التمهيد

من الملاحظ أن معظم الدراسات الحديثة عن المسرح العربي اهتمَّت بقضية البحث عن جذور قديمة للمسرح عند العرب، فأخذت تبحث وتنقِّب في التاريخ الفرعوني من خلال بردياته، وبالفعل توصَّلت إلى نتائج مُرضية بعض الشيء عن وجود مظاهر تمثيلية فرعونية. وهذا الاكتشاف شجَّع البعض على البحث والتنقيب أيضًا في التاريخ الإسلامي. وبالفعل توصَّلوا إلى نتائج تؤكِّد — من وجهة نظرهم — على وجود مظاهر تمثيلية إسلامية. واستمر البحث والتنقيب، واستمرت النتائج في الظهور متمثِّلة في الفنون الشعبية؛ مثل: فن الأراجوز، وصندوق الدنيا، وخيال الظل، وانتهى أمر الباحثين عن أصول المسرح العربي بإجماعهم على نضوج هذا الفن على أيدي مارون النقاش والقبَّاني ويعقوب صنوع.

وأمام هذه النتائج التي تُثبت وجود الفن المسرحي من وجهة نظر الباحثين، نجد بعض المعارضين القائلين بأن الفن المسرحي هو فن جديد وافد إلينا، ومن هنا جاء السؤال الهام: لماذا لم يعرف العرب فن المسرح كما عرفه الإغريق؟ وجاءت الإجابة على السؤال حاملة للعديد من الأسباب، وبذلك نجد أنفسنا أمام فريقين: الأول منهما يؤكِّد على وجود الفن المسرحي في البيئة العربية، والآخر ينفي عن العرب معرفتهم بالأدب المسرحي، ويسوق الأسباب والأدلة على ذلك.

وأمام هذا التناقض بين الفريقين، خرج للساحة الأدبية المسرحية فريق ثالث حاول أن يجمع بين أفكار الفريقين المتناقضين، وذلك من خلال محاولات التأصيل للمسرح العربي.

والآن سنورد ما سبق بشيءٍ من التفصيل لبيان علاقته ببحثنا هذا، وسيكون تتبعنا للقضايا السابقة مُرتَّبًا ترتيبًا زمنيًّا من حيث دراسات الباحثين العديدة في هذا المجال.

(١) بدايات المسرح العربي

يرجع الفضل الأول لتنبيه بعض الباحثين عن وجود بعض المظاهر المسرحية والتمثيلية في التاريخ الفرعوني للباحث الفرنسي «إتيين دريوتون» في كتابه «المسرح المصري القديم»؛ فقد اهتمَّ بأبحاث كتابه هذا منذ عام ١٩٢٨. وفي هذا الكتاب يحدِّثنا عن المسرح الفرعوني، ويثبت أن الفراعنة عرفوا فن المسرح قبل الإغريق، وأنهم منبع الدراما. وقد توصَّل دريوتون إلى أنه كان هناك فنٌّ مسرحيٌّ، وأنه نشأ مستقلًّا عن المسرحيات الدينية، فيشير إلى أن أحد النصوص الدرامية يرجع إلى منتصف الدولة القديمة، ودليله على وجود ممثلين وعروض مسرحية هو لوحة كشف عنها في إدفو عام ١٩٢٢ عليها إهداء إلى الإله حور من ممثل متجول يدعى أمحب.

