الأمانة

وردت كلمة الأمانة والأمانات في خمسة مواضع من القرآن الكريم، وكلها بالمعنى الذي يفيد التبعة والعهد والمسئولية، وخصصت هذا المعنى في آية من «سورة البقرة» بوديعة المال وما إليه؛ إذ قال تعالى في سياق وثائق الديون: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ ۚ إلى قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ (البقرة: ٢٨٢–٢٨٣).

ففي هذه الآية خصصت الأمانة بما يؤتمن عليه المرء من الودائع والديون، ولكننا لا نخرج من الآية بغير التذكير المؤكد بمعنى الأمانة العامة، وهي الحق والفريضة، ومنها حق العلم وفريضته، فلا يجوز لمن علم علمًا أن ينسى حقه: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ (البقرة: ٢٨٢).

وكل ما ورد في غير سياق الديون والودائع فالحكم فيه عام وإن ورد على سبب خاص؛ لأن مناسبات النزول لا تمنع سريان الحكم والتبليغ إلى جميع المخاطبين بآيات الكتاب، جاء في سورة النساء: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (النساء: ٥٨).

قال الإمام الزمخشري في الكشاف: «الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة، وقيل: نزلت في عثمان بن طلحة بن عبد الدار، وكان سادن الكعبة، وذلك أن رسول الله حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة، وصعد السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه وقال: «لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه.» فلوى علي بن أبي طالب — رضي الله عنه — يده، وأخذه منه وفتح، ودخل رسول الله وصلى ركعتين. فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة، فنزلت الآية، فأمر عليًّا أن يردَّه إلى عثمان ويعتذر إليه، فقال عثمان لعليٍّ: «أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق؟» فقال: «لقد أنزل الله في شأنك قرآنًا.» وقرأ عليٌّ الآية، فقال عثمان: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.»

ومضى الإمام الزمخشري في تفسير الآية إلى أن قال: «وقيل: هو خطاب للولاة بأداء الأمانات والحكم بالعدل، وقرئ الأمانة على التوحيد.»

وفي الجلالين أن الآية «وإن وردت على سبب خاص فعمومها معتبر بقرينة الجمع».

ويقول الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده: «إن الظاهر أنها نزلت قبل فتح مكة، وأن النبي — عليه السلام — تلاها استشهادًا.»

ومن تفسيرات المتأخرين تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري يقول: إن الأمانة «كل ما اؤتمنتم عليه من قول أو عمل، أو مال أو علم، وبالجملة كل ما يكون عند الإنسان من النعم التي تفيد نفسه وغيره»، وإن الخطاب موجه إلى الناس عامة، وإلى الحكام وولاة الأمور.

وكذلك الأمانات والعهد فيما ورد في سورة «المؤمنون»: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (المؤمنون: ٨).

فهي تشمل كل ما يرعاه الإنسان من عهد وذمة، وهذا هو معنى الأمانات في سورة الأنفال، وعلى هذا المعنى إجمالًا يُفهم كل تبليغ خوطب به الناس عامة، وإن تنزَّلت به الآيات لمناسبة خاصة.

أما الأمانة التي عُرضت على الخلق عامة فحملها الإنسان ولم يحملها أحد من خلقه، فهي أعم من المناسبات الخاصة والمناسبات العامة بالنسبة إلى أحكام التبليغ؛ لأن الأمر فيها أمر التكوين والاستعداد بالفطرة التي فُطر عليها العاقل وغير العاقل، واستعد له الحي وغير الحي، والمخاطب بالتبليغ وغير المخاطب. وفي هذا الموضع من القرآن الكريم ذُكرت هذه الفطرة مقرونة بفطرة الخليقة كلها، وذُكرت ومعها صفة الإنسان التي تخصه بين عامة المخلوقات حين يتقبل أعباءها ويحملها، وما كان ليحملها إلا أن يتعرض لتبعاتها؛ فهو ظلوم جهول.

