الفصل التاسع عشر

بين السماء والأرض

كأس على ذكرى

قالت الفتاة للفتى — إن كان ابن خمس وثلاثين يعد في الفتيان: «هذا أنا … قد جئت …».

فمد إليها يده، ولكنها لم تصافحه، فقال: «أهو كبر ما بنا أم جفوة؟».

«لا كبر ولا جفوة … وإنما أنا مغيظة».

«منى؟».

«كلا!».

«ممن إذن؟».

«لماذا تسأل؟ … من نفسى …».

«مسكينة يا فتاتى؟ وماذا صنعت مما يورث كل هذا الأسف؟».

«لست آسفة على شىء … وهذا ما يغضبنى! ولو وجدت للأسف مسا لكبرت في عين نفسي …».

وكانت الليلة مظلمة والرياح كالمجنونة، ولا يكاد أحدهما يحس من صاحبه — وهما مستندان إلى سور السطح — غير صوته، فقال: «أنت في عينى كبيرة وجليلة».

فلان ما كان متجمدًا من نظراتها، وسلس الصعب من جانبها، ورقت حاشيتها، وانسجم صوتها، ودنت منه ووضعت يمناها على كتفه وأقبلت عليه تسائله: أصحيح ما يزعم؟ أحق أنه يكبرها وسيظل يكبرها على الرغم مما فعلت ومما تفعل؟

فقال، وتناول يدها في يده: «وماذا فعلت يا فتاتى؟ أو ماذا تفعلين الآن أكثر من أنك قد جئت تؤنسين وحشتى تحت عيون هذه النجوم؟».

فرفعت وجهها إليه ورمته بعين مفتوحة كمغمضة، وقالت: «أو هذا كل شىء؟».

«كل شئ الآن … إلى الآن».

ولبثا هنيهة صامتين تحت هذه السماء المهولة المتلامحة النجوم، ثم قالت: «ماذا كنت تريد أن تقول لى؟».

«متى؟».

«ونحن على الطعام؟».

فاربد وجهه ولكنها لم تره في ظلمة الليل، ولم تدر ماذا عانى حتى عاد محياه يرف لها بينما كانت هى تجذبه من كتفه وتلح عليه بالسؤال: «كنت أريد أن أقول إن هذا لذيذ» بابتسامة متكلفة.

«ما هو؟».

«كون يدك في يدى!».

فانتزعتها وقالت: «لقد أنسيت أنها في يدك».

«انسيها مرة أخرى!»

«لا أستطيع».

«تناسيها إذن!».

«كلا!».

«هل من سبب؟».

«لا!» ممطوطهّ طويلة.

وتناول يدها وسكتا مرة أخرى وتكلم بينهما الهوى.

•••

وقالت: «لن أفعل هذا مرة أخرى!».

«لن تفعلى ماذا يا فتاتي؟».

«ألقاك هكذا! هى الأولى والأخيرة!».

فابتسم صاحبها ابتسامة فيها من الحنان والعطف عليها وعلى نفسه أكثر مما فيها من صبابة الحب وقال: «لا أدرى أى سحر ضربته على حتى صرت، كلما عزمت أن أروض نفسى على مراجعة الصبر فيك، لا تكاد عينى تأخذك حتى يتحلل العزم — في كل يوم أعالج أن أراود نفسى على مكروهها ثم ما هو إلا أن أراك، أو أن تخطر في القلب ذكراك، حتى أنسى كل شىء سواك، ولا يبقى لى منى إلاك!».

«وماذا تريد أن تصنع بى؟».

«ماذا؟ أريد أن أحملك معى وأخفيك حتى عن عيون أخوتك! هذا ما أريد! إن رأسى ليدور حين أرى أخاك أو ابن عمك أو ابن خالك أو أحدًا من الخلق ينظر إليك! ولكن لك قدرة على المباعدة والمجافاة حين تشائين، وإنى ليخيل لى أحيانًا أن تناسخ الأرواح حق وأنك أنت برونهيلده بعينها يحيط بها سور النار الذى حولها».

«ليتنى كنتها!! ليت حول كل فتاة مثل هذا السور من النار! تمتحن به من ينشد قلبها!».

«بحسبك غرائزك النسوية سورا من النار».

«ولكن ألا تعرف أن ما تبغى عسير لا يقع في الإمكان؟ فما جدوى هذا الذي نحن فيه؟».