وتشير هذه اللوحة إلى وجود مسرحيات وتوزيع أدوار وحدث وممثلين ثانويين، كما تشير أيضًا إلى فكرة لا ترتبط بالدين؛ لأنها تصوِّر أحد الآلهة كسفَّاح، مما لا يتفق وتقديس الآلهة. ومن الأدلة التي يسوقها دريوتون برديتان تتحدثان عن اختيار امرأتين كي تقوما بدوري إيزيس وأختها. ولقد توصل دريوتون إلى وجود كراسات خاصة بالمخرجين، وأخرى خاصة بالممثلين تحتوي على كل ما يتطلبه العرض المسرحي. ويعرض دريوتون بعد ذلك نصًّا كاملًا نقله من بين النصوص السحرية المنقوشة على لوحة ميترنخ، ويشير إلى أن هذا النص جزء من مسرحية مصرية قد نُقل من كراسات الممثلين. وأخيرًا يورد دريوتون مختارات من النصوص الدرامية الفرعونية؛ وهي: ميلاد حور وتأليهه، وهزيمة أبو فيس الشاملة، ومعركة تحوتي وأبو فيس، وإيزيس وعقاربها السبعة، وحور وقد لدغه عقرب، وعودة سيث.١
ومن الملاحظ أن ما توصل إليه دريوتون في كتابه يُعدُّ محاولة طيبة في البحث والتنقيب عن وجود مسرح مصري قديم، ولكنه — رغم ذلك — لم يستطع أن يقنعنا بوجود هذا المسرح، فمحاولته لإثبات أن المسرح الفرعوني نشأ بعيدًا عن الدين تُعتبر محاولة فاشلة؛ لأن الأدلة التي ساقها — من حيث النصوص الدرامية — إما أن تبدأ دينية، أو تنتهي نهاية دينية، فعلى سبيل المثال نجد الممثل في لوحة إدفو يقول: «كنت ذاك الذي يتبع سيده في كل جولاته دون ضعفٍ في الأداء … ولقد كنت أرد على سيدي في كل أدواره، فإذا قام بدور الإله أقوم بدور الحاكم، وإذا أمات أحييت.»٢ ودريوتون نفسه يقول: إن هذا النص عبارة عن إهداء إلى الإله حور. أمَّا الدليل الثاني الذي يسوقه دريوتون، وهو الخاص بقيام امرأتين بدوري إيزيس وأختها نيفتيس، فنجد أن هذا النص كان يمثَّل على باب المعبد أيام الحداد على أوزوريس،٣ وإذا تتبعنا أدلة دريوتون لإثبات وجود فنٍّ مسرحيٍّ عند الفراعنة بعيدًا عن الدين، فسنستطيع أن نثبت عكس ما أراده. ومن جهة أخرى، حاولنا — نحن — أن نجد هذا المسرح المزمع وجوده عند الفراعنة في حياتهم اليومية، أو في احتفالاتهم، وبالفعل وجدنا ذلك، ولكن كان من خلال الدين أيضًا؛ فعلى سبيل المثال نجد الفراعنة في شهر يونيو وقبيل الفيضان:
يرقبون علامات ارتفاع الماء … ويذهب رسول كل يوم إلى أقرب مدينة لينظر في عصاة ضخمة مُقسَّمة تبيِّن ارتفاع الماء … ويعود الرسول في أمسية من أخريات يونيو إلى القرية حاملًا أخبارًا سعيدة تُنبئ بأن المياه أخذت في الارتفاع، فيجتمع إليه أهل القرية جميعًا ضاحكين يلهجون بالمحصول الطيب الذي ينتظرهم، ثمَّ يهب شابَّان فجأةً فيشرعان في مصارعة على قارعة الطريق في القرية، ويأخذ آخرون في التظاهر بالاقتتال، ويثب الأطفال ويجرون هنا وهناك وقد استخفهم الفرح والسرور … [وبعد ذلك] يؤلِّفون موكبًا ثمَّ يذهبون إلى المعبد؛ حيث يرفعون شكرهم إلى أوزوريس … [وبعد الفيضان] يؤلِّف أهل القرية موكبًا ثمَّ ييممون شطر المعبد هازجين بأغاني الشكر والحمد، وقد حمل كل منهم قربانًا لربِّه الذي أفاء عليه الخير والبركات … ثمَّ يحين الوقت الذي يُقام فيه عيد الحصاد الكبير، ويقدِّم الكاهن العطايا للمعبد، ويرتل صلوات الشكر لآلهة القرية وآلهة الدولة، ويخص الإله الأكبر أوزوريس بمعظم هذه الصلوات؛ لأنه يعتقد أنه هو الذي أنعم على قومه ببركة المحصول الوفير … أمَّا الوفود فكانوا يقيمون المسرات فيعيِّدون ويرقصون ويلعبون الألعاب.٤
