«الاهمسا» من الوجهة العلمية

في الوقت الذي قام فيه غاندي بالدعوة إلى السلام واجتناب المقاومة العنيفة، كانت أوروبة تضطرب بدعوة أخرى تناقضها تمام المناقضة، وهي دعوة القوة والقسوة، أو دين القوة كما سماه أتباعه ومروجوه.

وكانت الدعوة إلى دين القوة تنبعث من جانب الفلاسفة والمفكرين، كما تنبعث من جانب الساسة وقادة الجماهير.

فانتشرت النازية والفاشية في أوروبة الوسطى وأوروبة الجنوبية، وقام لها أنصار في البلاد التي تزعزعت فيها مبادئ الديمقراطية، أو عجزت فيها الديمقراطية عن حل مشكلاتها وتعزيز الرجاء في تحقيق مثلها العليا.

وكانت الشيوعية تحارب النازية والفاشية، ولكنها لا تخالفها في الإيمان بالقوة والاعتماد عليها وحدها في إتمام الانقلاب الذي يقضي على نظام رأس المال، ويقيم النظام الشيوعي في مكانه.

وكان من الطبيعي أن تثير هذه الدعوة المطبقة مخاوف أنصار السلام، ولا سيما بعد الحرب العالمية الأولى التي ابتلي فيها الأوروبيون من شرور الحرب بما بغضها إليهم، وضاعف مساعيهم في منع الحروب وتقرير مبادئ الوساطة والتحكيم. فنشأت جماعات الأمم وكثر دعاة السلم والمسالمة، وتصدى للكتابة في هذا الغرض نخبة من أقطاب المفكرين وحملة الأقلام وتحول الأمر إلى عقيدة شعورية لفرط النفور من الحرب، وشدة الحاجة إلى إيمان يقابل إيمان المبشرين بدين القوة وشريعة العنف والقسوة.

وانتقل صدى «الاهمسا» إلى أوروبة فوصل إليها في أوانه، ودان بها بعض كتابها على طريقة الغربيين في كل دعوة، وهي عرضها على العقل من جانب البحث والعلم، غير مكتفين بالبشارة الروحية أو المواعظ الدينية على طريقة دعاة «الاهمسا» من الهنود.

ومن خيرة الكتاب في هذا الغرض — على هذا النحو — «ريتشارد جريج Gregg» صاحب كتاب «قوة اللاعنف أو المسالمة» The Power.

فإنه قد حشد لتعزيز هذا المذهب كل ما يمكن أن يحشد له من تقريرات العلوم الحديثة، وفي مقدمتها علم الحياة وعلم النفس، واستشهد بتجارب التاريخ كما استشهد بكل تجربة نافعة من تجارب الزمن الأخير.

ومن أمثلة آرائه التي تدل على منحى تفكيره، قوله في تعليل الخوف والغضب: «إن لهما — من الوجهة الفزيولوجية — وظيفة نافعة وهي إعداد البنية للعمل عند الحاجة إلى الهرب أو القتال، ويشتمل هذا الإعداد على استنهاض قوى البنية وحفزها بجملتها: دماغًا وأعصابًا مسيطرةً على العضلات الخاضعة للإرادة، أو أعصابًا مسيطرةً على العضلات التي تعمل من تلقائها، أو جهازًا للتنفس، أو نظامًا للدورة الدموية، أو إفرازًا من بعض الغدد التي تدخل فيها الغدة الدرقية والغدة الكظرية والكبد؛ لتقذف في مجرى الدم من المواد ما يصلح لتوليد الطاقة والحركة. وإذا كانت الأفكار على الأغلب الأعم في طبيعتها من قبيل الخطط التي ترسم وسائل العمل الممكنة، كان من شأن الخوف والغضب أن يعملا في العقل كذلك، بحيث يمكن أن يقال: إن الخوف والغضب يعتبران حالة انتقال من نشاط أقل إلى نشاط أوفر وأقوى.»

وعرض للناحية النفسية فاستشهد بقول العالم النفساني شاند Shand: إن الدهشة تجبُّ شعور النفور والاشمئزاز والاحتقار بما هو موضوع للدهشة، فإذا اعتدى إنسان على إنسان فقاومه المعتدى عليه عنفًا بعنف وقسوة بقسوة، فماذا يكون من أثر ذلك في نفس المعتدي؟ إنه يزداد إيمانًا بصحة الوسيلة التي استخدمها واعتبارها مرجعًا صالحًا لتسوية النزاع بينه وبين خصمه، فلا يتزلزل اعتقاده بحقه فيما عمل، بل يتأكد عنده هذا الاعتقاد وينشط للمضي في عدوانه. ولكنه إذا اعتدى فلم يلق من المعتدى عليه مقاومة من طبيعة اعتدائه، فقد يقع في روعه لأول وهلة أنه جبن ومهانة وضعف من ذلك المعتدى عليه، ولكنه لا يلبث أن يعلم من مظهره ومخبره أنه ليس بالجبان ولا بالمهين في نظر نفسه حتى تأخذه الدهشة، فيكف عن الاحتقار والترفع، ويرجع إلى نفسه فيحاسبها على اعتدائه، ويستطيع أن يدرك في هذه الحالة أن الاعتداء مخجل لصاحبه، وليس بالمرجع المعترف به في معاملة غيره.

