الفصل السابع

جيني تُرتِّب لزيارة مثل زيارة سندريلا

تتميَّز الغرفة التي خُصِّصت لجيني باكستر في قلعة شتاينهايمر بإطلالةٍ مترامية الأطراف. وهي مزوَّدة ببابٍ زجاجي يُؤدي إلى شُرفة حجرية مُعلَّقة على جدار القلعة مثل عُش سنَونو مُعلَّقٍ على إفريزِ منزل. كانت هذه الشُّرفة واسعة بما يكفي لتوفير مساحةٍ كبيرة لواحدٍ من الكراسي الهزازة المُريحة، جلَبَته الأميرة من أمريكا، وترى جيني أنه قطعةُ الأثاث الوحيدة المُريحةُ حقًّا في هذه القلعة العتيقة، مع العِلم أنها أُعجِبت بالتميز الفني للكراسي والمناضد والخزانات التي تحمل طراز العصور الوسطى التي خدَمَت لقرونٍ احتياجات الأجداد الذين عاشوا في القلعة. كان الكرسي الهزَّاز عصريًّا مثل جريدة الصباح اليومية، وقد طُلِيَت أجزاؤه الخشبية باللون القرمزي اللامع، وتبدو ذراعاه كرفَّيْن عريضَين، ونوابضه متوازنة على نحوٍ دقيق وحسَّاس مثل البوصلة البحرية. في الواقع، لن يجد المرءُ مثل هذا الكرسي إلا في أرجاء شرفة شاسعة بأحد الفنادق الصيفية في أمريكا. ومن ثمَّ جلست الآنسة جيني على هذا الكرسي، وعلى رجلَيها رسالتان مفتوحتان، والحيرة بادية في العبوس الطفيف الذي جعَّد نعومةَ جبينها الرقيق. كان المشهد من الشرفة العالية لا يُنسى؛ ولكن، على الرغم من أن هذا هو آخِر يومٍ لها في القلعة، لم ترَ الفتاة شيئًا من بلدة ميران الجميلةِ في الأسفل حتى الآن؛ فيما وراء خطِّ التحديد المُمتد أسفل المنحدر الذي يُحدِّد الطريق المُتعرِّج لمقاطعة أديجي ذات البحيرات الجميلة، أو الجبال الشاهقة التي تُحيط بالمكان، أو القمم الثلجية البعيدة، التي تتلألأ باللون الأبيض على خلفية لون السماء الأزرق الداكن.

