الدراسة الرابعة: العقل في ممارسته لعمله

١

لقد قمت حتى الآن بالبحث في وحدة الإنسان من خلال ثلاث دراسات. وقد آنَ الأوان للنظر إلى الوراء حتى نتبين إلى أي حد مضى بنا التحليل الذي قمنا به. فهل لدى الإنسان الواحد هُوية شخصية تميزه عن أي إنسان آخر؟ وهل هذه الهوية ترتيب خاص لأجزاء ميكانيكية، أم إنها ذاتٌ تزيد على مجموع أجزائها؟

إذا كانت لدى الإنسان مواهب لا تستطيع الآلة أن تحاكيها، فلابدَّ من البحث عن هذه المواهب خارج تكوينه الآلي. ففي داخل الجلد، لا يوجد فارق من حيث المبدأ بين التركيب الرخو للأنسجة والتركيب الصلب للآلات المألوفة، ولن نجد فارقًا ملموسًا بين الذات والآلة داخل الجسم، فإن كان ثمة فارق كهذا، فلا بد أن يكون متضمنًا في الكل المُركب الذي يؤلفه الجسم وبيئته معًا.

ولكن لا ينبغي كذلك أن نؤكد أن الصندوق المجهول الذي تؤلفه ذاتي هو آلة لمجرد أن فيه عجلات، أو دوائر من الخلايا والألياف العصبية. فالشيء المهم هو السياق الكامل للصندوق الأسود ومداخله ومخارجه. فإن لم نكن نعرف كيف نكتب المداخل والمخارج بصياغة شكلية على أشرطة من التعليمات، فعندئذٍ لا تكون لدينا آلة، مهما تكن آلية محتويات الصندوق الأسود في داخل رأسي. ولست أودُّ أن أناقش هنا — مثلما لم أناقش في الدراسات السابقة — مسألة قدرتنا أو عدم قدرتنا على أن نصل في نهاية المطاف إلى صبغ مداخل المخ ذاته بصبغة آلية، في أحد ضروب معرفته، لا يمكن من حيث المبدأ أن يُكتب على شريط شكلي من التعليمات الموجهة إلى أية آلة نتصورها، وما لم نتوصل إلى مفهوم لآلة تسير وفقًا لقوانين مختلفة أساسًا عن أية آلة نعرفها الآن، فلا بدَّ من القول إن ذاتي تشتمل على جزء ليس قطعًا آلة بأي معنًى معروف.

بهذا المعنى لا تكون ذاتي شيئًا، بل عملية مستمرة، سوف يكون قوامها عند نهاية حياتي كل الأفعال المنظورة وغير المنظورة التي قمت بها. لذلك فإن التغيرات التي تحدث في ذاتي في أية لحظة يعبر عنها بالطريقة التي أقوم بها الآن بفعل قمت به في الماضي. هذه الطريقة لا يمكن أن تكون قد تغيرت إلا بفضل التجارب التي اكتسبتها في الفترة الواقعة بين الفعلين، وما يقع بين الفعلين إنما هو التجربة وقد نظمت بحيث تستهدف فعلًا في المستقبل، أي إنها هي المعرفة.

ونحن نكتسب أحد أشكال التجربة عن طريق ملاحظة العالم. هذا الضرب العلمي من المعرفة ليس سلبيًّا محايدًا كما شاع وصفه، بل إننا نعرف الآن أن حواسنا ذاتها تفسر العالم في أثناء عملية ملاحظته. مثال ذلك أن العين لم تُهيَّأ بحيث ترى بقعًا من الضوء، بل إنها هُيئت لكي تقرأ شكل الأشياء فيما تراه، والانطباعات الحسية لا تصل إلى المخ بوصفها إشارات خالية من المعنى، بل تصل إليه بوصفها وسائل سبق إعدادها بدقة وتوجيهها في اتجاه معين. وتتكون كل رسالة من هذه الرسائل عن طريق حركة ذهاب وإياب بين العالم الخارجي وأعضاء الحس والجهاز العصبي الذي يحمل الرسالة ويؤثر فيها أيضًا، والمخ. كل ذلك يُضفي طابعًا خاصًّا على المفهومات التي يكوِّنها المخ، ولمَّا كان الإنسان وحده من بين سائر الحيوانات هو الذي يكوِّن مفهومات عامة فإن هذا يُضفي طابعًا خاصًّا على تحليله للعالم.

على أنه ليست كل التجارب مكتسبة عن طريق ملاحظة الطبيعة بل إن هناك ضربًا آخر من المعرفة يختلف عن إجراءات العلم، ففي علاقاتنا بالناس، وحتى بالحيوانات نفهم أفعالهم ودوافعهم لأننا قد شاركنا فيها وقتًا ما، بحيث إننا نعرفهم من الداخل. ونحن نعرف ما الغضب، ونتعلم لهجة معينة، أو نعرف قيمة الصداقة، عن طريق الدخول في التجربة مباشرةً. ومن خلال توحيد أنفسنا بتجربة الآخرين، نوسع معرفتنا لأنفسنا بوصفنا بشرًا، أي إننا نكتسب معرفة الذات.

٢

إن العلم والأدب لغتان، تتألف بعض الألفاظ فيهما من أسماء شخصية (أعلام)، ولكن معظم هذه الألفاظ تدل بالضرورة على فئات كبيرة أو مفهومات. وليس من الممكن أن تكون هناك لغة، كما أن من غير الممكن قطعًا أن يكون هناك مفهوم بدون نوع من الإبهام أو الالتباس فيه. فلقد تبين لنا خلال جيلنا الحالي أن أكثر المفهومات العلمية أولية كالمكان والزمان والكتلة، فيها من الإبهام، ومن المعاني غير المتوقعة، بقدر ما في مفهوم أدبي مثل الحب الجسدي. فليس هذا هو موضع الاختلاف بين العلم والفنون.

إن ما يميز لغة العلم من لغة الأدب شيء آخر. فالاختلاف يبدأ في قدرتنا، تلك القدرة الفائقة، على الاهتداء إلى مفهومات وعلاقات في الطبيعة لا تدفعنا إلى توحيد أنفسنا مع عمليات الطبيعة، وهذا أمر يكشف عنه التطور التدريجي للعلم بوضوح؛ إذ إن التخلص من المغالطة المؤسفة القائلة إن الطبيعة تسلك كما يسلك الناس، كان أصعب في العلم مما كان في الشعر. ولذلك لم يكن جون ملتن جادًّا عندما تحدث منذ أكثر من ثلاثمائة سنة عن الغابات والكهوف المهجورة، وأشجار الزعتر البرية والكرمة النامية التي يتردد صدى بكائها، وعن الصفصاف وشجيرات البندق الخضراء التي لن تعود تهز أوراقها على وقع أغانيك الحالمة … فلم يكن هناك شاعر يؤمن حقًّا بهذه الخيالات، ومع ذلك فإن كثيرًا من أصحاب المزاج العلمي كانوا لا يزالون يحاولون، في ذلك الوقت، إسقاط السلوك الإنساني على الطبيعة عن طريق السحر المتعاطف، أو قراءة الطبيعة على أنها نبوءة بمصير الإنسان في علم التنجيم. والواقع أن قائمة المفردات العلمية تشتمل على كثير من المفهومات التي تكشف عن رغبة الإنسان في تشخيص الطبيعة وفي الاهتداء إلى إحساساتنا فيها؛ كالقوة، والقصور الذاتي، والطاقة والجهد، والخطأ أو هامش الخطأ، بل حتى الإحساس بالزمان. وإني لأعتقد أن إيضاح ألبرت أينشتين للمكان الحقيقي للملاحظ بالنسبة إلى معنى الزمان، مظهر من مظاهر تحرير العقل الإنساني لا تقل أهمية في تاريخ العلم عن اكتشاف العدد.

ولقد قال الشاعر وليام بليك عبارة تدعو إلى الدهشة، هي:

لما كان المنهج الحقيقي للمعرفة هو التجربة، فإن
المَلَكة الحقيقة للمعرفة ينبغي أن تكون هي المَلَكة التي تجرب.
هذه المَلَكة هي التي أبحث فيها.
إن قراءة قصيدة هي تجربة experiment؛ شأنها بالضبط شأن قيامك بإعداد بندول فوكو Foucault توطئة لقيامك ببحث علمي. وكلٌّ من العملتين خبرة مهيأة قام بها آخرون، وتسعى إليها أنت الآن عمدًا. وكذلك فإن أيَّا منهما لا تؤدي إلى نتيجة فريدة. أما الفرق بينهما فيكمن في أنك في تجربة «البندول» تتخلص من الغموض والإبهام الذي تتسم به النتائج (والذي يرجع إلى أن دوران سطحه يمكن أن يُفسَّر، كأية نتيجة علمية أخرى، بعدة قوانين مختلفة) عن طريق الاستقرار على واحدة منها. أما في تجربة الأدب فإنك لا تتخلص من الإبهام، بل تظل شاعرًا بأن كل وجهات النظر إلى الحياة التي يتضمنها العمل الأدبي، يمكن قبولها، ويمكنك أن تعدها وجهات نظرك الخاصة.

