، وفاعليتنا في داخلها فهو ليس وصفًا تخطيطيًّا للمسار الآلي للطبيعة. فنحن جزء فعَّال، وجزء لا يتجزأ من أوصافنا للطبيعة. ومن هنا فإن العلم ليس نموذجًا للطبيعة بقدر ما هو لغة حية تُستخدم في وصفها. وللعلم فعلًا تركيب اللغة وبناؤها: أعني مجموعة من المفردات ونظام نحوي شكلي ومعجم للترجمة. أما مفردات العلم فتتألف من مفاهيمه، ابتداءً من الجاذبية الكونية والنيوترون حتى الخلية العصبية واللاشعور. وأما قواعد النحو العلمي فتبين لنا طريقة تنظيم المفهومات في جمل ذات معنى، كقولنا إن الذرات يمكنها أن تمسك بالنيوترونات، وإن الذرات الثقيلة عندما تنشطر تطلق هذه النيوترونات. وأخيرًا فإن المعجم يقوم بترجمة هذه الجمل المجردة إلى ملاحظات عملية نستطيع اختبار صحتها في عالمنا اليومي، كما يحدث في الدمار الذي تحدثه النيوترونات عندما ينشطر البلوتونيوم.

وهكذا فإن العلم لغة يُحاكي بناؤها سلوك العالم، وعندما نستخدمها نعترف بأننا لا نستطيع أن ننفصل عن السلوك الذي نصفه، سواء عندما نكون في حاجة إلى مفهوم (كالجاذبية) أو عندما نستغني عن مفهوم (كالفلوجستون) ذلك لأن كل لغة مفتوحة، حية، متغيرة، ولا بدَّ لها أن تخترع كلمات جديدة وتجرب استخدامات جديدة وتكتشف بذلك معاني جديدة فيما يمكنها قوله. فعندما اكتشف طومسون J. J. Thomson الإلكترون في عام ١٨٩٧م، أضاف بذلك لفظًا جديدًا، أي مفهومًا جديدًا إلى لغة العلم، هو وحدة للمادة أصغر من الذرة. وحين بيَّن طومسون أن ما اهتدى إليه يسلك كما لو كان جسيمًا، فإنه وضع بذلك أولى القواعد النحوية التي تحكم استخدام اللفظ الجديد. وبعد ذلك بقليل تبيَّن أنه عندما تُغير الإلكترونات سرعتها تُغير كتلتها أيضًا، وأدَّت هذه الجملة الجديدة إلى استخدام جديد للفظ «الكتلة» ترتب عليه توسُّع هائل في لغة المفاهيم الفيزيائية، على أن هذه لم تكن نهاية قصة الإلكترون، فبعد فترة من الوقت أثبت ابن طومسون أن الإلكترون يمكن أن يسلك أيضًا كما لو كان موجة، فأدى ذلك إلى تغيير آخر في النحو. والواقع أن المفهوم الجديد في العلم هو اختراع لفظي، وتزاوُج بين الكلمات يبلغ من الثراء ويبلغ مدى نتائجه من الاتساع ما تبلغه كلمه مثل «الحرب الخاطفة Blitzkrieg» في اللغة العسكرية أعني أنها تجميع ضخم لاستراتيجية تنظيمية جديدة كاملة في فكرة واحدة.

والواقع أن المفهوم الجديد لا يقل في حقيقته ولا يزيد عن مضمون لفظ «الحرب الخاطفة». فالإلكترون ليس وهمًا وخيالًا، شأنه في ذلك شأن الحرب أو الجاذبية، بل إن الكل حقيقيون، أي إن سلوك كلٍّ منهم حقيقي، بمعنى أن في الإمكان وصفه. وحصيلة هذا السلوك حقيقية بمعنى أن في الإمكان التنبؤ بها، والنتائج المترتبة عليه حقيقة بمعنى قوي هو أن من الممكن ملاحظتها، ومن ثَم فإن من حقنا، إذا شئنا، أن نقول إن الإلكترون شيء حقيقي ولكن مَن يُمارس هذا الحق لا بدَّ أن يكون أحمق؛ لأن ذلك سيحتم علينا أن نستخدم لفظ «الشيء» هنا بمعنًى مخالف تمامًا لمعناه المستخدَم في لغتنا اليومية، والحق أنه لا جدوى على الإطلاق من اقتناص لفظ «الشيء» من أجل استخدامه بمعنى جديد إذا كان علينا أن نوضح بعد ذلك أنه لا ينطوي على معناه المألوف، وأننا لا نعرف في الواقع معناه الجديد، إن جُسيمًا أساسيًّا كالإلكترون يتصف بأنه حقيقي، غير أنه ليس شيئًا كالمنضدة، أو كأي شيء آخر فيما عدا جُسيمًا أساسيًّا آخر. ومن الواضح أن كلامنا عنه على هذا النحو يعادل قولنا إنه لا شيء، يضاف إليه بتسميته شيئًا. ولذلك كان خير ما نفعله هو أن نستخدمه بوصفه جزءًا طبيعيًّا له كيانه الخاص من لغتنا.

