الصورة الممزقة (٢)

تصوير داخلي:

(الجزء الأخير من الحلقة السابقة.)

سعاد تقف وحدها أمام المرآة في عنبر النوم في المدرسة الداخلية. يظهر صدرها وكتفاها وقد ارتدَت فستان حشمة مغلقًا من أمام بأزرار حتى أسفل الرقبة.

صورةٌ مكبَّرة لكتفَيها وصدرها. صورة مكبَّرة ليدها وهي ترتفع من جوارها وتمتدُّ مرتعشة وتفكُّ بعض أزرار صدر الفستان وتُخرج كتفًا من كتفَيها، وتتأمَّلها. تظهر أمامها مرةً أخرى صورة الضابطة والشاب يحوطُها بذراعَيه ويقبِّلها من شفتَيها قبلةً طويلة.

تظهر صورةٌ مكبَّرة لأصابعها وهي ترتعش وتلمس كتفها العاري.

يظهر وجه سعاد وهي تنتبه إلى نفسها فتُغلِق أزرار الفستان وتقف أمام المرآة تفكِّر. في عينيها نظرة قوةٍ وتحدٍّ!

تدخُل الناظرة إلى العنبر. تهدأ البناتُ فجأة. تتجه الناظرة إلى سعاد في صرامة وتعطيها ورقةً مطوية (خطابًا). تنظر الناظرة إلى البنات ثم تستدير وتخرج من العنبر.

سعاد تفتح الورقة وتقرؤها بسرعة ثم تصرخ بصوتٍ عالٍ.

صوت الراوية:

لماذا كنتُ أخجل من مظاهر أنوثتي؟ لم أكن أدري. لكني كنت كلما نظرت إلى نفسي وأتأملها أكثر وأكثر أجد في أعماقي شيئًا يشبه البنات، وأجد في قلبي حنينًا إلى الحب يشبه حنينهن!

وكأنما اكتشفتُ داخل نفسي واحدةً أخرى غيري! سعاد أخرى غير تلك التي تقف أمام المرآة وتشبه البنات وتَحِن إلى الرجل!

لا! لن أكون كالفتيات! لن أومن بشيء اسمه رجل!

لن أستقبل أنوثتي! سأثور عليها!

سأحطِّمها!

لن أعيش حياة أمي! لن أتزوج!

سأصنع في حياتي حياةً كبيرة لم تعِشْها امرأةٌ من قبلي!

سعاد : مش معقول! مش معقول!

(زغرودة عالية.)

تصوير داخلي:

صورة مكبَّرة لفمٍ مكبَّر يزغرد.

تظهر الصالة في بيت أُسرة سعاد.

شبه حفلة في بيت أُسرة سعاد. الأم تجلس وسط الضيوف. الأخ جالس وتوفيق ابن عمتها العريس جالس (شاب نحيل عادي) والأب جالس. الدادة أم علي تروح وتجيء. الكل مشغول بالضيوف. صخب. حركة. صخب. زغاريد.

تصوير داخلي:

حجرة نوم سعاد. سعاد على سريرها تبكي. ترفع وجهها من فوق الوسادة. يبدو على وجهها الإصرار والغضب. الدادة تدخل. تتحدث معها وتلاطفها. سعاد تهز رأسها ويديها في ثورة وغضب. الدادة تخرج.

يدخل الأب. يُحاوِل إقناع سعاد. سعاد ترفض. تُحاوِل أن تُقنِعه برأيها. تثور. وتبكي.

الأب يربتُ عليها في حنان. الأم تدخُل. تُحاوِل إقناع سعاد بالشدة بالخروج لمقابلة العريس.

سعاد ترفض بشدة.

الأم تثور أيضًا.

الأب يأخذ الأم من يدَيها ويخرجان إلى الصالة. يبتعدان عن صخب الضيوف ويقفان يتكلَّمان.

الأب : سيبيها يا سنية هي حرة.
الأم : يعني إيه حرة يا زغلول؟
الأب : حرة يعني حرة! هي مش عاوزة تتجوز توفيق!
بتكرهه! مش بتحبه؟

(الدادة ترى الأب والأم يتكلمان.)

(فتدخل مسرعة تُطمئِن سعاد.)

الأم : ما له توفيق؟ ده شاب ممتاز.
الأب : والله هي رأيها مش كده. وهي اللي حتجوِّزه مش انت!

(سعاد تقف على باب حجرتها تتسمَّع كلامهما. تقف معها الدادة تسمع أيضًا.)

(يظهر وجه سعاد متهللًا وكذلك الدادة.)

