المُرجيحة

لم تكن الضجَّةُ التي يُثيرها الصغار تهمُّ عبد اللطيف في ذلك اليوم، لا هي ولا غيرها من مهام الحياة أو توافهها، فقد كان يوم العيد، العيد الكبير، اليوم الذي أنتظره شهرين كاملين، وهو يحسب له ويعدُّ ويختلف مع امرأته في العدِّ والحساب، حتى جاء.

وخُيِّل لعبد اللطيف — وقد طال انتظارُه — أن اليومَ سيأتي فجأةً، كبيرًا، واسعًا، عريضًا، ولكنه عندما جاء لم يكن كذلك أبدًا، أشرق فجرُه، ثم نما صبحُه، وكبر ضحاه في بساطة وبلا تهليل، تمامًا كما يدفع هو بيده «المُرجيحة» لترتدَّ إليه بعد ذلك متبخترةً متمايلة، فيها ما فيها من الأطفال، وقد اندسَّ بينهم بعضُ الكبار، كان اليوم في بساطة قدومه كالزمن وهو يدفع «مرجيحة» الحياة بيده القوية، فتذهب أيامنا وتجيء ليالينا هكذا في يسرٍ وبلا ضوضاء، وإنما نحن الذين نصخب، ونحن الذين نصرخ، ثم نحن الذين نلعن الزمن بعد ذلك، ونسخط على الأيام.

وقف عبد اللطيف يدفع المُرجيحة بيده، ويمدُّ يدَه الأخرى يتحسَّس الملاليم التي تتلاصق في جيبه، ويفركها بأصابعه ويرنها في راحته، ويحسُّ بنشوة كتلك التي يحسُّها حين يعب أول نفس من الجوزة في الصباح، فلم يكن يرى فيها ملاليم، ولم يكن يرى فيها أنها لا تساوي ورقة صغيرة من ذات العشرة قروش، وإنما كان يرى في ملمسها غير الناعم حلمًا بأكمله ظلَّ يعيش فيه شهرين طويلين كئيبين.

ولا يتركه إحساسه بجيبه وقد امتلأ، إلا حين يُسلمه إلى ذكريات أيامه، أيام كان يكسب ملء جيوبه قروشًا وعشرات، ثم لا تذهب بعيدًا، فقد كان يُضيعها على كيفه ومزاجه، ولا يندم، فهو صاحب كار متين وهو أحد أفراد عائلة النجارين، العائلة التي عنَّ لجدها أن ينفض يدَه من الزراعة، وقد زهق منها، فتعلَّم النجارة بعد عناء وأورث أولادَه وأحفاده الحرفة، حتى حذقوها واحتكروها، ثم تفرَّقوا وتناثروا في أرجاء البلدة وما جاورها من البلاد.

وعبد اللطيف لا يكدب على نفسه، فليست النجارة في القرية في حاجةٍ إلى فنٍّ وحذقٍ بقدر ما هي في حاجةٍ إلى قوة وساعد، ولم يكن عبد اللطيف يملك كليهما، كان مريضًا، تسرَّبت البلهارسيا إلى مثانته حتى أفقدته القدرة على التحكم في نفسه، وتناثر مرضُه حوله، وتهامس الناس به، وتهامسوا معه باللقب الجديد الذي أطلقوه عليه «الطاجن» المشروخ. ولم يلبث هو أيضًا أن اعترف بينه وبين نفسه أنه مشروخ، وأنه مريض، وأنه لن يكون أبدًا كجودة ذي الساعد الممتلئ الغليظ الذي تنفر عضلاتُ يده عندما يُمسك بالقدم كأنها جذع نخلة «حياني»، ولم يكون كأبي خليل الذي يوقف الساقية الحديد وحده، وهو يضحك فتردِّدُ الساقيةُ الجوفاء رعداتِ ضحكِه.

إنه ضعيف مسلوب القوة، وكان يرقب — من خلال وهنه وعجزه — نصيبَه من سنويات القرية وهو يصغر ويصغر. كان يرقبه في مرارة معتلة وحقد ضعيف واهن، فالناس ما عادوا يأتمنون قوتَه على سواقيهم ومحاريثهم وفئوسهم، وإنما يَلجئون لغيره من أفراد العائلة القوية، ويُلجئونه معهم إلى أن يترك بدوره صناعةَ المحاريث وإصلاح السواقي إلى عمل الطبالي الصغيرة ومفاتيح الأبواب الخشبية، وإلى أن يسعى إليه الناسُ حين يلمُّ بهم عُرسٌ، حتى يُركِّب الدولاب أو ينصب السرير.

