جائزة الكاتب وجائزة الكتاب

مما اطَّلع عليه قراء الصحف — في أثناء متابعة هذه المقالات — نبأ يقال فيه: إنَّ إحدى جهات النشر والطباعة تستعد لمشروع كبير، تتوفر فيه على نقل المؤلفات التي استحق بها الأدباء العالميون جوائز نوبل الأدبية منذ سنتها الأولى.

وقد سُئلت عن هذا النبأ، وهو — في الحق — نبأ يستدعي بعض الإيضاح والتعليق، أو يستدعي السؤال عن هذه المؤلفات للعلم بأسمائها وموضوعاتها، وتيسير الاختيار منها لمن يرغبون في ترجمتها، ومن ينتظرونها بترتيبها، على حسب تأليفها، أو على حسب مواقيت إجازتها.

ولا نظن أنَّ رواة الخبر في الصحف يعنون أنَّ الناشرين يعتزمون ترجمة الكتب التي ألفها الأدباء العالميون، ممن استحقوا الجوائز الأدبية في جميع سنواتها؛ لأنهم استحقوا الجوائز بما نهضوا به من رسالة أدبية شاملة لجميع ما ألَّفوه، ولم يحصل في حالة من الحالات أنَّ أديبًا عالميًّا أُجِيزَ لكتابٍ واحد من كتبه، وهو ما لم يحصل في حالة واحدة، على ما نَعْلَمُ من سجلات اللجنة السويدية، وهي محفوظة بتفصيلاتها في مَحاضِرِها، وفي التقارير الوافية التي تذيعها.

فالأساس في إجازة الأدباء أنهم يُمنحون الجائزة لجملة ما كتبوه، وتعتبرها مؤسسةُ نوبل تتويجًا لأعمالهم، وتقديرًا لرسالتهم في خدمة الفن والأدباء المثالية، وأهمها عند المؤسسة أدب السلام والرجاء: أدب الإيمان بمصير الإنسانية ورعاية حقوقها.

وإذا روجعت أسباب الإجازة من سنواتها الأولى لم نكد نعرف منها اسم كتاب واحد مذكور باسمه دون سائر الكتب التي ظهرت بقلم مؤلفه، إلا إذا كان فيه تخصيص لمَزِيَّةٍ شائعة في سائر مؤلفاته.

فصاحب الجائزة في السنة الأولى، سولي برودوم الشاعر الفيلسوف الفرنسي، مَيَّزتهُ اللجنة «تقديرًا لتفوقه في الأدب، ولا سيما الشعر الذي يتسم بالروح المثالية السامية، والإتقان الفني، والتوفيق النادر بين الضمير والعبقرية.»

واتجهت الجائزة في السنة الثانية إلى الفيلسوف المؤرخ الكبير تيودور مومش؛ «لأنه أعظم المؤرخين الأحياء في زماننا، مع التنويه بعمله في تاريخ رومة.»

وكان صاحب الجائزة في السنة الثالثة شاعر النرويج الأكبر بجورستون؛ «تقديرًا لعمله الشعري العظيم النبيل في جوانبه المتعددة، مع امتيازه بالوحي المبتكر، وصفاء الروح.»

وفي السنة الرابعة أجيز الشاعر الفرنسي رمسترال: «لسلاسته الرائعة، وإجادته الفنية التي صوَّر بها مناظر وطنه، وحياة الريف» وقاسمه جائزة السنة شاعر إسبانيا إشيجاري Echegary لبراعته، وإحاطته، واقتداره، مع استقلاله، وإبداعه في إحياء تراث الدرامة الإسبانية.

وكان «تقدير العظمة في تأليف الملاحم التاريخية» سبب اختصاص الروائي البولوني سينكفيش بجائزة سنة ١٩٠٥، وهي السنة الخامسة.

وكان اختصاص الشاعر الإيطالي العظيم كردوتشي في السنة السادسة؛ «إجلالًا لمثابرته، وروعة أسلوبه، وملكته الغنائية التي بدت في آياته المنظومة، فضلًا عن سعة معارفه، ومباحثه النقدية.»

وفي السنة السابعة لجائزة نوبل حصل عليها أشهر شعراء الإنجليز في عصره رويار دكبلنج؛ «لقوة الملاحظة، والتخيل المطبوع، والوعي المتيقظ، والتصوير الصادق.»

