الفصل الثالث

المشهد الأول

(أمام كهف بروسبيرو.)

(يدخل فرديناند حاملًا كومة حطب.)

فرديناند : قد يكون الجهد المبذول في بعض الألعاب أليمًا
ولكن متعتها تمحو الألم! وقد يُقدم المرء على عملٍ تافه

فيزداد به شرفًا! والغايات الجليلة قد تقتضي

أداء الصغائر! وربما استثقلتُ هذا العمل التافه

وكرهتُه، لولا أن حبيبتي التي أعمل في سبيلها

تُحيي في النفس ما يموت، وتحيل جهدي الجهيد

إلى متعةٍ ولذة! ألا إنها تتحلى برقةٍ ورهافة

تزيد عشرة أضعاف عن قسوة والدها وغلظته!

بل إن الغلظة مركبةٌ في طبعه! إذ حكَم عليَّ بحمل

الآلاف من هذه الأخشاب، وتكديسها، ١٠

وإلا عاقَبني عقابًا مرًّا! وحبيبتي الرقيقة

تبكي عندما تراني أعمل وتقول إن هذا العمل الحقير

لم يقم به شريفٌ مثلي من قبل! لقد توقفتُ عن العمل!

ولكن هذه الأفكار العذبة تزيد من طاقتي عليه،

وهكذا يزداد جهدي بالتوقف عنه!

(تدخل ميراندا، ويقف بروسبيرو في جانب المسرح؛ بحيث لا يَريانه.)

ميراندا : يكفي هذا الآن! لا تُجهد نفسك هذا الإجهاد!
ليْت البرق قد أحرق هذه الأخشاب التي كُتب عليك جمعها!

أرجوك ضعها على الأرض واسترح! وعندما نشعلها للوقود

ستنزل منها القطرات كأنما تبكي تعبك وجهدك!

والدي منكبٌّ على كُتبه، فاسترح الآن أرجوك! ٢٠

فأنت في مأمنٍ منه ثلاث ساعات!
فرديناند : يا أعز حبيبة! قد تغرب الشمس قبل أداء
ما كلفني به والدك!
ميراندا : اجلس الآن وسوف أحمل عنك الأخشاب بعض الوقت!
أرجوك دعني أحملها إلى الكومة!
فرديناند : لا يا أغلى المخلوقات! لن أجلس مكتوف اليدين،
وأدعك تعملين هذا العمل التافه،

ولو مزقتُ عضلاتي، وكسرتُ ظهري!
ميراندا : لسوف يناسبني مثلما يناسبك،
بل هو أيسر عليَّ لأنني أريده، ٣٠

ولا تريده أنت!
بروسبيرو : أيتها المسكينة! لقد أصابتك العدوى!
وهذه الزيارة دليلٌ عليها!
ميراندا : تبدو مرهقًا!
فرديناند : لا أيتها النبيلة! إنني أرى نضرة الصباح حولي
ما دمتِ إلى جِواري، حتى في الليل البهيم! أتوسل إليك

أن تذكري لي اسمك! ولو لأذكره في صلواتي وحسب!
ميراندا : ميراندا! أوَّاه يا أبي! لقد خالفتُ أمرك وذكرتُه!
فرديناند : ميراندا! من تثير الإعجاب! بل قمة الإعجاب!
يا من تُوازين أعز ما في الدنيا! ما أكثر النساء اللائي

أُعجِبَت عيني بهن! وما أكثر المرات التي ٤٠

وجدتُ أذني الدءوب أسيرةً لأنغام ألسنتهن!

وقد سبق لي الإعجاب بالكثيرات لخصالٍ متفرقة في كلٍّ منهن!

فإذا بدا أن الكمال تحقق في واحدة، ظهرَت نقيصة

تنقض أفضل شمائلها، وتطمسها أو تلغيها!

أما أنتِ! أنتِ أيتها الكاملة التي لا تُضارَع،

فلقد خلقكِ الله من أفضل صفات الإناث جميعًا!
ميراندا : لا أعرف واحدةً أخرى من بنات جنسي،
ولا أذكر وجه امرأةٍ أخرى

إلا وجهي الذي أراه في مرآتي! بل لم أشاهد ٥٠

من أستطيع أن أدعوه رجلًا سواكما، أنت يا صديقي الكريم،

ووالدي العزيز، وأما ملامح الآخرين من رجالٍ ونساء

فلا علم لي بها، ولكنني أقسم بعفتي،

جوهرة صداقي، إنني لا أرجو رفيقًا لي

في الدنيا غيرك، لا ولا يستطيع خيالي

أن يصوِّر شكلًا يحبه سواك أنت!