وكان نتاج هذه جميعها والحمد لله يكفي أن ينعمَ عبد اللطيف وامرأته وابنه وابنته بالرطل والنصف من اللحم كل يوم ثلاثاء، ويكفي أن يشتريَ حصيرة يرقدون عليها كل سنة، وأن يُضيف إلى سقف وسط الدار المكشوف قطعة خشبية جديدة كل ستة أشهر، ولكنه لم يكن يكفي أن يسدَّ مطالب الأفواه اللاصقة برقبته، فلا هو يقفل فمَ امرأته على قطعة لبان ولا يطبق فمَ ابنته على فص برتقال، ولا يكفي ابنه. لعنة الله على ابنه، هذا القزم الذي ظنَّ يوم بشَّرته به الحاجة صباح أنه سيكون قوتَه المسلوبة وجذعَ النخلة الذي ينقصه، فإذا به ينشأ هكذا أصفر عليلًا معوج الجذع والساق.

– كده يا محمد ماشوفش فيك يوم راجي.

كانت هذه الكلمات على لسانه طول اليوم، كان يتوقع من ابنه الكثير، ولا يرحم ابنَه حين لا يستطيع إلا أقل القليل، إنه لم يُعلِّمْه كيف يُمسك الكماشة ليقتلعَ بها المسمار إلا بعد أن أصابه بأربعة جروح لا زالت بيضاء في رأسه، وبعد أن قذف به في الترعة مرتين، ومع ذلك فلم يستطع أن يُمسك بها أبدًا على الأصول!

كان عبد اللطيف يجترَّ كل هذا، ثم يكزُّ على أسنانه، ويطلب من امرأته في جفوةٍ أن تُحضرَ له العدة والجوزة، ويرتشف في نهَم من كوب الشاي الأسود، ويعب الدخان الكثيف الأزرق من الكرسي، ويشد الحزام الصوف إلى وسطه، ثم يفكُّ حصره مرة أو مرات، ويستنزل اللعنات على أجداد ابنه، ثم يبصق في يده، ويُمسك القدوم، ويعمل على مهَل، وفي اشمئزاز ضعيف مقهور.

يعمل على مهَل وامرأتُه الحلوة تختلسُ النظراتِ إليه من تحت أهدابها الطويلة، وقد ربطت رأسها بالقمطة الحمراء وسبسبت شعرها الأسود المجعد اللامع، حتى يبينَ طرفُه من القمطة، ومدَّت رجلها البيضاء الممتلئة فبان قدمها النظيف الذي قضت وقتًا طويلًا في حكِّه بالحجر.

تختلس النظراتِ إليه وهو لا يدري أهذا الذي في وجهها ابتسام أم هو براعم ضحكة ستنفجر بعد حين. وعندما يكلُّ ساعِدُ عبد اللطيف — وما أقرب ما يكل — ينظر لها بعينٍ فيها حمرة خابية، وفيها حيرة، وبوجهٍ تائه مشحون ويكاد يقول: آه يا نبوية يا قتلاني.

والحق أنها كانت تقتله، وكانت تدفعه تحت جنح الظلام إلى الفص الأسود يغتصبه من تاجر الأفيون، وهو يقول له في غيظ: بكرة يا أخي أديلك.

كانت تقتله؛ لأنه كان يأكل ويستحلب لُعاب شهيته وهو يمضغ حتى يستطيع أن يجرع كوب الشاي، وكان يقبض على الكوب بيده وتترنم أذنُه بالنغم الذي يُصدره وهو يحتسي السائل الأسود اللزج، ليُتبعَه بأنفاس الدخان.

وكان يأكل ويشرب الشاي، ويُذيب الفص، ويلتهم الدخان؛ ليقضيَ الليل بطوله ويده تعبث بشعر امرأته الأسود المسبسب، بينما قمطتها قد انحلَّت، وتاهت في المخدة.