ولا نزاع عندنا في صواب هذه التقريرات من الوجهة الفزيولوجية أو الوجهة النفسانية، ولكنها فيما نرى محل نزاع كثير في تسويغ «الاهمسا» على إطلاقها، أو في القول: بأن المقاومة من جنس العمل أمر لا تدعو إليه الحاجة في حياة الفرد أو حياة الجماعة.

فقد تكون عوارض البنية التي تنفع الإنسان في حالة الغضب أو الهرب تدبيرًا فيزيولوجيًّا لا تدعو الحاجة إليه الآن كما كانت تدعو إليه أيام الهمجية الأولى، أو قبل هذا الطور من أطوار الحضارة، وهو طور لا ينتفع فيه الإنسان بالغضب والخوف على ذلك المنوال، ولا يحتاج إلى الهرب ولا إلى النزال كلما غضب أو خاف.

لكن الواقع أن الأخلاق جميعًا تقترن بحالات جسدية من هذا القبيل، وأن الدواعي الجسدية قد تزول ويبقى الخلق لازمًا بعد بطلان الأسباب التي أوجبت دواعيه الجسدية.

ومثال ذلك خلق «الأنفة» وهو كما يدل عليه اسمه، خلق كان في نشأته مقترنًا بحركة تلاحظ على الأنف خاصة.

فإن الإنسان إذا أنف في عصر الحضارة من بعض ما يسمع به أو يراه، شمخ بأنفه أو قبض منخريه أو أشاح بهما إلى هذا الجانب أو ذاك، كأنما يتقي رائحة كريهة يعافها ويود الابتعاد عنها.

وكان أصل هذه الحركة الجسدية فعلًا هو اتقاء الروائح الكريهة التي لا يحب الإنسان أن تسري إلى صدره، ثم أصبحت هذه الحركة الجسدية ملازمة للأنفة من الأشياء التي لا رائحة لها ولا علاقة لها بالمنخرين أو بالنفَس الذي يدخل إلى الرئتين.

كذلك يبصق الإنسان أحيانًا علامة على الامتعاض والاستهجان، وما هي في الأصل إلا حركة جسدية تعليلها هياج غدد اللعاب عند مقابلة النظر أو الشم لشيء لا يقبله الجوف، ثم انتقلت من المحسوسات إلى الأشياء التي لا يقبلها العقل أو الضمير.

ويتطاول الإنسان إذا وقف في مواقف الصولة والكبرياء، وكان ذلك مما ينفعه أمام خصمه ليروعه بامتداد أعضائه وقوة جسده. ولكنه الآن يتطاول كلما اعتز بقوة نفسية أو جسدية، وقد تكون القوة نفسية محضًا لا تقع عليها العين.

ويشير الإنسان بظهر يده في غير جهد ولا اكتراث إذا استخف بأمر من الأمور، وكأنه يدفع شيئًا بلغ من خفته وهوانه، أنه يدفع بأيسر حركة من أصابع اليد الواحدة.

وهو إذا استخف عقله، أو استخفت نفسه بذلك الأمر، لا يدفع شيئًا يدفع باليدين على أية حال.

فالحركات النفسية قد تقترن بحركات جسدية بطلت حكمتها أو بطلت موجباتها «الفزيولوجية»، ولكن بطلان تلك الموجبات لا يدل على بطلان الحركات النفسية التي تلازمها، ولا يفيد أن الغضب والخوف مثلًا لا ينفعان اليوم لأن العوارض الجسدية التي لازمتهما زمنًا طويلًا كانت نافعة من الوجهة الفزيولوجية، ثم بطل نفعها في عصر الحضارة من هذه الوجهة.

فإن الغضب والخوف قد ينفعان اليوم من الوجهة النفسية، وإن لم تستفد بنية الإنسان من هياج الغدد أو تيقظ الأعصاب وتنبه الدماغ.

أما أن المعتدي يخجل من اعتدائه إذا رأى السماحة من المعتدى عليه في غير جبن ولا استكانة، فذلك صحيح في كثير من المعتدين، وله ولا شك أثره في تأنيب الضمير وتعويده الكف عن العدوان، وقلة الاعتزاز به والالتجاء إليه.

ولكننا، سواء حدث هذا أو لم يحدث، لا يصح أن نفهم منه أن الخير قوة «سلبية» لا عمل لها إلا أن تترك الشر يعمل ثم تقابله بالسماحة والإغضاء.