كانت إحدى الرسالتَين التي وضعَتها في حجرها هي تلك التي تلقَّتها من رئيس التحرير، ويسرد فيها الصعوبات التي واجهها أثناء محاولته اتخاذَ الترتيبات اللازمة لتغطية حفل دوقة تشيزيلهورست؛ بينما تحمل الرسالةُ الأخرى دعوةَ الدوقة للأميرة من أجل حضور الحفل، التي لم يُرسَل ردٌّ عليها حتى الآن. شعرت جيني بالإطراء عندما علِمت أن رئيس التحرير، الذي أشركها بتردُّدٍ غير مَخفي، يتوقَّع منها أن تُنجِز ما يعجز فريق المُحررين بأكمله عن تحقيقه. كانت تعلم أنها، لو كان لديها الشجاعة الكافية، فمن الضروري أن تقبل الدعوة باسم مُضيفتها الحاليَّة، وحضور الحدث الاجتماعي الكبير مُنتحِلةً شخصية الأميرة فون شتاينهايمر. ومع ذلك فقد تردَّدت، ليس بسبب الاحتمال الوارد جدًّا لافتضاح أمرها، ولكن لأنها أصبحَت تُحبُّ الأميرة، وانتحالُ الشخصية هذا، إذا وصلَ إلى معرفة الشخص المَعني به وهو الأميرة، وهو أمرٌ من المؤكد تقريبًا أنه سيحدُث، فسوف يُعتبَر بلا شك غلطةً لا تُغتفَر. وبينما هي تتمايل بلُطفٍ ذهابًا وإيابًا على الكرسي الهزَّاز، فكرَت في الاعتراف بكلِّ شيءٍ للأميرة وطلَبِ مساعدتها؛ لكن بالتفكير في هذا، رأتْ أنها تُغامر بكلِّ شيءٍ في رميةِ نردٍ واحدة. فإذا رفضت الأميرة، يُصبح المُخطَّط مُستحيلًا، حيث ستردُّ السيدة بنفسها على خطاب الدوقة وترفض الدعوة. هدَّأت جيني ضميرها اليقِظ بقولها لنفسها إنَّ هذا الانتحال لن يضُرَّ الأميرة فون شتاينهايمر، أو أيَّ شخصٍ آخر في هذا الشأن، في حين أنه سيكون مساعدةً لا تُقدَّر بثمنٍ لمسيرتها المهنية كصحفية. ومن تلك النقطة انجرفت إلى التأمُّل في أوجه عدم المساواة في هذه الحياة؛ الوَفْرة الفائضة التي يمتلكها البعض، في مقابل الصعوبة الشديدة التي يواجهها البعض الآخر، وهو ليس أقلَّ استحقاقًا، في الحصول على الضروريات الشحيحة. وقد قدَّم هذا التسلسلُ الفكري بعض المواساة بعد أن انعقد عزمها على أخذ المنحة التي نثرَها القدَرُ عند قدمَيها، أو ألقاها في حجرها، فزَفَرَت تنهيدة طويلة بإصرار بينما جاءت نقرةٌ لطيفة على باب غرفتها، مع صوت الأميرة نفسها وهي تقول: «هل لي بالدخول؟»

ألقت جيني الرسالتَين على المنضدة، بينما احمرَّت وجنتاها وهي تقفز على قدمَيها لتفتح الباب.

دخلتِ الزائرة، وقد بدَت جذَّابة بما يكفي لتكون أميرةً من دنيا الخيال، وحيَّت الآنسة باكستر بحرارة.

ثم قالت: «أشعُر ببالغ الأسى لمُغادرتكِ، ألا يُمكنني إقناعكِ بتغيير رأيكِ والبقاء معي؟ أين يُمكنكِ أن تجدي منظرًا أجملَ من هذا بخلاف شُرفتكِ هنا؟»

قالت الفتاة وهي تنظر إلى الأميرة بإعجابٍ واضح وتتجاهل المناظر الطبيعية تمامًا: «أو مُضيفة أكثرَ جمالًا؟»

ضحكَت الأميرة، وبينما أصبحتا تقِفان الآن معًا في الشرفة، رفعت يدَيها، ودفعت جيني برفقٍ إلى الكرسي الهزَّاز مرة أخرى، وجلست برشاقةٍ على ذراعه العريضة، وهكذا بدت الاثنتان كتلميذتَيْن عابثتَيْن، في المنزل في فترة العطلة، تستمتِعان بحُريتهما تمامًا.

وصاحت الأميرة: «اجلسي هنا، أنتِ الآن أسيرتَي، وعلى وشك أن تُعاقَبي بتهمة الإطراء، وقد لاحظتُ من حركة الكرسيِّ أنكِ قد قفزتِ للتوِّ منه عندما طرقتُ أنا الباب، ولذا ها أنتِ ذا، عُدتِ إليه مرةً أخرى. فيمَ كنتِ تُفكرين؟ إنَّ الكرسي الهزاز يُطلِق العِنان للتأمُّل على نحوٍ بالغ اللذة، ودائمًا ما نحلم بشخصٍ مُميَّز للغاية بينما نحن جالسون عليه.»

تنهَّدَت جيني قائلةً: «لستُ استثناءً من القاعدة، لقد كنتُ أفكر فيكِ أيَّتها الأميرة.»