إننا لا نستطيع بطبيعة الحال أن نفترض أننا نعرف كل خصائص الإلكترون، أو أن هذه الخصائص قد لا يتبين في المستقبل أنها جوانب جزئية في تركيب أكثر تعقيدًا من تركيبات الطبيعة. لذلك فإذا كان ما نكتشفه في الطبيعة حقيقيًّا بالمعنى الذي أوضحته، فإن هذا لا يعني قطعًا أنه وصف كامل أو نهائي للحقيقة الفيزيائية. فمن المؤكد أن الطبيعة أكثر ثراءً، ونسيجها أعقَد بناءً وتداخلًا، وأحكم تنظيمًا في داخلها من أي تفسير نأتي به. ولقد سبق أن أصرَّ البابا إبريان الثامن على أن يختم جاليليو كتابه «محاورة عن النظامين الرئيسيين للعالم» بتحذير صريح يقول فيه:

«إن من الجسارة المسرفة أن يقصر أي شخص القدرة والحكمة الإلهية على تخييل fantasia واحد خاص به، وأن يحدَّها بحدوده.»

ولا شك أن عبارة البابا كانت، في سياقها، تأكيدًا منافقًا منه بأن من المستحيل تفضيل أي تفسير على آخر، وبهذا المعنى كان ذلك التأكيد باطلًا، وكان جاليليو على حق في تردده في الإذعان له. بل إن هذه العبارة لم تفلح في إنقاذه من محكمة التفتيش، ومع ذلك فمن الممكن أن تكون عبارة البابا إيريان الثامن صحيحة لو وُضعت في سياق أوسع وأرحب. فالمفهومات التي نخلقها، والقوانين التي نهتدي إليها، إنما هي فتات صغيرة بالنسبة إلى اللغة الكاملة للطبيعة، والأمر الذي يدعو إلى العجب حقًّا هو أننا نستطيع أن ننجح إلى حدٍّ بعيدٍ باستخدام هذا القدر القليل من لغتها، أي باقتصارنا على تخمين أجزاء قليلة من مفرداتها وعدد بسيط من القواعد النحوية التي تربط بينها.

٨

لقد اخترت ألا أستخدم مصطلحات الهندسة العملية. وإنما مصطلحات اللغة، في الوصف الذي قدمته للعلم. باعتباره إيضاحًا للمسار الآلي للطبيعة، ومن الأسباب التي أغرتني بذلك أنني سأتحدث في الدراسة التالية عن الأدب، وكل ما سأقوله في تلك الدراسة، سواء على سبيل التشبيه أو المقارنة، سيغدو أوضح إذا استخدمت نموذجًا لغويًّا مشتركًا في الموضعين معًا، ولكنَّ هناك بطبيعة الحال سببًا أدق، هو أن اللغة نموذج للعلم أفضل وأقوى دلالة من أي جهاز آلي آخر، فنحن نتلقى الخبرة من الطبيعة في سلسلة من الرسائل، ومن هذه الرسائل نستخلص مضمونًا من المعلومات، أي إننا نحل شفرة الرسائل على نحو ما. ومن مجموعة المعلومات هذه نصنع قائمة أساسية من المفردات، هي المفهومات العلمية، وقواعد نحوية أساسية، بحيث تتضافر المفردات والقواعد معًا في وصف التنظيم الداخلي الذي تترجمه الطبيعة إلى تلك الأحداث والمظاهر التي نصادفها من حولنا.