إننا نتخلص من الإبهام في العلم بقرار نتخذه. ونحن نصدر تأكيدات مؤقتة بأن العالم قد نظم على هذا النحو، وليس على نحو أكثر تعقيدًا، ثم نعطي هذه الاستقراءات مركزًا لا يمكننا تبريره، ولكنه يبرِّر نفسه بنجاحه متى ظل هذا النجاح مستمرًّا. وعلى العكس من ذلك فإن الأدب لا يحاول أن يثير فينا استجابة الفعل، ومن ثَم فإنه لا يحتاج إلى أن يتخلص مما فيه من التباسات، فنحن نحس بأننا متداخلون في جميع ممثلي الدراما، وليس مطلوبًا منا أن نحكم على سلوكهم من خلال فعاليته، بل إنه ليس مطلوبًا منا أن نحكم على سلوكهم على الإطلاق.

ويترتب على ذلك أننا نستمد من العلم ومن الأدب ضربين مختلفين من المعرفة؛ ففي العلم تتحدَّد المعرفة في النتيجة الواحدة، التي نقبلها (مؤقتًا) على أنها قاطعة، وهذا أمر يمكن أن يوضع في شريط، ويمكن استخدامه (ما دمنا نتمسك بتلك النتيجة) بوصفه مدخلًا أو تغذية آلية في جهاز المخ. والعلم يبدأ بوعينا بأن البيئة شيء آخر غيرنا. أما تجربة الأدب فتُنتج لنا نوعًا آخر من المعرفة، لا نعرف كيف نغذِّي به أية آلة نستطيع حتى الآن أن نتصور المبدأ الذي تعمل وفقًا له. فمن الأدب نتعلم كيف نوسع نطاق تعاطفنا ونزيده قوة، ونندمج على نحو أكمل في تلك الأضداد التي تتمثل فيها أزمة الإنسان، ونذوق على نحو أفضل طعم الشعور بأننا مهددون أو ضالون أو محبون، أو بأننا نحس بالحرج أو الخجل بسبب شخص آخر، وكل ذلك يبدأ في شعورنا الواعي بأننا نعيش، فليس في ذلك شيء خارق للطبيعة، بل إن كل ما نود أن نقوله هو أننا نعرف معنى شعور الإنسان بالتعب أو شعور الكلب بالتعب، ولكننا لا نعرف طعم الإجهاد الذي يصيب المعادن.

٣

ولا بدَّ لي الآن أن أنتقل من الظروف التجريبية للبحث العلمي أو العمل الفني إلى الحقيقة اليومية للثقافة الإنسانية. وقد استخدمت لفظ الثقافة عمدًا؛ لأن لهذا اللفظ معنيين، وسوف أنتقل الآن من أحدهما إلى الآخر. فبعد أن تحدثت عن ثقافتَي الأدب والعلم، وهما ثقافتان عميقتان ولكن نطاقهما ضيِّق، سأنتقل الآن إلى الثقافة الواسعة للحياة الاجتماعية.

إن الثقافة شيء يتعلمه كل واحد من أفرادها. ولا بدَّ أن تكون قابلة لأن يتعلمها الصغار، ولأن يعلمها الكبار. وبطبيعة الحال فهناك معتوهون وجانحون في كل ثقافة، لا يتعلمون لأسباب عضوية أو نفسية، ولكن الباقين يمكنهم أن يتعلموا، وهم يتعلمون بالفعل، فعلى سبيل المثال يبدو مؤكدًا أن الأطفال في أية قبيلة في العالم سواء أكانت بيضاء، أم سمراء أم سوداء، يمكنهم أن يتعلموا إصدار أصوات أية لغة بشرية، بما في ذلك القرقعات المعقَّدة للغات البانتو، التي يتضح لنا أن أطفال البانتو يجدون فيها من الصعوبة بقدر ما نجده، لذلك فإن البانتو يتركون هذه القرقعات جانبًا عندما يروون لأطفالهم حكايات، وعندما يجعلون الحيوانات في حكاياتهم تتكلم لغة الأطفال.

وهناك عدة طرق مختلفة للتعليم: أكثرها شيوعًا، في أية ثقافة، هي المحاكاة كما بيَّنَ جابرييل تارد Gabriel Tarde منذ وقت طويل، ولكننا نحتاج مع ذلك إلى تعريف للمحاكاة أدق وأضيق من ذلك الذي عرَّفها به. وقد عبرت مارجريت ميد M. Mead عن الرأي الحديث بشأن هذا الأسلوب في التعلم وغيره، في فقرة من كتاب المسارات المتصلة للتطور الثقافي Continuities in Cultural Evolution، وفيما يلي هذه الفقرة كاملة:
«في كل مجتمع بشري، وبين كثير من المخلوقات غير البشرية، يتعلم الصغار من البالغين ويتعلم الوافدون الجدد إلى الجماعة من الأعضاء القدامى فيها بطريقة يمكن التعبير عنها باستخدام فضفاض، إلى حدٍّ ما، للفظ الانعطاف empathy أو Einfuhlung، وهو مصطلح سيكولوجي ألماني كان في الأصل يستخدم لوصف استجابة كاملة إزاء الصورة التي يتخذها موقف ما، مثلما يشعر شخص بعدم الارتياح إزاء صورة معلَّقة في وضع معوج على الحائط. على أن «الانعطاف» مفهوم أبسط وأعم بكثير من المحاكاة أو التوحيد معًا، لأن هذين الآخرين يرتبطان بقدر كبير من أنواع التعلم غير المصرح به، وغير اللفظي، وغير المدوَّن شكليًّا.»
«ويمكن ضرب مثل للفارق بين النوعين عن طريق تأمل استجابات أطفال المانوس manus في عام ١٩٢٨م. فعندما أرَيتُ هؤلاء الأطفال قلمًا صُنع الجزء الأعلى منه على هيئة صدر آدمي بارز إلى حدٍّ ما، كنت قد أخذته معي كأداة قد تجلب لهم التسلية، وجدتهم على الفور ينفخون صدورهم على مثال هذا الصدر، وفي هذه الحالة لا يمكن القول إنهم يحاكون رأس القلم ككل، أو أنهم يتوحدون معه، بل إنهم كانوا يمثلون الشعور ببروز صدر الإنسان، وهو الشعور الذي نقله إليهم، بصريًّا، الجزء الأعلى من ذلك القلم الصغير المضحك.»
«ولكن عندما يتعلم أحد الأطفال المانوس من أحد البالغين، أو أحد الأطفال الكبار، كيف يقول كلمة — ولتكن مثلًا العبارة التي تدل على معنى «لست أريد» pa pwen — فإن المعلم يردد أغنية محاكية، فيقول الطفل pa pwen ويقول البالغ papwen، ثم يعيد الطفل ترديدها ويستمر ذلك عددًا من المرات قد يصل إلى ستين مرة، وخاصة إذا كان المعلم أكبر بنسبة ضئيلة، أو كان على قدر من الغباء العقلي. في هذه الحالة يمكن القول إن التعلم يحدث عن طريق محاكاة فعل محدد، وهو في هذه الحالة تصريح لفظي؛ فالطفل يُحاكي الشخص الأكبر الذي يعلِّمه، وهذا الشخص الأكبر يجعل المحاكاة أسهل، إذ يقوم بدوره بمحاكاة أداء الطفل.»
غير أن السلوك الاجتماعي يسير في طرق أعمق بكثير من هذه التقليدات التي يتم تعلمها آليًّا. فمن جذور الحياة الاجتماعية أننا نثق بأننا نفهم ما يريده الناس الآخرون، بكل ما فيه من عدم اتساق، لأننا نريده بدورنا. ومن الممكن أن تؤدي استفتاءات الرأي العام أو الإحصاءات إلى دعم هذه الثقة أو زعزعتها، ولكنها لا تحل محلها، وهنا أيضًا نجد أن فهمنا هذا ليس فيه شيء مستعصٍ على الفهم، بل إنه متأصل في التجربة الاجتماعية والمادية. وسأبدأ، على سبيل المثال، بالتجربة الفيزيائية للإحساس الحر العضلي kinesthetic.
إن التعداد الكلاسيكي للحواس الخمس قد أغفل حواسَّ أخرى متعددة، منها الإحساس الحركي العضلي. ولما كان لفظ kinesthesis قد نُحت في عام ١٨٨٠م فقط، فإن معرفة هذه الحاسة السادسة حديثة إلى حدٍّ ما. وفيما يلي التعريف «القاموسي» لهذا اللفظ:

«الإحساس بالجهد العضلي الذي يصاحب حركة إرادية للجسم.»

