مقدمة

بقلم  إبراهيم عبد القادر المازنى
كتبت هذه الفصول وغيرها — كثيرا غيرها — في الفترة الطويلة التي كان فيها شبح الماضي — أي نعم، طيف الماضي — يعايشني، وكان أقرب جيراني إلى نفسي، السماء. وكنت يومئذ — وما زلت — في رقعة من الأرض مدحوة للتفكير والأحلام وللموت. قد طال عهدي بها وإلفى لها ليكبر في وهمي — حين يستغرقني روحها — أنى ههنا كنت قبل ميلادي، وأنى بعضها، وقطعة منها، لو علم الناس. وهي جمة الحالات، وإن كان ظاهرها لا يكاد يلحقه تغيير. وأقوى ما يروعني من أطوارها، فقدانها الوعي، فلو نفخ في الصور ما تنبهت. وقد تبدو لى كأن يد القدر التي بسطتها قد ملتها وانصرفت عنها وشغلت بسواها فيدركنى عليها العطف. وكثيرا ما خيل إلى كأني ألمح فيها عروق «العلة الأولى» وشرايينها وأنسجتها، وأنى أحس خفقها وأسمع نبضها. وهي، على تفكك ذراتها، كل كامل في رأى العين وفى إحساس القلب. وربما توهمتها مخّا عاريًا ينشئ ما لا يدري. وقد يتمثل لى فيها رأى أرضنا — أو ما أحسبه رأيها — في الحياة والمساعي حتى لا أكاد أسمعها تقول بلسان هذه الصحراء للناس أو للمقادير:

«ما جدوى هذه المساعي؟ ما خير أن تزخر على ظهري الحياة؟ لأي غاية أو في أي سبيل إرهاقي وكدي وإملالى على الأدهار؟ إنه عبث متواصل في الوسع رفع مئونته بالمحو والسلب. وقد تكون لهذا حكمة، ولكنها حكمة كانت تكون عندي أعدل لو أنها شاءت ألا تكون هذه الحيوانات».

وما ضربت في هذه الصحراء، أو صافح وجهي نسيمها، أو سفت الرياح على رمالها، أو أدرت عيني في عريها الأزلى، إلا هتف بي من ناحيتها هاتف بقول ابن داود:

«باطل الأباطيل، الكل باطل. ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس؟ دور يمضي دور يجيء، والأرض قائمة إلى الأبد … كل الأنهار تجرى إلى البحر، والبحر ليس بملآن … كل الكلام يقصر. لا يستطيع الإنسان أن يخبر بالكل. العين لا تشبع من النظر. والأذن لا تمتلئ من السمع. ما كان فهو ما يكون، والذي صنع فهو الذي يصنع، فليس تحت الشمس جديد.

أنا الجامعة، كنت ملكا على إسرائيل في أورشليم، ووجهت قلبي للسؤال والتفتيش بالحكمة عن كل ما عمل تحت السموات … فإذا الكل باطل وقبض الريح!».

وأنا أيضًا كالجامعة وجهت قلبي إلى المعرفة، وامتحنت نفسي بالسؤال، وعللت روحي بالتفتيش، بنيت لنفسي «اَمالا»، غرست لنفسى «أوهاما»، عملت لنفسي جنات وفراديس غرست فيها «أحلاما» من كل نوع ثمر … وهذا كان نصيبي من كل تعبي … قبض الريح!».

واستنفد العناء مجهودي كما تنفد السحابة أراقت ماءها على الأرض.

وكل بما عنده يجود! زرعت حصى في أرض صفوان وهذا حصادي وقبضت الريح من كل تعبى تحت الشمس وهأنذا أؤديها إلى القارئ وأطلقها عليه كما تلقيتها لو يقنع الطالب المدل! وقد خرجت كما سيخرج القارئ وكما سنخرج جميعًا من هذه الدنيا، وليس في يدي شيء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