وفي موضع ما من عملية حل الشفرة هذه، يقوم الذهن بخطوة حاسمة ينتقل فيها من التجربة الفردية إلى القانون العام الذي يضمها. فكيف نتكهن بالقانون ونكوِّن المفهومات التي تكمن من ورائه؟ وكيف نتخذ قرارًا بوجود شيء غير منظور كالذرة، وعلى أي نحو نعزو إليها خصائص؟ وعلى أي أساس نقول إن الذرات بدورها تتألف من جسيمات أكثر منها أساسية؟ وكيف نقنع أنفسنا بأن هناك كيانًا شاملًا اسمه الطاقة، تحمله كميات منفردة، ومع ذلك ينتقل من مكان إلى مكان في حركة أشبه بالموجة، وبأن إعادة تنظيم الذرات، والجسيمات الأدق منها، تستهلك الطاقة أو تطلقها؟ وكيف نصل إلى تصور عملية حية في هذه الكيانات الميتة؟

لنتأمل مثلًا ملموسًا، هو تركيب العين مرة أخرى، وهو التركيب الذي تصور كل من الأسقف بتلر وهنري برجسون أنه أعجب وأروع من أن يفسر من خلال التطور الآلي. فكيف توصلنا، بعد قرون من الإعداد، إلى استنتاج أن القضبان والأجسام المخروطية الصغيرة في شبكية عيني حساسة لكميات منفردة من الضوء، وأن هذه الكميات تُطلق جزيئات الصبغة البصرية، وأن هذا التغير الكيميائي يندمج كهربيًّا في عيني بتغيرات أخرى مماثلة له ويبلغ بإشارة إلى مخي، وأن تلوين الصورة الذي تؤدي إليه هذه العملية قد تحدَّد منذ ميلادي عن طريق نفس الأجزاء التي حددت جنسي في الحيوان المنوي لأبي وفي بويضة أمي؟

يكفيني أن أصف هذا التعاقب المعقد، المتعدد الجوانب، والمحكم الارتباط، لكي يتبين لنا بوضوح أن أية مجموعة بسيطة من الملاحظات لا تكفي للتدليل عليه؛ فهو أولًا وصف شديد العمومية، لم يكن من الممكن أن يستمد من تجارب منفردة، حتى لو اقتصرنا على موضع واحد في هذا التعاقب. بل إن علينا أن نضم كثيرًا من التجارب المنفصلة لكي نصل، مثلًا، إلى الاستنتاج البسيط القائل إن الصبغ البصري يتحول إلى اللون الأبيض، أو أن هذا التغير الكيمائي يرسل في إشارة بوصفه نبضة كهربية. كذلك فإننا إذا أردنا أن نقول شيئًا مقنعًا عن العصب البصري نحتاج إلى شهادة عدد كبير من الملاحظات المتعلقة بكثير من الأعصاب الأخرى. وعندما نتجاوز نطاق أحد هذه التعميمات، ونمر بالتعاقب الكامل المترابط الذي يؤلف هذا التعميم جزءًا منه، ندرك إلى أي حد ترتبط هذه التعميمات بجميع التعميمات الأخرى في الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، وفي فسيولوجيا الجهاز العصبي، وإلى أي حد تجد فيها دعامة لها.

إن أكثر الباحثين العلميين تواضعًا، حين يدفع وهو في معمله سبارا Probe في خلية عصبية لكي يقيس الاستجابة الكهربية عندما يومض ضوء، يكون عندئذٍ غارقًا في شبكة هائلة معقدة من النظريات التي يحملها معه في عمله من مجالات العلم كلها، ابتداءً من قانون أوم Ohm حتى عدد أفوجادرو Avogadro فهو عندئذٍ لا يعمل وحده، بل تدعمه حالة البحث العلمي في كل فرع، بل ويكون حبيسًا لها بمعنًى ما. كذلك فإن ما يتوصل إليه ليس بدوره واقعة منفردة، وإنما هو يضيف خيطًا إلى خيوط الشبكة المعقَّدة، ويربط عقدة هنا وأخرى هناك، وبهذه الارتباطات يزيد النسق العملي كله إحكامًا وتوسعًا. إن ما يدفعنا إلى أن نكرر هذه الحقيقة، على الرغم من أنها كانت قائمة على الدوام، هو أنها لا تزال تلقى تجاهلًا من جانب الفلاسفة، فهم يرون أن العلم ينتقل من الواقع إلى التنبؤ، ومن المثال المنفرد إلى القانون عن طريق عملية تعميم تُسمى عادةً بالاستقراء. وبطبيعة الحال فإن الاستدلال على هذا النحو، أي من الخاص إلى العام، لا يمكن تبريره على أسس منطقية. وهذا أوضحه هيوم منذ أكثر من مائتي عام. غير أن هناك سؤالًا أكثر حسمًا من السؤال: بأيِّ حقٍّ نكوِّن استقراءات؟ وأعني به: كيف نكوِّن هذه الاستقراءات؟ هذا أمر لم يقدِّم هيوم له من تفسير سوى العادة: «فالعادة وحدها هي التي تجعلنا نفترض اتفاق المستقبل مع الماضي.»