ومن الملاحظ أن بعض الباحثين اعتبروا فروض دريوتون بوجود الفن المسرحي عند المصريين القدماء حقائق مُسلَّمًا بها؛ فراحوا يبنون أبحاثهم عليها متحدِّثين — مقتنعين — بوجود المسرح الفرعوني.٥ أمَّا نحن فنؤكد على أن المسرح الفرعوني كان مسرحًا دينيًّا يُقام في المعابد أو حولها تبعًا للشعائر الدينية، وإذا كان المسرح الإغريقي نشأ أيضًا نشأة دينية، فالفرق بينه وبين المسرح الفرعوني أن المسرح الإغريقي خرج إلى عامة الشعب وتخلَّص من الأسر الديني، وأمَّا المسرح الفرعوني فلم يخرج أبدًا عن ذلك الأسر الديني. هذا بالإضافة إلى أن المسرح الفرعوني يختلف كل الاختلاف عن نظيره الإغريقي من حيث قواعد المسرح الغربي المعروفة؛ فالمسرح الفرعوني ما هو إلا مظهر من مظاهر التمثيل الديني. وبعبارة أخرى: كانت مظاهر التمثيل فيه تتمثل في مراسم الشعائر الدينية من تراتيل وأناشيد وحركات إيمائية تتطلبها بعض الشعائر.
وأمام نتائج دريوتون بوجود فنٍّ مسرحيٍّ عند الفراعنة المصريين نقول: لماذا توقف هذا الفن ولم يستمر؟ فمن المعروف أن هناك قطيعة معرفية بين المسرح الفرعوني وبين المسرح العربي الحديث. ولعل السبب راجع إلى جهل العرب باللغة المصرية القديمة. وهذه القطيعة المعرفية جعلت بعض الباحثين يبحثون عن أصول المسرح العربي في التاريخ الجاهلي قبل الإسلام، فقالوا: إن الفن المسرحي موجود في الحياة الجاهلية عند العرب متمثِّلًا في طقوس الحج الجاهلي من إحرامٍ في البيت، وطوافٍ بما يصحبه من تهليلٍ وتلبية، وتمسُّح بالحجر الأسود، وسعيٍ بين الصفا والمروة، وتمسُّح ببعض الأصنام كإساف ونائلة، ووقوف على عرفة ومزدلفة، ورمي للجمار.٦ ونستطيع أن نقول لأصحاب هذا الادِّعاء بأنهم لم يأتوا بجديد؛ فالمسرح الجاهلي لم يكن إلا مظهرًا من مظاهر المناسك الدينية للحج الجاهلي، أي إن هذا المسرح لم يخرج إلى عامة الناس، بل كان أسيرًا حول الكعبة، وكان أحرى بهم أن يبحثوا عن هذا الفن في الحياة اليومية الجاهلية، أو يتساءلوا لماذا صُوِّرت الحياة العامة في الجاهلية من خلال الشعر، ولم تُصور من خلال المسرح إذا كان هناك مسرح؟ فمن المعروف أن الأدلة المسوقة من قبل أصحاب هذا الادِّعاء تعتبر أدلة على وجود مظاهر تمثيلية للشعائر الدينية وللحج الجاهلي. ويحدِّثنا عنها أحد الباحثين قائلًا:
ولعل الطواف عند الذبح بالصنم أو الحجر المؤلَّه هو أصل الطواف الذي كانت تقوم به قريش والعرب قبل الإسلام حول الكعبة، كما أن التهليلات التي كانوا يرددونها لا يُستبعد أن تكون تطوُّرًا لصراخهم الذي كان يصطحب قتل الضحية، والذي يمكن أن يكون في شكله الأول ندبًا على موتها … [و] أن هذا الندب الذي اتَّخذ شكل مديح مرتل قد انحطَّ إلى ترديد للكلمة: «لبيك» … [و] أن التهليل كان يصطحب الرقص حول المذبح؛ حيث إن الرقص والغناء ما كانا لينفصلا في العصور الأولى … وكانوا يصفِّرون ويصفِّقون بأيديهم إذا طافوا [حول الكعبة].٧
ولعل وجود المسرح الفرعوني ثمَّ المسرح في البيئة العربية الجاهلية من وجهة نظر الباحثين السابقين لم يشبع رغبة البعض الآخر، فراح يبحث عن هذا المسرح في البيئة الإسلامية، فقالوا بوجود المسرح عند العرب متمثِّلًا في القرآن والحديث الشريف وبعض الاحتفالات الدينية؛ كالمولد النبوي، وكذلك الوعظ الديني،٨ ولكن هذه الإشارات الدينية جاءت بصورة متفرِّقة في دراسات بعض الباحثين. أمَّا شبه الإجماع على وجود مسرح إسلامي فقد تمثَّل في «التعازي».٩ والمقصود بها إعادة تمثيل مقتل الحسين بن علي في كربلاء. وكانت هذه المشاهد في أول أمرها مجرد مآتم ومناحات ثمَّ تطورت؛ حيث يجتمع الناس في جامع كربلاء — حيث استشهد الحسين — أو في أي جامع آخر، فنجد شخصًا يمثِّل الحسين، وجماعة تمثِّل أسرته وأصحابه، وشخصًا يمثل يزيد، وجماعة تمثل قوَّاده وأتباعه، ويلتحم الفريقان في صحن الجامع في معركة تمثيلية تنتهي بمقتل الحسين بين صراخ المشاهدين وندبهم.