ولكن ها أنا ذا أتكلم على سجيتي فأشتط،

ناسية بذلك أوامر أبي!
فرديناند : إني الآن يا ميراندا أمير، وأعتقد أيضًا أنني ٦٠
أصبحتُ ملكًا، ولو أنني لا أتمنى ذلك، ولا أطيق — إذَن —

عبودية نقل الحطب أكثر مما أطيق ذبابةً واحدة

تحطُّ على فمي! فلْتسمعي حديث روحي إليك:

في اللحظة التي شاهدتُك فيها أول مرة،

طار قلبي إليك شوقًا لعبادتك! وأقام لدَيك

حتى يستعبدني! ومن أجلك أصبحتُ حمَّالًا صَبورًا للحطب!
ميراندا : هل تحبني؟
فرديناند : أيتها السماء اشهدي! ويا أيتها الأرض اشهدي على ما أقول!
ولْتكلِّلا اعترافي، إذا قلتُ الصدق،

بتاج الهناء والعطف! وأما إن كان كذبًا

فلْينقلب ما كُتب لي من نعيم، إلى بؤسٍ وشقاء! ٧٠

إن حبي وتقديري وإجلالي لكِ يفوق حدود

ما أُكنُّه لكل شيءٍ آخر في الدنيا!
ميراندا : إني بلهاء! أبكي لما يفرحني!
بروسبيرو : لقاءٌ جميل بين عاطفتَين نادرتَين! فلتمطر السماء
بركاتها على ما رأى النور بينهما!
فرديناند : لماذا تبكين؟
ميراندا : لِضعف حيلتي؛ إذ لا أجرؤ أن أقدِّم لك
ما أرغب في منحه، ولا أن آخذ منك،

ما يقتلني عدم الحصول عليه! ولكن كلامي هذا لا يجدي،

فكلما اجتهد حبي في التخفي، زاد كشفه عن ذاته! ٨٠

لا بد أن أتخلى عن الخجل الذي يدفعني إلى المراوغة!

بل سوف ألتزم الصراحة في إطار البراءة المقدسة!

أنا زوجتك إن أردتَ الزواج،

وإذا لم تكن تريده، فسوف أقضي حياتي عذراء في خدمتك!

قد ترفض أن أكون رفيقة لك، ولكنني سأكون

خادمةٌ لك، شئتَ أم أبيت!
فرديناند : حبيبتي يا أعز الناس! ها أنا ذا أركع لك طائعًا!
ميراندا : أنت زوجي إذَن؟
فرديناند : نعم! بقلبٍ يريده مثلما يريد العبد أن يتحرر!
هاكِ يدي!
ميراندا : وهاكَ يدي أيضًا! وقد وضعتُ قلبي فيها! الآن وداعًا ٩٠
حتى نلتقي بعد نصف ساعة!
فرديناند : ألف ألف وداع!

(يخرج فرديناند وميراندا منفصلَين.)

بروسبيرو : لا يُقارَن فرحي بفرحتهم،
وإن كنا قد فُوجِئنا جميعًا بما حدث!

ولكن فرحي به يفوق فرحي بأي شيءٍ آخر!

لا بد أن أعود إلى كتبي، فلا بد أن أنجز أعمالًا كثيرة

في هذا الصدد، قبل موعد العشاء.

(يخرج.)

نهاية المشهد الأول من الفصل الثالث

المشهد الثاني (من الفصل الثالث)

(جانبٌ آخر من الجزيرة.)

(يدخل كاليبان وستيفانو وترينكولو.)

ستيفانو : لا تقل هذا! لن نشرب الماء إلا عندما يفرغ البرميل، ولن
نذوق قطرة ماءٍ واحدة قبل ذلك! وإذَن فلنشرب ولنجرع!