وهكذا فإن الحاسة الحركية العضلية هي إشارة داخلية تسير موازية لفعلنا الخارجي. ومن السهل أن نخمن بسبب تطوري لهذا، وهو سبب يكون في العادة ذا صيغة غائية الشكل وكأنه من صنع صانع استهدف به غاية محددة … ذلك لأننا نحتاج قطعًا إلى إحساس بالجهد مثلما نحتاج إلى الإحساس بالألم، لكي يحذرنا عندما نقترب من الحدود التي لا تستطيع أجسامنا أن تتحمل ما يتجاوزها.

ويلاحظ أن الإحساس الحركي العضلي وكذلك الإحساس بالألم هما بدورهما طريقتان نندمج بواسطتهما في أفعال الكائنات الحية الأخرى. فالألم يلهب فينا شعورًا بالقرابة مع الكائنات الأخرى. وهو شعور يعبر عن نفسه في صورته المتطرفة في السادية (النزوع إلى إيذاء الغير) وفي المازوخية (النزوع إلى إيذاء الذات) وفي أدب الرعب، حتى عندما يتخذ صيغة محترمة، كما هي الحال عند إدجار آلن بو. أما الحاسة الحركية العضلية فهي أوسع وألصق بنا، وهي تجعلنا دائمًا نشارك في السلوك اليومي للآخرين. فنحن نعرف ما نوع الإحساس الذي نحس به عندما نرفع وزنًا ثقيلًا، أو نتوازن بجسمنا توازنًا دقيقًا، أو نضرب كرة التنس ضربة متقنة، أو نتزحلق أو نرقص. وهذه هي الحاسة التي تدفع راكب السيارة إلى أن يضغط بقدمه على «فرملة» خيالية عندما يرغب بشدة في أن يفعل السائق هذا الشيء نفسه.

ولكيلا يتصور القارئ أن هذه الحاسة عيب من عيوب المدنية، ينبغي أن نعود إلى الصور التي أخذها فولفجانج كوهلر W. Kohler١ للقرود الصغيرة من نوع الشمبانزي؛ فبعض هذه القرود، ولا سيما القرد الذي أسماه سلطان، كان أفضل من غيره بكثير في أعمال التوازن والبناء التي كلفها بها كوهلر، ولكن الصور التي تسترعي الانتباه في مجموعة كوهلر ليست صور سلطان وهو يقوم بألاعيبه، وإنما هي صور سلطان وغيره من قرود الشمبانزي وهي واقفة جانبًا تنظر بإحساس أليم من المشاركة في الوقت الذي يحاول فيه أحد زملائها الأقل براعة أن يقوم بإحدى الألاعيب، باذلًا في ذلك أقصى الجهد؛ إذ نجد أن جسم القرد الذي يقف مشاهدًا يتقلص بحركة عضلية تؤدِّي، في الخيال، نفس العمل الذي يحس به إحساسًا يزيد في حيويته عن رؤيته له، شأنه في ذلك شأن راكب السيارة التي لا تسير بالطريقة الصحيحة.
وربما ظننا أن حركات «سلطان» وحركاتنا نحن التي نتعرفها فيه، هي مجرد أمثلة لنوع من السحر الذي يتم عن طريق التعاطف، وأنها تتم بأمل التأثير في الشمبانزي المتخلف أو في السائق المخطئ. ألسنا نجد أن لاعبي «البولنج Bowling»،٢ في أمريكا وإنجلترا، يقومون بإشارات عقيمة بعد أن تكون الكرة قد ابتعدت عن أيديهم، وكأنهم يريدون التأثير فيها لكي تذهب إلى حيث أخفقوا في أن يرسلوها؟ ولكن هذا التفسير معكوس. فقرود الشمبانزي لا تقوم بحركات للتأثير في الطبيعة، ولا بدَّ أن نستنتج أن الحركات الصامتة التي يقوم بها لاعب البولنج مستمَّدة من الحاسة الحركية العضلية، لا العكس.

ومن الطبيعي أن تصل حركات هذه الحاسة العضلية إلى حد اتخاذ أشكال الطقوس … فكثير من القبائل تعمد، قبل الخروج لصيد حيوانات خطرة، إلى أداء طقس سحري يشمل في العادة بعض أفعال الصيد، وقد كثر وصف هذه الأفعال إلى حد أننا أصبحنا نسلم بوجودها، بوصفها أمرًا واضحًا بذاته ومع ذلك، فماذا يمكن أن يكون الغرض الذي تستهدفه؟ يقول البعض إنها تمنح الصيادين شجاعة. ولكن الأصح من ذلك أن نقول إنها تشعرهم بطعم الصيد، فهي تجعل الصيادين الأقزام يألفون العمل، وتنتقل بهم إلى جولات الصيد المقبل ومفاجآته، وفي عضلاتهم الإحساس بالعمل الذي سيقومون به.

وأعتقد أن هذا هو أيضًا المعنى السحري لتصاوير الثيران والخنازير البرية في كهوف «لاسكو Lascaux» وغيرها؛ فهي على ما أعتقد محاكاة بصرية صامتة، يندمج بها الصياد في صيده، ويشعر مقدَّمًا بمذاق الأزمات التي سيمر بها. فاللحظة التي يستدير فيها الثور تثبت بالنسبة إليه، وتسهل حركة ذراعه الذي يمسك الرمح (إذ إن في هذه التصاوير رماحًا) في كل مرة يراه فيها. فالمصور قد جمَّد لحظة الخوف، والصياد يخوض هذه اللحظة من خلال التصوير وكأنه يدخلها من خلال معبر يمهد له طريقه.

٤

كنت في الجزء السابق أصف، على سبيل المثال، إحدى الطرق التي تعمل بها ثقافة معينة على الربط بين أعضائها في هوية مشتركة. ولقد كان المثل الذي استخدمته مثلًا ماديًّا، هو الحاسة الحركية العضلية، التي تجعلنا نشعر بحركاتنا الخاصة، ونشعر أيضًا بما يمكننا أن نعدَّه صدًى لحركات الآخرين. هذا الاشتراك في الفعل يظهر بوضوح في كثير من الطقوس والعادات الشعائرية، وهو يتضح مثلًا في الرقصات الجماعية للقبائل البدائية؛ ذلك لأن أولئك الذين يشاركون في هذه الرقصات لا يتعلمون أدوارهم وكأنهم أطفال يتعلمون الكلام، وإنما هم يتعلمونها بعضهم من بعض في وحدة واحدة بواسطة الحاسة الحركية العضلية. كذلك يشعر المشاهدون بالتوحد مع الراقصين لأنهم هم بدورهم يشعرون بأنفسهم مشتركين في الرقص، بحيث يكون هناك نشاط واحد ينجرف فيه الجميع.

وهناك خطوة واحدة — هي خطوة حاسمة — تفصل بين تمثيل حركة ما وتمثيل شخص ما. وتلك نقطة تحدثت عنها في دراستي الثالثة، وهي تصدق على الحياة اليومية مثلما تصدق على الدراما، فنحن نتمكن من لعب الدور الذي نصبو إليه في المجتمع بأن نتعلم بزهو كيف نقوم بتمثيل هذا الدور، لذلك فإن «مارجريت ميد» تواصل كلامها في الفقرة التي اقتبستها من قبل، لكي تصف الطريقة التي يتعلم بها الطفل موقعه في ثقافة جزيرة من جزر المحيط الهادي، فتقول:

«من الممكن أيضًا أن ندرك، بين قبائل المانوس، سلوك «التوحد» في الطريقة التي يعمل بها الصبي الصغير على ترديد وقفة أبيه ومشيته ولهجة صوته ترديدًا دقيقًا. ففي عام ١٩٢٨م كان من الممكن أن أقدِّر مركز الأب، الذي كان مقاولًا، من خلال مشية ولهجة صوت ابنه البالغ من العمر ست سنوات، والذي ربما كان ابنه بالفعل أو بالتبني. ولا بد لتفسير هذا التشابه في السلوك من الإهابة بمفهوم التوحد؛ فالطفل لم يكُن يحاكي فعلًا واحدًا، وإنما كان يسلك وكأنه هو ذاته الأب، من حيث هو فرد، أو هو مثيله.»

إن التشابه بين ما جاء في هذا النص، وبين ما قلته عن الطفل الذي يقوم بالتمثيل، تشابه واضح؛ ولكن الطفل في هذه الحالة يلعب بجدية؛ فهو لا يقوم بالتمثيل بقدر ما يشق طريقه نحو الرجل الذي سيصحبه في المستقبل. أو لنقل بلغة التمثيل إنه ممثل مندمج، وهذا واحد من أسباب المتعة التي نشعر بها عند مشاهدته، إذ إنه هو نحن. ومما يزيد من هذه المتعة أنه في الوقت ذاته نحن كما كنا في وقت مضى. ففي مشاهدتنا له، نعيش آمالنا مرة أخرى ونفخر بأن نراها تتكرر فيه، وهو يجعلنا في لحظة، نعتقد بأنها تتحقق فيه.