الأم : لكن ليه مش عاجبها؟ أيوه! لازم عرفت واحد في مصر! أنا مش قلت لك البنت نحكُمها؟
الأب : سعاد مش بتاعة الكلام ده. هو لازم يبقى فيه حد تاني ما دام توفيق مش عاجبها؟
الأم : أمال إيه يعني اللي مالي دماغها ما دام ما فيش راجل تاني؟
الأب : دماغها مليانه علم. مليانه طموح. هي عاوزة تدخل الطب وتبقى دكتورة! وواحد زي توفيق مش ممكن يرضي واحدة زي سعاد.

(يظهر وجه العريس توفيق وهو جالس. وجه نحيل غبي.)

(تبدو عليه البلادة.)

(سعاد تقفز من الفرح في حجرتها وتبتسم في سعادة.)

(الأم تنظر ناحية توفيق.)

(الأب يقفز ناحية توفيق. توفيق يقف. الأب يمسكه من يده ويأخذه إلى حجرةٍ جانبية.)

الدادة : يسلم بقك. والنبي كلامك شهد!
الأم : شهد إيه يا أم علي؟ إنتم عاوزين تميِّلوا بخت البت. دي عمرها بقی سبعتاشر سنة وبكرة تكبر وما فيش راجل يبصلها؟
الدادة : بكرة لما تبقى دكتورة مليون راجل يترمي تحت رجلَيها. وعلى الأقل يا ست سنية تعالجنا ببلاش … وتعالجلي ركبي اللي دايمًا وجعاني.
الأم (تكلم الأب) : ما ليش دعوة يا زغلول بالبنت. أهو انت أبوها وحر فيها. اوعی يا زغلول تلوموني أنا. توديها الجامعة وتخليها تقعد جنب الرجالة انت حر. أنا عملت اللي عليَّ. لكن أقول إيه لتوفيق دلوقت؟ أقولُّه بنتنا ممشِّية كلامها علينا؟
الأب : ما تقوليش له انت حاجة. أنا اللي حقولُّه. خليكي انت يا سنية.

(الأب يمسكه من يده. ويأخذه إلى حجرةٍ جانبية.)

تصوير خارجي:

تظهر جموع الطلبة والطلبات وهم يحملون حقائبهم ويسيرون في شارع الجامعة متجهين نحو الجامعة.

سعاد (بدون ضفائر وقد قصَّت شعرها وبدت فتاةً ناضجة).

تسير في شارع الجامعة بنشاطٍ متجهةً نحو الجامعة.

صوت الراوية:

فرحتُ بحياتي الجديدة في الجامعة. شعرتُ أنني أخرج من عالمي الضيِّق الحدود إلى عالمٍ واسع كبير.

يظهر على باب الجامعة بعض ضباط البوليس والجنود وهم يفتِّشون الطلبة وينظرون في بطاقاتهم وكارنيهاتهم. الضابط ينظر في كارنيه سعاد ويُقارِنه بين وجهها وبين صورتها في الكارنيه.

سعاد : وشعرتُ برهبةٍ أوَّل الأمر. لكن سرعان ما تعوَّدتُ هذه الحياة الجديدة. وكان كل شيء في هذه الحياة جميلًا شيقًا إلا ذلك الضابط الكئيب الذي ينظر إلى وجهي ثم إلى صورتي في الكارنية كأنني واحدة من المشبوهين.

(سعاد تنظر إليه شذرًا، ثم تدخل الجامعة.)

ومنظر هؤلاء الجنود الذين يحيطون بالجامعة وكأنها سجنٌ حربي عتيد. وأحببتُ العلوم. وبدأت افتح عيني على عالم كبير ليس له حدود. عالم الطب. ذلك العلم الغريب. الذي يجمع بين الرحمة والقسوة. بين الراحة والعذاب. بين الابتسام والأنين.

(تظهر سعاد وهي تجلس في المدرج وسط الطلبة منتبهة للمحاضر جدًّا. صورةٌ مكبَّرة لسعاد وهي تجلس تكتُب باهتمامٍ وإلى جوارها شابٌّ يختلس النظر إليها وهي لا تشعُر به.)

(صورةٌ مكبَّرة لوجه سعاد وهي تُشرِّح ضفدعة، ثم يظهر وجهها ويبدو عليها الاهتمام والتألُّم.)

كان عقلي يفكِّر لكن قلبي كان يتألَّم لكل قطعٍ أضعُه بمشرطي، ولكل أنَّة مريضٍ تصل إلى أذني.

(تظهر سعاد وهي تجلس إلى جوار هيكلٍ بشري كامل معلَّق على حاملٍ تتحسَّسه بأصابعها.)

كنتُ أفكِّر. وكنتُ أتألم.
وكنتُ من خلال أفكاري وآلامي أُحسُّ أنني أكبر وأكبر وأكبر.