اشرب نخبي يا خادمي الوحش!
ترينكولو : خادمٌ وحشي! ما أغرب أهل هذه الجزيرة! يقولون إنهم خمسة
فحسب، ونحن ثلاثة منهم، فإن كانت عقول الآخرين مثلنا

انهارت الدولة!
ستيفانو : اشرب يا خادمي الوحش عندما آمرك! عيناك ثابتتان تقريبًا في رأسك!
ترينكولو : وأين يكونان إلا في الرأس؟! سيزيد جمال الوحش إن كانا في ذيله! ١٠
ستيفانو : أغرق خادمي الوحش لسانه في النبيذ! أما أنا فلم يستطع البحر
أن يغرقني، ولقد سبحتُ خمسة وثلاثين فرسخًا، مقبِلًا مدبِرًا،

قبل أن أصل إلى الشاطئ! قسمًا بضوء النهار، سوف أجعلك

نائبي يا وحش، أو حامل لوائي!
ترينكولو : نائبك — إذا أردتَ — فهو لا يصلح لحمل اللواء واقفًا!
ستيفانو : لن نفر من العدو يا سيد وحش!
ترينكولو : لن تفرَّا ولن تكِرَّا بل ستهِرَّا مثل الكلاب! بل لن تنطقا بشيء!
ستيفانو : تكلم أيها الوحش ولو مرة في العمر … إن كنت وحشًا صالحًا! ٢٠
كاليبان : كيف حال حضرتك؟ دعني ألعق حذاءك! ولكنني لن أخدم
ترينكولو … فليس مقدامًا!
ترينكولو : هذا كذب يا أجهل دابة! لقد شربتُ حتى أصبحتُ قادرًا على
منازلة أي شرطي! عجبًا لك يا من تشبه السمك! يا أيها

الفاجر! هل يجبن رجلٌ شرب؟ هل تكذب كذب الوحوش،

ونصفك كالسمك والآخر وحشي؟
كاليبان : عجبًا كم يسخر مني! هل ستتركه يسخر مني يا مولاي؟
ترينكولو : «مولاي»؟ كيف يكون وحشٌ بهذه البلاهة؟ ٣٠
كاليبان : هل سمعت؟ لقد عاد للسخرية! أرجوك أن تعضه وتعضه حتى يموت!
ستيفانو : اسمع يا ترينكولو! هذِّب لسانك في رأسك! أما إذا أعلنت
العصيان، فسوف تُشنَق على أقرب شجرة! الوحش المسكين

من رعاياي ولن أسمح بأي إهانة له!
كاليبان : أشكر مولاي النبيل! هل تتفضل بالاستماع من جديدٍ إلى
الطلب الذي رفعتُه إليك؟

(يدخل آرييل غير مرئي.)

ستيفانو : أي والله! اركع وكرر طلبك! سأقف لأستمع، وكذا ترينكولو!
كاليبان : سبق أن ذكرتُ لك أنني خاضعٌ لطغيان طاغية … ساحر! ٤٠
تحايَل وخدعني واستولى على جزيرتي!
آرييل : أنت كذاب!
كاليبان : بل أنت الذي يكذب! أيها القرد المهرج!
أتمنى أن يقضي عليك أستاذي المقدام!

ولست كذابًا!
ستيفانو : اسمع يا ترينكولو! إذا عكَّرتَ عليه صفو قصته من جديد،
فأُقسِم بقبضتي أن أخلع بعض أسنانك!
ترينكولو : ولكنني لم أتكلم!
ستيفانو : اسكت إذَن ولا تزِد. تحدَّث يا كاليبان! ٥٠
كاليبان : كنت أقول إنه استولى على هذه الجزيرة بسحره،
أخذها مني أنا! فإذا استطاعت عظَمتكم

أن تثأر لي منه؛ وأعلم أنك تستطيع

وهذا المخلوق لا يستطيع!
ستيفانو : قطعًا … بالتأكيد!
كاليبان : فسوف تصبح ملِكًا عليهم، وأصبح خادمًا لك.
ستيفانو : وكيف يمكن تحقيق ذلك؟ هل يمكنك أن تصحبني إليه؟
كاليبان : طبعًا طبعًا يا مولاي! سوف آتيك به نائمًا
وعندها تستطيع أن تدق مسمارًا في رأسه! ٦٠
آرييل : أنت تكذب! لا تستطيع ذلك!
كاليبان : لكأنك مهرجٌ يرتدي حلةً مخططة! يا لك من أحمق سخيف!
أتوسل إلى عظَمتكم! سدد إليه اللكمات،