ظلوم لأنه يتعدى الحدود وهو يعرفها، وجهول لأنه يتعدى تلك الحدود وهو لا يعلمها، وعنده أمانة العقل التي تهديه إلى علمها. وما من كائن غير الكائن العاقل يوصف بالظلم والجهل؛ لأنه لا يعرف الحد الذي يتعداه، ولا تُناط به معرفة الحدود، وإنما يُوصف بالظلم والجهل من يصح أن يوصف بالعدل والمعرفة، ومَن يَصِحُّ أن يُسأل عن فعل يريده في الحالين.

قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (الأحزاب: ٧٢).

وذُكرت هذه الفطرة الإنسانية في موضع آخر من الكتاب، مع ذكر تكريم الإنسان وولايته زمام الكائنات مُفضلًا على كثير من المخلوقات، فقال تعالى في سورة الإسراء: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (الإسراء: ٧٠).

و«كثير ممن خلقنا» هذه الآية تشمل كل مخلوق لم يكن أهلًا لأمانة الخير والشر، أو لأمانة التكليف بما أودع فيه من فطرة التكوين.

•••

ولقد وضح معنى «الأمانة» في هذا الحكم العام وضوحًا لا يقبل اللبس أو الانحراف بالفهم عن جوهره المقصود، وهو التكليف، فمن لم يذكره من المفسرين بنصِّه ذكره بمقتضياته ومتعلقاته، وهي ملازمة له لا تنفك عنه.

وهذه أمثلة من أقوال المفسرين الذين تناقلوا الرواية بالمعنى الذي فهم من كلمة الأمانة منذ صدر الإسلام إلى القرن الرابع عشر للهجرة.

قال الإمام الزمخشري — المتوفى في سنة ٥٢٨ للهجرة: «يريد بالأمانة الطاعة، فعظَّم أمرها، وفخَّر شأنها، ويراد بها الطاعة لأنها لازمة الوجود كما أن الأمانة لازمة الأداء، وعرضها على الجمادات، وإباؤها وإشفاقها مجاز، وأما حمل الأمانة فمن قولك: فلان حامل للأمانة أو مُتحمِّل لها، تريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته، ويخرج من عهدتها.»

وقال الفيلسوف الفخر الرازي — المتوفى سنة ست وستمائة للهجرة: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ أي التكليف، وهو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، واعلم أن هذا النوع من التكليف ليس في السماوات ولا في الأرض؛ لأن الأرض والجبل والسماء كلها على ما خُلقت عليه: الجبل لا يُطلب منه السير، والأرض لا يُطلب منها الصعود، ولا من السماء الهبوط، ولا في الملائكة؛ لأن الملائكة وإن كانوا مأمورين منهيين عن أشياء، لكن ذلك لهم كالأكل والشرب لنا، فيُسبِّحون الليل والنهار لا يفترون كما يشتغل الإنسان بأمر موافق لطبعه.»

قال الإمام الفيلسوف في تفسير حمل الأمانة: «لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قوله تعالى: أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ من وجهين؛ أحدهما: أن هناك السجود كان فرضًا، وها هنا الأمانة كانت عرضًا، وثانيهما: أن الإباء كان هناك استكبارًا، وها هنا استصغارًا؛ استصغرن أنفسهن، بدليل قوله تعالى: وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا، وقال بعضهم في تفسير الآية: إن المخلوق على قسمين: مدرك وغير مدرك، والمدرك منه من يُدرك الكلي والجزئي مثل الآدمي، ومنه من يُدرك الجزئي كالبهائم تُدرك الشعير الذي تأكله ولا تُفكر في عواقب الأمور، ولا تنظر في الدلائل والبراهين، ومنه من يُدرك الكلي ولا يدرك الجزئي؛ كالمَلَك يُدرك الكليات ولا يُدرك لذة الجماع والأكل.

قالوا: وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ، فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات، والتكليف لم يكن إلا على مدرك الأمرين؛ إذ له لذات بأمور جزئية، فمُنع منها لتحصيل لذات حقيقية هي مثل لذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته، وأما غيره فإن كان مكلفًا يكون مكلفًا لا بمعنى الأمر بما فيه عليهم كلفة ومشقة، بل بمعنى الخطاب؛ فإن المُخاطَب يسمى مُكلَّفًا كما أن المُكلَّف مُخاطَب.»