وهذا رأي تابعه فيه الفلاسفة منذ ذلك الحين. فما زال يسود نظرياتهم الاعتقاد بأن العلم جمع تراكمي للوقائع، وأن التعميم ينمو بذاته من تكديس أمثلة منفردة في مجال واحد ضيق. وهم يظنون أن العالم يقتنع بأن الضوء يصل إلى العين في كميات متلاحقة لأن هذا العالم يجري تجربة، ويعيدها، ويكررها لكي يتأكد.

ولكن هذا، للأسف الشديد، ليس على الإطلاق ما يفعله العالم، إنه بالفعل قد يكرر التجربة مرتين أو ثلاثًا، إذا كانت نتيجتها تصدمه بغرابتها ومخالفتها لما هو متوقع. ولكن حتى في هذه الحالة فإن ما يعنيه بالغريب وغير المتوقع هو بالضبط كونها تتعارض مع ما أدَّت به التجارب في الميادين الأخرى إلى اعتقاده. وهذا ما يتضح في الشك الذي ينظر به كل العلماء إلى الأدلة المنشورة عن الإدراك الخارج عن النطاق الحسي extrasensory perception.٢ فهم يرون أن مجموعة النتائج تكون غريبة وغير متوقعة، وغير قابلة للتصديق في نهاية الأمر إذا كانت تتعارض بصورة صارخة مع الشبكة المعقدة الروابط التي أقيمت بين الظواهر المعروفة.

٩

إن الغلطة الكلاسيكية هي النظر إلى القانون العلمي على أنه مجرد اختزال لأمثلته، فلو كان هذا هو اعتقادنا، لكان من الطبيعي أن تقتصر محاولاتنا على الأمثلة وحدها، فنقول مثلًا: «لقد رأيت الشمس تشرق كل صباح من حياتي، ومن ثَم أتوقع أن تظل تشرق ما دمت حيًّا.» هذا توقع معقول على أساس العادة، ولكنه ليس استقراءً؛ إذ كان يمكنني بنفس المنطق أن أستخلص منه نتيجة أخرى هي: لذلك أتوقع أن أعيش ما دامت تشرق … فالاستقراء ليس تخمينًا عن المثال التالي والذي يليه والذي يليه. وإنما هو تخمين بالقانون الذي يحكم حدوث الأمثلة ويفسرها بمعنًى أعمق.

بل إنه لَمِن الخطأ النظر إلى الاستقراء على أنه تنبؤ، وأن نهتم وننشغل بالتخمين الذي يقوم به عن المستقبل، فالاستقراء في العلم تعميم يحاول أن يشق طريقه خلال تجربتنا ويخمن بالقانون الذي تحكَّم فيها. ونحن لا نكون أكثر يقينًا بالقانون في الماضي منَّا في المستقبل، إذ ليس ثمة قانون نكتشفه يتصف بأنه يقيني ونهائي. غير أننا الآن ننظر إلى القانون، لا على أنه أداة للحساب، بل أداة للتوحيد. وبهذا المعنى فإن إدراك مندلييف في عام ١٨٦٩م أن خصائص الذرة تعود في دورة منتظمة كان إدراكًا متعمقًا بحق، على حين أن توقعنا أن الشمس ستعود بانتظام ليس كذلك.

أما الأمل في أن القانون سيظل ساريًا في المستقبل فهو خطوة منفصلة، ومع ذلك فإننا حتى في هذه الخطوة نفكر في القانون، لا في المثال التالي، فقيامنا بحساب احتمال بزوغ الشمس غدًا، كما فعل بيير لابلاس، أمر بعيد كل البعد عن الهدف المقصود، وما هو في أساسه إلا محاولة لاختيار الشواهد التي تؤيد قانونًا يحكم حركات الشمس والأرض، غير أن هذا ليس هو القانون الصحيح، فإذا لم تبزغ الشمس غدًا، فإن ذلك سيكون راجعًا إلى أننا أخطأنا في تخميننا بقوانين أعمق بكثير، هي القوانين الكوكبية والكونية. وهكذا فإن ديفد هيوم في نقده للاستقراء الذي صدم به العلماء في عام ١٧٣٩م لم يكن ينعى عاداتنا في التنبؤ، بل كان ينعى جهلنا، والعبارة الحاسمة في هذا النقد هي قوله: «إن القوى التي تعمل الأجسام وفقًا لها، مجهولة تمامًا.»