وخُذ تلك الزجاجة منه! فإذا ذهبَت الزجاجة،

لن يشرب إلا ماء البحر! فلن أدله على الينابيع العذبة

الدفاقة!
ستيفانو : اسمع يا ترينكولو! لا تعرِّض نفسك للخطر من جديد!
فإذا قاطعت هذا الوحش بكلمةٍ أخرى، فأقسم بقبضتي

أن أطرد الرحمة من قلبي، وأضربك حتى أبططك

مثل شرائح السمك! ٧٠
ترينكولو : عجبًا! ماذا فعلتُ؟ لم أفعل شيئًا! سأبتعد عنكما!
ستيفانو : ألم تقل إنه يكذب؟
آرييل : أنت كذاب!
ستيفانو : هل أنا الذي قال ذلك؟ خذ هذه الضربة (يضربه)
ما دمت تحب الضرب، فكذِّبني مرةً أخرى!
ترينكولو : أنا لم أكذبك! هل فسد عقلك، وفسد سمعك أيضًا؟
لعنة الله على زجاجتك! هذا ما يفعله النبيذ والشرب!

فليهلك وحشك، وليأخذ الشيطان أصابعك!
كاليبان : ها ها ها! ٨٠
ستيفانو : هيا يا كاليبان! أكمل القصة! وأنت يا ترينكولو! أرجو أن تبتعد!
كاليبان : اضربه كما يجب! وسأتولى أنا الضرب بعد قليل!
ستيفانو : ابتعد يا ترينكولو! وهيا بنا كاليبان! أكمل!
كاليبان : نعم! كما قلتُ لك! من عادته أن ينام ساعة العصر
وعندها تستطيع أن تستولي على كتبه

ثم تهشم رأسه، أو تهوى بخشبةٍ على جمجمته،

أو تغرس وتدًا في بطنه،

أو تقطع رقبته بسكينك،

لا تنس أن تستولي على كتبه أولًا،

فبدونها لن يقِل بلاهةً عني! ولن يستطيع ٩٠

أن يأمر عفريتًا واحدًا فيطيعه!

وكلهم يكرهونه كرهًا عميقًا مثلي!

لا تحرق إلا كتبه! فلدَيه مواعين جميلة —

وهذا هو الاسم الذي يطلقه عليها —

وهو يريد أن يزين بها منزله عندما يصبح له منزل!

أما ما يجب أن تتأمله بعمقٍ فهو جمال ابنته

وهو نفسه يرى أنها لا تُبارَى ولا تُجارَى! لم أشاهد

في حياتي من النساء غير سيكوراكس، والدتي، ١٠٠

وتلك الفتاة، وشتان ما بين الاثنتَين!
ستيفانو : هل هي رائعة الجمال؟
كاليبان : نعم يا مولاي! سوف تليق بفِراشك، بالتأكيد!
وتنجب لك أجمل ذرية!
ستيفانو : اسمع أيها الوحش! سوف أقتل هذا الرجل، وأصبح مع ابنته
ملِكًا وملكة — حمانا الله من العيون! — وتصبح أنت

وترينكولو نائبين للملك! ما رأيك في هذه الخطة يا ترينكولو؟
ترينكولو : ممتازة!
ستيفانو : فلنتصافح إذَن! أعتذر لأني ضربتك، ولكن لا بد أن تحفظ
لسانك طول عمرك! ١١٠
كاليبان : سوف ينام خلال نصف ساعة!
هل تقتله خلالها؟
ستيفانو : نعم! وأقسم بشرفي!
آرييل : سأطير لأخبر سيدي بذلك!
كاليبان : هذا يفرحني! والسرور يغمرني!
فلنمرح إذَن! هل تبدأ الأغنية الجماعية

التي تعلمتها منك منذ قليل؟!
ستيفانو : سأفعل ما تطلب أيها الوحش، إن كان معقولًا! سأفعل أي
شيء معقول! اسمع يا ترينكولو! هيا نغني معًا!

(يغنِّي.)

اسخر منهم واشتمهم
واشتمهم واسخر منهم ١٢٠
إذ لا قيْد على الأفكار!
كاليبان : ليس هذا هو اللحن!