وحصل عليها أول مستحقيها من الفلاسفة رودلف يوكني الألماني في سنة ١٩٠٨؛ «لأنه عُرِفَ بالجد في البحث عن الحقيقة، وبالنظر الثاقب، والبصيرة الواسعة، والتصوير الذي يجمع بين الحرارة والقوة، ولأنه استخدم ذلك كله في جلاء العالم على الصورة المثالية.»

وكانت سلما لاجرلوف صاحبة الجائزة سنة ١٩٠٩ أول امرأة نالتها، وأول من نالها من السويد؛ «لأنها — كما قالت اللجنة — لمست أشرف شمائل أمنا السويد، كما لمست أكرم الشمائل الإنسانية.»

وفي السنة العاشرة للجائزة خصَّت بها اللجنة الأديب الألماني بول فون هيسي؛ لأنها «تقدر فنه الممتاز بالجودة، والروح المثالية الذي توفر عليه في جهاد طويل قيِّم، وهو يدأب على نَظْمِ الشعر الغنائي، وكتابة الدرامة، والرواية، والنوادر القصار ذوات الشهرة العالمية.»

وهذه هي أسباب مَنْح الجائزة في عشر سنوات متواليات، لم تذكر فيها اللجنة كتابًا خاصًّا من كتب هؤلاء الأدباء، ولم تخالف هذه السُّنة بعد ذلك إلى السنة الأخيرة، ولا نظنها تخالفها بعد اليوم ما دامت تقيم جوائزها على أساسها الذي استقرت عليه، وهو تقدير الرسالة الإنسانية التي ينهض بها الكاتب المختار، وليس من الاستثناء تنويهها بعمل المؤرخ الفيلسوف مومش في تاريخ رومة؛ لأن التواريخ الرومانية — على اختلاف أبوابها — كانت هي رسالة العمر كله في حياة هذا المؤرخ الفيلسوف، وقد عرفته بهذه الرسالة أمم الشمال قبل منحه الجائزة، كما عرفته بها أمته الألمانية؛ فتبرعت له الدنمرك، وهو دون الثلاثين، بهبة مالية تعينه على زيارة رومة لجمع رسومها الأثرية، وعينته دولة بروسيا، وهو دون الأربعين، مديرًا لمتحف الآثار الرومانية، وامتدت بحوثه إلى كل جانب من جوانب التاريخ الروماني، كإحصاء أنواع العملة النقدية في أرجاء الإمبراطورية، وتقسيم مبادئ التشريع الإدارية في دواوينها، ومراجعة بقاياها المهجورة في أنحاء سويسرة، وغيرها من أقطار أوروبة التي بسطت نفوذها عليها.

فكتاب تاريخ رومة لم يكن منفردًا بالتنويه في تقدير اللجنة؛ لأنه عمل مستقل بموضوع مادته بين أعمال المؤرخ الفيلسوف، وإنما كان محل التنويه؛ لأنه جزء من رسالته، وعنوان لسائر مباحثه وموضوعاته، وكلها موضوع واحد داخل في مدلول ذلك العنوان.

•••

ويعود الأمر في ذلك كله — أو معظمه — إلى طبيعة الجائزة العالمية، وطبيعة اختصاصها.

أو يعود الأمر إلى الوظيفة التي تؤديها الجائزة، والقاعدة التي بنيت عليها.

فإن نظام التخصيص والتوزيع قد سرى إلى الجوائز، كما يسري إلى كل شيء في هذا العصر: عصر توزيع العمل وتقسيم الملكات والكفايات.

لقد بدأت شائعة متشابهة، ثم تخصصت بعد طول العهد بتطبيقها، فتطرقت إلى أنواع شتى، لا يغني نوع منها عن سواه، ولا تصلح جائزة منها بديلًا عن جائزة أخرى.

وأشهر هذه الأنواع العصرية نوعان: جائزة التقدير، وجائزة التشجيع.

فالجائزة التقديرية يدل اسمها على وظيفتها وغايتها، فإن الكاتب إنما يستحق التقدير لأعمال كثيرة، وعهد طويل بالإنتاج الأدبي الناضج، والخبرة الفنية التي يستقل فيها بقدرته وبحقه في التقدير، ويسمى التقدير أحيانًا بالتتويج؛ لأنه يأتي بعد أمد طويل تاجًا على رأس أعماله جميعًا، وتنويها برسالته الفكرية التي تبين فيها قدرته، وقد تتبعها مؤلفات أخرى له، ولكنها لا تزيد في قيمة العمل، وإنْ زادت في العمل والمقدار.