ولم تكن المشكلة تنتهي بانقضاء الليل، ولا بمضي الليالي، وإنما كان يراود عبد اللطيف السؤال الحائر: ترى هل نبوية قانعة بما يقدمه لها؟

وإذا راجع أخماسه وأسداسه واقتنع أو استطاع بوسيلةٍ ما أن يضحكَ على نفسه ويقتنع، فإنه يسأل نفسه مرةً أخرى وفي سؤاله شكٌّ مرتجف: وحكاية الطاجن المشروخ هذا، ترى هل وصلتها هي الأخرى؟ وهل إن كانت وصلتها قد أسقطته من عينها؟ تلك أسئلة كانت تدور بخُلده، وإنما كان يتهيها بعينَيه الحائرتَين ترمقان نبوية في شكٍّ وفي لهفةٍ وهما تقولان مرةً أخرى: آه يا نبوية يا قتلاني.

•••

اليوم يوم العيد.

وعبد اللطيف قد اطمأنَّ على نفسه بعد أن اختطف نظرةً إلى هندامه في مِرآة الدولاب القديم الذي دخل به، ورأى شاربَه الرفيع متهدِّلًا حول فمه كما يحب أن يراه، ورأى وجهه الأصفر النحيل قد اجتزَّ منه الأوسطى عبد السميع شعيرات ذقنه، فبدا ناعمًا رغم ما به من حُفَر قديمة، بل بدأت خيوطٌ من حمرة باهتة صنعتْها الموسَى تتبعثر في وجهه كما يحمرُّ شفق يوم مغبر حين يظهر القمر.

اليوم يوم العيد، اليوم الذي تناسى عبد اللطيف ضعفَه، وتناسى وعاءه المشروخ، وتناسى زحمة الحياة بين النجارين التي دفعته إلى نصْب المُرجيحة في العيد، وأن يقفَ بجوارها هكذا حليقَ الذقن مرتديًا ثوبَه الأبيض الجديد الذي اشتراه من ثلاث سنوات، واحتفظ به للمناسبات. تناسى هذا كلَّه، ولم يعدْ يذكر إلا الملاليم التي تُعمِّر جيبَه، وإلا المُرجيحة التي نصبها جودة، ثم لم يكسب من ورائها شيئًا. كان جودة عملاقًا قويًّا؛ ولهذا لم يفزْ بنصيب من ثروة الصغار، فقد كانوا يخافونه، ولا يطمئنون أبدًا إلى يده الضخمة حين تدفع المُرجيحة، فتقذف بها إلى كبد السماء؛ ولهذا كانوا يستريحون لعبد اللطيف، ولعبته القديمة، ويده النحيلة التي لن تُعلِّقَهم أبدًا بين الأرض والسماء.

وأسعد هذا عبد اللطيف، أسعده أن يرى نفسه قد انتصر ولو ساعاتٍ قليلةً كلَّ عام، أسعده أن يتجمعَ الأطفال حوله، وأن يتعلَّقوا بجلبابه، وأن يصرخوا منادين: والنبي يا عم عبد اللطيف، وأن يحجزوا أماكنَهم قبل حلول دورهم بأدوار، وأن يشخط هو فرحًا ويصرخ منتشيًا. وكان أول ما فكَّر فيه حين سَرت النسوة في جثته أن يُغنيَ، يغني بأعلى صوته حتى يصل غناؤه إلى أسماع جودة، يُغني ويردُّ الصغار عليه، ويُحمِّسُهم هو ويُطيل في أشواطهم حتى يرفعوا عقيرتَهم أكثر وأكثر لينفجر جودة.

وكان الأطفال دائمًا مع المنتصر، وكذلك كانوا يتجمَّعون حول عبد اللطيف وحول قِطع الأخشاب الأربع التي تُمسك بمُرجيحته العتيقة.

وكان هذا التجمُّع الكثير من أطفال معظمهم يشاهد العيد، ويحضر إلى المراجيح لأول مرة في حياته. كان هذا السبب في الصرخة المدوية التي انبثقت من راكبي المُرجيحة، وفي الصدمة القوية التي سبقت الصرخة، وفي سالم ابن العمدة، وقد تكوَّم على الأرض لا حَراكَ به، والدم يندفع في غزارة من جُرْح عميق في رأسه بعد أن صرَعه مقدَّم المُرجيحة، وهو واقف يشاهد هبوطَها وصعودها في سذاجة وبلاهة.