«أعرف؟ من أين لى علم هذا؟ كل ما أعلمه أن أهلك حمقى وأنهم يضحون بك في سبيل … لا تضعى يدك على فمى! دعينى أتكلم! إنهم يحولون دوننا تقديمًا لغيرى على، وقد علموا أنك لى لا محيد عن ذلك، عن رضا منهم أو محمولين على مكروههم!».

وفى هذه اللحظة دفعتها الريح إلى صدره فأسكره قربها وأخذ منه شذا شعرها. فضحك ضحكة عصبية ورفع وجهها إليه وأهوى على فمها يقبله في بساطة كأنما كان هذا حقّا له، وهى تجاهد وتعالج أن تفلت من عناقه ويأبى هو أن يدعها.

«إنك …».

وعضت شفتها وردت اللفظة التى همت بها.

«أنا أى شىء؟ قوليها! اقذفى بها في وجهى!».

«وحش! فظيع! هذا أنت! دعنى!».

غير أنه لم يدعها بل ضمها وهو يضحك في رقة وجذل وسكر حتى همست في أذنه:

«لم أكن أعنى ما قلت كما تعلم».

«لم تعنيه أبدًا بالطبع».

وقبلها ثانية.

وقالت وقد تخلصت من عناقه: «كيف تعيدها وقد وعدت ألا تفعل؟».

«أنا؟ متى وعدت؟».

«كيف تسأل يا …».

«يا وحش! قوليها!».

«ولكن أليس لك ضمير؟».

«ضمير؟ يا له من سؤال؟ بالطبع لى ضمير!».

«لا أراك تحفل به الليلة!».

«أنا في شغل عنه! قبلينى!».

«أى فكرة؟!»

«افعلى».

«مستحيل».

«من فضلك».

«مستحيل! قلت مستحيل».

«إذن تعالى أقبلك».

«ولا هذا».

«لم لا؟ ألا يسرك أن تكونى محبوبة؟».

والتفت حول خصرها ذراعه، ووجدت شفتاه السبيل إلى شفتيها، فهل هذا معنى أن تكون محبوبة؟ وهل هى له كما سمعته يقول بلهجة اليقين؟ إنها على كل حال لم تعد تحس أن لها في نفسها كثيرًا أو قليلاً! فيا ليت من يدريها ماذا أصابها ففترها وأفقدها الإرادة والقدرة على ضبط نفسها، وعلى أنها لم تعد تكترث لذلك أو تفكر فيه، فقد كان الدم يتدفق كالمجنون في عروقها!

«أمصغ أنت؟».

«نعم» بصوت تخفته عربدة الشفتين في نحرها.

«إنى أعلم أنى وقعت من قلبك. لا شك في ذلك، وإلا ما فعلت الليلة ما فعلت، ولكن أي فتاة تستطيع أن تفتنك عن نفسك ساعة. وما أحب أن يكون هذا أثرى عندك ولا أن يسهل تلهيك عنى وتعللك بالدنيا. ولقد أردت أن أهبك ما تذكرنى به — ما يطيل ادكارك لى. ألا تفهم الآن لماذا تركتك تقبلنى هكذا؟ إنه الزهو والغرور والأنانية …

«بل قولى إنه الحب …».

«هو هذا وذاك، ولكنى أردت أن تذكرنى …».

«أوتحسبين أن نفسي ستطيب عنك؟».

«أخشى!».

«لماذا؟».

«كل امرئ ينسى القبلة بعد أن تبترد شفتاه».

«من علمك هذا يا …».

والتقت شفاههما في قبلة طويلة، ثم تناولت خديه بين راحتيها وقالت: «دعنى أذهب الآن».

ولكنه ضمها وهو يقول: «أدعك؟ كلا! أنا أيضًا أخشى أن تتسربى في الهواء إذا تركتك».

«كلا! لا تخف».

وعاطته التقبيل وخنقت صوتها العبرات وهى تلح عليه أن يدعها فسألها: «أواثقة أنت أنك تريدين أن تمضى؟».

«كلا! ولكنى واثقة أنه «يجب» أن أذهب».

فخلاها فتراجعت قليلا ثم أصلحت ثيابها وشعرها والتفتت إليه وهى تقول: «لا يشق عليك ما يقول أهلى. وأيقن أنى … على … ولكن ليتنى أكون أنا على يقين من وفائك!».

ومضت أخف من الفراشة!

