الفصل الثالث

الأسطورة والدين

يستدعي تناول الأسطورة في نطاق مجال الدراسات الدينية إدراج الأسطورة تحت الدين، ومن ثم تعريض الأسطورة للرفض الذي يلقاه الدين من العلم. وقد سعت نظريات القرن العشرين المشتقة من الدراسات الدينية إلى التوفيق بين الأسطورة والعلم من خلال التوفيق بين الدين والعلم.

ولقد كان هناك استراتيجيتان رئيستان للتوفيق بين كليهما؛ تمثلت الأولى في إعادة توصيف موضوع الدين ومن ثم الأسطورة. فمما قيل أن الدين لا يدور حول العالم المادي، وهو ما يجعل الدين في هذه الحالة في مأمن من أية تعديات عليه من جانب العلم. وبينما تعتبر الأساطير التي جرى تحليلها وفق هذا الأسلوب في تناول الدين أساطير تقليدية — مثل أساطير الكتاب المقدس والأساطير الكلاسيكية — فإنها تُفسَّر في الوقت الحالي رمزيًّا وليس حرفيًّا. ومن المزاعم الحالية أن الأسطورة كانت تتعارض مع العلم؛ لأنها لم تُفسَّر تفسيرًا صحيحًا. ويعطي نقد تايلور العنيف للرمزيين الأخلاقيين والمؤلهين، بسبب تفسيرهم الأسطورة تفسيرًا غير حرفي، مثالًا مصغرًا على عدم تفسير الأسطورة على النحو الصحيح، من جانب تايلور نفسه!

تمثلت الاستراتيجية التوفيقية الأخرى في ترقية الظواهر العلمانية ظاهريًّا إلى مصاف الظواهر الدينية. ومن جوانب هذه الترقية أن الأسطورة لم تعد مقتصرة على الحكايات الدينية القديمة الجلية؛ فهناك أساطير حديثة علمانية صريحة أيضًا. على سبيل المثال، فيما تعتبر القصص التي تدور حول الأبطال قصصًا تدور في حقيقتها حول مجرد بشر، يُرتقى بهؤلاء البشر إلى مصاف أعلى بكثير من مصاف البشر الفانين فيصيرون آلهة فعليين. في الوقت نفسه، لا تعتبر أفعال هذه «الآلهة» خارقة، ومن ثم فهي غير متنافية مع العلم. وبذلك، تبقي هذه الاستراتيجية على تفسير الأسطورة تفسيرًا حرفيًّا، إلا أنها تعيد تصنيف الحالة الحرفية للشخصيات الفاعلة في الأسطورة.

هناك استراتيجية ثالثة تتمثل في إحلال الأساطير العلمانية محل الأساطير الدينية. فتنقذ هذه الاستراتيجية الأسطورة من مصير الدين من خلال الفصل بين الأسطورة والدين؛ بناءً عليه، فإن هذه الاستراتيجية تُعد النقيض للاستراتيجية الثانية، التي تحوِّل الأساطير العلمانية إلى أساطير دينية. وبفصل الأسطورة عن الدين، تقع هذه الاستراتيجية بوضوح خارج مجال مناقشة الفصل الحالي.

رودولف بولتمان

كان أكثر المدافعين عن التفسير الرمزي للأساطير الدينية التقليدية رودولف بولتمان وهانز يوناس، اللذين تناولنا آراءهما بصورة موجزة في الفصل السابق. ومثلما أشرنا سابقًا، بينما يضيِّق الاثنان نطاق بحثهما حول تخصصيهما — المسيحية والغنوصية — فإنهما يطبقان عليهما نظرية عن الأسطورة ذاتها.

في مأخذها الحرفي، تتطابق الأسطورة في رأي بولتمان مع الأسطورة في رأي تايلور تطابقًا دقيقًا؛ إذ يعتقدانها تفسيرًا بدائيًّا للعالم، وتفسيرًا لا يتوافق مع التفسير العلمي؛ ومن ثم فهي تفسير لا يقبله الحداثيون، الذين يرجحون كفة العلم. وبتفسير الأسطورة تفسيرًا حرفيًّا، يرى بولتمان أنه لا بد من رفضها دون مناقشة مثلما يرفضها تايلور. لكن على عكس تايلور، يفسر بولتمان الأسطورة تفسيرًا رمزيًّا. وفي عبارته الشهيرة، وإن كانت محيرة إلى حد كبير، «يجرد» بولتمان الأسطورة «من العناصر الخرافية»، ولا يعني ذلك التخلص من الميثولوجيا، أو «خلع الثوب الخرافي عنها»، وإنما استخلاص المعنى الرمزي الحقيقي وراءها. والبحث عن قرينة في حادث الطوفان الذي غمر العالم أجمع — مع استبعاد الفكرة الإعجازية المتمثلة في اشتمال سفينة على جميع أنواع المخلوقات — يستدعي «خلع الثوب الخرافي» عن أسطورة نوح. في المقابل، يستدعي تفسير الطوفان كعبارة رمزية للإشارة إلى هشاشة الحياة الإنسانية «التجرد من العناصر الخرافية».

