الشيخ١

وما لي لا أمزح وقد كان رسول الله يَمزح، ولكن لا يقول إلا حقًّا، وسأمزح الليلة، وسأحاول إن شاء الله ألا أقول إلا حقًّا. سأمزح هذه الليلة لأني أجد في نفسي غبطةً ومراحًا ونزوعًا إلى المزح، وسأفعل في غير تطرُّف ولا عبث.

على أنني لا أجتث الكلام اجتثاثًا، ولا أُطلِق موضوع حديثي افتلاتًا، وإنما ألتمس له شخصية أو شخصيات جليلة عظيمة أخطأها الكُتَّاب وتجاوزها المؤرخون، وأخشى أن يتمادى الزمن فتطوي الأيام خبرَها، ولا تقدُر نواشئ الأجيال خطرها، وهذا ظلم لها وللتاريخ معًا.

صديقي أو غير صديقي أو هما معًا، الأستاذ الشاب أو الكهل أو الشيخ أو كل أولئك في وقت واحد، الشيخ أو السيد فلان!

وأنا أشهد أنه ما اطَّلع على مجلسي إلا حللت له الحبوة، ولا جلس إليَّ إلا آثرته بتكرمتي، ولا أرسل يده إليَّ إلا أسرعت بتقبيلها؛ لأني أرى في الشيخ عظيمًا وإن لم ير غيري أن فيه عظيمًا.

هو شيخ طريقة، وهو على صداقته وملازمته لشيخ مشايخ الطرق لا ترى — على ما يزعم شانئوه — لطريقته في سجلات مشيخة الطرق الصوفية عينًا ولا أثرًا.

ثم هو رجل جمع بين أقصى مطالب الدنيا وأقصى مطالب الدين، فتراه كما يَظهَر الأصيلَ في حلقة الذكر يظهر العِشاءَ في بار «أرستومين».

ثم هو سعدي، وعدلي، وحر دستوري، وحزب وطني، واتحادي، ومحايد، ومستقل، وغير هؤلاء جميعًا!

ثم هو لا يَفْتُر عن أداء حقوق القصر، ولا يني عن التوافي في كل موسم لدار الوكالة الإنجليزية، ولا يترك جريدة السياسة إلا إلى «بيت الأمة!»

ثم هو يُحسن العربية ويُحكم الإنجليزية فلا تعرف إن كان غربيًّا مستشرقًا أو كان شرقيًّا مستغربًا!

ثم هو مصري، وهو في الوقت نفسه مطاف الجالية الفارسية في مصر يتحدَّث على أمورها ويُدلي بمُهِمِّها في هذه البلاد، فلا تعرف إن كان عربيًّا مستعجمًا أو عجميًّا مستعربًا!

ثم هو إذا تقفَّيت أصله وقصصْتَ منشأه ومَنْجَمه رأيته من المنوفية، ومن الشرقية، ومن البحيرة، ومن الدقهلية، ومن القليوبية، ومن الجيزة، ومن المنيا، ومن أسيوط، ومن جرجا، ومن قنا؛ هو من هؤلاء جميعًا، وهو يلاغي بلُغاهم جميعًا، فترى في لسانه لِين حديث أهل البحيرة، وجُشوبة منطق أهل الصعيد، فتسمعه إذا نادى «محمدًا» قال «يا محمَّ» وإذا عبَّر عن الفم، قال «الخَشْم».

هو ولا شك عصبة أمم تجول في قَفْطان وجُبَّة!

لا أعرف رجلًا يُحصي من أسماء الناس وألقابهم وكُناهم ومعرفة من يلابس كل إنسان من أصدقائه وأصهاره وأحمائه مثل ما يُحصي ذهن الشيخ.

وأقسم لو استعانت به مصلحة الإحصاء إذ تُقبل على إحصاء أهل هذه البلاد لتغنَّت بعلمه وذاكرته عن خمسة آلاف شيخ حارة وعمدة بلد وسِجِلٍّ قديم في الدفترخانة، وموظفٍ طوَّاف في القرى والدَّساكر لجمع المعلومات، وإثبات الأسماء والصفات.

وإذا حضرك في هذا المقام أن الشياطين تتشكل فلا يذهب عنك أن الملائكة كذلك تتشكل، وأن أولياء الله يتشكلون، وللأقطاب والأبدال في التشكل أحاديثُ طِوال.

وإذا كنا نحتفل في هذه الدنيا بشخصية واحدة ونتخذها موضع الحديث والتحليل والتمثيل فكيف بسبع وثمانين شخصية قوية قد اتسقت كلها لرجل واحد!

ليس على الله بمُسْتَنْكَرٍ
أن يجمع العالَم في واحد

وأُقسم ثانيًا لو أن صاحبنا قد نجم في عهد الجاحظ أو اطَّلع عليه عِلْمُ كارلَيْل لَخُصَّت به الرسائل وأُفرِدَت له الأسفار، ولكن أنَّى لنا جزالة قلم الجاحظ أو دقة ذهن كارليل لنقول في الشيخ كلَّ ما ينبغي أن يقال فيه، وإذا كنا عاجزين عن تقصِّي جميع عبقرياته الحسان، فلا أقلَّ من أن نُلِمَّ بفضائله في ليلة من «ليالي رمضان!»

١  نشرت بجريدة السياسة في إحدى «ليالي رمضان» سنة ١٣٤٣ هجرية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