ولذلك فإن الاستقراء في العلم هو عنده البحث عن القوانين التي لا يمكن التوصل إليها، والتي تصف هذه القوى، ومحاولة التكهن بها.

إن المفهوم يتكون، والقانون يقترح، لا لأن تكرار التجربة يجعله محتومًا، بل لأن مجموعة متشابكة من الأدلة المستقاة من أنواع متعددة ومختلفة من التجارب تؤيد هذا الغرض (وتكذب غيره) بوصفه طريقة معقولة للربط بينها كلها سويًّا، فالعامل الذي يؤدي إلى إقناعنا هو الارتباطات الداخلية، والشيء الذي نبحث عنه هو قانون تنبثق منه كل النتائج بوصفها روابط وثيقة الصلة به.

والواقع أنه مهما يكن عدد المرات التي نكرر فيها التجربة الواحدة فسيظل هناك عدد لا متناهٍ من القوانين التي يستطيع أي واحد منها تفسيرها، وسيظل هناك عدد لا متناهٍ من القوانين التي يمكنها أن تفسر كل التجارب المختلفة، ومع ذلك فإن تشابك التجارب يفيد في استبعاد فرض بعد الآخر من تلك الفروض التي تجذبنا لأنها بسيطة، ثم يتضح أنها أبسط مما ينبغي. والحكمة من إضافة تجربة جديدة إلى هذا التشابك ليست إلا الإقلال من عدد التفسيرات المعقولة التي تظل باقية. وتلك هي الفكرة البارعة التي قال بها كارل بوبر Karl Popper وأعني بها أن هدف أية تجربة ينبغي أن يكون دائمًا استبعاد أحد الفروض. فنحن نضع تصميم تجربة جديدة لكي تكون حاسمة، أي لكي تكون هي الفاصلة في استبعاد فرض أو فرضين بسيطين يستطيع كلٌّ منهما تفسير النتائج التي حصلنا عليها حتى الآن. والشيء الذي نحاول الوصول إليه بهذه الطريقة هو أبسط قانون يمكنه أن يجمع شتات المجموعة المعقدة الكاملة من الشواهد المتوافرة لدينا في وحدة مترابطة.

١٠

إننا لا نستطيع أن نأمل في التعبير عن التعقيد الشامل للطبيعة، أكثر مما تستطيع اللغة أن تعبر عن تعقد الحياة الاجتماعية. وإذا كان السؤال المهذب: كيف حالك؟ لا يجاب عنه بنشرة طبية، فإن التساؤل العلمي: «كيف تكون ذرات الكربون؟» لا يجاب عنه بتحليل كامل للعقل الإلهي. فهناك هامش من الزيادة والنقصان في الجواب الذي نقدمه للسؤال عن صحتنا، وهناك أيضًا نفس الهامش من الزيادة والنقصان في العبارات التي يمكننا صياغتها من أجل تصوير التكون غير المحتمل لذرة الكربون، إن من الممكن وصف تجربة واحدة في نشرة، أما العمليات الضخمة للطبيعة فلا يمكن التعبير عنها إلا بذلك الغموض والالتباس الذي يشوب كل لغة، ولو أمكن حل كل غموض أو التباس لوصل العلم إلى حالة توقف وجمود، إذ لن يعود هناك شيء يُكتشف. وهذا بعينه هو السبب الذي يجعلنا نعتقد أننا نصور الأمور بطريقة أشد حيوية، وأعظم إيضاحًا، حين نصف العلم بأنه لغة تعبِّر عن المسار الآلي للطبيعة، وليس رسمًا تخطيطيًّا لمشروع هندسي.

ولقد كان الفلاسفة الوضعيون يأملون، خلال هذا القرن، أن يتمكنوا من صنع خريطة للعالم أشبه بورقة رسم بياني، من عبارات أولية مثل: «هذه نقطة حمراء». غير أن تقدم الفيزياء قد أثبت استحالة القيام بهذا العمل من حيث هو وصف للواقع. ومن الواضح الآن أنه ليس بالمثل وصفًا لما تنبئنا به الحواس. فحاسة البصر تبعث التكامل في إحساساتها قبل أن ترسله إلى المخ، والرسائل لا تحمل معلومات عن نقط بل عن أشياء، بل إن الإشارة «حمراء» لا يمكن إرسالها بدون رسالة عن شكل الشيء الذي يثيرها (وهذا ما نعرفه من دراسة عين القرود القادرة على رؤية الألوان).