ومن الملاحظ أن هذا الإجماع أيضًا لا يُعتبر دليلًا على وجود الفن المسرحي في البيئة العربية الإسلامية؛ لأنه — أيضًا — من المظاهر الدينية التي لم تخرج إلى عامة الناس، بل كانت أسيرة المكان الديني، حيث كانت تمثَّل في المساجد، وأيضًا أسيرة الزمان الديني؛ حيث كان وقت تمثيلها في العاشر من محرم «يوم عاشوراء».

ولم يقف جهد الباحثين إلى هذا الحد، بل بحثوا في كتب التاريخ والأدب التراثية وقالوا بوجود المسرح في المقامات العربية،١٠ ويقول أحدهم عن ذلك: «عرفت الحضارة العربية الإسلامية أشكالًا مسرحية دينية صرفة تمتاز بأصالتها وعمقها وتنوعها، وهي جديرة بالدراسة من وجهة النظر الفنية من قبل كل من يهتم عمليًّا بالفن المسرحي، فإذا اعتبرنا المقامات الشكل الكوميدي للمسرح العربي؛ فإن الحفلات الدينية، وخصوصًا التعزية، هي الشكل التراجيدي.١١ ثمَّ يحدِّثنا محمود تيمور عن وجود مظاهر تمثيلية في كتاب العقد الفريد،١٢ وأيضًا يحدِّثنا د. علي الراعي عن مثل هذه المظاهر في كتابات الجاحظ وابن خلدون، وكتاب الأغاني،١٣ ويحدِّثنا آخرون عن هذه المظاهر التمثيلية في الملاحم والسير العربية،١٤ وكذلك في المواسم الأدبية والنصوص الشعرية والنقائض،١٥ وأخيرًا في «ألف ليلة وليلة».١٦

ومن الجدير بالذكر أن جميع المحاولات السابقة لإثبات وجود فن مسرحي في البيئة العربية هي محاولات طيبة، ولكنها لم تفطن إلى أن هذه المظاهر ما هي إلا مظاهر تمثيلية دينية تتطلبها الحياة الدينية ومراسم شعائرها، أو أنها — على أفضل الأحوال — ظواهر تمثيلية عابرة جاءت على فترات متقطعة في التاريخ، ولم يُكتب لها الاستمرار أو العرض على عامة الناس كما كان الحال في المسرح الإغريقي.

وإذا كانت المحاولات السابقة اتَّسمت بعدم إجماع الباحثين عليها؛ حيث انقسم بعض الباحثين أمام كل محاولة بين مؤيِّدٍ ورافضٍ، فنجد إجماعهم التام يتمثل في ثلاثة مظاهر تمثيلية تأصَّلت في البيئة العربية؛ وهي: فن «خيال الظل» و«الأراجوز» و«صندوق الدنيا»،١٧ وهذا الإجماع على هذه المظاهر الثلاثة لم يعط الهوية أو الشرعية لتأصيل الفن المسرحي في البيئة العربية؛ لذلك طرحت البيئة المسرحية الأدبية تساؤلًا هامًّا: لماذا لم يعرف العرب الفن المسرحي كما عرفه الإغريق؟
وتوالت الإجابات تحمل العديد من الأسباب المقنعة، والتي تؤكد على عدم معرفة العرب بفن المسرح.١٨
ومن هنا جاء الاعتراف أخيرًا بأن الفن المسرحي هو فن جديد وافد إلينا من البيئة الغربية على أيدي الروَّاد الأوائل؛ وهم: مارون النقاش، وأبو خليل القباني، ويعقوب صنوع.١٩

ومن خلال المحاولات السابقة لوجود الفن المسرحي في البيئة العربية نقول إن هذه المحاولات ساذجة، فلا يكفي وجود بعض المظاهر التمثيلية على فترات متباعدة، والتي لم يُكتب لها الاستمرار لنقول: إن العرب قديمًا قد عرفوا الفن المسرحي بصورته الإغريقية، ونقول لأصحاب هذه المحاولات: ما الضرر في عدم معرفة العرب بفن المسرح؟ وهل عدم معرفتهم بهذا الفن يقلل من شأنهم ويبعدهم عن الإبداع الفني؟ فالحقيقة أن لكل أمة من الأمم فنًّا برعت فيه، فإذا كان الإغريق برعوا في فن المسرح، فسنجد أن العرب برعوا في فن الشعر كما برعت الأمم الأخرى في فنون عديدة بخلاف المسرح والشعر.