«إنه لطفٌ منكِ أن تقولي ذلك؛ وبما أن المجاملة اللطيفة تستحق أن تُقابَل بأخرى مثلها، فإليكِ دليلًا على أنني كنتُ أُفكر في سيدة شابة بعينها.»

وأثناء حديثها، أخذت الأميرة من جيبها حقيبةً منقوشة من الجلد الروسي، وفتحتها وأخرجت عقدًا من الماسات الصغيرة، المُتلألئة مثل قطرات الضوء السائل.

ثم قالت: «أريدكِ أن ترتدي هذا العقدَ الماسيَّ كذكرى لحلِّ لغز الماسات، ولهذا السبب اخترتُ الماس كهدية، وأعترفُ أيضًا بسبب آخر، وهو أنني أريدُكِ أن تُفكري بي في كل مرةٍ ترتدينه. انظري كم أنا مغرورة! لا يُحب المرءُ أن يُنسَى.»

أخذت جيني العِقد، وتألقت عيناها للحظةٍ ببريق ماساته؛ ثم حجبت الرطوبةُ رؤيتها ونقلت العقد تلقائيًّا من يدٍ إلى أخرى، كما لو كان بريقه المتلألئ يُنوِّمها مغناطيسيًّا. وحاولت مرةً أو مرَّتين أن تتكلم، لكنها لم تكن متأكدة من خروج صوتها، لذلك ظلت صامتة. لاحظت الأميرة توتُّرها، فرفعت العقد بلطفٍ ووضعته حول عنق الفتاة الأبيض، وهي تُثرثِر طوال الوقت في عجلة وانفعال.

«ها أنتِ ذا! الماس يليق بكِ، وهناك الكثيراتُ ممَّن لا يليق عليهن. أنا أيضًا أبدو جميلةً عند ارتداء الماس؛ على الأقل، هكذا قِيل لي مرارًا وتكرارًا، وقد أصبحتُ أُصدِّق ذلك في النهاية. أفترضُ أن الفتيان لم يُخفوا عنكِ حقيقةَ أنكِ فتاة جميلة للغاية يا جيني. وفي الواقع، وهذا تفاخُر إذا سمحتِ، فنحن مُتشابهتَان بما يكفي لأن نكون أُختَيْن، بنفس الطول تقريبًا، ونفس لون العينين والشعر. تعالَي إلى المرآة أيَّتها الفاتنة، وتباهَي بنفسك.»

ومن ثمَّ أوقفت جيني على قدمَيها وسحبتها إلى الغرفة، وأوقفتها أمام المرآة الرائعة التي تعكس لهما صورةً كاملة الطول.

وصاحت الأميرة بابتهاج: «اعترفي الآن أنكِ لم تُشاهدي فتاةً أجملَ من قبل.»

وافقت جيني، لكنها كانت تنظُر إلى صورة الأميرة وليس إلى صورتها، وقالت: «لا أظنُّ أنني شاهدتُ.» فضحكَت الأميرة، لكن بدَت الآنسة باكستر متأثرةً للغاية بالهدية غير المتوقَّعة لدرجةٍ يصعب معها أن تُظهِر ابتهاجها. ونظرت إلى نفسها بوقارٍ في المرآة لبضع لحظات، ثم فتحت المشبك ببطءٍ، وخلعت العقد من رقبتها، وأعادته إلى الأميرة وهي تقول: «أنتِ لطيفة جدًّا جدًّا، لكن لا يُمكنني قَبول هدية باهظة الثمن مثل هذه.»

«لا يُمكنكِ؟ لماذا؟ هل أسأتُ إليكِ بأي شيءٍ قلتُه منذ أن أتيتِ إلى هنا؟»

«أوه، كلَّا، كلَّا. إن الأمر ليس كذلك.»