أمَّا الجائزة التشجيعية كما يدل عليها اسمها، فهي دليل على الأمل في إنتاج الكاتب لما هو خير من عمله الذي كوفئ عليه، واستنهاضٌ له لبلوغ المنزلة التي يستحق عليها التقدير والثناء على جملة أعماله، وأكثر من ينالون هذه الجائزة من الناشئين الموهوبين الذين يستحقون النجاح، ولا يدركونه بغير تنبيه من ذي شهادة يُوثق بها في هذا المقام.

وهناك حالة ثالثة تتوسط بين التقدير والتشجيع، وهي الحالة التي يجب فيها التنويه بعمل فني ممتاز، يأتي به كاتب جاوز سني التشجيع، ولم ينتهِ من أداء رسالته الكاملة في عالم التأليف … وهذه هي حالة «الكتاب الواحد» الذي يدل على التفوق والامتياز، ولكنه لا يحتوي في موضوعه، ولا في غايته رسالة حياة.

وتكاد جميع الجوائز الأخرى أنْ تدخل في نطاق نوع من هذه الأنواع الثلاثة، ولكنها تعود كلها فتنقسم إلى قسمين: أحدهما قسم الجوائز العالمية المتكررة، والآخر قسم الجوائز القومية، متكررة كانت، أو ذات غرض محدود.

ولا محل لجوائز التشجيع ولا جوائز الكتاب الواحد في نظام الهيئات العالمية، التي تكرر جوائزها في كل عام.

لأن أمة الأديب الناشئ أولى من العالم كله أنْ تبدأ بتشجيعه، وكذلك ينبغي أنْ تبتدئ الأمة بمكافأة المؤلف الذي يجيد العمل في بحث محدود، ولا ترتبط إجادته هنا برسالة عامة، تنسب إلى إنسان جاوز حدود القومية إلى حدود العمل المشترك بين جميع الأمم، وبين جميع بني الإنسان.

هذا العمل الإنساني المشترك رسالة عامة، تتولى الهيئات العالمية إجازة العاملين في ميدانها، وتتولاها على التخصيص حين تكون مشروطة بشروطها الإنسانية، إلى جانب شروطها الفنية، ومنها رعاية المثل العليا، وتأييد قضية الإخاء والسلام.

وعلى هذا الاعتبار تكون مؤسسة نوبل قد لزمت حدود اختصاصها، حين وضعت جوائزها تقديرًا للأدباء من ذوي الرسالة الكاملة في سبيل الإنسانية، ولم تضعها للتشجيع، أو للمكافأة على الإجادة في تأليف كتاب.

ولا نعلم أنَّ هيئة غير الهيئات القومية كافأت أحدًا على الإجادة في تأليف كتاب واحد، فإذا وُجِدَتْ هيئة عالمية تكافئ الأدباء في جميع الأمم على كتاب معلوم؛ فالغالب أنْ تكون لهذه الهيئة وجهة اقتصادية تجارية تهتم بالترويج والعرض، ولا يهمها كثيرًا أنْ تعرض على الكاتب رسالة إنسانية أو رسالة إنسانية كاملة، والغالب أيضًا أنْ تبدأ هذه الهيئة الاقتصادية باختيار المؤلف والتوصية بموضوعه والاتفاق بين الأمم على المطابع التي تنشره، وعلى دور الصور المتحركة التي تعرضه، وعلى اللغات التي يُتَرْجَمُ إليها، والحقوق التي تترتب على ترجمته واستغلاله، وهي — أي الهيئة الاقتصادية — تعتمد على الاتفاقات الدولية في مسائل العملة، وحقوق التصدير والتوريد، وتكثر بين أعضائها من المساهمين في الشركات الدولية؛ لتعميم النشر والعرض في أوسع مجال من بلاد العالم.

وقد نظرت مؤسسة نوبل إلى الغرض الأدبي، ولم تنظر إلى استغلال كتاب معين من الناحية التجارية، فكانت جوائزها جوائز رسالة عامة، ولم تكن جوائز عمل محدودة.

نعم، إنَّ صاحب الجائزة قد يكون له عمل أفضلُ من سائر أعماله، وقد يقع الاختيار على هذا العمل للترجمة والتعريف بمكانة المؤلف ورسالته العامة، ولكن الوسيلة التي تناسب هذه الجائزة هي وسيلة المختارات والمجاميع، وهي الإحاطة بالنخبة المنتقاة من جملة آثاره في مجموعة واحدة، يطلع عليها القارئ، فيطلع على رسالة الكاتب في الفن والأدب، ورسالته في خدمة الإنسانية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