أما العضو الناضج في ثقافةٍ ما (سواء أكانت ثقافتنا أم ثقافة أبسط منها) بأنه لا يقوم بتمثيل دور ما. ومع ذلك فلديه نماذج كتلك التي كانت لدى الطفل، يوجه بواسطتها سلوكه، وتتشكل بها شخصيته. ففي المجتمع البسيط، تكون النماذج قليلة العدد: فهناك عدد قليل من الحِرف والمهام التقليدية، التي تتحدد مراكزها بدقة داخل ثقافة المجتمع ولا بدَّ للشخص الذي يضطلع بواحدة من هذه المهام أن يتقمص الشخصية التي حُددت له، فهو بالفعل أشبه بشخصية من شخصيات الحواديت الشعبية، مثل: مضحك الملك أو إسكافي القرية أو الطحان ذي الإصبع الذهبية. فالملامح الكاملة لشخصيته قد رُسمت له كخريطة مساحية، وذلك عندما حدد المجتمع مركزه.

في مثل هذا المجتمع لا يعمل شخص على محاكاة شخص آخر حي وإنما هو يتمشى مع نموذج أعم لما ينبغي أن يكون عليه، ويكيف تفكيره وفقًا له. وهو يعرف من التراث ما هو متوقع من أولئك الذين يشغلون كل عمل في ثقافته، فهناك صورة معترف بها للشخص المثالي في وظيفته، وهذه هي الصورة التي يتطلع إليها، والتي يتوحد بها.

أما الثقافة المعقدة فلا توجد بها مثل هذه الصور المبسطة لأعضائها. فهنا لا تؤدي وظيفة الشخص إلى تحديد معالمه؛ إذ لا توجد نماذج واحدة للمضحك والطحان، فقد تكون وظيفة المرء بسيطة بالفعل، غير أن مكانته لا تكون كذلك، لأن ما يحددها ليس ما يقوم به من أجل الارتزاق فحسب، ففي مجتمعه توجد جماعات متعددة، يتداخل بعضها فيه، وكل جماعة ينتمي إليها تخلق له مكانًا آخر. أما شخصيته فهي مركب من كل السمات التي تقتضيها كل جماعة من هذه الجماعات، ابتداءً من دار العبادة حتى مشرب القهوة.

إن كل مكان في ثقافتنا تتقاطع فيه عشرات الجماعات التي تشمل جماعة النادي الاجتماعي والجماعة الرياضية، والنقابة، والأسرة، ومجلس الآباء، وجماعة العمل. والشخص الواحد ينتمي إلى عدة جماعات متباينة، قد لا تكون مطالبها متشابهة على الإطلاق. وفي استطاعته أن يحتفظ بولائه لها كلها، مع بقاء صراعاتها دائمًا بلا حل، وفي حالة توازن مستمر، لأنه يستطيع أن يوحد نفسه بالعضو النموذجي في كلٍّ منها على التوالي. ومن هذا التلاقي والتقاطع للولاءات المتباينة يستمد المجتمع الحديث المتعدد الجوانب قوته.

٥

ومع ذلك فإن المجتمع الكامل المتعدد الجوانب يدفع ثمنًا لتعدد ولاءاته، فكلٌّ من هذه الولاءات يتبنى مجموعة القيم الخاصة به، أما نحن فقد أخفقنا حتى الآن في أن ننسج منها مجموعة موحدة ولنلاحظ أننا لم نبذل في هذا الصدد جهدًا كبيرًا؛ إذ إن إخفاقنا ينبثق من العادة والتحيز أكثر مما ينبثق من صراع القيم. مثال ذلك أن مجتمعنا يعترف بقيمة الوضوح العلمي، ولكنه لا يستطيع إقناع الناس عن طريق أي دليل إحصائي، بأن عقوبة الإعدام لا تقلِّل من حالات القتل. وليس ذلك راجعًا إلى أن القتل يتضمن إهانة لإنسانيتهم، بل لأنه يلقي ظلًّا من الشك عليها، فهم يلمحون في أنفسهم عواصف الغضب، وكراهية زميل مشاكس، والحافز الملح إلى إعطاء السم لمنافس. ولذلك فإن نفورهم من القاتل هو بدوره خوفهم من تلك النظرة المتطلعة إلى المرآة المظلمة.

هنا نجد طرف الخيط الذي يوصلنا إلى ذلك الرعب الذي يتملك الإنسان الحديث، والذي يجر معه مجتمعه … إنه ليس إلا عجزه عن تحقيق الوحدة بين مجموعتين من القيم، وعن وضع كلٍّ منهما في المكان المناسب؛ إذ يُطلب إليه من جهة أن يتبنى مجموعة مختلطة من التقاليد المتعلقة بالدوافع البشرية، أصبحت شيئًا عفا عليه الزمان، ولكنه يُرغم من جهة أخرى على أن ينظر إلى أفكار العلماء النظرية، التي تذيع شهرتها، وإن لم يكن يعرف سياقها، على أنها كتاب منزل جديد. فلا غرو إذَن أن نراه يستمع إلى الاثنين معًا بذلك الارتياب الأبله الذي يستمع به أحد المحلفين لشهادة قطعية يُدلي بها مجانين في محاكمة مريض نفسي.

هذه الرؤية المزدوجة للضمير لن يمكن شفاؤها بإضافة مقرر سريع في البيولوجيا إلى المناهج المدرسية. ولقد كان من الأمور الطبيعية، في المناظرة التي دارت حول «الثقافتين»، أن ينظر إلى الانقسام بينهما على أنه أمر يختص به التعليم، ولكن هذا خطأ أعترف بأنني قد شاركت فيه؛ إذ إن ذلك جعل الأمور تبدو وكأن العلم والأدب حزمتان من المعلومات، وأن كل ما يتعين علينا عمله هو أن نوثق علاقاتهما المتبادلة.

ولكننا لن نستطيع تخفيف منافسة الثقافتين عن طريق تحويلهما إلى مقررات إجبارية في المدارس. فقد شهدنا الحساب يُعلَّم في المدارس طوال الوقت الذي كانت القراءة تُعلَّم فيه، دون أن يؤدي ذلك إلى ترك أثر من حب الاستطلاع الرياضي لدى أولئك الذين يجدون متعة في قراءة الكتب. والواقع أن ما يفرق بين الثقافتين ليس انعزال المعلومات، بل انعزال التعاطف، فما تطالبان به حتى في الوقت الراهن ليس وقتًا في جداول الدراسة لكلٍّ منهما على حِدة، وإنما هو الفهم. والمشكلة ليست في توصيل العلم والأدب، على قدم المساواة، إلى رأس الجمهور، وإنما هي توصيلهما معًا بصورة موحدة إلى الذهن العام، وجعلهما جزءًا من النظرة الشاملة للجمهور.

والواقع أنه ليس من قبيل المصادفة أن نجد الإنسان الغربي، بما لديه من إحساس قوي بشخصيته الفردية، يعبِّر عن نفسه بالعلم والأدب معًا، فليس أحدهما أسلوبًا فنيًّا والآخر أداة ترفيه، كما أن أيًّا منهما ليس حزمة من المعلومات، وإنما هما يحددان ضربين من المعرفة يتميزان بالتكامل، ويزدهران أو يذبلان معًا بالضرورة، فإذا نظرنا إلى الانفصام بينهما على هذا النحو لما كان مجرد ثغرة في التعليم المعاصر، وإنما هو العلامة المرئية على فقدان الثقة في وحدة الإنسان.

ولقد بينت هذه الدراسات أن من الممكن خلق فلسفة متماسكة للإنسان من جديد، وذلك بغير إنكار لقيمة العلم الحديث، بل مع اعتراف بهذه القيمة، وينبغي أيضًا ألا ننكر قيمة الفن (الفن الحديث) الذي ضربت له مثلًا بالأدب توخِّيًا للتبسيط. ولقد روى اللورد تشيرول Cherwell أن زوجة مدير كلية «أول سولز All Souls» قالت له حين كان أستاذًا للفيزياء في أكسفورد: «إن زوجي يقول إن الشخص الذي يحصل على المرتبة الأولى في امتحان الآداب الكلاسيكية في السنة الأخيرة للدراسة الجامعية يستطيع أن يستوعب العلم في أسبوعين.»

ولا بد أن مدير كلية «أول سولز» كان شخصًا أحمق، ولكن لا يقل عنه حمقًا أستاذ الفيزياء الشاب (الذي أصادفه بين الفينة والفينة) الذي يعتقد أن أي عالِم رفيع المستوى يستطيع أن يستوعب الثقافة في أسبوعين.

إن الفن والعلم هما النصبان التذكاريان اللذان صنعهما الإنسان، واللذان تثبت فيهما ثقافتنا الماضية، وهما أيضًا المؤشران الحساسان اللذان يشيران إلى اتجاه مستقبلها. وفي مقابل ذلك نجد الثقافة اليومية الحاضرة تحاول جاهدة أن تفكر أين تضع العلم الحديث، وكذلك الفن الحديث، فهي تشكو من أن العلم قد أفسد الأخلاق، لأنه حرَّر السلوك الإنساني من الجزاءات القديمة التي كانت مبنية على الخوف والطاعة، وهي تحتجُّ كذلك على الفنون؛ لكونها فاضحة بنفس المقدار؛ إذ إن النساء ليست لهن تلك النظرة التي صورها رنوار Renoir، أو تلك الطباع التي صورها أوسكار وايلد، والتي كان أجدادنا بالأمس يجدونها بدورها فاضحة.