ومرَّت السنوات وأنا أعيش في عالم الطب العميق، وحولي رجال، رجال كثيرون يجلسون إلى جواري ويتحدَّثون إليَّ. لكني لم أكن أشعر أنهم رجال. لماذا؟ لم أكن أدري.

(صورةٌ مكبَّرة ليدَي سعاد وهي تُمسِك بالسمَّاعة وتضعُها على صدرِ مريض. يظهر من حولها الطلبة والطالبات والأستاذ في درسٍ على أحد المرضى بالمستشفى. يبدو على وجه سعاد الألم.)

(صورةٌ مكبَّرة للطالبات وكلهن يلبسن الكعوب العالية. صورةٌ مكبَّرة لحذاء سعاد المنخفض.)

(صورةٌ مكبَّرة لأقدام الطالبات بالكعوب العالية وهن يمشين في استرخاء ودلال. قدَما سعاد تمشيان بسرعة في نشاط واستقامة.)

لم أقف مرةً واحدة أمام المرآة لأتطلَّع إلى سعاد الأخرى الكامنة في أعماقي. لم أدرِ لماذا. ولم أفكِّر في أن أسأل نفسي لماذا.
تصوير داخلي:

يظهر مدرج من مدرجات كلية الطب. الطلبة والطالبات جالسون يستمعون.

مكتوب على السبورة اسم محمود زكي زعيم الطلبة. محمود (البطل) يقف مكان الأستاذ على المنصة يتكلَّم. طالب يمر على الطلبة والطالبات يوزِّع مجلة اسمها «الأبطال».

سعاد تفتح المجلة وتقرأ اسم محمود زكي — رئيس التحرير. سعاد تقلِّب المجلة ثم تنظر إلى محمود وهو يتكلم. وتستمع في اهتمام إلى محمود.

محمود ينتهي من كلمته. الكل يصفِّق له في إعجاب وحماس. سعاد تصفِّق أيضًا.

محمود ينظر من فوق المنصة بين تصفيق الطلبة ويتجه نحو مقعده في المدرَّج.

يمُر بسعاد وهو يصعد سلالم المدرَّج. عيناهما تلتقيان أولًا.

موسيقى مناسبة.

صورةٌ مكبَّرة لعينَي محمود تنظران إليها في دهشة. محمود يقف أمامها لحظة. ثم يسير مرةً أخرى متجهًا إلى مقعده في آخر صف المدرَّج إلى جوار زميله سعد.

سعد يلتفت.

محمود : مين الطالبة دي؟
سعد : أنهيه؟

(محمود يشير ناحية سعاد.)

سعد : دي سعاد زغلول يا أخي. إزاي ما تعرفهاش؟
محمود : أول مرة اشوفها.

(الطلبة والطالبات يخرجون من المدرج تدريجيًّا.)

سعد : أصلك مش بتيجي الكلية كتير يا محمود.
محمود : إنت تعرفها يا سعد؟
سعد : باسمع عنها بس. بيقولوا انها شاطرة قوي في الدروس طبعًا. بطلة التنس في الكلية. دي بنت غريبة خالص.
محمود : غريبة ازای؟

(يظهر وجه سعاد وهي تجلس منهمكة. صورةٌ مكبَّرة لعينَيها.)

سعد : مش زي بقية البنات. لكن انت ليه مهتم بيها كده؟
محمود : مش عارف! عينيها فيها حاجة غريبة.
سعد : عينيها؟ ما تبطل خيال بقى يا أخي. خيالك ده اللي حيودينا في داهية.
محمود : ليه داهية؟
سعد : حضرتك متخيل إنك بطل. وإني کمان بطل. وعاوز ترمينا في حرب القنال.
محمود : حنرجع نخاف تاني.

(المدرَّج أصبح خاليًا إلا من محمود وسعد.)

سعد : وما نخافش ليه؟ اشمعنى أنا اللي حدافع عن الوطن. هو الوطن بتاعي أنا بس؟
محمود : يعني مش حتروح معانا القنال؟
سعد : لا حروح طبعًا.

(محمود يضرب كفًّا بكف.)

(سعد يأخذ حافظة كتبه ويقف.)

محمود : على فين؟
سعد : رايح البوفية. تيجي؟
محمود : لأ، أنا قاعد شويه.

(سعد يخرج من المدرج.)

(محمود يجلس وحده شاردًا. يقف وينزل سلالم المدرج. يصل السبورة. يرى اسمه مكتوبًا عليها. محمود زكي زعيم الطلبة. يتأمل اسمه لحظة. ينظر إلى الأرض. يرى نسخة من مجلة الأبطال على الأرض ويلتقطها من فوق الأرض، وينفض عنها التراب. يفتحها على المقال الذي باسمه. محمود زكي. يبتسم لنفسه في هدوء. يضع المجلة على منضدة الأستاذ. ويهمُّ بالخروج من المدرَّج. تدخل سعاد فجأة. ترى محمود فتقف مندهشةً لحظة.)