(آرييل يعزف اللحن على الناي بمصاحبة الدف.)

ستيفانو : ما هذا؟ إنه نفس اللحن!
ترينكولو : إنه لحن أغنيتنا الجماعية! يعزفها شبحٌ لا جسد له!
ستيفانو : إن كنت من الإنس فاظهر على حقيقتك! وإن كنت شيطانًا
فاظهر في أي صورةٍ تريدها!
ترينكولو : أرجوك أن تغفر لي ذنبي!
ستيفانو : الموت يسدد كل الديون! إني أتحداك! (يجبن فجأةً) الرحمة! ١٣٠
الرحمة!
كاليبان : هل أنت خائف؟
ستيفانو : لا، لا، يا وحش! لست أنا الذي يخاف!
كاليبان :
لا تخشَ أذًى! فجزيرتنا تحفل بالأصوات!
منها أصوات غناءٍ أو ألحانٌ عذبة
تُطرب أذني دون أذًى! أحيانًا آلاف الآلات الوتريَّة
تعزف ألحانًا مثل طنين يتداخل حولي!
وأحس بأحيانٍ أخرى هدهدةً من أصواتٍ بريَّة
فأنام ولو كنتُ أفقتُ لتوِّي من نومٍ ممدودْ!
فأرى في الحلم كأن سحاب الخضراءِ
قد انشق وفيه انفتحَت طاقة
وتكاد بأنْ تُلقي بكنوزٍ بين يديّْ!
بل إني أبكي عند الصحوْ ١٤٠
طلبًا للعودة للنوم وللحلم المجلوّْ!
ستيفانو : ستغدو مملكةً رائعة لي، أسمع فيها الموسيقى مجانًا!
كاليبان : بعد مقتل بروسبيرو!
ستيفانو : لن يتأخر ذلك؛ أذكر التفاصيل.
ترينكولو : الصوت يتباعد! فلنتبعه ثم ننجز عملنا فيما بعد.
ستيفانو : هيا بنا! سِر أمامنا يا وحش! وسوف نسير خلفك! ليْتني
أستطيع أن أرى عزاف الدف الخفي! ما أبرعه في العزف!
ترينكولو : هل ستمضي يا ستيفانو؟ تقدَّم أنت وسوف أتبعك! ١٥٠

(يخرجون.)

نهاية المشهد الثاني من الفصل الثالث

المشهد الثالث (من الفصل الثالث)

(منطقةٌ أخرى في الجزيرة.)

(يدخل ألونزو، وسباستيان، وأنطونيو، وجونزالو، وأدريان، وفرانشيسكو، وآخرون.)

جونزالو : أقسم إني لا أستطيع أن أخطو خطوةً أخرى!
سيدي! إن عظامي الهرمة تؤلمني! ونحن نسير في متاهةٍ

بلا شك! مرة يستقيم الطريق ومرة ينحرف!

لا بد أن أستريح قليلًا، بعد إذنك!
ألونزو : لا ألومك أيها العجوز؛ إذ هدَّني الإرهاق أنا أيضًا
وأخمد نشاطي، لا بأس! اجلس واسترح.

لقد بدأتُ أتخلى عن الأمل، ولن أسمح له أن

يستمر في خداعي. لقد غرق ابني

بعد أن ضللْنا الطريق في البحث عنه، والبحر يسخر

من بحثنا عبثًا على البر! ١٠
أنطونيو (جانبًا إلى سباستيان) : لكَم يسرني أنْ فقد الأمل تمامًا!
اسمع! إن كنت فشلتَ مرةً في تحقيق ما اعتزمتَه

فلا تتراجع عنه أبدًا!
سباستيان (جانبًا إلى أنطونيو) : سنغتنم الفرصة التالية على خير وجه.
أنطونيو (جانبًا إلى سباستيان) : فليكن ذاك الليلة! فلقد هدهم السفر الآن،
ولن ينتبهوا إلينا، بل لن يستطيعوا ذلك،

مثلما انتبهوا وهم مستريحون!
سباستيان (جانبًا إلى أنطونيو) : أقول الليلة! لن نتأخر بعد ذلك!