وبتجرد الأسطورة من العناصر الخرافية، تتوقف عن تعبيرها عن العالم، فتصير تعبر عن «خبرة» الإنسان بالعالم، وتتوقف أيضًا عن كونها تفسيرًا، فتصبح تعبيرًا عن «حال» من يعيشون في العالم، ولا يمكن الاستمرار في وسمها بأنها بدائية، بل تصبح شاملة، وفي النهاية لا يمكن أن تتصف بالزيف، بل تصير حقيقية؛ إذ تقدم وصفًا للحالة الإنسانية. ويعبر بولتمان عن ذلك بقوله:

إن الغرض الحقيقي من الأسطورة ليس تقديم صورة موضوعية عن العالم كما هو، بل التعبير عن فهم الإنسان لنفسه في العالم الذي يعيش فيه. ويجب ألا يتم تفسير الأسطورة من المنظور الكوني، بل من منظور أنثروبولوجي، أو وجودي، وهذا أفضل.

(بولتمان، «العهد الجديد والميثولوجيا»، ص١٠)
حرفيًّا، يصف العهد الجديد بالتحديد معركة كونية بين مخلوقات الخير والشر للسيطرة على العالم المادي. ولا تتدخل الشخصيات الخارقة في عمل الطبيعة فقط، كما هي الحال عند تايلور، بل في حيوات البشر أيضًا. وبينما توجِّه المخلوقات الخيِّرة البشر لفعل الخير، تجبرهم المخلوقات الشريرة على فعل الشر. وبذلك، يعبِّر العهد الجديد حرفيًّا عن رؤية تسبق الرؤى العملية:

يُنظر إلى العالم باعتباره بناءً مؤلفًا من ثلاثة طوابق: تشغل الأرض الطابق الأوسط، والسماء الطابق العلوي، والعالم السفلي الطابق الأدنى. وتمثِّل السماء مقام الإله والكائنات السماوية؛ أي الملائكة. ويمثِّل العالم السفلي الجحيم؛ مكان التعذيب. أما الأرض، فتعتبر أكثر من مجرد مسرح للأحداث الطبيعية اليومية التي تشمل الأنشطة المعتادة التافهة والشائعة، لتُعد مكانًا تقع فيه الأنشطة الخارقة للإله وملائكته من جانب، والشيطان وأتباعه وأشياعه من جانب آخر. فتتدخل هذه القوى الخارقة في مسار الطبيعة، وفي جميع ما يفكر فيه ويريده ويفعله البشر. ولا تتصف المعجزات بالندرة على هذه الأرض، ولا يتحكم الإنسان في حياته. ربما تتملَّكه الأرواح الشريرة، وربما أيضًا يوسوس له الشيطان بالأفكار الشريرة. على الجانب الآخر، ربما يلهم الإله الإنسان ويرشد مقاصده.

(بولتمان، «العهد الجديد والميثولوجيا»، ص١)
وبتجرد العهد الجديد من العناصر الخرافية، فإنه لا يتوقف عن الإشارة جزئيًّا إلى العالم المادي، لكنه في هذه الحالة عالم يحكمه إله واحد غير مؤنسن، إله متعالٍ، لا يبدو كالبشر، ولا يتدخل بصورة إعجازية في شئون العالم:

تعبِّر الميثولوجيا عن فهم محدد للوجود الإنساني، وتؤمن بأن العالم والحياة الإنسانية لهما جذورهما وحدودهما في قدرة تتخطى قدرة أي إنسان على حسابها أو التحكم فيها. وتدور الميثولوجيا حول هذه القدرة بصورة غير ملائمة وغير كافية؛ نظرًا لأنها تتناولها كما لو كانت قدرة دنيوية [بعبارة أخرى، مادية]. وتدور الأسطورة [بصورة سليمة] حول الآلهة الذين يمثلون القدرة التي تقع خارج نطاق العالم المرئي المُدرَك. [في المقابل،] تتحدث الأسطورة عن الآلهة كما لو كانوا بشرًا، وعن أفعالهم كما لو كانت أفعالًا بشرية … وربما يُقال إن الأساطير تمنح الحقيقة المتسامية حقيقة ذاتية كامنة، متمثلةً في هذه الموضوعية الدنيوية.