«ماذا إذن؟ ألا أروق لكِ، بعد كل شيء؟»

صاحت الفتاة باندفاع، وألقتْ بذراعَيها حول رقبة الأخرى وهي تقول: «تروقين لي؟ إنني أُحبكِ أيَّتها الأميرة!»

حاولت الأميرة أن تضحك وهي تضمُّ جيني إليها، لكن صاحبَت الضحكة بعضُ الدموع وهي تقول:

«يجب أن تأخُذي هذه الهدية الصغيرة كتَذْكارٍ لزيارتكِ لي. لقد كنتُ حقًّا حزينةً للغاية عندما أتيتِ، والآن، حسنًا، لقد أزلتِ سوء الفَهم ووضحتِ الكثير من الأمور، وأنا أكثرُ من ممتنَّة لكِ. وفي نهاية الأمر ليس من الطبيعي للمرأة أن ترفُض الماس يا جيني.»

«أعلم ذلك؛ وأنا لن أرفض الهدية تمامًا، لكن سأُؤجِّل قَبولها.؛ إذ من المُحتمَل أن شيئًا ما سأفعله قريبًا قد يُسيء إليكِ بشدة. فإذا أساء إليكِ، فلن أستطيع قَبولها! وإذا لم يحدُث ذلك، عندما أُخبركِ بكل شيءٍ عن تصرُّفي السيئ — وسأعترفُ بشجاعة — فعندئذٍ سأقبلها.»

«عزيزتي جيني، ما هي الجريمة الرهيبة التي تُوشكين على ارتكابها؟ لماذا لا تُخبرينني الآن؟ لقد أثَرتِ فضولي بشدة.»

«لا أجرُؤ على إخباركِ أيَّتها الأميرة؛ ليس قبل أن يُثبت مشروعي النجاحَ أو الفشل. فنحن النساء بعضنا فُرِضَ عليهن مصيرهن، وبعضنا يصنَعن مصيرهن. وأنا ممَّن اخترن أن يصنعن مصيرهن، وآمُل أن تتذكَّري ذلك، إذا حدث أن شعرتِ بالغضب منِّي في أي وقت.»

«هل هو نوع جديد من التكهُّنات؟ ثروة صُنِعت بضربة حظ؟ مراهنة؟»

«شيءٌ من هذا القبيل. سأُراهن على أمرٍ يستلزم قدرًا كبيرًا من الحظ؛ ولذا أرجو منكِ الدعاءَ حتى يُحالفني الحظ.»

«إذا كانت العزيمة ستجعلكِ تفوزين، فأنا متأكدة من أنكِ ستنجحين في ذلك، ولكن إذا لم تنجحي في البداية، فحاولي، وحاولي مرةً أخرى، وإذا لم يكن لديكِ المالُ اللازم، فسأُزوِّدُكِ برأس المال. وأنا أحبُّ أن أُراهِن. وعلى أية حال، مع أطيب تمنياتي بالنجاح.»

«أشكركِ أيَّتها الأميرة. كيف يُمكنني أن أفشل بعد كل ذلك.»

ثم حان وقتُ افتراق الصديقتَين. وكانت العربة تنتظر لاصطحاب الآنسة باكستر إلى المحطة، فودَّعت الفتاة مُضيفتَها وهي تشعر بأنها تصرَّفَت بأسلوب يفتقر إلى الوفاء تجاه شخصٍ أهدى إليها صداقتَه. وبداخل حقيبة يدِها كانت دعوةُ الحفل، وكذلك رسالةُ قَبول الحضور التي كتبتها باسم الأميرة، والتي أرسلتها عبر البريد بعد ذلك في ميران. ثم وصلَت في الموعد المُحدَّد إلى لندن، وذهبت لمقابلة رئيس تحرير «دايلي بيجل».