(٢) محاولات التأصيل للمسرح العربي

هناك علاقة حميمة بين بدايات المسرح العربي وبين محاولات التأصيل له من جهة، وبينهما وبين موضوع بحثنا من جهة أخرى، فبعض النقَّاد والمبدعين قد اقتنعوا كل الاقتناع بأن الفن المسرحي هو فن جديد وافد إلينا؛ لذلك انطلقوا — في إبداعاتهم النقدية والفنية — من حيث انتهى الآخرون، فقد وجدوا أن الإذعان للمسرح الغربي والاعتراف بفضله على الأدب العربي لا يليق بتاريخ العرب الأدبي. ومن هنا دعوا إلى تأصيل المسرح العربي كي يحقِّقوا الأمل القديم في وجود مسرح عربي، وبعبارة أخرى: إقامة علاقة بين المبدع وبين تراثه العربي القديم للخروج بمسرح عربي أصيل وجديد بعيدًا عن شكل ومضمون المسرح الغربي.

ومن الجدير بالذكر أن محاولات التأصيل أو التجديد في المسرح العربي بدأت تنظيرية منذ أوائل الستينيات. أمَّا جانبها التطبيقي فلم يحظَ بما حظي به الجانب التنظيري من حيث النقد والإبداع، وأقدم إشارة لهذه المحاولات كانت لتوفيق الحكيم، قال فيها تحت عنوان «مشكلة المسرح»:
في بلادنا أزمة مستحكمة هي الافتقار إلى المسارح؛ لذلك رأيت حلًّا لهذه المشكلة أن تكون هذه المسرحية [الصفقة] صالحة للتمثيل والإخراج في أي مكان، فهي ليست في حاجة إلى مناظر ولا ملابس ولا خشبة مسرح، يكفي مجرد العرض في ساحة صغيرة في أي قرية أو مدينة، وربما كان في هذا أيضًا عود إلى النبع الصافي القديم الذي خرج منه المسرح وازدهر منذ أكثر من ألفي سنة … [وتحت عنوان: مشكلة الجمهور والفولكلور قال] هذه المشكلة ليست مقصورة في بلادنا، ولكنها أخذت تظهر كذلك في البلاد الأخرى المتقدمة في الفن، على صورة قلق لها أهل الرأي الفني، ذلك أن جمهور المسرح بدأ منذ وقت ليس بالقريب يفقد وحدته التي كانت متماسكة على نحو ما في عهد النبع القديم؛ فالمسرحية اليوم قد تخاطب فئة من الجمهور ولا تخاطب الفئة الأخرى؛ لذلك كان من أهم المحاولات التي تغري بالإقدام العمل على إيجاد نوع من المسرحية يمكن أن يشاهدها الجمهور كله على اختلاف درجاته الثقافية، فلا يجد فيها المثقف إسفافًا، ولا يجد فيها الأمي تعاليًا! فإذا استطاع هذا النوع أيضًا أن يجمع بين المسرحية المكتملة لعناصرها، المحتفظة بجدية تركيبها وهدفها، وبين الفن الشعبي (الفولكلور) على نحو يسوغه جو المسرحية وطبيعة بيئتها، ويبدو كأنه جزء داخل في بناء المسرحية ذاتها، إذا نجحت هذه المحاولة؛ فإننا نكون قد عرفنا الطريق إلى الحل المنشود! …٢٠

وحديث الحكيم هذا يُعدُّ أول خطوة في طريق التنظير لخلق مسرح عربي جديد، يستمد مقوماته من التراث العربي القديم، ولا سيَّما الفولكلور، كما أنه يُعدُّ أول من نادى بالتجريب في المسرح بدعوته إلى إقامة العروض خارج صالات العرض، ومن الملاحظ أن الحكيم أتمَّ هذه الخطوة التنظيرية بإقامة تنظير كامل في كتابه «قالبنا المسرحي» عام ١٩٦٧.