٦

إن الفضائل والرذائل التي تكشف عنها الشخصيات في الأدب مألوفة لنا كفضائلنا ورذائلنا. فهي تنتمي إلينا، وهي تأتي مباشرة من العالم الذي يقع في مواجهتنا وراء الصفحة البيضاء، منتظرًا إيانا حتى نقفل الكتاب، إن «أسقف ويكفيلد» عطوف، و«الدكتور جيفاجو» محب، و«كراسيدا»، خادع، و«الأبله» شفوق، وربما كانت أفعالهم في بعض الأحيان أكبر من الحياة ذاتها: إذ كان مارك أنطوني ولهانَ على مستوى ملكي هائل، وكان سامسون أجونستس Samson Agonistes بطولي الخصال إلى حد يفوق كل ما هو مألوف، ولكن القالب الذي صُبَّت فيه فضائلهم ورذائلهم هو قالبنا نحن، ويكاد يكون من الممكن الاهتداء إلى نظير لكل ما يفعلونه في باب التضحية أو الإيذاء في أعمدة أية صحيفة من صحف يوم الأحد.

ومع ذلك فإن قوة الأمثلة التي يضربونها تختلف من تلك الثرثرة التي نقرأ عنها في صحف الأحد. وليس في هذا الأمر غموض؛ إذ إن قصصهم، ببساطة، تُروى لنا بمزيد من التفصيل، غير أن التعبير عن الاختلاف بهذه الطريقة المفرطة في التبسيط ينطوي على إخلال شديد، ويتجاهل أمورًا أكثر من تلك التي يتنبه إليها. فليست كمية التفاصيل هي التي تميز العمل الأدبي، وإنما نوعه. فمن الممكن أن تكتب في الصحف أعمدة إضافية تنبئك بالمزيد عن قصة الحب المكتوبة في صحيفة الأحد، ولكن هذه الأعمدة لن تستطيع أن تبعث الحياة في القصة، أو أن تدمجها في حياتك، أما قصص الحب في الأدب فتدخل حياتك لأنها تُروى لك بذلك النوع من التفاصيل الذي تعيشه أنت ذاتك في الحب؛ فالأدب لا يعرضها بطريقة سلبية على أنها حكايات، وإنما يقدِّمها من خلال التفاصيل الإيجابية للخبرة الباطنة.

ولقد سبق لي أن قمت بمناقشة مفصلة للصراعات في هذه الخبرة. أما الآن فأمامي مهمة أخرى، هي كونها إيجابية، فهذا ما يجعلها جزءًا من حياتك ويدمجها إدماجًا وثيقًا في سياق الحياة اليومية، ولو لم تكن مندمجًا في الحدث بصورة ملموسة، كما يحدث عندما تكتب خطابًا غراميًّا، لكانت الفضائل والرذائل التي تتصارع في الكتب مماثلة في تجريدها لما نجده في «ملكة الجن The Fairy Queen» و«مسيرة الحاج The Pilgrim’s Progress». إن القصيدة أو الرواية ليست موعظة، وهي لا تقدِّم إلينا وعظًا عن القيم، وإنما تضع هذه القيم كلًّا في مقابل الأخرى. ولا يكون لهذه القيم معنًى بالنسبة إليك إلا إذا كنت تشعر بالحدث على أنه خاص بك، فعندئذٍ فقط تستطيع هذه القيم أن تواجه القيم والأفعال التي تمرُّ بك في حياتك اليومية وتؤثر فيها.

ولكن إذا كان هذا يصدق على الفضائل والرذائل التي تضمها الكتب، فلا بد أنه يصدق أيضًا على تلك التي تعرضها المواعظ، وواقع الأمر أن ثقافتنا لم تعُد ثقافة بسيطة يمكن تلقينها بالمواعظ، فنحن نلتزم الآن بأوامر ذات طابع ديني، بقدر ما نلتزم بولاءات، ولدينا من الولاءات عدد يفوق ما تستطيع هذه الأوامر تغطيته. فلا بد لنا من أن نوازن بأنفسنا بين ما فيها من قيم متصارعة في هذه المناسبة وتلك، بحيث نؤيد هذه مرَّة وتلك مرَّة أخرى، في سلوكنا اليومي الطبيعي. ولا بد لنا، في ثقافة معقدة متعددة الجوانب، أن ننمي قواعدنا الأخلاقية في أفعالنا ذاتها، تارة ونحن مندمجون في هذه الجماعة، وتارة في جماعة أخرى، وربما كان لهذه الجماعة أو تلك كتاب من القواعد التي تسري على أعضائها، ولكن لا يمكن أن يكون هناك كتاب مهمته أن يقوم بالنسبة إلى أي واحد منا، وبصورة نهائية قاطعة، بعملية التوازن بين الولاءات التي تربطه بعشرات الجماعات.

بل إن من الممكن القول بأن أي قانون أخلاقي لا يمكن، ولم يكُن من الممكن، أن يكون في أساسه كتابًا من القواعد، في الحاضر أو في الماضي، فكتاب القواعد يمكنه أن يُملي عليك ما هو سليم، ولكنه لا يُملي ما هو واجب، وهو يستطيع أن يعرِّفك بالطريقة التي تؤدي بها لعبة، ولكنه لا يستطيع أن يُنبئك بالطريقة التي ينبغي أن تسلك بها في هذه اللعبة، فأخلاق اللعبة، ومعيار السلوك بالنسبة إلى عشاقها تعبر عنها عبارات لا تتضمنها القواعد مثل: «العب المباراة» و«العب كرة» و«هذه ليست كرة» و«العب برجولة». مثل هذه العبارات والأفكار تتضمن المفهومات ذات المعنى المُبهَم، التي تميز اللعبة بحق، ولكنها لا تقدم تعريفًا لهذه المفهومات، وإن أصول السلوك الاجتماعي لَهي أشبه بمباراة منها بتدريب عسكري. ففي استطاعتنا أن نكتب اللوائح وكتب القانون ونعيد كتابتها كما نشاء، ولكننا لا نستطيع أن نعرف القيم التي تؤلف أخلاقنا بحق، ولا نستطيع أن نفرضها بأمر، إذ إن هذه القيم لا تُدوَّن كتابةً بل تُمارَس سلوكًا.

٧

ولا شك أن القيم التي تُمارس سلوكًا في الأدب تشمل كل ما يمكن تصوُّره من قيم السلوك. فكل فضيلة تقريبًا تتمثل في «تاجر البندقية» مثلًا، من دون المسرحيات جميعًا. ومع ذلك يمكن القول على وجه الإجمال: إن الأدب يهتم في أغلب الأحيان بالقيم التي تتركز حول مشاعر شخص نحو شخص آخَر. هذه هي القيم الشخصية الحميمة، إن جاز هذا التعبير، فهي تمارس تأثيرها عن قرب، وبصورة مباشرة. والرسالة التي تبلغها محددة الاتجاه، مني إليك. وأعظم هذه القيم هي الحب، الذي نستطيع أن نتخذ منه نموذجًا للقيم الأخرى جميعًا.

ومع ذلك فإننا حين نُمعن الفكر نجد أن الطابع الشخصي الحميم للحب ليس هو المميز له وللقيم المرتبطة به. فلهذه القيم معنًى مشترك أعمق، يميزها جميعًا، ابتداءً من الرقة حتى الشفقة، ومن الكرم حتى الاحترام والصداقة، فعبر هذه القيم جميعًا يمتد معنًى مزدوج هو الإخلاص من جانبي، والتعاطف نحوك.

ومن أهم الأمور أن يكون في إمكاننا تعرُّف هذين العنصرين في كل هذه القيم، فالشعور الذي يبدأ من شخص وينتهي إلى شخص آخر فيه عنصران، ففي الطرف الخاص بي يوجد الالتزام، والشعور بالإخلاص، ويقترن به ما يُحرِّك إخلاصي ويوجهه، وما يهتدي إليه إخلاصي؛ وهو تعاطف نحوك. هذان هما المعطي والعطاء، ولا يمكن أن يكون أحدهما كاملًا بدون الآخر.

فإن كان الأمر كذلك كان معناه أنني، أنا المعطي، أحتاج إلى العطاء بقدر ما تحتاج أنت إليه … فالإخلاص المجرد لا يكفيني، وإنما أحتاج إلى الشعور بالتعاطف معك لكي يوجه هذا الإخلاص ويملؤه معنًى، ومن الواجب ألا يكون موضوع ولائي مستعبدًا لي فحسب، بل ينبغي أن يحقق ذاتي ويملأها … ولا بدَّ أن أشعر بأنني أصبحت أكثر مما كنت إذ اهتديت إلى شيء كنت أفتقر إليه، فالانفعال والعاطفة، والعطف والرحمة، لا تسير في فراغ لكي تبحث عن موضوع للإخلاص أيًّا كان، بل إنها تبحث من أجلي عن ذات أخرى تستثير تعاطفي لأنها تحقِّق ذاتي.