وقال الإمام ابن كثير — المتوفى سنة ٧٧٤ للهجرة: «عن ابن عباس: يعني بالأمانة الطاعة، عرضها قبل أن يعرضها على آدم فلم يطقها، فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جُزيت، وإن أسأت عُوقبت. فأخذها آدمُ فتحمَّلها، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الأمانة الفرائض، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال؛ إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله ألا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها.

قال مجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض، ثم أورد الإمام ابن كثير أقوالًا أخرى مروية بأسماء أصحابها، وعقَّب عليها قائلًا: «إنها كلها لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها.»

•••

وجاء في تفسير الإمام السيوطي — المتوفى سنة ٩١١ للهجرة: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ: الصلوات وغيرها، مَن فعلها له الثواب، ومَن تركها عليه العقاب.»

وقال الإمام محمد جمال الدين القاسمي — المتوفى سنة ١٣٣٢ للهجرة:

عبر عنها بالأمانة تنبيهًا على أنها حقوق مرعية أودعها الله تعالى المكلفين، وائتمنهم عليها، وأوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد، وأمرهم بمراعاتها والمحافظة عليها وأدائها من غير إخلال بشيء من حقوقها، ومعنى الآية أن تلك الأمانة في عظم الشأن بحيث لو كلفت هاتيك الأجرام العظام — التي هي مثل في القوة والشدة — مراعاتها، وكانت ذات شعور وإدراك؛ لأبَينَ قبولَها وأشفقن منها.

أما قوله تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ أي عند عرضها عليه إما باعتبارها بالإضافة إلى استعداده، أو بتكليفه إياها يوم الميثاق؛ أي تكلَّفها والتزَمها مع ما فيه من ضعف البنية ورخاوة القوة، وهو إما عبارة عن قبوله لها بموجب استعداده الفطري، أو من اعترافه بقوله: بلى، وقوله تعالى إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا اعتراض وسط بين الجمل، وغايته للإيذان من أول الأمر بعدم وفائه بما عهده وتحمله؛ أي أنه كان مفرطًا في الظلم، مبالغًا في الجهل، أي بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة.

ونقل صاحب تفسير الجواهر زبدة هذه المعاني، ثم نقل تفسير الفيروزآبادي لمعنى حمل الأمانة؛ إذ قال: «فأبَينَ أن يحملنها وحملها الإنسان؛ أي أبَينَ أن يَخنَّها وخانها الإنسان.» قال: «والإنسان هنا هو الكافر والمنافق.»

•••

ولا نختم هذه المقتبسات قبل أن نعود إلى الاستدراك الذي بدأناها به، وهو الاتفاق على معنى التكليف، وأن الاختلاف على المذام التي تترتب عليه إنما هو الدليل على معنى الاستعداد الفطري للمذام وما عداها، أو على معنى الوقوع في المذمة بمجاوزة حدود التكليف ظلمًا مع العلم بها، وجهلًا مع القدرة على التعلم والاسترشاد في أمرها.

إلا أن معنى الاستعداد الفطري لا يخفى إذا رُوجعت الآيات التي ورد فيها ذِكْر صفات «الإنسان» بمعنى جنس الإنسان؛ فإنه يُذكر بهذه الصفات في مواضع كثيرة مع ذكر آيات التكوين والخلق وتصريف قوى الطبيعة، فقد ذكر تكريم بني آدم مع السلطان على البر والبحر والزرع والضرع والتفضيل على كثير من خلائق الله، وذكر ظلم الإنسان وجهله مع انفراده بالفطرة المستعدة للتكليف بين خلق السماوات والأرض، وذكر في غير هاتين الآيتين بقوله للخير والشر مع الإيمان بالجزاء، والتذكير بخلق الليل والنهار، وخيرات الأرض، وحساب الأفلاك، ومن ذاك — وفيه الإشارة إلى أمثاله من الآيات: وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (الإسراء: ٩–١٢).

فقد ذكرت هنا فطرة الاستعداد للخير والشر مع ذكر الإيمان بالجزاء وتصريف الليل والنهار، وعجلة الإنسان على حساب العواقب، وهو أهل للحساب، حساب الشاهد والغائب، وحساب النور والظلام، وحساب السنين والأيام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