– مات، مات يا ولاد، ابن العمدة مات، يا خرابك يا عبد اللطيف.

وكان يكفي لخراب عبد اللطيف أن يشتمَ ابنَ العمدة، أو لا يقف إجلالًا للعمدة. فما بالُك وقد جُرح سالم جُرحًا لم يقتلْه، وإنما سالت له دماؤه في كثرة.

وحين جرُّوه إلى المركز وسألوه كثيرًا قبل أن يُلقوا به في الحجز المظلم، كان هو قد شَبع من كل إحساس، حتى استوى فوق غيبوبة من شعوره فلم يَعُدْ يهمُّه أن ذبحوه أو خنقوه. وماذا يأخذون منه هو الراقد فوق بلاط السجن، وقد ساب على نفسه، واصفرَّ جلدُه وراح في دنيا غير دنيانا؟!

ولم يمكث عبد اللطيف في السجن كثيرًا؛ لأنه مات، ويحكون أنه قال قبل أن يذهب: البركة فيك يا محمد، يا ابني.

ولم تحلَّ البركةُ بمحمد، وإنما حلَّ به المرضُ وامتلأ بطنُه بالماء، وأطلق عليه رفاقُه لقبَ محمد الزير، وكان ثِقلُ بطنِه يضطرُّه إلى الرقاد أيامًا كثيرة في دارهم، تاركًا الطبالي والمحاريث والفئوس تتكوَّم وراء الباب، حتى يأتيَ أصحابُها، وقد يئسوا من إصلاحها، فيأخذوها بعد أن يتبادلوا الألقاب مع أمِّه نبوية. وجاء اليوم الذي خلا فيه كلُّ ما وراء الباب.

وكان محمد في خلال رقداته الكثيرة الطويلة يتساءل في عجب وفي دهاء مريض: من أين يأكلون؟

ولم تكن إجابةُ السؤال تهمُّه أو تهمُّ أخته أو أمَّه، ولكن أهل القرية وعائلة النجارين خاصةً كانوا يهتمُّون، وكانوا يقضون الليالي الطوال في مناقشة المصدر الذي يُبقيهم أحياء، وفي المناقشات تدلفُ طاقية المعلم أحمد الوبر و«لاسته» الحريرية، وحذاؤه «الأجلسيه» اللامع.

والمعلم نمرٌ كبير، نمرٌ يحمل في جيبه عُلبةً فيها الحشيش مقطَّعًا وملفوفًا في ورق شفاف، وفيها الأفيون يرقد في أبنوسية العنبر، ويحمل بجانب العُلبة محفظةً تمتلئ دائمًا بالأوراق الخضراء، وفوق العُلبة والمحفظة أكتافُه العريضة، ومن أعلى أكتافِه تَبرزُ رأسُه التي تعرف من أين تفتح الأبواب.

وكان عبد اللطيف قبل موته قد ارتكب هفوةً صغيرة، فقد مات وعليه لأحمد حسابٌ. وكان المعلم يعرف كيف يُحيل الحساب الصغير بدراية وخفَّة وفهلوة إلى قبضة رقيقة متلصصة يطرق بها بابَ المرحوم، فتَفتح له نبوية وفوق فمها ابتسامة.

وكان محمد في رقدته فوق الفرن يتساءل في مكرٍ أيضًا، بينه وبين نفسه، عن قمطة أمِّه الحمراء النظيفة، وعينَيها اللتين كثيرًا ما زارهما الكحل، وخدودها الملتهبة، وكعوبها التي يقفز منها الدم. كلُّ هذا ولم يمضِ على وفاة أبيه شهران، يتساءل محمد، ثم لا يهتمُّ بالإجابة، فقد كان ينظر إلى بطنه العالي، وقد أخفى الدنيا عن عينَيه ولم يعدْ يربطه بالوجود إلا يدُ أمِّه البضَّة، وهي تحمل له كوب الشاب العلقم، وتقول في رفقٍ ونعومة: خد يا اخويا، خليك تخف.

ولم يتحمل يومًا كلَّ هذا.