ولا بدَّ لي، بالطبع، أن أشير إلى أن بعض فلاسفة العلم قد اعترضوا على الرأي الذي أقول به، وأعني به أن المفهوم خلق يستخدم فيه الخيال. وهؤلاء ينطلقون من الفكرة القائلة إن المفهوم اختزال للوقائع التي تندرج تحته، وهو بالفعل كذلك بمعنًى ما. ثم يمضون إلى الإعراب عن أملهم في أن يصبح من الممكن تعريفه على أنه بالفعل اختزال للوقائع ليس إلا. هذه هي النظرية الإجرائية operational التي يشيع الأخذ بها في أمريكا بتأثير بيرسي بردجمان Percy Bridgman فالطول مجموعة متعاقبة من القياسات، والكتلة هي ما تفعله حين تبحث عن الكتلة، والإلكترون مجموعة من الملاحظات ليس إلا. ولقد شاعت في إنجلترا فكرة مماثلة منذ عام ١٩١٨م على الأقل حين كتب برتراند رسل يقول:

«إن القاعدة الذهبية في التفلسف العلمي هي: من الواجب حيثما كان ذلك ممكنًا. أن يستعاض بالتركيبات المنطقية عن الكيانات التي تستخلص بالاستدلال.»

ولقد تمسك الفلاسفة الوضعيون بدورهم بالفكرة القائلة إن جميع المفهومات العلمية هي تركيبات منطقية فحسب، ورغبة في ألا أدع أي مجال للشك فيما يفترضه هذا الرأي، فسوف أقتبس فيما يلي عرضًا دقيقًا له:

«إن الإلكترونات، وفقًا لهذا الرأي. تركيبات منطقية من الحوادث والموضوعات الملاحظة التي يمكن من خلالها الاستدلال على وجودها. وهذا يعادل قولنا: إن «الإلكترون» يمكن أن يُعرَّف تعريفًا صريحًا من خلال هذه الملاحظات. وتبعًا لهذا الرأي فإن كل عبارة تتضمن لفظ «الإلكترون» يمكن ترجمتها، دون إخلال بمعناها، إلى عبارة لا توجد فيها إلا ألفاظ تصف كيانات (أي حوادث، أو موضوعات، أو خصائص) يمكن ملاحظتها مباشرة، وقد يكون القيام بهذه الترجمة أمرًا شديد الصعوبة غير أنه من الممكن دائمًا القيام بها.»

على أن الفيلسوف الإنجليزي الشاب فرانك رامزي Frank Ramsey الذي توفي عام ١٩٣٠م في سن السادسة والعشرين، قد أثبت أن هذا التعبير الشكلي البحت عن المفهومات العلمية غير مقبول، فقد أدرك وأثبت بصورة قاطعة ما في وجهة النظر الإجرائية والوضعية من جوانب القصور. صحيح أن وجهة النظر هذه سليمة بالنسبة إلى أي علم مقفل. غير أنها تصبح خطأً فاحشًا حين يكون العلم مستمرًّا في النمو. ذلك لأن التركيب المنطقي الذي لا ينطوي إلا على الوقائع والعلاقات الموجودة بالفعل، لا يمكنه أن يعبر عن العلاقات الجديدة فلو كان تعريفنا للكتلة، مثلًا، دقيقًا من الوجهة الإجرائية أو المنطقية، فعندئذٍ يكون أضيق مما ينبغي، ولا يترك لك مجالًا لكي تكتشف أن الكتلة معادلة أيضًا للطاقة. لذلك كان من الضروري أن تكون مفهومات العلم المستمر في النمو أوسع نطاقًا وأشد مرونة من أي تركيب منطقي مبني على مجموع وقائعها المعروفة. وقد أثبت «رامزي» ذلك عمليًّا بأن ابتدع مثلًا له في المنطق الرياضي، ومنذ ذلك الحين أضاف صديقه ريتشارد بريذويت  Richard Braithwaite الذي اقتبست منه النص السابق، أمثلة أخرى أبسط منه.
إن من المستحيل تجنب وجود بعض الغموض في كل لغة بشرية، وليست لغة العلم استثناءً لهذه القاعدة، برغم كل المظاهر التي تبدو عليها. صحيح أن المفهومات التي تكون الألفاظ الأساسية في قائمة مفرداتها تعني تقريبًا نفس الشيء لكل شخص يستخدمها، غير أنها لا تعني نفس الشيء تمامًا. ولو كانت تعني ذلك، لما استطاع أحد أن يبدأ التفكير في علاقة جديدة. فمفهوم الزمان لم يكن يعني عند ألبرت أينشتين نفس ما كان يعنيه عند علماء الفيزياء السابقين عليه، والطاقة لم تكن تعني عند ماكس بلانك نفس ما كانت تعنيه عند جيمس جول James Joule كما أنها كانت في نظر جول الذي اشتهر بمقاييس الحرارة الضخمة التي كان يستخدمها، تعني شيئًا مختلفًا عما كانت تعنيه عند أسلافه التقليديين. ولقد اكتشف جيلنا الحالي في لفظ «الحياة» معنًى كان خافيًا على جميع من كانوا يستخدمونه منذ أقدم العصور. والواقع أننا ننظر بسذاجة إلى ما قام به أينشتين، أو بلانك، أو جيمس واطسون، أو فرانسس كريك Francis Crick على أنه اكتشاف، أما هؤلاء أنفسهم فكان ما فعلوه في نظرهم إيضاحًا للغة العلم أماط اللثام في المفهومات التي تشتمل عليها قائمة مفرداته، عن جانب من جوانب المعنى لم يتوصل إليه الآخرون، وزاد هذا المعنى الجديد دقة. وهكذا فإن الخيال يستفيد من الغموض والإبهام، في لغة العلم، مثلما يفعل في لغة الشعر.