(بولتمان، «المسيح والميثولوجيا»، ص١٩)

وبتجرد الإله من العناصر الخرافية، يستمر بقاؤه ولكن يصير الشيطان مجرد رمز للميول الشريرة داخل النفس البشرية. ولا تشير اللعنة حينئذٍ إلى مكان في المستقبل، بل إلى حالة عقلية راهنة، تظل قائمة ما دام المرء يرفض وجود الإله. ويشير الخلاص، إذن، إلى حالة المرء العقلية بمجرد تقبل وجود الإله. لا يوجد جحيم مادي؛ فالجحيم يرمز إلى القنوط في ظل عدم وجود الإله، ولا تشير الجنة إلى مكان في السماء بل إلى الحبور في ظل وجود الإله. ولا يشعر المرء بالمُلك (الإلهي) من عوامل خارجية، عبر أحداث كونية هائلة، بل من داخله، متى آمن بالإله.

إجمالًا، يقدِّم العهد الجديد، بتجرده من عناصره الخرافية، طرقًا متعارضة مع طرق التعامل القديمة مع العالم، مثل الاغتراب الذي يشعر به أولئك الذين لم يعثروا على الإله بعد، في مقابل الألفة التي يشعر بها أولئك الذين عثروا على الإله. أما بالنسبة لأولئك الذين لا إله لهم، فيرون العالم مكانًا باردًا قاسيًا ومخيفًا. على الجانب الآخر، يشعر من عثر على الإله بأن العالم مكان دافئ وجذاب وآمن.

وبمأخذ حرفي، تعتبر الأسطورة، كتفسير شخصاني للعالم المادي، غير متوافقة مع العلم، ومن ثم غير مقبولة بالنسبة إلى الحداثيين:

تطورت معرفة وقدرة الإنسان على التحكم في العالم بالعلم والتكنولوجيا إلى درجة صار فيها من غير الممكن لأي شخص أن يتشبث بالرؤية التي يطرحها العهد الجديد للعالم. وفي حقيقة الأمر، لا يوجد أحد يتشبث بها. ولم نعد نعتقد في وجود عالم مؤلف من ثلاثة طوابق، على عكس ما تسلم به قوانين المسيحية.

(بولتمان، «العهد الجديد والميثولوجيا»، ص٤)

ما إن تتجرد الأسطورة من العناصر الخرافية، حتى تصير متوافقة مع العلم؛ لأنها أصبحت تشير إلى العالم المتسامي غير المادي، بل قل إلى خبرة الإنسان بالعالم المادي — كما هي الحال مع الدين الحديث «بدون» الأسطورة في رأي تايلور.

لا يحث بولتمان، بصفته عالم لاهوت، المسيحيين الحداثيين على تقبل العهد الجديد فقط، بل إنه يبين لهم كيف يفعلون ذلك، من خلال ترجمة العهد الجديد إلى مصطلحات وجودية. ولا يبرر بولتمان ذلك بأن الحداثيين لن يتقبلوا الكتاب المقدس المسيحي إلا على هذا النحو، بل بأن معناه الحقيقي كان دومًا وجوديًّا.

رغم ذلك، لا يفسر قول إن الأسطورة يمكن أن يقبلها الحداثيون من أصحاب العقول العلمية سبب وجوب تقبلها. فعندما قدم بولتمان هذا «الموضوع» الحديث حول الأسطورة، لم يقدِّم لها «وظيفة» حديثة. فربما يرى أن الوظيفة واضحة من تلقاء نفسها؛ ألا وهي وصف الحالة الإنسانية. ولكن، لماذا يعتبر وصف الحالة الإنسانية مهمًّا؟ ولماذا تُستخدم الأسطورة في وصفها؟ لا يستطيع بولتمان قول إن الأسطورة «تكشف» عن الحالة الإنسانية؛ لأنه هو نفسه يستخدم الفلسفة في العثور على المعنى نفسه في الأسطورة.

إضافةً إلى ذلك، يمكن أن يتقبل الحداثيون الأسطورة، حتى عند تجردها من عناصرها الخرافية، فقط عندما يُجرد وجود الإله من العناصر الخرافية بالمثل. وعلى قدر حماسة بولتمان لجعل الأسطورة مقبولة للحداثيين من أصحاب العقول العلمية، فإنه غير مستعد لاستبعاد تفسير الإله بكل جوانبه؛ أي خلع ثوب الأسطورة عنه تمامًا. فيجب على كل من يقبل الميثولوجيا أن يستمر في الإيمان بالإله، مهما كان هذا التصور معقدًا. وفيما ربما يكون التوافق مع العلم ضروريًّا من أجل اعتناق الأسطورة في عالم اليوم، فإن ذلك وحده ليس كافيًا على الإطلاق.