محمود : اتفضلي يا سعاد. فيه محاضرة دلوقت؟
سعاد (في حياء) : أيوه يا دكتور محمود. محاضرة الرمد.
محمود (ضاحكًا) : دكتور محمود؟
سعاد (باسمة) : مش انتم بتنادوا بعض كده من أول يوم تدخلوا الكلية؟

(سعاد تجلس. محمود يقف بجوارها.)

محمود : ده صحيح. لكن مش عارف ليه دایمًا باحس أن اللقب ده غريب علي. زي ما يكون بدلة مش بتاعتي.

(لحظة صمت.)

سعاد : ضيقة والَّا واسعة؟
محمود : لا ضيقة ولا واسعة. إنما شكلها غریب. مش بتاعتي أنا.
سعاد : جايز لأنك حاسس ان مش كفاية انك تبقى دكتور زي كل الطلبة.

(محمود ينظر في عينَيها طويلًا.)

محمود : مش عارف.

(يدخل الطلبة والطلبات لحضور محاضرة الرمد مندفعين. يدخل الأستاذ. محمود يخرُج من المدرج. الطلبة والطالبات يفتحون الكشاكيل ويمسكون الأقلام وينتبهون إلى الأستاذ.)

(الأستاذ يُمسِك بقطعة من الطباشیر بأطراف أصابعه ويستدير إلى السبورة. يرى اسم محمود زكي مكتوبًا عليها. فينظر إليه شزْرًا ثم يمسحه وينفخ في اشمئزاز الطباشير من يده وبدلته. يكتب على السبورة موضوع المحاضرة باللغة الإنجليزية.)

(Detachement Of The Retina.)
(انفصال شبكية العين.)

(ويضع على المكتب الذي أمامه عين إنسان مكبرة من الجبس.)

(يُخرج من جيبه ورقة ويبدأ يقرأ منها. الطلبة والطالبات يكتبون. سعاد تجلس شاردة. عيناها تتعلقان باسم محمود زكي المطبوع في المجلة التي في يدها. تحاول أن تقرأ بعض السطور من مقاله. تنظر إلى الأستاذ، ثم إلى العين التي على المكتب أمامه. تظهر عينا محمود مكان العين الحجرية. تنظر إلى الأستاذ. يظهر محمود واقفًا أمامها مكانه يخطب والطلبة يصفِّقون له. سعاد تتنبه إلى نفسها فيظهر الأستاذ أمامها يقرأ المحاضرة. تمسك القلم وتنهمك كالطلبة في كتابة المحاضرة.)

تصوير داخلي:

حجرة نوم محمود في بيته. الحجرة تحتوي على مكتب أيضًا. في الحجرة المجاورة له يُسمع صوت ماكينة خياطة تدور. محمود يجلس على مكتبه وأمامه عددٌ كبير من المجلات والأوراق والأقلام.

أمامه مجلة الأبطال وقد فتح الصفحة عند المقال الذي يُذيَّل بإمضاء.

محمود زكي.

محمود يقرأ اسمه وينظر إليه بإمعان. يكتب بجوار كلمة محمود زكي كلمة دكتور، ثم يشطبها، ثم يكتبها.

يكتب كلمة سعاد.

تصوير داخلي:

تظهر قدما امرأة وهي تحرِّك ماكينة خياطة. ثم تظهر أم محمود وهي تشتغل على ماكينة الخياطة وإلى جوارها تجلس أخت محمود (عزيزة) الخرساء. تشتغل بالإبرة بعض الخياطات.

الأم تتوقَّف لحظة عن الخياطة وتفكِّر وتضع رأسها بين يديها من التعب والإرهاق، ثم تقف وتسير إلى حجرة محمود.

تدخل الأم فتجد محمود جالسًا على المكتب وأمامه المجلات.

الأم تتنهَّد من الحسرة.

الأم : هو انت مش حتبطل شغل السياسة وشغل المجلات ده بقى؟ ابن عمك عبد العال، الواد ابن امبارح، اتخرج من الحقوق وبقى وكيل نيابة أد الدنيا. وانت مضيع وقتك في الكلام الفارغ ده؟
محمود : هو انتي بتسمي الوطنية كلام فارغ يا ماما؟
الأم : وطنية إيه وكفاح إيه يا خويا؟ إنت حتطلع دكتور ولا حتطلع ضابط بوليس ولا جيش؟ هم بيعلموك في كلية الطب ازاي تعالجوا العيانين والا ازاي تحاربوا؟
محمود : لا دي ولا دي!