هذا التحليل يوضح: لماذا يمكن في النهاية أن أخلص بقدرٍ مساوٍ من الإخلاص لتعاطفي مع أشياء مجردة … ذلك لأن هناك وسائل أخرى لتحقيق الذات غير العلاقات الشخصية، فمن الممكن أن يجد المرء، أو يصنع، نماذج مثالية تجسد ما يريد أن يكون، جزئيًّا على الأقل، وفي المجتمع المعقَّد توجد جماعات متعددة يمكنها أن تقدِّم إليه نماذج كهذه. في هذه الحالة يتمثل الإخلاص والتعاطف لديه في قيم أبعد عن الطابع الشخصي الحميم، كالواجب والولاء والأريحية والتضحية، وسائر الفضائل الاجتماعية التي لا تطرح أسئلة.

ولكن ما الذي يحفظ توازن القيم الاجتماعية، كل مجموعة منها إزاء الأخرى، عندما تكون هذه القيم سارية على شعوب بأسرها؟ لقد قالت «إديث كافل Edith Cavell» وهي تواجه صف «طابور» الإعدام رميًا بالرصاص: «ليست الوطنية كافية» فليس يكفي الولاء ولا الإحساس الناصع بأن للمرء رسالة، ولا الاقتناع بأن خصومنا مخطئون، ومخطئون خطأً فاحشًا فهم في الواقع يعرفون على نحو أفضل أن أية أمة لا يمكن أن تُدار شئونها على هذا النحو، كما أن العالم لا يمكن أن يُدار بهذه الطريقة، فنحن لا نستطيع أن نشخص الدول وكأنها أناس، ونجعلها تعامل ما بينها من منافسات وكأنها قصص حب … ذلك لأن الحياة الاجتماعية لا يمكن أن تحكمها مراعاة القيم المستمدة من الإخلاص والتعاطف.

فلا بد إذَن أن تكون هناك قيم أخرى غير هذه القيم الشخصية الحميمة، وبالفعل توجد قيم كهذه، فالحب ليس هو النموذج الوحيد للفضيلة، والكراهية ليست هي الرذيلة الوحيدة، بل إن هناك مجموعة أخرى من الفضائل ترتكز على قيمة أساسية هي الحقيقة، وتضيع هذه الفضائل إذا ضاعت الحقيقة، ولكنَّ هناك اختلافًا واضحًا، هو أن الحقيقة في ثقافتنا لا تلقى منَّا نفس القبول المتحمس الذي تلقاه القيم الشخصية.

فنحن نحيا عن طريق روابط بشرية، ومشاركة الآخرين لنا في اعتقادنا أهم في نظرنا من صحة هذه الاعتقادات. ومن هنا لم يكن الشيء الباطل (أو حتى الشيء الخادع) يثير فينا نفس القدر من السخط الشخصي الذي تثيره الخيانة والغدر مثلًا، إذ إن البطلان قد يكون مجرد خطأ، كما نقول عادةً. ونحن نجد أنفسنا على استعداد للنظر إلى الأكذوبة في الحياة الخاصة بوصفها عملًا من أعمال الشفقة، وفي الحياة العامة بوصفها عملًا من أعمال السياسة والكياسة.

إن القيم المستمدة من الحقيقة قديمة قدم حضارتنا، ولكنها كانت في الماضي أقل تدقيقًا مما هي عليه الآن، لعدم وجود كمية من المعلومات المحددة التي تقدم نموذجًا للحقيقة في ذلك الحين، أما الآن فقد أصبحنا نرى العلم في سعيه إلى الحقيقة يعطينا سيطرة هائلة على الأمور المتعلقة بالطبيعة، وأصبحنا نتساءل عما إذا كنا حكماء في تجاهلنا المستمر له في الأمور المتعلقة بالدولة، وهذا هو نوع القلق الذي يداهمنا كلما استبعدنا النتائج والجوانب الأخلاقية للعلم.

٨

إن الحقيقة ليست حكرًا على العلم، وقد كانت القيم المستمدة من الحقيقة معروفة قبل الثورة العلمية، ومع ذلك فسوف أرتكز في استخلاصي لهذه القيم على ممارسة العلم. ولهذا الأمر سببان: فهذا الإجراء الذي أتبعه يبيِّن على أوضح نحو ممكن كيف نكوِّن اتجاهًا أخلاقيًّا عن طريق ممارسته، وهو يبين إلى أي مدًى يمكن أن تكون هذه القيم عملية، إذا كنا راغبين في استخدامها. وقد اتبعت هذا المنهج نفسه من قبل في كتاب «العلم والقيم الإنسانية»، ولن أفعل الآن شيئًا سوى تقديم تلخيص سريع لما قلته عندئذٍ.

من الشائع القول إن العلم محايد أخلاقيًّا؛ لأن كشوفه يمكن أن تستخدم من أجل الخير أو الشر، على أن هذا الحكم يخلط بين معنيين للفظ «العلم»، هما عملية الكشف، وما يُكتشف عند نهاية هذه العملية، وبطبيعة الحال فإن ما يُكتشف محايد، سواء أكان قانون «هوك» Hooke، أو شبه موصل، أو نظرية التطور، ولكن النشاط المتواصل والمتفاني، الذي بذله أولئك الذين قاموا بهذه الاكتشافات لم يكن نشاطًا محايدًا، فقد كان موجهًا بثبات، وكان الحكم عليه دقيقًا.

إننا في ممارستنا للعلم نقبل منذ البدء غاية توضع لنا. وغاية العلم هي كشف ما هو صحيح أو حقيقي عن العالم، فنشاط العلم موجَّه إلى البحث عن الحقيقة، وبهذا المعيار يُحكم عليه، ومن ثَم فلا يمكننا ممارسة العلم ما لم نقدِّر قيمة الحقيقة.

والحقيقة قيمة فردية، تتحكم في سلوك عالم منفرد في أثناء أدائه لعمله، وهي لا تصبح مصدرًا لقيم اجتماعية إلا عندما يقبل مجتمع من المجتمعات الفرض القائل إن أي اعتقاد لن يُكتب له البقاء ما لم يتعارض مع ما هو حق، هذا هو الفرض غير المصرَّح به الذي يأخذ به مجتمع العلماء بوصفهم هيئة واحدة، فهم متفقون على أن كشف الحقيقة غاية في ذاته، لا بالنسبة إلى كل عالم فحسب، بل بالنسبة إلى الثقافة العلمية ذاتها، ويترتب على ذلك أن من الممكن استنباط مجموعة كاملة مترابطة من القيم الاجتماعية من القاعدة الواحدة القائلة إن للثقافة العلمية واجبًا مشتركًا هو البحث عن الحقيقة.

وبطبيعة الحال فإن هذا يفترض ضمنًا أن الحقيقة لم يتم الاهتداء إليها بعد (بل يفترض أن الحقيقة ليست شيئًا موجودًا هناك، يمكن العثور عليه بصورة كاملة، كما يعثر المرء على مظلة مفقودة)، فالمجتمع الذي يعتقد أن الحقيقة ليست في حاجة إلى مزيد من البحث هو مجتمع تسلُّطي، وفي مقابل ذلك ينبغي أن ينظم مجتمع العلماء بحيث يسير خطوة فخطوة في طريق الكشف عن الحقيقة، لذلك فإن العالم الواحد ينبغي أن يقدر أصالة العقل واستقلال الشخصية، وينبغي أن تعمل الثقافة ككل على صونهما عن طريق تقدير قيمة الاختلاف في الرأي، كما ينبغي حماية الاختلاف في الرأي بدوره عن طريق العدالة والحرية؛ حرية الفكر، والكلام، والكتابة، والتنقل والتجمع، ومن الواجب ألا نأخذ هذه الحريات قضية مسلَّمًا بها لمجرد أن من الشائع ترديدها إلى حد الابتذال، وكأنها قيم طبيعية واضحة بذاتها في أي مجتمع، فأفلاطون لم يقل بحرية الكلام والكتابة في «الجمهورية»، ولم يقل بضمان العدالة للمطالبين بها، وإنما طالب بنفيهم خارج البلاد، والواقع أن الحرية لا تُقدَّر إلا في مجتمع يريد تشجيع الاختلاف في الرأي والحفز على الأصالة والاستقلال، فهي تنتمي إلى مجتمع متفتح للتغير، يقدر القائم بالتغير وهو الفرد، أكثر من تقديره لاستقراره وطمأنينته الخاصة.