ماذا عسى بولتمان أن يقول عن أسطورة أدونيس؟ بكل تأكيد، سيجري بولتمان مقارنة بين العوالم التي يجد أدونيس نفسه فيها؛ إذ ينشأ أدونيس، الذي لم يبتعد أبدًا عن عناية إلهة تغمره بالاهتمام الخانق، ويترعرع في عالم يشبه الرحم، عالم آمن تمامًا يشعر فيه بالحماية، بل وينغمس فيه إلى الدرجة التي لا يعبأ عندها بالمخاطر الموجودة في العالم «الواقعي» الذي — وفق رواية أوفيد — تحاول فينوس تحذيره منه مرارًا وتكرارًا. فبتجرد هذه الأسطورة من عناصرها الخرافية، نجدها تصف خبرات متعارضة في العالم المادي؛ وهذا العالم هنا ليس علمانيًّا في مقابل عالم ديني، بل هو عالم طفولي في مقابل عالم ناضج.

جدير بالذكر أن بولتمان يتسم بتناقض طرحه. فعلى الرغم من توصيفه الظاهري للأسطورة في حد ذاتها بأنها تعبير رمزي للحالة الإنسانية، فإنه يأخذ الأساطير القديمة، التي انبثقت عنها المسيحية، مأخذًا حرفيًّا، مثل الأساطير اليهودية الخاصة بسفر الرؤيا وأساطير الغنوصية؛ بناءً عليه، بينما يخص بولتمان المسيحية فحسب بالتجرد من العناصر الخرافية، فإنه يقر في عدم اتساق واضح بفضل يوناس الوجودي المعاصر له في تجرد الغنوصية على نحو غير مسبوق من عناصرها الخرافية!

هانز يوناس

يرى هانز يوناس أن الغنوصية القديمة تقدِّم الرؤية الأساسية نفسها للحالة الإنسانية التي تقدمها الوجودية الحديثة، وإن كانت وجودية إلحادية، كما يراها بولتمان، أكثر منها وجودية دينية. وتؤكد الغنوصية والوجودية كلاهما على اغتراب البشر الشديد عن العالم:

يتكون جوهر الوجودية من ثنائية؛ غربة بين الإنسان والعالم و… أن هناك موقف واحد [فقط] … تتحقق فيه هذه الحالة وتُعاش بكل ما يحمله أي حدث جلل من شدة واحتدام؛ وتلك هي الحركة الغنوصية.

(يوناس، «الدين الغنوصي»، ص٣٢٥)

على النقيض من بولتمان الذي يسعى جاهدًا لرأب الصدع بين المسيحية والحداثة، يقر يوناس بالفجوة بين الغنوصية والحداثة؛ وبناءً عليه، لا يسعى إلى اكتساب معتنقين جدد حداثيين للغنوصية. ونظرًا لأن الغنوصية القديمة، على عكس المسيحية السائدة، تضع اللامادي في مقابل المادي، يظل البشر مغتربين عن العالم المادي حتى بعد عثورهم على الإله الحق. وفي حقيقة الأمر، لا يمكن العثور على هذا الإله إلا من خلال رفض العالم المادي وإلهه المزيف. ويتغلب الغنوصيون على الغربة عن هذا العالم من خلال التسامي عنه. في المقابل، يظل اغتراب الغنوصيين مؤقتًا، بينما يعتبر الاغتراب دائمًا عند الحداثيين. ويرى يوناس أن الميثولوجيا الغنوصية لا تزال مقبولة لدى الحداثيين، ولكن ليس المؤمنين منهم، كما هي الحال مع بولتمان، بل المتشككين. وتستطيع الميثولوجيا نيل قبولهم؛ نظرًا لأنها لا تدور حول طبيعة العالم، بل حول طبيعة العيش في العالم — أي هذا العالم — إذا جرى فهمها على النحو الصحيح. ومثل بولتمان، يسعى يوناس إلى التوفيق بين الأسطورة والعلم من خلال إعادة توصيف موضوع الأسطورة.

ولجعل الغنوصية القديمة مستساغة في رأي الحداثيين، يجب على يوناس، مثل بولتمان، تخطي تلك الجوانب التي تنطوي عليها الأساطير والتي تتعدى على العلم من خلال تقديم أصل العالم أو مستقبله. وتعتبر «حقيقة» اغتراب الإنسان عن العالم، وليس مصدر الاغتراب أو الحل المقترح له، هي موضوع الأسطورة الذي تم تجريده من العناصر الخرافية؛ بناءً عليه، تلقى العناصر الغنوصية في صفات الألوهية، وفي الفيض الإلهي، وفي الإله الخالق، وفي العالم المادي؛ تجاهلًا. والأدهى من ذلك، يتم تجاهل إمكانية النجاة من العالم المادي التي تنطوي عليها الغنوصية. باختصار، تُختزل معظم جوانب الميثولوجيا الغنوصية إلى مجرد ميثولوجيا يجب استبعادها، أو خلع الثوب الخرافي عنها، مثل «جميع» الميثولوجيا في رأي تايلور.