قال رئيس التحرير: «حسنًا يا آنسة باكستر، لقد نجحتِ على نحوٍ فائق للعادة في حلِّ لُغز الماس، وأنا أُهنئُكِ. أعتقد أن رسالتي قد وصلتْ إليكِ؛ فهل لديكِ أي أفكار لحل المشكلة التي تُواجهنا الآن؟ هل يمكنكِ أن تُحضِّري لنا تقريرًا كاملًا عن حفل دوقة تشيزيلهورست، مكتوبًا بأسلوب مُقنع للغاية بحيث يعرف جميع الضيوف الذين سيقرَءونه أن الكاتِب قد حضرها بالفعل؟»

«إنها مسألةُ مالٍ في المقام الأول يا سيد هاردويك.»

«وهكذا هي معظم الأمور. حسنًا، نحن على استعداد لإنفاق المال في سبيل الحصول على ما نريده بالضبط.»

«كم بالتحديد؟»

«كل ما يلزم.»

«جوابٌ غامض. حدِّدْ مبلغًا بعينه.»

«خمسمائة جنيه، سبعمائة، ألف إذا لزم الأمر.»

«لن تُكلفك ألفًا، وقد تصل إلى أكثر من خمسمائة. ضع الألف في رصيدي، وسأُعيد ما يتبقَّى. يجب أن أذهب على الفور إلى باريس وأُنفذ خُططي من تلك المدينة.»

«إذن فقد فكَّرتِ في مُخطط. ما هو؟»

«لم أُفكر في ذلك فحسب، ولكن أجريتُ معظم الترتيبات بالفعل. لا أستطيع قول المزيد عنها. عليك فقط أن تثق بي تمامًا.»

«هناك مبلغ كبير من المال على المَحكِّ يا آنسة باكستر، وسُمعتنا كصحيفةٍ أيضًا. أعتقد أنني يجب أن أعرف ما تعتزمين القيام به.»

«بكلِّ تأكيد. أنا أعتزم أن أحصل على وصفٍ دقيق للحفل، كتبَهُ شخصٌ حضره بالفعل.»

أصدر رئيس التحرير عبارةَ تعجُّب مُقحَمة، دائمًا ما يستخدمها بدلًا من الضحك، وقال:

«بعبارةٍ أخرى، أنتِ لا تُريدين تدخُّلًا ولا نصيحة!»

«بالضبط يا سيد هاردويك. أنت تعلم بخبرتك أن كثرة الحديث عن مشروعٍ سرِّي لم يكتمل بعد، تُفسد الأمور.»

نقر رئيس التحرير بأصابعه على المنضدة لبِضع لحظاتٍ وهو يُفكر.

«حسنًا، إذن، سيتمُّ الأمر كما طلبتِ. كنتُ سأكون سعيدًا جدًّا لتقاسُم مسئولية الفشل معكِ؛ ولكن إذا كنتِ تُفضلين تحمُّلَ المخاطرة كاملةً بنفسك، فلا يُوجَد ما يُمكن قوله. سيُودَع مبلغ الألف جنيه في رصيدكِ دفعةً واحدة. ماذا بعد؟»

«في ليلة الحفل، أودُّ أن يُوجَد هنا في مقرِّ الصحيفة ثلاثة أو أربعة أشخاصٍ ممَّن يُجيدون الكتابة بطريقة الاختزال. لا أعرفُ كم بالتحديد سيستلزم الأمر؛ أنت تفهم ذلك أكثر منِّي، لكنني أعتزم إملاء التقرير بأسرعِ ما يُمكنني التحدُّث به حتى نُنجزه، ولا أرغبُ في أن يُوقِفني أو يُقاطعني أحد، لذلك أريد أفضلَ مَن يُجيدون الكتابة بالاختزال لديك؛ عليهم أن يتناوَبوا فترات الراحة بينهم كما لو كانوا يكتبون خطابًا برلمانيًّا طويلًا. ومن الأفضل أن يكون الرجال مُستعدِّين عند منتصف الليل، وسأعود إلى هنا في أقرب وقتٍ ممكن بعد ذلك. وإذا كنتَ سوف تتفضَّل بمراجعةِ ما كتبوا؛ فسوف أُلقي نظرةً على البروفات عندما أنتهي من الإملاء، قبل تسليم التقرير إلى مرحلة التجميع في المطبعة.»