وحتى الآن لم أستخلص من الشروط اللازمة لممارسة العلم سوى تلك القيم التي تسمح بالتغير، غير أن الثقافة ينبغي أن تكون فيها أيضًا قيم تقوِّم التغير، ولنقل بعبارة هندسية إن من الواجب أن يكون فيها نوع من القصور الذاتي، تحافظ به على ما تعتقد بصحته في الوقت الحالي، وتجعل حقيقة الغد تكافح من أجل الحياة، ولكي تكون الثقافة العلمية مستقرة، لابدَّ لها أن تكرم أولئك الذين تجاوز العلم أعمالهم وكذلك الوافدين الجدد إلى مجال العلم. ولا بد لها أن تتوخى الاحترام في معاملتها لحقيقة الماضي، وللطريقة التي تم الاهتداء إليها بها، ولا بد لها أن تحترم طريقة عمل المرء أكثر مما تحترم ما يتوصل إليه، لأن عملية الكشف أهم في نظرها من الكشف ذاته، أيًّا كان.

وبهذا المعنى يكون الاحترام قيمة أساسية في الثقافة العلمية. والقديم والجديد يرتبطان بالاحترام الذي نبديه نحو كل شخص وعمله، لا بوصفه إنجازًا بل بوصفه مثلًا، وطريقة ناجحة في العمل. وهذا هو المعنى الحقيقي للتقدم في العلم، وأعني به أن الماضي يُحترم في الحاضر، ونيوتن يُحترم في أينشتين، وعلم الحساب عند العرب في الحاسب الإلكتروني، والعجلة المائية في المحرك، فالتقدم ليس مقبرة لما أصبح عتيقًا باليًا، وإنما هو تاريخ حي.

ويُعد الاحترام في نواحٍ معينة قيمة شخصية في حين أن التعبير الاجتماعي عنها هو التسامح، والتسامح قيمة حديثة، لأنه شرط ضروري لتماسك مجتمع معقَّد يتمسك الأشخاص المختلفون فيه بآراء مختلفة، وفي هذا الإطار لا يكون التسامح قيمة سلبية، بل ينبغي أن ينشأ عن الاحترام الإيجابي للآخرين، فليس يكفي في العلم أو في المجتمع الحديث أن نوافق على أن للآخرين الحق في إبداء آرائهم، وإنما ينبغي أن نؤمن بأن آراء الآخرين لها أهميتها في ذاتها، وبأنها جديرة باحترامنا حتى عندما نعتقد أنها باطلة، ففي العلم، وفي الحياة الحديثة، يكون الخطأ أمرًا مؤسفًا، ولكنه ليس خطيئة.

٩

إن الأخلاق الصحيحة ينبغي أن ترتكز على فلسفة موحدة الاتجاه وهذه الفلسفة يجب أن تُدرِك، كما بينت، أن وحدة الإنسان تُستمَد من تلاقي ضربين من الخبرة، وتتحدد في ضربين من المعرفة: معرفة العالم المادي، ومعرفة الذات. فليس لنا أن نأمل في تشييد بناء حديث للقيم يُهون من شأن أيٍّ من هذين الضربين، بل إن الأخلاق المبنية على أساس سليم تبدأ في عملية فهم الطبيعة والإنسان معًا. والفهم العلمي جزء من هذا الفهم؛ أي إن الاختيار بين الخير والشر لا ينبغي أن يتعارض مع الاختيار بين الصحيح والخطأ.

ولكن من المؤكد أن المسألة أعمق من ذلك. فما يتعلمه الضمير من المعرفة العلمية هو مجموعة القيم العلمية، التي تجعل من البحث عن الحقيقة أول أهدافها، وتتخذه غاية في ذاتها. ولا شيء يؤدي إلى تآكل الأخلاق العامة بقدر الاكتفاء بما يتفق ومصالحنا عندما تكون الحقيقة غير مستساغة.

ولو كان هذا هو كل ما يمكن قوله في هذا الموضوع لكانت حالتنا ميئوسًا منها بحق، فقول الصدق في الأمور الواقعة قاعدة جديرة بالثناء، وتقدم العلم مبني على هذه القاعدة البسيطة، ولكن لو كان هذا كل مضمون العلم لكان دراسة مجدية، ولو كان ذلك ما يستطيع العلم قوله عن سلوكنا في الحياة، لكان معناه أنه يتركنا مختلِّي التوازن، فلا بد أن تكون لدينا قاعدة كبرى، وقاعدة واحدة فقط في جميع المسائل التي يمكن أن تخضع لاختبار الواقع، أما المسائل التي لا تُعد ولا تُحصى، والتي تواجهنا في حياتنا اليومية، الخاصة منها والعامة، والتي لا يمكن إخضاعها لاختبار عملي، فلا مفرَّ فيها من العودة إلى ذلك الصراع القديم بين الولاءات.

وهذه بالفعل هي الصورة التي لدى الجمهور بوجه عام عن الحيرة التي يقفون فيها؛ فالتصور الوحيد الذي يملكه الجمهور عن العلم هو تصور جهاز لا شخصي لطحن الحقيقة الواقعية، فإن كان هناك سؤال له جواب، فإن الآلة سوف تقدمه، ولن يكون هناك سوى جواب واحد لكل سؤال، وهكذا يصبح تقدم العلم غزوًا من الآلة لميدان بعد ميدان كان الإنسان فيه من قبل هو سيد نفسه، والواقع أن الإنسان الذي يتوق إلى أن يصبح شخصًا، يعتقد أن حقائق العلم تأتي يومًا بعد يوم لكي تحاصره وتحصره، بحيث تضع مسمارًا لهذا المفصل ومسمارًا لهذه العظمة، حتى يصبح جهازًا آليًّا ناطقًا قوامه مجموعة من الوقائع. وبهذه الطريقة يعرف بوضوح تام أنه يخسر المعركة التي يخوضها من أجل تأكيد شخصيته.

ومن المؤسف أنه على حق؛ فلو أن معركة الإنسان المتحضر من أجل ذات متماسكة دارت على هذه الساحة، لأصبحت قطعًا خاسرة. ولا يهم كثيرًا أن يكون الإيمان المتسلط الذي تسفر عنه هذه المعركة ذا طابع علمي، إذ إنه سيظل مع ذلك تسلطيًّا وجلَّابًا للكوارث، شأنه شأن أي إيمان مضاد للعلم، وهذا ما أثبتته ألمانيا في عام ١٩٣٣م. فلو لم يكُن لدينا أي شيء نقدمه للإنسان المتحضر سوى التزام الواقع من ناحية، والولاء الأعمى من ناحية أخرى، لأصبح هذا الإنسان ضائعًا؛ إذ لا يكون هناك مكان لذات شخصية في هذه الناحية أو تلك.

إن القيم التي نشعر حقًّا بأن حياتنا مرتبطة بها، ليست من أمثال هذه القواعد العقيمة. والأخلاق العلمية بوجه خاصٍ لا تنتهي إلى التمسك بالوقائع، ولا يمكن أن تستخلص من المعنى الساذج للحقيقة. بل إن ما يولد قيم العلم كما استخلصتها هو الحقيقة بوصفها معرفة، وبوصفها سعيًا لا نهاية له. وحين تواجه الذات هذه القيم، فإنها تواجهها بوصفها معرفة وبوصفها امتدادًا متواصلًا، وهذه الذات هي التي يتعين عليها أن تهتدي إلى هدف يجمع بينها وبين تلك القيم.

١٠

ما الذي تشترك فيه قيم العلم المتشددة مع القيم الشخصية التي تسود حياتنا الخاصة وتنعكس في الفنون؟ أهناك شيء يمكن أن يجمع بين الحقيقة والعدالة، والاستقلال واختلاف الرأي في العلم، وبين القيم الأكثر دفئًا، التي يتشابك فيها الإخلاص والتعاطف، كالحب والرقة والشفقة؟ أم إن علينا أن نُسلِّم بأن الجهاز الشكلي الذي يُقدَّم إلينا العلم فيه يتضمن في ذاته قيمه الخاصة، ويحفظها بمعزل عن تلك المشاعر الدافئة التي يلتمس الناس فيها مجالًا لتحقيق أنفسهم؟

نستطيع القول — في ضوء العرض الذي قدمته من قبل — أن صيغة العبارة الأخيرة ذاتها تكشف بوضوح عن استحالة وجود انفصام حاد كهذا. صحيح أن العلم، في أية لحظة بعينها، يوجد بوصفه مقدارًا معلومًا من المعرفة، ويمكن تغذيته للآلات بصورة مؤقتة، ولكن عملية اختراعه وعملية توسيعه في المستقبل، لا يمكن أن تتم بواسطة الآلات، بل بواسطة البشر. ولا شك أن الخيال الذي يُحفز هؤلاء البشر، والطموح إلى الخبرة الجديدة، والبحث فيها عن متشابهات جديدة مع الخبرة القديمة، كل ذلك ينتمي إلى نفس نوع خيال الشاعر وأي شخص يتطلع إلى تحقيق ذاته خارج نطاق ذاته، فقيم العلم تتولد خلال عملية البحث، لا عن طريق النتائج العلمية، ومن المستحيل أن تصبح هذه القيم في نهاية الأمر متلائمة مع طابع آلة لا تملك إلا تسجيل النتائج.