لا يعرض يوناس — شأنه شأن بولتمان — أي وظيفة للأسطورة تؤديها للحداثيين. وحتى إذا كانت الأسطورة تعبر عن الحالة الإنسانية، فما الداعي للتعبير عن تلك الحالة بصفة عامة، بعيدًا عن الأسطورة، إذا كانت الفلسفة تعبر عنها؟ لم تصدر عن يوناس إجابة عن هذا السؤال، بل يحصر هو وبولتمان مجال بحثيهما في معنى، أو موضوع، الأسطورة.

يعارض أسلوب بولتمان ويوناس في تناول الأسطورة أسلوب تايلور في التعاطي معها معارضةً شديدةً. فمن ناحية، يسلِّم تايلور بأن الأسطورة يجب تفسيرها حرفيًّا كي يمكن أخذها على محمل الجد، ويرى أن الرمزيين الأخلاقيين والمؤلهين يقللون من قيمة الأسطورة عن طريق تفسيرها تفسيرًا رمزيًّا. ومن ناحية أخرى، يرى بولتمان ويوناس، فضلًا عن منظرين آخرين مثل جوزيف كامبل، النقيض؛ إذ يعتقدون أن الأسطورة يجب تفسيرها تفسيرًا رمزيًّا حتى يمكن أخذها على محمل الجد. وبينما يرى تايلور أن الأسطورة يمكن أن يصدقها البدائيون، فقط لأنهم يفسرونها حرفيًّا، فإن بولتمان ويوناس يعتقدان أن الأسطورة كانت محل تصديق المسيحيين الأوائل والغنوصيين القدماء أيما تصديق؛ لأنهم كانوا يفسرونها وجوديًّا. وفيما يرى تايلور أن الحداثيين لا يستطيعون تصديق الأسطورة، وذلك على وجه التحديد لأنهم يفسرونها تفسيرًا حرفيًّا بحق، يرى بولتمان ويوناس أن الحداثيين يمكن أن يصدقوا الأسطورة، فقط ما داموا يفسرونها تفسيرًا رمزيًّا بحق. ومع ذلك، فإن تايلور لا يعترض على رؤى أولئك المنظرين الذين يفسرون الأسطورة رمزيًّا للحداثيين، بل على أولئك الذين يفسرونها رمزيًّا للبدائيين؛ بناءً عليه، كان تايلور لينتقد بولتمان ويوناس انتقادًا لاذعًا فيما يقولاه عن المسيحيين الأوائل والغنوصيين القدماء، أكثر مما ينتقدهما فيما يقولاه عن الحداثيين.

وللمفارقة، يكتب تايلور وبولتمان ويوناس جميعًا مؤلفاتٍ تدافع عن الأسطورة. والفرق بين كل منهم يتمثل في أن الدفاع عند تايلور يتطلب التخلي عن الأسطورة في ظل وجود العلم، بينما يتطلب الدفاع عنها عند كل من بولتمان ويوناس تبيين المعنى الحقيقي للأسطورة في ظل وجود العلم. وهذا المعنى ليس جديدًا من ابتكار الحداثيين لإنقاذ الأسطورة، بل هو معنى طالما انطوت عليه الأسطورة، ولم يُدرك بالكامل إلا بعد أن تعرض للضغط من خطر العلم. وبإجبار الحداثيين على الرجوع إلى النصوص العتيقة لاكتشاف المعنى الذي لم تنفك الأسطورة تعبر عنه دومًا، جعل العلم من إحدى الضرورات فضيلة.

ميرسيا إلياد

إن السير الذاتية التي تُعلي من شأن المشاهير تحولهم إلى أشباه آلهة، وتجعل من سير حياتهم الحافلة بالبطولات أساطير. على سبيل المثال، بعد وقوع حرب الخليج الأولى مباشرةً، أثنت السير الذاتية للقائد الأمريكي الأعلى شوارزكوف، أو «نورمان العاصف»، بأنه أذكى وأشجع عسكري في العالم، بل إنه أذكى وأشجع من أي إنسان؛ ما جعله يتجاوز مرتبة البشر.