فهل قصارى الخير أنه لا يقاوم الشر؟ وهل من حق الشر وحده أن يبدأ بالعمل ويتمادى فيه، وأن نترك له أن يخجل أو لا يخجل من عاقبة عمله؟

ألا يوجد ثمة نوع من الكبح والزجر يعيد المعتدي إلى ضميره فيشعر بتأنيبه ويرجع عن عدوانه؟

ألا يلزم أن يشعر المعتدي بعجزه عن الاعتداء في كثير من الأحيان؟

أليس هناك فرق بين من تأصلت فيه ضراوة العدوان وبين من يستسهله لأمان عقباه، وهو على استعداد للرجوع عنه إذا لقي المقاومة من أول اعتداء …؟

ألا يكون الخير خيرًا إلا إذا ضربه الشر فصفح عنه؟

ألا يجب على الخير أحيانًا أن يضرب الشر وهو خير لا يزال؟

•••

فإذا قصرنا الخير على المسامحة، أو جعلناه فضيلة سلبية أو فضيلة مجاوبة، فقد يصح على احتمال من الاحتمالات أن الكف عن مقاومة الشرير تصلحه في حالات، ولا تصلحه في حالات.

وينبغي أن تهدينا دهشة الشرير من الكف عن مقاومته إلى حقيقة نفسانية أخرى جديرة بالاعتبار في معاملة الأشرار، وهي أن هذه الدهشة تدل على إيمان متأصل في النفس الإنسانية بأن رد العدوان إليها جزاء معقول يصيبها بالحق. فهو من ثم لا يضريها بالشر ولا يملي لها فيه، كلما اعتدت فقوبلت بمقاومة الاعتداء، وبخاصة حين تجيء المقاومة من المجتمعات التي تتولى صيانة نفسها بأحكام القوانين، لانتفاء «البواعث الشخصية» هنا وصدور الحكم ممن ليست له فيه مصلحة أو دافع انتقام.

أما إذا اعتبرنا الخير قوة عاملة أو قوة إيجابية، فمن الواجب إذن أن تعمل وأن تزيل الموانع من طريقها، وكثيرًا ما تكون إزالة الشر وإزالة الشرير شيئين متلازمين.

وأيًّا كان الأثر في نفس الشرير فمما لا شك فيه أن إزالة شرير من العالم أربح للعالم من إزالة خيرٍ انتظارًا لإصلاح شرير؛ لأن بقاء الخير المضمون أربح للعالم من الرجاء في خير فقط، قد يكون وقد لا يكون.

•••

لكن العبرة في مذهب «الاهمسا» بعد هذا كله، هي أن المذاهب الإنسانية تتوازن وتتقابل، وينطلق أحدها إلى أقصى الشدة فينطلق الآخر إلى أقصى اللين.

ﻓ «الاهمسا» معقولة إذا كان في العالم مذهب ينادي بأن القسوة دين مقدس، وأن القوة الغاشمة مقطع الحق كله، وأن البطش بالضعفاء حق مطلق للأقوياء، وأن العلاقة بين القوي والقوي لا تكون إلا علاقة نزاع وغلاب.

هذا الغلو في العنف يقابله ذلك الغلو في اللين.

ولا بد من قوام بين الطرفين النقيضين، وهو قوام الأمر الذي أخذت به العقيدة الإسلامية، فلا اعتداء ولا قبول للاعتداء، وإذا صفحت فذلك حق لك، ولكنه ليس بحق عليك في كل حال.

  • وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ الله لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
  • فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ.
  • وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ.
  • إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ.
  • فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ.
  • وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
  • وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ.

في هذا القوام بين طرف العنف وطرف اللين صلاح الأخيار والأشرار، فالعدوان ممنوع ورد العدوان حق، والصفح عنه جائز لمن يطيقه أو لمن يراه.

وبهذا يخرج الخلق من «الآلية» إلى مجال التصرف الإنساني الذي يليق بذوي النفوس والعقول، فلا عدوان في كل حال، ولا مسالمة في كل حال؛ لأن هذا وذاك عمل آلات لا تفرق بين موضع العنف وموضع اللين، وإنما يكون الخلق خلقًا حين يتعالى عن صنيع الآلات.

والإنسانية بحمد الله لا تأخذ كل ما يقوله الدعاة ولا تنبذ كل ما يقولون، بل هي لا تأخذ ما تظن أنها أخذته، ولا تنبذ ما تظن أنها نبذته، وإنما يخلص لها ما تعرفه وما لا تعرفه من تلك الدعوات.

وفي ذلك آية شاهدة على أنهم جميعًا مسوقون لما يراد بهم لا لما يريدونه، أو هي آية شاهدة على عناية من فوق إرادة الإنسان.

وإذا ألقى هذا الصيدلي في بوتقة الدواء عقارًا غير صالح، وألقى ذلك الصيدلي فيها عقارًا آخر غير صالح، ثم خرج من هذه العقاقير كلها دواء فيه صلاح، فذلك دليل على الطب ودليل على الطبيب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