وإذا كان توفيق الحكيم هو أول من أشار إلى ارتباط المبدع بتراثه العربي عمومًا، وبالشعبي خصوصًا، فإن يوسف إدريس يُعدُّ أول من وضع التنظير لهذا الارتباط٢١ من أجل خلق مسرح مصري جديد بعيدًا عن قيود المسرح الإغريقي، وذلك من خلال مقالاته الثلاث «نحو مسرح مصري»، والتي كتبها عام ١٩٦٤، والتي يقول فيها:
لا بُدَّ أن تكون لنا إذن شخصيتنا المستقلة في الأدب والفن وفي كل مجال، شخصية تنمو عن طريقين أساسيين؛ أولًا: تعميق جذورها في تراثنا وتاريخنا، وثانيًا: فتح جميع النوافذ الحضارية عليها. إننا نعود ونؤكِّد ونقول إنه يجب أن تكون لنا شخصيتنا المستقلة، فإذا لم تكن موجودة فعلينا أن نوجدها … لقد ذكرنا أن هناك مسرحًا حاضرًا وموجودًا، وكان موجودًا من زمن طويل، ولكن الأمر الذي يحتمل كثيرًا من الشك هو أن يكون المسرح ممثِّلًا لشخصيتنا المسرحية. وفي رأيي الخاص أنه لا يمثِّلها، وأنها لم تُخلق بعد، ودون خلقها وزرعها وإنباتها مجهود ضخم متواصل لا بُدَّ أن يحمل عبئه كل مهتم بشئون المسرح … ورغم هذا فهناك أشياء ستساعدنا كثيرًا في مهمتنا، فقط علينا أن ننسى كل مفهوماتنا الأوروبية التي تعلمناها عن أرسطو وشكسبير وموليير ونقاد المسرح الكبار، وبعين كاشفة وبأُفُق مفتوح نبحث عن الأشكال المسرحية في حياتنا؛ إذ تلك هي البذور، أو اللبنات الأولى، أو مادتنا الخام التي منها سنصوغ الجنين ونضع الأساس. ولكننا هنا سنناقش الشكل المسرحي … السامر، والسامر حفل مسرحي يُقام في المناسبات الخاصة، سواء أكانت أفراحًا أم موالد … والرواية في السامر أو كما يسمُّونها «الفصل» ليست رواية واحدة، وإنما هي عدة «فصول» … هذه الروايات ليس لها نصوص مكتوبة، وإنما لها نصوص ومواضيع متوارثة، وقبل بداية كل فصل يتفق الممثلون في همسات سريعة على الخطة العامة أو يعدِّلون فيها.٢٢

وبمقارنة إشارة توفيق الحكيم بما قاله يوسف إدريس نلاحظ التوافق التام بينهما؛ فيوسف إدريس أكَّد على استقلال الشخصية العربية في الفن المسرحي، كما أكَّد على استلهام وتوظيف التراث العربي عمومًا، والشعبي «السامر» خصوصًا، وأخيرًا يشير إلى الاهتمام بالمسرح الارتجالي. أمَّا توفيق الحكيم، فقد سبق إدريس في تأكيد هذه الأمور، عدا الإشارة إلى المسرح الارتجالي والابتعاد عن المسرح العالمي. ومهما يكن من أمر أيهما الأسبق، فقد لاقت دعوة إدريس جدلًا كبيرًا في الأوساط الأدبية، وتمثَّل هذا الجدل في انقسام النقَّاد بين مؤيِّدٍ ورافضٍ ومحايدٍ.