والمنظِّر الرئيس هنا في هذا القسم هو مؤرخ الأديان روماني المولد ميرسيا إلياد (١٩٠٧–١٩٨٦)، الذي قضى العقود الثلاثة الأخيرة من حياته في الولايات المتحدة. وعلى عكس بولتمان ويوناس، لا يسعى إلياد إلى التوفيق بين الأسطورة والدين من خلال تفسير الأسطورة رمزيًّا. فهو يفسر الأسطورة حرفيًّا كتايلور. وعلى عكس بولتمان ويوناس، لا يغيِّر إلياد من الوظيفة الظاهرية للأسطورة؛ فهو يرى، متفقًا في كثير من الجوانب مع تايلور، أن الأسطورة تفسر أصل الظواهر وليس فقط تكرارها تفسيرًا دقيقًا. وبما يتعارض مع بولتمان ويوناس، لا يحاول إلياد تحديث الأساطير التقليدية. ويختلف أيضًا عن تايلور الذي يلتزم بالأساطير الدينية التقليدية الصريحة، ليحول أنظاره نحو الأساطير الحديثة غير الدينية ظاهريًّا. وبدلًا من محاولة التوفيق بين هذه الأساطير والعلم، مثلما قد يفعل بولتمان ويوناس، يجد إلياد أن كثافة وجودها يؤكد على توافقها مع العلم؛ فإذا كان الحداثيون الذين يملكون علمًا، في رأي إلياد وغيره من المنظرين، يملكون الأساطير إلى جانبه، فيجب أن تكون الأسطورة متوافقة مع العلم.

fig4
شكل ٣-١: ميرسيا إلياد، باريس، ١٩٧٨.1
يتمثل معيار الأسطورة عند إلياد في أن تنسب قصةٌ إلى بطلها عملًا بطوليًّا استثنائيًّا يجعل من هذا البطل شخصًا خارقًا. فتفسِّر الأسطورة كيف أن إلهًا أو شبه إله، في حقبة «مقدَّسة» في أول الزمان، خلق ظاهرةً لا تزال مستمرة في الوجود. وربما تكون هذه الظاهرة اجتماعية «أو» طبيعية: على سبيل المثال، الزواج أو الأمطار:

تبين الأسطورة، من خلال أفعال الكائنات الخارقة، كيف ينشأ واقع ما في الوجود، سواءٌ أكان ذلك الواقع كاملًا، مثل الكون، أو جزءًا منه فقط، فلنقل كالجزيرة، أو أحد أنواع النباتات، أو نمط معين من أنماط السلوك الإنساني، أو مؤسسة.

(إلياد، «الأسطورة والحقيقة»، ص٥-٦)

بينما يُعزى الفضل في خلق الظواهر الطبيعية إلى الآلهة، يُعزى الفضل إلى «أبطال الثقافة» في خلق الظواهر الاجتماعية. فالعمل البطولي الفذ الخرافي يُعد بمنزلة الخلق.

وفيما تؤدي الأسطورة في وجهة نظر إلياد وظيفة تفسيرية، فإن لها وظائف تفوق التفسير؛ إذ يتبين لنا أن التفسير مجرد وسيلة لبلوغ غاية؛ ألا وهي التجديد. غير أن الاستماع إلى سرد الأسطورة وقراءتها وإعادة تمثيلها — بصفة خاصة — كل ذلك يعني العودة بصورة سحرية إلى زمن وقوع أحداثها، إلى الحقبة الزمنية لأصل الظاهرة التي تفسرها الأسطورة أيًّا كانت:

بما أن الرواية الطقوسية لأسطورة نشأة الكون تنطوي على تجديد الحادث البدائي الأصلي، فإنه يترتب على ذلك أن ينتقل الشخص الذي تُروى له الأسطورة إلى «ذلك الوقت»، إلى «أول الزمان»، فيصبح هذا الشخص معاصرًا لأحداث نشأة الكون.

(إلياد، «المقدس والمدنَّس»، ص٨٢)
تعتبر الأسطورة كالبساط السحري، وإن كانت بساطًا يمضي في اتجاه واحد. فبرجوع المرء إلى الوراء إلى أول الزمان، تعمل الأسطورة على إعادة توحده مع الآلهة؛ لأنهم وقتئذٍ كانوا الأقرب إليه، مثلما تصور الواقعة التي وردت في الكتاب المقدس، عن «الرب الإله ماشيًا في الجنة عند هبوب ريح النهار» (سفر التكوين ٣ : ٨). وتعكس «إعادة التوحد» المُشار إليها الانفصال الذي حدث بين المرء والآلهة بعد أن كانوا في جنة عدن، وتجدد روحانية المرء:

باختصار، يتمثَّل الأمر في العودة إلى الوقت الأصلي، والغرض العلاجي من هذه العودة، أن تبدأ الحياة مجددًا وتولد ميلادًا رمزيًّا تارة أخرى.

(إلياد، «المقدس والمدنَّس»، ص٨٢)

وبذلك يعتمد الدرس المستفاد نهائيًّا من الأسطورة على التجربة: وهي في هذه الحالة مقابلة الإله. فلا توجد نظرية للأسطورة تمتد بجذورها في الدين أكثر من نظرية إلياد.