•••

قال صاحبى:

«أنا صاحب هذه الذكرى. وهى كل ما خرجت به، وإنى لأحييها في كل شهر مرة — في الليلة الظلماء المفتقدة البدر — لأن ليلتنا كانت حالكة، ولأن الليل أوقع ما يكون في صدري حين أرسل اللحظ أريد لأخرق به أحشاء الظلماء فتشف لى عن نجوم السماء ويرتد عما دونها كليلا حسيرًا، وأروع ما تكون السماء عندى، حين تتنقل العين في أجوازها المرعبة فلا نقطع منها سوى بيد هائلة عن بيد أشد هولا … كذلك كانت ليلتى وكذلك أريد أن تكون ذكراها في مثلها. فأصعد إلى السطح وأتكىء على السور وأنظر إلى السماء كما كنا ننظر. هي مفتونة بجمالها وأنا يكاد يسحقنى الرعب إذ أجيل عينى في فيافيها اللانهائية وأقول لها فيما أقول كأنما كان يعنينى أن أنغص عليها متعتها: «ثقى بأن هذه السماء ليست مجعولة للإنسان مهما تكن علة وجودها، وإنه لا شىء في الأرض أو فى السماء مجعول لهذا المخلوق الذى يحسبه الفارغون مركز الدائرة ومحور الوجود! بل ليس أقدر من هذه السماء على إشعار الإنسان ضآلته أو لا شيئيته إذا شئت».

فتدير إلى وجهها وتقول وهي لا تفهم حرفًا من كلامى: «ماذا يوجد بين هذه النجوم؟».

فأقول: «يوجد — إن صح التعبير بلفظ الوجود — صحراوات فضاء مظلمة تركها من يعلم السر، بلا شموس، وتوجد أوقيانوسات من الفراغ لا آخر لها يجمد الفكر كلما حاول أن يتصورها. هذا ما يوجد!».

فتصمت ولا يبدو عليها أنها فهمت فأمضى وكأنى أحدث نفسي وقد شعرت فجأة، على كل حبها، كأنما بيني وبينها بعد ما بين الأرض والمشترى.

«وهذه السماء التى يسحق النفس جلالها المرعب! ويهول الخاطر أن يقذف به في أجوازها اللانهائية … ليس جمالها الذى يسحرك بالخالد ولا الباقى! حتى هذه مرجوع وهاجها رماد! انظرى هذا النجم الذى يكاد يخبو وميضه بين أخوته نجوم الدب الاكبر! لقد كان منذ بضعة قرون يخفق مثلها لمعانا! فليس يخلو كل هذا الجلال من دواعى الرثاء!! وتصورى هذه النجوم كلها قد خمدت! تصورى عقلك يتلمس طريقه في سماء مظلمة خبا فيها كل ما كان يضىء!! تصورى عقلك يصطدم في ظلمة الكون بقطعة كابية من هذه الكواكب!! نحى عينك! غضى بصرك من السماء إذا أردت أن تستبقى بشاشة نفسك!».

فتفزع وتقبن على وتسند رأسها الصغير إلى كتفى هذه وتريح خدها على جانب صدرى وتعلق يسراها بكتفى الأخرى فأمسح لها شعرها حتى يزايلها الخوف … وإنى لأراها الآن كما كانت في تلك الليلة وإن كنت أنا هنا وهي هناك: وبيننا ما بيننا من الأبعاد. وآه لو أن كل ما بيننا فرسخ أو فراسخ! إذن لأمكن أن نبتسم! وقد يعزينى — لو أن هذا مما يعزى — أننا، سعدنا أو شقينا، سنذهب كما ذهب من كانوا قبلنا وأن الدنيا ستومض فيها عيون غير عيوننا وتخفق فيها قلوب أخرى، وترهق عقول جديدة، وأنها ستشهد أشجاء طريفة تندب ومسرات ومباهج حديثة تطلب ويستعز بها، على حين نعود نحن كما سيعود كل شئ قبضة من تراب!

ولكني أحيى هذه الذكرى على خلاف ما تتوهم، فإن الهواء هنا لم يهف باسمها ولا خفق على موجاته للشدو بمفاتنها، والعيون التى تجتلى هذا الفضاء الرهيب لم تتلاق مع لحاظها، وظلها لم يرتم على هذه الرمال، وقدمها الدقيقة لم تطأ ذراتها — كلا! ما من شئ هنا يعرفها أويحمل ذكرها على صدره كما أحمل على صدري حبها، فسبيلي أن أعتمد على سور السطح وأظل كذلك حتى أعود وقد شاطرت ما حولي عدم الشعور بها!».

ثم أمسك وقال بعد إطراقة قصيرة: «والآن فلنشرب كأسا على هذه الذكرى».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