فمن أقوال المؤيدين: «ألا يكفي يوسف إدريس أنه لا يمصر الأشياء، ولا يعكس ما هو حادث في الغرب، وإنما هو يخلق من الواقع المصري. إن الرسالة يمكن أن تكون منفصلة عن الرسول، ويوجد دائمًا من يؤمن بالرسالة، ويتحمس لها أكثر من صاحبها.»٢٣ ومن أقوالهم أيضًا:
والواقع أن مقالات يوسف إدريس الشهيرة «نحو مسرح مصري» في يناير–مارس ١٩٦٤، لم تكن إلا تطويرًا وتعميقًا باختيار قالب السامر الشعبي لمناقشات لجنة المسرح ١٩٥٧ حول المسرح الشعبي. وقد اكتسبت بعدًا عاطفيًّا انفعاليًّا متحمسًا لا تنتفي معه البواعث الموضوعية من المناخ السائد وما فجَّره من أحلام على مختلف المستويات. كما أصبحت المقالات الإدريسية بنظرية التمسرح التي وردت فيها، والحدود والآفاق التي تعرَّضت لها الأساس النظري والمقدمة التاريخية التي توالت بعدها حركات التأصيل الأخرى في الوطن العربي.٢٤
أمَّا رفض دعوة إدريس من قبل بعض النقَّاد، فكان يعتمد على عدم قدرة إدريس على تطبيق ما نظَّر له؛ لأن إدريس بعد مقالاته السابقة «نحو مسرح مصري»، وبعد محاولته الوحيدة في مجال التطبيق من خلال مسرحيته «الفرافير» عاد إلى القوالب المسرحية الغربية، كما حدث في مسرحية «المخططين».٢٥
أمَّا محايدة بعض النقاد أمام دعوة إدريس، فقد تمثَّلت في عرض الدعوة النظرية وما صاحبها من تطبيق على مسرحية «الفرافير» دون إبداء رأي صريح، سواء بالقبول أو الرفض.٢٦
وفي عام ١٩٦٧، يكتب لنا توفيق الحكيم «قالبنا المسرحي»، وفي هذا القالب يرفض فكرة استلهام السامر الشعبي الذي نادى به في إشارته السابقة في بيان مسرحية «الصفقة». ويُعدُّ قالبنا المسرحي التنظير الثاني لخلق مسرح عربي أصيل بعد تنظير يوسف إدريس، ويقول توفيق الحكيم فيه:
… هل يمكن أن نخرج عن نطاق القالب العالمي، وأن نستحدث لنا قالبًا وشكلًا مسرحيًّا مستخرجًا من داخل أرضنا وباطن تراثنا؟ … لقد فكَّرت في ذلك ورأيت أنه للبحث والتنقيب داخل أرضنا وتراثنا يجب أن نكرَّ راجعين إلى ما قبل مرحلة السامر … إنها ولا شك المرحلة التي كنَّا فيها بعيدين جدًّا عن فكرة التمثيل أو التشخيص … إنه العهد الذي ما كنَّا نعرف فيه غير الحكواتية والمدَّاحين والمقلِّدين … هنا إذن المنبع الذي نستطيع أن نخرج منه بشيء … فإذا أضفنا إلى هذا المنبع الشعبي منبعًا آخر من تراثنا الأدبي في روايات الأغاني للأصفهاني، وفيما ورد عن الجاحظ والحريري وبديع الزمان وغيرهم … فإننا يمكن أن نخرج برأي في أمر الشكل أو القالب المسرحي الذي نحاول الكشف عنه … كما أنه يجب لكي يسمى قالبًا حقيقيًّا أن يكون صالحًا لأن تُصبَّ فيه كل المسرحيات على اختلاف أنواعها، من عالمية ومحلية، ومن قديمة وعصرية … فنحن إذن ببعثنا الحاكي والمقلد والمداح وجمعهم معًا، سنرى أن في استطاعتهم أن يحملوا آثار الأعلام من أسخيلوس وشكسبير وموليير إلى إبسن وتشيخوف حتى بيراندللو ودرنمات … كما أن في استطاعتهم أن يحققوا الأمل الذي طالما تمنَّاه الجميع في كل مكان، وهو «شعبية الثقافة العليا»، أو بعبارة أخرى: هدم الفاصل بين سواد الشعب وآثار الفن العالمي الكبرى …٢٧
ومن الملاحظ أن توفيق الحكيم في هذا التنظير استبعد فكرة «السامر الشعبي» التي نادى بها أولًا، ثمَّ نظَّر لها يوسف إدريس بعد ذلك. وهذا الاستبعاد كان لسببين؛ أولهما: أن هذا السامر فنٌّ غير أصيلٍ في المجتمع العربي؛ لأنه وفد إلينا مع الحملة الفرنسية. وهذا ما ذكره الحكيم.٢٨ والآخر راجعٌ — في رأينا — إلى رغبة الحكيم في تنظير جديد يخالف ما نظَّر له يوسف إدريس، وتُحسب للحكيم هذه المحاولة التنظيرية كما حُسِبت من قبل ليوسف إدريس، وأيضًا يؤخذ عليه الفشل في التطبيق — أو التوقف عن التطبيق٢٩ — كما أُخِذ على يوسف إدريس من قبل عندما قام بالتطبيق على مسرحية «الفرافير» دون غيرها فيما كتبه بعد ذلك من مسرحيات.