من الواضح أن العلم لا يقدم أية وظيفة تجديدية، بل يفسِّر فقط. إذن، يمكن أن تؤدي الأسطورة وظائف لا يستطيع العلم القيام بها. في المقابل، لا يتمثل الطرح الرئيس حول استمرار الأسطورة لإلياد في أنها تؤدي وظيفة فريدة، بل في أنها تؤدي هذه الوظيفة للحداثيين والبدائيين على حد سواء. وبحسب إلياد، يظن الحداثيون في أنفسهم الالتزام بأقصى درجات العقلانية والفكر وعدم الانسياق العاطفي والنظرة التطلعية إلى المستقبل. باختصار، يرون أنفسهم علميين. ولكن يرى إلياد في المقابل أن الحداثيين أنفسهم لا يستطيعون التخلي عن الأسطورة:

قد يُكتب مجلد كامل عن أساطير الرجل الحداثي، وعن الأساطير المتخفية في ثوب المسرحيات التي يستمتع بمشاهدتها، وعن الكتب التي يقرؤها. أما السينما، «مصنع الأحلام»، فهي تقتبس موضوعات خرافية لا حصر لها وتوظفها؛ كالصراع بين البطل والوحش، والمبارزات والمحاكمات التعذيبية البدائية، والشخصيات والصور النمطية (الفتاة، البطل، وصف الجنان، الجحيم، إلخ). حتى القراءة قد تشتمل على وظيفة خرافية … نظرًا لأن الإنسان الحديث ينجح، من خلال القراءة، في تحقيق «الفكاك من الزمن» مقارنةً ﺑ «الظهور خلال الزمن» الذي يحدث في الأساطير … فتلقي القراءة بالإنسان الحديث خارج زمنه وتجعله جزءًا من إيقاعات أخرى، ليعيش في «تاريخ» آخر.

(إلياد، «المقدس والمدنَّس»، ص٢٠٥)

وبذلك تُعتبر المسرحيات والكتب والأفلام مثل الأساطير؛ لأنها تكشف عن وجود عالم آخر — عادةً أقدم — إضافة إلى العالم اليومي؛ عالم يشتمل على شخصيات وأحداث استثنائية تشبه تلك الموجودة في الأساطير التقليدية. إضافة إلى ذلك، تفسِّر أفعال تلك الشخصيات الحالة الراهنة للعالم اليومي. والأدهى من ذلك أن الحداثيين يستغرقون في المسرحيات والكتب والأفلام، حتى إنهم يتصورون أنفسهم عادوا إلى الوراء؛ إلى زمن الأسطورة. وبينما يشير بولتمان ويوناس باعتدال إلى أن الحداثيين «قد» يكون لديهم أساطير، يؤكد إلياد في قوة على أن «لديهم» أساطير. وإذا كان لدى الملحدين المعترفين بإلحادهم أسطورة، إذن من المؤكد أنها ليست فقط مقبولة عند الحداثيين، مثلما يرى بولتمان ويوناس، وإنما حتمية — فهي ذات طابع إنساني. وفيما يفترض تايلور وفريزر أن الأسطورة ضحية عملية العلمنة، يرى إلياد أنه لم تجر أية عملية علمنة حقيقية. ويظل الدين، ومعه الأسطورة، باقيين «بتخفٍّ».

fig5
شكل ٣-٢: جون إف كينيدي الابن على غلاف مجلة «يو إس ويكلي»، يونيو ٢٠٠٠.2

كيف يمكن تطبيق نظرية إلياد على أسطورة أدونيس، الذي يبدو أبعد ما يكون عن البطولة؟ مثل الأبطال اليونانيين الآخرين غير الاستثنائيين، إيكاروس وفايثون، يتصور أدونيس نفسه قديرًا. وفي واقع الأمر، لا يبالي أدونيس، مثلهما، بمخاطر العالم، فيموت جراء تهوره النرجسي.

ربما يعتبر جون إف كينيدي الابن (١٩٦٠–١٩٩٩) نسخة حديثة من أدونيس، فهو بطل جذاب للكثيرين ورمز جنسي لا يقاوم بالنسبة إلى النساء. وقد مات، متجاهلًا تحذيرات تشبه تحذيرات فينوس، عندما أصر في طيش على الطيران في ظروف جوية لم يكن مبتدئ مثله مستعدًّا لها على الإطلاق. وبسقوط طائرته إلى الأرض، أصبح كينيدي قريب الشبه بإيكاروس وفايثون عن أدونيس. فكان رثاؤه في كافة الأرجاء رثاءً لبطل محتمل أكثر منه رثاء لبطل حقيقي.

fig6
شكل ٣-٣: جورج واشنطن قبل معركة يورك تاون، ١٨٢٤-١٨٢٥، بريشة الفنان رامبرانت بيل.3