١١

إننا لا نستطيع أن نصف العالم عن طريق تعداد المظاهر التي يبدو عليها. وهذا في الواقع هو الخطأ في أي مذهب للفلسفة العلمية يسعى إلى التخلص من جميع المفهومات؛ إذ ليس ثمة لغة وصفية لا تتألف من ألفاظ عامة، أي من مفاهيم. والموهبة الإنسانية إنما تنحصر في أننا على خلاف الحيوانات، نكوِّن مفهومات، وفي لغتنا الفكرية نعبر عن هذه الموهبة، فالإنسان يخترع على الدوام أفكارًا للتعبير عما يكمن وراء مظاهر الطبيعة وللربط بينها، على أن اختراع هذه الأفكار وتداولها في اللغة هو ذاته الخيال، أي هو تكوين الصور في رءوسنا. وبهذا المعنى يكون العلم نتاجًا للخيال بقدر ما يكون الشعر. ولا يمكن أن تتحرر لغة العلم من الإبهام، شأنها في ذلك شأن لغة الشعر. فالإبهام جزء لا يتجزأ من نسيج الأفكار كلها. وهكذا فإن بناء العلم، على الرغم من مظهره المحكم، ليس أدق، بأي معنًى نهائي قاطع، من بناء الشعر. فالفارق بين المعنيين لا يكمن في هذا البناء.

إن من الصحيح، بطبيعة الحال، أن العلماء حين يكتبون نتائج بحوثهم يحاولون تخليص لغتهم من الإبهام، وجعلها دقيقة. وقد عرض ألدوس هكسلي هذه الصفة، في كتابه الأخير، على أنها هي الفارق الحاسم بين جزأَي عنوان ذلك الكتاب «الأدب والشعر». غير أن في هذا خلطًا بين اللغة التي يخترع بها العلم وتلك التي يشرح بها، أعني خلطًا بين الفكر وطريقة تداوله الشكلية، والواقع أن الإنسان استطاع أن يتفوق على الحيوانات الأخرى، لا لأن لديه لغة واحدة، بل لأن لديه لغتين لغة للتعامل مع المفهومات في رأسه، ولغة للحديث (كتلك التي تملكها الحيوانات) تهدف إلى الاتصال بالآخرين. فالبحث عن الكشف العلمي، والتكهن بالقانون، يتم أولًا بواسطة عمليات الاستقراء غير القاطعة، كما يتم تنفيذ هذه العمليات في لغة التفكير. غير أن طريقة عرض العلم ليست وصفًا لعمليات الكشف، وإنما هي تهدف إلى تقديم عرض واضح للكشف، وإلى وضعه وسط المجموعة المتشابكة من المصادرات والقوانين، بحيث يستطيع كل شخص بعد ذلك أن يُفكِّر فيه ويتحدث بشأنه بطريقة لا لبس فيها ولا غموض. ولا بدَّ أن تكون كذلك، حتى يمكن استنباط نتائج الكشف الجديد منطقيًّا، واختبار صحتها في أمثلة محددة.