(تدخل الأخت الخرساء وتضع فنجان الشاي على مكتب محمود. يظهر وجهها وهي تنظر إليه في حب وعطف. محمود يبتسم لها ويشكرها بإشارة بأن يضع يده على صدره وينحني في تحية باسمًا.)

(وجه الأخت الخرساء يبدو سعيدًا وتردُّ عليه التحية برأسها ويديها.)

الأم : أمال بيعلموكوا إيه يا خويا؟
محمود : بيعلمونا ازاي نكشف على جيوب العيانين وننفضها؟
الأم : اسكت يا خويا اسكت وانت طالع خايب زي المرحوم ابوك. كان برضه ماسکلي حكاية الناس الفقرا والناس الغلابة لما ضيع فلوس أطيانه كلها على ما فيش! يضمن ده! ويفك أزمة ده! ويسلِّف ده! ومش عارف إيه ده! لما بقينا على الحديدة. ومات وهو مش لاقي حد يقولُّوا انت فين!

(وجه الأخت الخرساء يظهر وكأنها تفهم الكلام. يبدو على ملامحها الألم والحزن.)

(محمود يكتب على الورقة التي يكتب فيها دون أن يرفع رأسه.)

الأم : كنت لسة يا دوب بتمشي وعزيزة اختك كانت على كتفي! وكنت أنا شابة صغيرة. وياما زنُّوا على دماغي عشان اتجوز قلت مستحيل محمود وعزيزة بالدنيا!

(وجه عزيزة يبدو متألمًا. وتقوم وتعطي محمود كوب الشاي. محمود يأخذ ويشرب منه رشفه ثم يضعه.)

الأم : ده لو واحد غيرك يا محمود وشايف شقایه من يوم موت ابوك عشان ما اقصرش في حاجة من ناحيتك انت واختك. كان اشتغل واتجدعن!

(محمود يبدو على وجهه الغضب والألم.)

محمود : كفايا يا ماما! كفاية! الكلام ده بيمسني! بیعذبني!

(الأخت يبدو عليها الألم الشديد والدموع تظهر في عينيها.)

الأم : أنا خلاص تعبت. وحاسة ان آخرتي قربت. لازم تفوق لنفسك ومستقبلك. واختك عزيزة مش حيبقى لها حد غيرك!
محمود (في ثورة) : كفاية! كفاية! تفتكري یعني أنا مش حاسس. تفتكري اني مش عارف؟ أنا حاسس. وعارف. وشايف. وده اللي بيعذبني ويموتني!

(محمود يقفز ثائرًا والأخت تقف إلى جواره وتربت عليه في حنان.)

محمود : صوت ماكينة الخياطة بيجننِّي! منظر عزيزة بيقتلني!

(عزيزة تربتُ على أخيها في حنان والدموع في عينها. محمود تهدأ ثورته قليلًا. يضع يده على كتفها في حنان ويربتُ عليها.)

(الأم تنظر إليها وتخرج من الحجرة وهي تمسح دموعها في صمت. يبدو أن الأم تعرُج قليلًا من فَرْط الإعياء والتعب.)

(محمود يُمسِك أخته الخرساء من ذراعها ويبدو على وجهه الصرامة والجدية.)

محمود : اسمعي يا عزيزة يا حبيبتي! أنا عارف مش سامعاني لكن حقولك. يمكن اللي مشجعني إني اقولك انك مش سامعاني!

(وجه عزيزة يبدو وهي تنصت إليه ولا تسمعه ولكنها تحاول أن تفهم وتحاول أن تعبِّر بعينها أنها تفهم. الدموع في عينها مُرة.)

(والفرحة في عينها مُرة.)

(والألم في عينها مُر.)

أنا يا عزيزة مش خايب زي ما ماما بتقول. وعبد العال ابن عمتي ما يملاش عیني مهما طلع ومهما نزل. كل الكلية بتقول اني زعيم الطلبة، وكل الطلبة عارفين إني بطل. حتى سعاد. شوفت في عينها نفسي. شوفت في عينها صورتي الحقيقية اللي عاوز اکونها.

(تتابع كلام محمود بتعبيرات وجهها. وتربت عليه في حنان.)

(ومحمود حين ينطق بكلمة سعاد عيناه تشردان بعيدًا عن أخته في تفكير وحب.)

(في ألم وأسًى): لكن. لكن أمي! عمري ما حسيت انها بتثق فيَّ!

(يمسك رأسه بين يدَيه في ألم وأخته تواسيه. وقد أخذ صوته يضعُف حتى أصبح كالبكاء.)

(يرفع رأسه في أمل وصوتُه يقوى قليلًا.)

عمري ما حسيت انها مؤمنة بي! مع إني حاسس اني أحسن من أي واحد!
سعاد! سعاد الإنسانة الوحيدة اللي شافت حقيقتي … اللي حاسة أنا إيه؟ عينيها قالتلي كده! عينيها الحلوة!