وعلى ذلك فحين ننظر بإنعام إلى قائمة القيم التي عددتها في العلم، لن يكون من المستغرب أن نجد بينها بعضًا من القيم التي تتدرج أيضًا ضمن قائمة القيم الشخصية. ومن هذه القيم المزدوجة، التسامح، ومنها أيضًا الاحترام. هاتان القيمتان هما الجسر الموصل بين مجموعتين من القيم، وهما في الواقع جسر واحد لا جسران، لأنهما قيمتان مترابطتان، فالتسامح والاحترام — كما عرضتهما — يشكلان زوجًا من القيم، تدعم كلٌّ منهما الأخرى؛ وهما تظلان مرتبطتين، سواء نظرنا إليهما ضمن قائمة القيم العلمية أم ضمن قائمة القيم الشخصية الحميمة. ولقد كتبت منذ اثني عشر عامًا أقول:

«إن التسامح بين العلماء لا يمكن أن يكون مبنيًّا على عدم اكتراث، بل يجب أن يكون مبنيًّا على الاحترام.»

وفي هذا المعنى ذاته، وفيه وحده يكون للتسامح، بوصفه علاقة إيجابية؛ مكان ضمن القيم الشخصية الحميمة.

على أن المفهوم الحاسم من بين هذين المفهومين هو الاحترام؛ ذلك لأن الاحترام قيمه مشتركة بين القائمتين معًا، وعلى ذلك فليس له نفس المعنى بالضبط في كلٍّ منها، ففي العلم ينتقل الاحترام مني إليك. فأنا أحترم عملك وإن لم أكُن خليقًا بأن أقوم به على نفس النحو، وأحترم وجهه نظرك وإن لم أكن أشاركك إياها. وأنا أحترمك بوصفك شخصًا اكتسب الحق في العمل كما يشاء، ولكن أعمق شيء تعلمته منك هو أن أحتفظ بحقي الخاص.

على أن هذا ليس هو المعنى الأكثر شخصيةً وعمقًا للاحترام، فأنا بطبيعة الحال أحترم جوناثان سويفت Jonathan Swift على بعض من هذه الأنحاء (وإلا لكان من الخطأ استخدام لفظ الاحترام نفسه) ولكني أشعر نحوه أيضًا بمزيد من الحرارة، فأنا لا أنظر إليه على أنه شخص مختلف عني، وربما كان أكثر ما أحترمه فيه هو ما يوجد فيَّ وما لا يمكن أن يفارقني؛ أعني مظاهر التطرف والسخط، وتلك القصائد السليطة، والرقة الخفية التلقائية؛ وكل تلك الكراهية لنفسه التي يركز فيها بوحشية تعاطفه مع الإنسان. والحق أنني ما كنت لأحترم ذاتي لو لم أكن أحترم سويفت.

هذه هي النقطة التي تتلاقى فيها قيم العلم وقيم الذات وتتكامل. وليس المهم أن نسمي هذا المركب المحكم من القيم المشتركة تسامحًا أو احترامًا أو كرامةً إنسانية. وإنما المهم أن العلم يبحث فيها كلها عن كرامة العمل، ونحن بوصفنا أناسًا نبحث فيها عن كرامة الإنسان. ونحن لا نبحث عن هذه الكرامة بوصفها اكتشافًا يوجد خارجنا، بل نبحث عنها في أنفسنا، فاحترامي لجوناثان سويفت هو احترام لذاتي، وفيه أضيف إلى إنجازاته إحساسي بالتوحد مع إنسانيته، وفي هذا الربط بين العمل والإنسان، وبين الطبيعة والذات يُضفي العلم والأدب على ثقافتنا كرامةً تتجاوز نطاق كلٍّ منهما، وذلك في بناء أخلاقي يجمع بين احترام ما ينجز واحترام ما نكونه.

إن كل بناء أخلاقي يتطلع في اتجاهين، فله جانب عام وجانب خاص؛ أي إنه يجب أن يحفظ الإنسان داخل إطار مجتمعه، ومع ذلك يجب أن يجعله يشعر بأنه يسير وفقًا لميوله الخاصة، ولا يمكن أن تكون الأخلاق فعَّالة ما لم تربط بين الواجب الاجتماعي والإحساس بالفردية، وفي هذه المسألة، قبل غيرها، أخفقنا في أن نجعل العلم جزءًا من نظامنا الأخلاقي؛ إذ إننا جعلناه يبدو كما لو كان بناءً من المعرفة المتاحة للجميع، لا أكثر، وترتَّب على ذلك أننا تركنا للفنون مهمة التعبير عن ذلك الضمير الشخصي الذي لا يخضع لأي نوع من الأوامر، على أنني قد أوضحت أن كلًّا من الصورتين غير منصفة. فللعلم بدوره لُب من الخيال الشخصي كما أن معرفة الذات التي تتبناها الفنون تمتد من ذاتنا حتى تصل إلى ذوات الآخرين، وهذا المعنى المزدوج هو الذي يربط الثقافتين ويدمجهما في نظام أخلاقي واحد، وأعني بهذا المعنى المزدوج، الاحترام الخاص والشخصي للعمل المنجز، والتسامح العام إزاء أفكار ومشاعر شخص آخر. والجمع بينهما هو الإحساس بالكرامة الإنسانية، الذي يحفظ لكل إنسان حريته داخل مجتمعه، ويجعله ذلك النوع الفريد، المزدوج من المخلوقات؛ الإنسان، ذلك الاجتماعي المنعزل.

١١

لقد أطلقت على هذه الدراسات اسم «وحدة الإنسان» لأنني أردت أن أميز بين النصفين اللذين تتألف منهما هذه الوحدة، وهما الآلة والذات، ذلك لأن الإنسان آلة بميلاده، ولكنه ذات بخبرته، والطابع الخاص للذات يكمن في خبرتها، لا بالطبيعة، بل بالآخرين، فالإنسان يدخل حياة الناس الآخرين بطريقة أقرب إلى الطابع المباشر من قدرته على الدخول في الطبيعة، لأنه يتعرف فيهم أفكاره ومشاعره الخاصة، ويتعلم كيف يجعل أفكارهم ومشاعرهم منتمية إليه، ويجد في نفسه ذاتًا أعمق لها سمات الإنسانية كلها. إن معرفة الطبيعة تعلمه كيف يسلك عمليًّا، وتجعل منه سيدًا للخلق. أما معرفة الذات فلا تعلمه كيف يسلك، بل كيف يكون، وهي تغمره في أزمة الإنسان وأزمة الحياة، وتجعله متوحدًا مع المخلوقات جميعًا.

وإن مأساة عصرنا لتتبدى في أننا نخاف الآلة الموجودة في الإنسان مع أن هذه الآلة لا تقل نبلًا عن الذات، وقد أصبحنا نشك إن كانت ستترك لنا ذاتًا. ونحن لا نودُّ أن نصدق أن ما تتعلمه الآلة وتُعلِّمه، أعني المعرفة العلمية، يمكنه أن يقوِّي أخلاقنا التي تقف الآن حائرة بين ولاءاتنا العشوائية. ومع ذلك فإن البحث عن معرفة في الطبيعة يولد قيمًا لا تقل في ثرائها عن تلك التي نكتسبها بالسعي إلى معرفة الذات وعندما نسعى وراء المعرفة الهادفة إلى السلوك نتعلم (من بين ما نتعلم) كيف نُبدي احترامًا خاصًّا لعمل الإنسان. وعندما نتأمل شخصًا آخر مستهدفين معرفة بأنفسنا، نتعلم كيف نحترمه احترامًا أعمق بوصفه إنسانًا. والواقع أن ما نشعر به من فخر بالإنسان وبالطبيعة معًا، وبطبيعة الإنسان، يتحول عن طريق هذا الربط بينهما إلى إحساس واحد؛ هو الإحساس بالكرامة الإنسانية، وفي هذه القيمة ترتبط أخلاق العلم وأخلاق الذات، أعني الوضوح من جهة، والتعاطف من جهة أخرى، وهذه القيمة، أكثر من أي ولاء آخر من ولاءاتنا الجزئية، تعطي للوحدة الشاملة للإنسان مكانتها وأملها.

١  عالم ألماني من روَّاد علم النفس الحيواني، وُلد في إستونيا سنة ١٨٨٧م واشتهر أيضًا بأنه من أقطاب مدرسة «الجشطلت» في ألمانيا. (المترجم)
٢  لعبة منتشرة في أمريكا بالذات يقذف فيها اللاعب بيده كرة في ممر طويل ينتهي بعدد من القطع الخشبية الواقفة التي يقرب شكلها من شكل الزجاجة، ويعد اللاعب فائزًا إذا أسقطت الكرة التي يقذفها جميع القطع الخشبية مرة واحدة وإشارة المؤلف هنا إلى ما يحدث بعد أن يتم قذف الكرة وفي أثناء سيرها نحو هدفها. (المترجم)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