«إذن أنتِ تأمُلين في حضور الحفل بنفسكِ.»

«ربما.»

«لقد عُدتِ لتوِّكِ من تايرول، وأخشى أنكِ لا تُقدِّرين الصعوبات التي تعترض طريقكِ. إنَّ هذا ليس حدثًا مُجتمعيًّا عاديًّا، وإذا كنتِ تعتقدين أن مبلغًا من المال حتى لو كان ألف جنيه سيسمح بدخول ضيفٍ غير مدعوٍّ، فستجدين نفسَكِ مُخطئة تمامًا.»

«لقد فهمتُ هذا من رسالتك.»

مرة أخرى حلَّت عبارة التعجُّب المقحمة محلَّ الضحك، وقال رئيس التحرير:

«أنتِ متفائلة جدًّا يا آنسة باكستر. أتمنَّى لو أن لديَّ نفس ثقتك؛ ومع ذلك، سوف نأمُل في الأفضل، وإذا لم نتمكن من تحقيق النجاح، فسوف نسعى على الأقل لكي نكون جديرين به.»

ذهبَت جيني إلى باريس، وفي حوزتها ألف جنيه تحت تصرُّفها، وحجزَت جَناحًا في أكثر الفنادق أرستقراطية، ووظَّفَت لديها خادمة، وشرَعَت في صُنع فستانٍ يُناسب الحفل؛ والذي سيُصبح قمةً في الجمال. ولحُسن الحظ، كانت تعرف بالضبط جهات صناعة الثياب في باريس، وقد حرَص صناع الثياب الذين أعطتهم أوامرها على إرضائها تمامًا عندما علموا أنها لن تعترض على مسألة التكلفة. ومن باريس، أرسلت برقيةً باسم الأميرة فون شتاينهايمر إلى فندق كلاريدج لتخصيص جناح لها في ليلة الحفل، وطلبت توفير العربة المناسبة التي سوف تُقِلُّها إلى ذلك الحفل ومنه.

وعند وصولها إلى فندق كلاريدج، كانت تُدرك جيدًا أن الخطر الأول الذي يُحدق بها هو أن يرغب شخص يعرف الأميرة فون شتاينهايمر في مُقابلتها؛ ولكنها أعلنت أنها لن تستطيع رؤية أي زائرٍ تحت أي ظرفٍ من الظروف؛ لأنها مُرهقة جراء الرحلة، ومن ثمَّ تفادت فشل الخطة في مهدِها. وفي الواقع لم يكن من المُرجَّح أن تكون الأميرة فون شتاينهايمر معروفةً بصفة شخصية للكثيرين ممَّن سيحضرون الحفل؛ حيث أوضحت الأميرة لجيني أنها لا تعرف أحدًا في لندن؛ وهو ما اعتبرته سببًا رئيسيًّا لرفض الدعوة. وأنها دُعِيَت فقط بسبب الوضع الاجتماعي للأمير في فيينا، وحتى مُضيفتها دوقة تشيزيلهورست لم تُقابلها من قبل قطُّ. وبأسلوبٍ تفنيدي، جلسَت تُقارن فُرَص النجاح بفُرَص الفشل، وغالبًا ما كان يبدو أن حدوث كارثة هو أمر حتمي؛ إذ كانت تعرف أنها غيرُ خبيرةٍ بعادات المجتمع الراقي وحفلاته الراقية، ومع ذلك لم يتسلَّل إليها الخوف من كون كل الاحتمالات تُشير إلى فشلها، وقررت المراهنة بمسيرتها المهنية، مُعتمِدةً على حظِّها هذه الليلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