(يبتسم لنفسه في سعادة وحب.)

(عزيزة أيضًا تبتسم في أمل له.)

(يكلِّم أخته) عزيزة! حبيبتي! خليكي واثقة فيَّ وخليکي حاسة بي!
أنا اللي؟! وانتي اللي لي!

(أخته يبدو عليها الفهم وتشير برأسها دليل الموافقة، ثم تعانقه في حب وحنان. يعانقها في حب وحنان. يعانقها.)

يا حبيبتي يا عزيزة لو كنت بتسمعي! آه لو كنت بتسمعيني!

(الدموع في عينَيه وعينَيها تظهر.)

تصوير داخلي:

سعاد تجلس على مكتبها في حجرة نومها وأمامها كتاب الطب وعظام لرجل إنسان. سعاد شاردة لا تنظر في الكتاب سارحة.

الدنيا ليل وإلى جوارها نور مكتب.

الدادة تدخل ومعها فنجان ينسون.

الدادة : فنجان الينسون أهو اللي بتحبيه يا ست سعاد!
سعاد : مرسي يا دادة. حُطيه على المكتب.

(الدادة تضع الفنجان على المكتب فترى عظام الإنسان.)

(تظهر العظام مكبَّرة إلى درجة أن الدادة تنظر إليها فزعًا. الدادة تتراجع إلى الوراء في ذعر وهي تبصُق في عبِّها.)

الدادة : يا نهار اسود! إنتي جايبة عضم بني آدم في البيت! يا دي الليلة اللي مش فايتة! ده عفریته حيطلع لنا!

(سعاد تضحك.)

سعاد : عفریت ایه يا دادة! هو فيه حاجة اسمها عفاريت؟
الدادة (وقد هدأت قليلًا) : أمال! ده أنا شفتها بعيني!
سعاد : شفتيها بنفسك يا دادة؟
الدادة : أيوه بنفسي!
سعاد : إزاي؟
الدادة : الولية جارتي شافتها وقالتلي!
سعاد : تضحك وتُلقي برأسها إلى الوراء.
سعاد : دمك خفيف يا دادة!

(سعاد يبدو عليها التفكير وتنظر إلى العظام في تألُّم.)

سعاد : تصوري يا دادة إن حتة العضمة دي كانت في يوم من الأيام إنسان زیي وزيك!
الدادة : يا مصیبتي! يا مصیبتي! ده جسمي اتلبش خالص. أنا ياختي مروَّحة مش بايتة الليلة دي في البيت ده خالص! هو العمر بعزقة! يا مصیبتي!

(الدادة تجري وتخرج من الحجرة.)

(سعاد تضحك.)

(تتوقف سعاد عن الضحك. وتنظر أمامها شاردة.)

تصوير سينمائي:

تظهر صورة محمود أمامها وهو يقف في المدرَّج يخطب في الطلبة. الطلبة يصفِّقون له.

تظهر عينا محمود مكبَّرتَين وهما تنظران إليها.

تصوير داخلي:

تظهر سعاد وهي شاردة تفكِّر. تغلق الكتاب. تضع العظام في الدرج. وتطفئ نور المصباح.

تقوم وتذهب إلى السرير وتحاول النوم لا تستطيع. تنظر إلى سقف الحجرة وهي تفكِّر. تنظر إلى جسدها ونهدَيها وهي مستلقية على السرير.

صورةٌ مكبَّرة ليدَيها وهي ترتفع بحذر وخوف وتُحاول أن تتحسس كتفها وصدرها. ترتعش اليد ثم تعود إلى جوارها مرةً أخرى.

صورةٌ مكبَّرة لوجه سعاد المضطرب.

تصوير سينمائي:

صورةٌ مكبَّرة لساقَيها وهي طفلة مضمومتَين والفستان يرتفع عن الركبة قليلًا. ويد أمها وهي تشُد الفستان لتغطِّي الركبة.

تصوير داخلي:

سعاد تُمسك اللحاف وتُغطي جسمها وتُخفي رأسها.

تمتد يدها من تحت اللحاف وتطفئ النور الذي بجوار السرير.

تصوير داخلي:

مشهد لشجرة كافور كبيرة تحتها منضدة وكرسيان. المكان يمثِّل أرض الملاعب في كلية الطب، محمود يجلس على أحد الكرسيَّين وأمامه بعض الأوراق، يكتب في انهماك.

تصوير خارجي:

من بعيد يظهر ملعب التنس وسعاد تلعب أمام أحد الزملاء مرتدية بنطلونًا طويلًا.

صورةٌ مكبَّرة لها وهي تلعب.

المباراة تنتهي، سعاد تنتصر وتصافح زميلها. الطلبة يصفِّقون لها.