(موسيقى ورزينة غريبة، وبروسبيرو في أعلى المسرح (غير مرئي)، تدخل أشكالٌ غريبة متفرقة، وتأتي بمائدةٍ عامرة، وترقص حولها مع إيماءات التحية والترحاب، ثم تدعو الملك ورفاقه إلى الطعام قبل أن تنسحب وتخرج من المسرح.)

ألونزو : ما هذه الموسيقى؟ أصغوا يا صحبي الكرام!
جونزالو : موسيقى عذبة رائعة!
ألونزو : أُرسل إلينا الملائكة الحارسين يا رب! ماذا كان هؤلاء؟ ٢٠
سباستيان : «خيال الظل» أصبح حيًّا مجسدًا! الآن أصدِّق من يحكي
عن وحيد القرن! أو أن في بلاد العرب شجرةً واحدة

تتخذها العنقاء عرشًا لها، وأن العنقاء تتولَّى الحكم الآن!
أنطونيو : سأصدق هذا وذاك! وإن حكيت لي أي قصة خيالية؛
سأقسم إنها قد وقعَت، وإن الرحالة لم يكذبوا أبدًا،

وإن كان المغفلون في بلدنا لا يصدقونهم!
جونزالو : إذا حكيتُ ذلك في نابولي الآن، فهل يصدقونني
لو قلت إنني رأيتُ من بين أهل الجزيرة —

فلا شك أن هؤلاء من أهل الجزيرة — ٣٠

من يتخذون أشكالًا غريبة، ومع ذلك —

وانتبه لكلامي — يزيدون رقة وطيبة عن الكثيرين

من بني جنسنا، بل عن أيٍّ منهم تقريبًا!
بروسبيرو (جانبًا) : أحسنتَ وصدقتَ! إذ إن بعض الحاضرين هنا
شرٌّ من الشياطين!
ألونزو : لا أستطيع مهما قلتُ أن أصف دهشتي
من هذه الأشكال وهذه الحركات وهذه الأصوات التي —

حتى دون لسان — تتحدث نوعًا من الحديث الصامت الرائع!
بروسبيرو (جانبًا) : لا تمتدح حتى تنتهي الحفلة!
فرانشيسكو : لقد اختفت الأشباح اختفاءً غريبًا! ٤٠
سباستيان : لا يهمنا هذا ما داموا قد تركوا الطعام وراءهم!
ولدَينا بطون! هل تحبون أن تذوقوا ما تركوه هنا؟
ألونزو : لا أحب أنا!
جونزالو : أؤكد لك يا سيدي أن لا داعي للخوف. وهل كان
أحدٌ منا يصدق في طفولته أن بعض سكان الجبال

لهم رقابٌ متهدلة كالثيران، وفي حلوقهم زوائد لحمية

مثل الأكياس؟ أو أن بعض الناس لهم رءوس في صدورهم؟

وهو ما يؤكده لنا الآن كل من راهن على ألا يعود الرحالة

بنسبة خمسة إلى واحد!
ألونزو : سأنهض وآكل، ولو كانت آخر وجبة لي! لا يهمني! ٥٠
إذ أشعر أن أجمل ما في العمر قد مضى! قم يا أخي الدوق!

انهض وشاركنا ما نفعل.

(برقٌ ورعد. يدخل آرييل في صورة «هاربي» وهو طائرٌ

خرافي ضخم له وجه امرأة، ويصفق بجناحيه على المائدة،

وبحيلةٍ بارعة تختفي المائدة.)
آرييل : يا رجال الخطيئة الثلاثة! إن القدر الذي
يسخر الدنيا وما فيها لتحقيق غاياته، قد

قضى بأن يلفظكم البحر، وهو الذي لا تتخم له شهية،

ويلقي بكم على ظهر هذه الجزيرة، التي لا يعيش فيها البشر،

لأنكم أقل بني البشر جدارة بالعيش، لقد أصبتُكم بالجنون؛

بل بالإقدام الذي يجعل الرجال ينتحرون شنقًا أو غرقًا!

(ألونزو وسباستيان وآخرون يستلُّون سيوفهم.)

يا لكم من حمقى! ما أنا وزملائي ٦٠
إلا جنود القدر! أما العناصر التي صُنعَت منها سيوفكم

فلن تستطيع انتزاع ريشةٍ واحدة من ريشي،

إلا إن استطاعت أن تجرح الرياح المدوية، أو تقتل

المياه بطعناتٍ تثير السخرية؛ إذ لا يلبث سطح الماء أن يلتئم!