كانت أمه قد فرغت من الخبيز وأرقدته فوق الفرن الملتهب، حتى تصبَّب عرقًا وحمتْ عظامُه، فقال لها بصوتٍ جعله أضعف ما يستطيع: ألا يا أما المعلم أحمد بييجي كتير ليه؟

واحمرتْ خدودُ أمِّه، وابتسمت، ثم تضاحكت وقالت له وقد بانت أسنانُها البيضاء الحلوة: يعني ما انتاش عارف ليه؟

فقال في سذاجة حقيقية: لا والنبي.

فغمزت بعينها، وقالت هامسةً وهي تُشير إلى الغرفة: أصله بيتكلم على أختك.

وبردت عظام محمد، وذهب العرقُ عنه، وانزاح عن خاطره همٌّ كثير. وصدَّق هذا، بل لم يجد مانعًا لديه أن ينام أحمد في بيتهم، بل يكاد يقيم في النهاية معهم حين قرأ فاتحة أخته.

وكان محمد ينام كثيرًا فليس له عمل إلا النوم، وكان لا يشعر بالحياة، وهي تمضي إلا حين يخفُّ الظلام، فيعرف أن النهار قد حلَّ، وانتشرت معه ذراتُ الغبار التي تُثيرها أختُه حين تكنس أرض الدار، ولا يشعر بحياة من حوله إلا حين تُسقيه أمُّه الشاي، أو تُحضر له أختُه الغذاء، أو يغمزه المعلم أحمد بقرش الحلاوة الطحينية.

ومع هذا، فمن خلال الطاقة الضيقة المعتمة التي يُطلُّ منها على الحياة، لم يفتْه أن يراعيَ التنافس الذي استوى على أقدامه بين أمِّه وأخته في جلْي الكعوب، وتسريح الشعر، وقرص الخدود حتى تحمر. ولم يفتْه أيضًا أن أمه وأخته أصبحتا وكأن لا همَّ لهما إلا إرضاؤه والتنافس على تلبية إشاراته ورغائبه. وكان المعلم أكثرَ منهما.

وفي يوم تناول فيه محمد إفطارَه من اللبن الرائب، ثم تقيَّأه ولم يكفَّ عن القيء إلا الظهر حين غاب عن الوعي.

وزار البيتَ في هذا اليوم عددٌ كبير من الناس، وانعقدت مجالسُ وفضَّت مجالس، ودار الشاي مرات ومرات، وأخرج المعلم في كل مرة عُلبته من جيبه ليُحليَ أقداح القهوة، وكان آخر المجالس ذلك الذي دارت فيه الجوزة، وانتشت الأكوابُ، واستمر إلى ما بعد منتصف الليل.

واستقرَّ الرأي بعد هذا كلِّه على ذهاب محمد إلى طبيب البندر في الصباح.

ومن الفجر دارت نبوية تقرع الأبواب لتستعير حمارًا يوصل ابنَها، وقرعت الأبواب مرات كثيرة دون جدوى. وما كان للحمار أن يأتيَ إلا من خلال المعلم ومن تحت أهداب علبته، وقد جاء.

ورآه الطبيب، وبعد كلمة من هنا وجنيه من هناك، حُجز محمد في مستشفى المركز.

وغاب محمد بعد هذا عن وعي الناس والقرية، وشيئًا فشيئًا عن وعي المعلم وأمه ثم أخته.

•••

كانت الأحاديث على ظهور الأفران أو فوق المصاطب تبدأ بأمشير وما فعله في الأرض والناس، والسكر الذي تأخَّر صرفه، وتقاوي القمح الفاسدة، ثم تنتهي بفاتحة البنت التي قرأها المعلم.

وكان يعقبها أو يسبقها قصةُ شَعر أمها المسبسب، وشبشبها العالي واللبانة التي تطرقع في فمها، ثم حداقة المعلم وفهلوته.

وقد يتحد الناس ويأتلفون حول أي شيء، ولكنهم ينقسمون دائمًا ويختلفون على من يقع عليها الاختيار، وهل يتزوج المعلم البنت أو أمها.

وتستمرُّ الإشاعات رائحة غادية، تُعيد قصة المرجيحة التي كان ينصبها عبد اللطيف كلَّ عيد، ويظل المعلم هو الآخر يروح ويجيء بينهما فلا يستقر عند البنت أو حتى عند أمها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