إن طريقة عرض العلم هي على الدوام تقديم لمعلومات ترمي إلى اختبار المجموع الكلي للقوانين كما توجد في اللحظة المعينة، ومن هنا كان من الممكن وضعها على شريط يقوم بتوجيه آلة اختبار. وهذا راجع إلى أن العرض يكشف عن حالة العلم في هذه اللحظة على أنه نسق كامل مقفل، متضمن كله في مصادراته وقوانينه (أي قابل لأن يستنبط منها). وعلى الشخص الذي يتعين عليه أن يسلك الآن بناءً على المعرفة العلمية الراهنة، أن يقبل هذه المعرفة بوصفها تعليمات موجهة إليه، كما تفعل الآلة. تلك هي طبيعة العلم بوصفه ضربًا من ضروب المعرفة، فلا بدَّ أن يكون قابلًا للاختبار في الواقع العملي، بحيث يكون من الضروري في أية لحظة أن يثبت بطريقة شكلية بوصفه نسقًا من المعلومات، أيًّا كانت الطريقة التي اكتشف بها، والطريقة التي سيصحح بها. أما المفكر والمجرب فليس مضطرًّا إلى قبول الحالة الراهنة للعلم بوصفها مقفلة، أو قبول الطريقة التي يعرض بها على أنها مكتملة. فهو حرٌّ في أن يعمل باللغة الفكرية، وأن يستطلع غوامضها على النحو الذي يرضيه عقليًّا.

إن العلم نشاط يختلف عن الشعر، لا في طريقة تنفيذه، بل في الهدف الذي يسعى إليه؛ ذلك لأن هدف العلم هو أن يحل الغوامض والالتباسات عن طريق القيام بما أسميته اختيارات حاسمة قاطعة بين البدائل المتاحة. والتجربة التي تُجرى لهذا الغرض لا تقل جمالًا وإثارةً للخيال من أيِّ بيتٍ من الشعر، غير أنها تستخدم ما فيها من خيال من أجل تحقيق غرض مختلف. فهي على خلاف الشعر، لا تسعى إلى استغلال غوامضها، بل إلى الإقلال منها إلى أدنى حد. والحق أن دور الخيال في العلم ينطوي على مفارقة، هي أن هدفه إفقار الخيال، وأنا أعني بهذه العبارة المتناقضة أن أقصى حدٍّ يحلق إليه الخيال العلمي هو أن يوقف نمو الأفكار الجديدة. ففي العلم تكون النظرة الرحبة نظرة ضيقة، ويكون النموذج الغني للكون نموذجًا فقيرًا في فروضه إلى أقصى حدٍّ ممكن.

هذا في واقع الأمر وصف ينطبق على المزاج العلمي، لا على الممارسة العلمية فحسب، فلقد ملأ اليونانيون القدماء الطبيعة بمجموعة مشاكسة منطلقة من الآلهة والأرواح، ثم جاء العلم كأنه نبي من أنبياء العهد القديم، بنظرة صارمة كلها إصرار، تسعى إلى تحقيق ترابط محكم لا ترضى عنه بديلًا، وألقى بالتعدد الوثني من النافذة، ووضع بدلًا منه «يهوا» الذي ينظم الأشياء كلها في قوانين. وتلك نظرة لا تقل في طابعها الخيالي عن الشعر: فالعهد القديم مليء بالوَجْد والنشوة كالجديد، غير أن هذه نشوة من نوع مخالف، تتمثل في خيالٍ زاهدٍ منطوٍ على نفسه، سيكون في دراستي التالية موضوعًا للمقارنة مع الخيال المنطلق المتحرر للشعر.

١  مجموعة من النسجيات محفوظة في متحف بلدة بايو الفرنسية، طولها يزيد على سبعين مترًا، وتتضمن ثمانية وخمسين منظرًا، تمثل غزو النورمنديين لإنجلترا. (المترجم)
٢  هو نوع من الإدراك يدافع عنه مجموعة من العلماء أشهرهم العالم الأمريكي راين Rhine، ويعتمد لا على الحواس بل على مَلَكات أخرى كالاستشعار وجلاء البصيرة والمشاركة في الإحساس عن بُعد. ويزعم أنصاره بأن هناك تجارب علمية تؤكده، ويدعمون ذلك بعدد كبير من الكتب ذات الصبغة العلمية الظاهرية غير أن الجانب الأكبر من العلماء لا يعترفون به. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