ربما يتمثل أحد أكثر الشخصيات ملاءمةً لنظرية إلياد في البطل غير المتنازع عليه جورج واشنطن (١٧٣٢–١٧٩٩). فقد وقَّره وأجلَّه جميع الأمريكيين باعتباره الأب الروحي للبلاد، وعمل هو في البداية كقائد أعلى للجيش القاري في الحرب ضد البريطانيين، الذين هُزموا في نهاية المطاف في عام ١٧٨١. واعتزل واشنطن بعد ذلك الحياةَ العامة لكنه عاد ليترأس المؤتمر الدستوري؛ الذي كان دعمه فيه لا غناء عنه للتصديق على الدستور. وجرى انتخاب واشنطن بالإجماع أول رئيس للولايات المتحدة (عن طريق المجمع الانتخابي) في عام ١٧٨٩، ثم أُعيد انتخابه بالإجماع تارةً أخرى، وكان سيجري انتخابه مجددًا إذا رغب في ذلك. فلقد كان يُنظر إليه في إعجاب شديد وإجلال إلى الحد الذي جعل كثيرًا من الثوريين يخشون من أن يؤسس هو أو المناصرون له حكمًا ملكيًّا، ومن ثم تتقوض الأهداف الجمهورية التي حوربت الثورة لأجل تحقيقها. ولذا فإن رفضه هذا الإغراء جعله أكثر إجلالًا في نظر الآخرين.

أوشك الاحترام الذي منحه الأمريكيون لواشنطن في عصره وبعده بوقت طويل أن يكون تأليهًا، كما كانت معاملته أقرب إلى العبادة. وحتى قبل أن يصبح أول رئيس للولايات المتحدة — ناهيك عن أثناء فترته الرئاسية وبعدها — كانت هناك عملات تحمل صورته، وعدد غير مسبوق من اللوحات والتماثيل له، وأغانٍ وأشعار تمتدحه، ومقاطعات ومدن تحمل اسمه، واحتفالات مهيبة بأعياد ميلاده، واستقبالات صاخبة له أينما ذهب. وبالنسبة إلى إلياد، تمجِّد الأسطورة قيام أحد أبطالها بتأسيس شيء في العالم المادي أو الاجتماعي يستمر إلى اليوم — مثلًا أمريكا في حالة الأب المؤسس؛ واشنطن. ويعبِّر وصف أحد المؤرخين للاحتفالات بعيد ميلاد واشنطن عن «القداسة» التي تمتع بها فيما يلي:

بحلول عام ١٧٩١، بعد عامين من توليه منصبه، صار الاحتفال «الملكي» و«التقديسي» بعيد ميلاده عادة قومية. ولم يكن هناك مدينة مهما صغر حجمها لم تقم حفلًا أو وليمة واحدة على الأقل في ذلك اليوم احتفاءً بواشنطن … فكانت مناسبة قومية، لا تضاهيها سوى مناسبة الرابع من يوليو في الحماسة والبهاء. وصار مولد الأمة ومولد واشنطن علامتين تذكاريتين للشعب الأمريكي … واتخذت شعائر الاحتفال بمولد واشنطن طابع الشعائر الدينية … فكان يوم ميلاد واشنطن يومًا مقدسًا بحق؛ وقتًا للم الشمل وإعادة التأكيد على قداسة الأمة، وقوة تمسك الشعب بها.

(شوارتز، «جورج واشنطن»، ص٧٧–٧٩)

بعد فترة طويلة من مماته، لم يقتصر الاحتفال بميلاد واشنطن — الذي لا يزال إلى اليوم عطلة رسمية — على إحياء ذكرى أعماله، بل يتم لإعادة أفعاله، وإعادته هو شخصيًّا، إلى الحياة. وكان جزء من الاحتفال — الطقوسي — يتمثل في ذكر النقاط المضيئة في سيرته؛ الأسطورة. وبوضوح، تشير العبارة الأمريكية المتناقلة على الألسن «جورج واشنطن نام هنا» إلى الوظيفة الأساسية للأسطورة من منظور إلياد؛ ألا وهي تقديم وسيلة اتصال بالإله.

بطبيعة الحال، قد يعترض أحد المتشككين؛ فهل يعتبر أي بطل بشري — مهما كان موقَّرًا — إلهًا؟ وهل يعني الاحتفال العبادة؟ وهل يؤدي الاحتفال بحياة بطل ميت إلى إعادة البطل نفسه إلى الحياة؟ هل يعتقد المحتفلون حقًّا أنهم عادوا بالزمن إلى الوراء وليس فقط في مخيلتهم؟ وبقدر ما تفسِّر العلوم الاجتماعية الإنجازات الخالدة للأبطال، ماذا تبقى للأسطورة كي تفسره؟ وبقدر ما يثير جهد إلياد من إعجاب إزاء ضمان مكان راسخ للأسطورة في العالم الحديث العلمي، فهل هذا الجهد مقنع؟

هوامش

(1) © Photos12.com/Carlos Freire.
(2) © Reuters 2000.
(3) © The Corcoran Gallery of Art/Corbis.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