سعاد تغيِّر ملابسها وتتجه ناحية شجرة الكافور.

ناحية محمود وهو جالس.

تصوير داخلي:

محمود يقف ويصافح سعاد.

صورةٌ مكبَّرة لأيديهما وهي متلامسة في أول مصافحةٍ بينهما.

موسيقى مناسبة.

صورةٌ مكبَّرة لوجه سعاد ووجه محمود وهما ينظران إلى بعض.

سعاد تجلس إلى جواره. ومحمود يجلس.

محمود : مبروك. المباراة.
سعاد : مِرسي.
محمود : نمت امبارح كويس؟

(لحظة صمت.)

(سعاد يبدو عليها الخجل بعض الشيء.)

سعاد : امبارح؟ أبدًا! سهرت اقرا شوية جراحة.

(محمود صامتٌ شارد.)

سعاد : وانتَ عملت إيه امبارح؟
محمود : ولا حاجة! كتبت شوية.
سعاد : كتبت إيه؟
محمود : مقال العدد الجاي.
سعاد : يا ترى مقال كويس زي اللي كان في العدد اللي فات؟
محمود : أبدًا! مش عاجبني! عمري ما كتبت حاجة عجبتني.
سعاد : ازاي؟
محمود : عمري ما كتبت اللي أنا عاوز اقوله.
سعاد : عاوز تقول ايه؟
محمود : مش عارف! تیجي نتمشی سوا.
سعاد : يالله.

(ينهضان ويمشيان متجاورَين في أرض الملاعب.)

سعاد : مش عارف ازاي؟
محمود : ساعات ابقى عاوز اقول حاجات كتير قوي لدرجة اني ما اعرفش اكتب.

(سعاد تنظر إليه وتبتسم. هو يبتسم لها أيضًا.)

محمود : لأول مرة في حياتي احس ان فيه إنسان فاهمني … فاهمني من جوه! مش كده يا سعاد؟

(سعاد تومئ برأسها دليلًا على الموافقة.)

محمود : مش عارف. أول ما شفت عنیكي حسيت انك حيكون لك شأن كبير في حياتي. يا ترى انتي حسیتي كده برضه؟

(سعاد تومئ برأسها دليلًا على الموافقة.)

(محمود يصمت وينظر في عينَيها.)

(سعاد صامتة.)

(محمود يقف. وسعاد تقف.)

محمود (في رقة) : اتكلمي يا سعاد!
سعاد : أقول ايه؟
محمود : قولي أي حاجة. عاوز اسمع صوتك.

(سعاد تمشي ويمشي إلى جوارها محمود.)

سعاد : الحقيقة مش عارفة اقول إيه يا محمود. لكن أنا برضه أول مرة في حياتي احس براجل. مع أني بقى لي سنين عايشة في الكلية وسط الرجالة. لكن عمري ما حسيت بواحد فيهم. كأنهم كلهم ستات.

(سعاد تقف ومحمود يقف أمامها.)

سعاد : تصوَّر يا محمود، إنت أول راجل يخليني أحس إني بنت!
محمود : عمرك ما حسيتي يا سعاد إنك بنت؟
سعاد : ماما كرَّهتني في الكلمة دي. كنت باحسد اخويا انه ولد. وكنت باتمنی اني اكون ولد عشان تبقى لي نفس حريته.

(سعاد تجلس. ومحمود يجلس في نفس المكان السابق تحت شجرة الكافور. لحظة صمت وتفكير.)

محمود : تعرفي انتي كمان خلتيني اشوف إيه لأول مرة في حياتي؟
سعاد : إيه؟
محمود : أشوف نفسي. صورة نفسي. كنت باستمرار حيران بدوَّر عليها مش لاقيها. وبعدين فجأة بصيت في عنیكي. ومش عارف ازاي شفت نفسي فيها!

(ينظر إليها في حب.)

محمود : سعاد. إنتي الوحيدة اللي حسيت انك فاهماني وشايفاني من جوَّه!

(يُحاول أن يُمسِك يدها. سعاد تتردَّد لحظة في أن تُعطيه يدَها. لكنه يأخذ يدَيها ويُمسِكها بحنان.)

سعاد : أيوه يا محمود. أنا حسيت انك إنسان غير عادي وانك مش زي بقية الناس.
محمود : لكن يا سعاد. أنا خايف.
سعاد : خايف من إيه؟
محمود : خايف ما قدرش ابقى زي الصورة اللي جوه عینیکي. أنا مش عارف مستقبلي إيه. جايز اروح القتال ومارجعش. جایز اموت. جايز أُشوَّه. جایز.
سعاد : مش ممكن! مش ممكن يا محمود. ليه بتفكر في الحاجات دي؟
محمود (في شرود) : مش عارف.