وزملائي الجنود مثلي، من المُحال أن يُصابوا بأذًى!

وحتى إن كنتم قادرين على جرح أحد، فسوف تجدون

سيوفكم قد ثقلت ولم تستجب لقوتكم

بل لن تستطيعوا رفعها! أما رسالتي إليكم، فهي أن

أذكِّركم أن ثلاثتكم قد خلعتُم بروسبيرو الصالح ٧٠

من عرش ميلانو، وألقيتم به مع ابنته البريئة في البحر،

وها هو قد عاقبكم! بل إن الملائكة

التي تطيع من يمهل ولا يهمل، ومن أغضبَته جريمتكم،

قد أثارت البحار والشطآن، بل وجميع المخلوقات

حتى تحرمكم السكينة! لقد حرمَتك ابنك يا ألونزو!

وها أنا ذا أعلن أنها قضَت بالهلاك البطيء عليكم،

وهو أسوأ من الموت الذي يأتي دفعةً واحدة؛

إذ يقتفي آثاركم أينما تكونوا، وأما الغضب

الذي قد يقع على رءوسكم في هذه الجزيرة الموحشة ٨٠

فلن تتَّقوه إلا بالندم الصادق على ما فعلتم

وحياة الطهر والبراءة بعد ذلك.

(يختفي في الرعد، ثم تعود الموسيقى الهادئة، وتعود

الأشكال الغريبة إلى الدخول، وتنخرط في الرقص ساخرة

بالحركات والإيماءات، ثم تخرج وهي تحمل المائدة.)
بروسبيرو : ما أبرع أداءك لشخصية هذا الطائر الجارح
يا آرييل الحبيب! لقد مثَّلتَ الدور برشاقةٍ خلابة

وأطعتَ تعليماتي فلم تُسقط كلمةً مما كلفتُك بقوله!

وهكذا فعل خدمي الأقل شأنًا منك؛ إذ أدوا المهام التي

تناسب كلًّا منهم بدقةٍ رائعة فأضفوا عليها حياةً دافقة!

كما إن تعاويذي السحرية تفعل فعلها فيهم،

فها هم أولاء أعدائي يتخبطون في حبائل حيرتهم وذهولهم!

وأصبحوا جميعًا تحت سيطرتي! سأتركهم في نوبات همومهم ٩٠

وأزور فرديناند الصغير — الذي يحسبون أنه غرق —

وكذلك محبوبته ومحبوبتي العزيزة!

(يخرج.)

جونزالو : حلَّفتُك بالمقدسات سيدي أن تقول لي سبب هذه
الوقفة الذاهلة والحملقة الغريبة!
ألونزو : إنه لشيءٌ خارق خارق! لقد خُيِّل إليَّ أن الأمواج
تكلَّمَت وحدَّثَتني عن فعلتي! بل لقد أشار إليها

نشيد الريح في أذني! وأما الرعد، ذلك المزمار العميق

الرهيبة من مزامير أرغن الطبيعة، فقد نطق باسم

بروسبيرو! كأنه الصوت القراري في نشيد آثامي

وهي التي تسببت في أن يرقد ابني في الطين بقاع البحر ١٠٠

سأنشده في أعمق بقعة لم يصل إليها مقياس الأعماق

فأرقد معه في الطين!

(يخرج ألونزو.)

سباستيان : لو جاء الشياطين فُرادى، سأنازلهم شيطانًا شيطانًا!
أنطونيو : وسوف أكون المساعد والظهير لك!

(يخرج سباستيان وأنطونيو.)

جونزالو : لقد استولى اليأس على الثلاثة جميعًا! إن جزيرتهم،
مثل السم الذي لا يفعل فعله إلا بعد فترةٍ طويلة،

بدأَت تُقرَض خيوط عزيمتهم. أرجوكم يا من تتمتعون بنضرة

الشباب أن تسرعوا إلى اللحاق بهم!

امنعوهم من فعل ما قد يدفعهم هذا الجنون

إلى فعله!
أدريان : فلنتبعهم إذَن … أرجوك!

(يخرج الجميع.)

نهاية الفصل الثالث

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