(لحظات صمت.)

محمود : سعاد.
سعاد : أيوه يا محمود.
محمود : أنا باحبك.

(صورةٌ مكبَّرة لوجه سعاد المُضطرِب.)

(سعاد تُطرِق وتسكُت.)

محمود : باحبك يا سعاد. باحبك من سنين كثيرة فاتت. باحبك طول عمري من أول ما تولدت.
كنت بدوَّر عليکي يا سعاد بين كل الناس. ليل ونهار بدور عليکي. يا تری يا سعاد إنتي بتحبيني؟

(سعاد صامتة. لا ترُد. مُطرِقة.)

محمود : قوليها يا سعاد. قوليها. عاوز اسمعها.
سعاد : أقول إيه يا محمود؟
محمود : قولي انك بتحبيني.
سعاد (شاردة لا تنظر إليه) : مش عارفة!
محمود : مش عارفة إيه؟
سعاد : مش عارفة اقولها؟
محمود : ليه يا سعاد؟ صعبة قوي؟!

(الدموع تظهر في عينَي سعاد من شدة التأثُّر. محمود ينظر إليها ويأخذ يدها ويقفان معًا متجاورَين.)

سعاد : أصل. أصل. عمري ما قولتها أبدًا. عمر ما لساني نطقها لكن أنا عاوزة اقولها. عاوزة أقولها لك يا محمود!

(صورةٌ مكبَّرة لقدمَيها ورجلَيها وهما واقفان متجاوران.)

(موسيقى تانجو هادئة (كومبارسيتا).)

(تتحرك قدمها شيئًا فشيئًا على نغمات الموسيقى. يرقصان التانجو معًا.)

مشهد داخلي:

يظهر أنهما لا يرقصان وحدهما وإنما وسط رجال ونساءٍ كثيرين. في صالة منزل سعاد مشهد لحفل خطوبة سعاد ومحمود. أبو سعاد جالس بين الزوار يتكلم. أم سعاد ترحب بالضيوف. الدادة توزع الشربات. أم محمود تجلس وأخته الخرساء. يبدو عليها الفرح.

الموسيقى. والرقص. الصخب والزغاريد.

الأم تجلس بجوار الأب.

الأب : افرحي بقى يا ستي اهي بنتك بقت زي كل البنات وبقالها عريس.
الأم : أعمل إيه يا زغلول؟ ما هي کانت عاملا لي راجل!

(تظهر سعاد ومحمود وهما يرقصان ويضحكان معًا.)

(تظهر قدما سعاد وقدما محمود وهما يرقصان بنشاط وحماس وقد أصبحت الموسيقى سريعة (فالس).)

الأب : راجل إيه يا شيخة؟ إنتي اللي كرَّهتيها في الرجالة والجواز!
الأم : دلوقت بقی الجواز حلو؟ غير ان بنتك دماغها ناشفة وتحب تمشِّي رأيها.
طول عمرها كده حتى وهي لسَّة في اللفَّة!
الأب : اللفة؟ يا شيخة حرام عليكي. كانت بتمشِّي رأيها وهي في اللفة ازاي بقه؟
الأم : كانت كل ما الفها ترفس برجليها وتفكها. كل ما الفها تفكها. كل ما الفها تفكها.
الأب (يضحك) : ها! ها! والله يا شيخة انت طول عمرك نقرك بنقرها. زي ما تكونوا ضراير!
الأم (تبتسم) : يا خويا! إنت اللي طول عمرك تحبها وتعزها عن ماجد. مع إنه اسم النبي حارسه ما فيش ولد زيه.
الأب : أهو إنتي اللي بتحبي ماجد أكثر منها طول عمرك. حتی من وهو في بطنك لسَّة.
الأم (تضحك) : أي والنبي يا زغلول. باحبه عنها من وهو في بطني.

(يظهر محمود وسعاد يرقصان، ثم يخرجان إلى الشرفة وحدهما.)

تصوير داخلي:

يقف محمود وسعاد في الشرفة ينظر في عينها وهي تنظر في عينه. يعانقها قبلة طويلة وقوية.

محمود : سعاد!
سعاد : محمود!

(يعانقها مرة أخرى.)

(الدادة تدخل في خوف.)

الدادة : سي محمود.

(محمود وسعاد ينظران إليها بدهشة.)

الدادة : فيه واحد برَّه عاوز حضرتك دلوقتِ حالًا، وباين عليه مستعجل قوي!

(موسيقى مناسبة تنمُّ عن المفاجأة والفزع.)

محمود (في دهشة) : مين؟
الدادة : بيقول اسمه سعد؟
محمود (في فزع) : سعد؟

(محمود يغادر الشرفة بسرعة وسعاد وراءه والدادة من ورائهما.)

(موسيقى مناسبة.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