ومن الملاحظ أن النقاد — كما مرَّ بنا سابقًا — انقسموا أمام دعوة يوسف إدريس بين مؤيِّدٍ ورافضٍ ومحايدٍ؛ وذلك بسبب المقارنة بين التنظير والتطبيق على مسرحية «الفرافير». أمَّا أمام دعوة توفيق الحكيم في قالبه المسرحي، فإننا نجد النقَّاد يقفون موقف الرافض لهذه الدعوة؛٣٠ بسبب عدم تطبيق الحكيم لما نظَّر له في مسرحياته التي تلت التنظير، أو بسبب التطبيق على نماذج عالمية — وليست عربية — كتطبيق عملي للتنظير، مثل مأساة «أجاممنون» لأسخيلوس، أو «هملت» لشكسبير، أو «دون جوان» لموليير، أو «بيرجينت» لهنريك إبسن، أو «بستان الكرز» لأنطون تشيخوف، أو «ست شخصيات تبحث عن مؤلف» للويجي بيراندللو، أو «هبط الملاك في بابل» لفريدريش دورنمات.٣١
وفي عام ١٩٦٨، يكتب لنا د. علي الراعي التنظير الثالث في عمر الدعوة إلى تأصيل المسرح العربي، وذلك من خلال كتابه «الكوميديا المرتجلة في المسرح المصري»، وفي هذا الكتاب يعرض لما قام به توفيق الحكيم ثمَّ يوسف إدريس من محاولات لتأصيل المسرح العربي، ثمَّ يقول عن دعوته:
… وكخطوة في سبيل البحث عن شكل مسرحي قريب من روحنا، أقدِّم هذه الدراسة لصيغة مسرحية لم أجدها مذكورة في كتب دارسينا، أو على لسان فنَّانينا إلا مشيعة بالازدراء، أو الاستنكار، أو — في القليل — الاستخفاف. تلك هي صيغة المسرح المرتجل كما عرفناه في مصر في السنوات العشرين الأولى من هذا القرن؛ فن ساذج، قليل القيمة الفنية والأدبية، ولكنه — مع هذا — يملك شيئًا لا يملكه المسرح المكتوب؛ ذلك هو عطاؤه الوافر للمتفرج، واحتفاؤه الزائد به، ومنحه الفرصة للفنان المؤدي كي يتحول إلى فنان خالق، ثمَّ بساطته المتناهية وقبوله التمثيل في أقل الأماكن تجهيزًا وبأقل التكاليف … ولكن ما سر كل هذا الاهتمام الذي أبديه بالمسرح المرتجل؟ أهو مجرد الرغبة في الخروج بشيءٍ جديدٍ يُلفِت النظر؟ أم هو شعور بعدم الرضى عن الصيغة المسرحية التي ورثناها عن الغرب، وتيقن بأننا لا ينبغي أن نقف عند حدود هذه الصيغة إذا كنَّا نريد حقًّا أن ننتج شيئًا ذا بال في ميدان التأليف والتمثيل معًا؟٣٢
وهذه الدعوة من قبل د. علي الراعي إلى المسرح الارتجالي لم تلق أي اهتمام عند النقاد٣٣ كاهتمامهم بدعوتي الحكيم وإدريس، ولعل السبب — في رأينا — راجع إلى أن الدعوة إلى المسرح الارتجالي لا تحتاج إلى لفت نظر النقَّاد أو الفنانين إليها؛ لأن الارتجال موجود في مسارحنا ودراساتنا الأدبية والمسرحية، حتى ولو كانت هذه الدراسات تتجه إلى الكوميديا المرتجلة الغربية عمومًا، والكوميديا الإيطالية «كوميديا ديلارتي»٣٤ خصوصًا، فالارتجال المسرحي موجود منذ بداية المسرح العربي الحديث، وقد بدأ هذا الفن — في البيئة العربية — على أيدي «جورج دخول» و«أسعد حلمي»، ثمَّ تطوَّر على أيدي «نجيب الريحاني»، ثمَّ استمر إلى وقتنا الحاضر. ويكفي أن الخروج عن النص في المسرح يعتبر نوعًا من الارتجال، بغض النظر عن كون ذلك جريمة يُعاقب عليها القانون. هذا بخلاف أن الارتجال كان من المحاور الأساسية في دعوتي الحكيم وإدريس، وأمَّا عن قول د. علي الراعي — السابق — فيما يتَّصل بازدراء واستنكار واستخفاف الدراسات الأدبية المسرحية بفن الارتجال في المسرح؛ فنحن نقول: إن هناك دراسات مهمة — للغاية — عن «المسرح الارتجالي» نُشِرت قبل دراسة الدكتور علي الراعي بعامٍ واحد، وقد ذكرت الارتجال والمرتجلين في المسرح بكل تقديرٍ وإجلال.٣٥
وفي عام ١٩٧٠، ينتقل التنظير لتأصيل المسرح العربي من مصر إلى سوريا على يد الكاتب السوري «سعد الله ونوس»، الذي أخرج لنا تنظيرًا في شكل بيانات قال فيه:
… أمَّا الخاصية الأخيرة التي تمتاز بها حركة مسرحية كالتي نُبشِّر بها، فهي كونها عملية تفاعل مستمر بين المسرح وجمهوره. إنها تتعلم من جمهورها كما تُعلِّمه، تأخذ وتعطي في حركة جدلية يغتني محتواها، وتتسع حدودها يوميًّا. ولا شك أننا بذلك نعيد للظاهرة المسرحية … إلهامها الأول، وأصالتها ووجهها الاجتماعي. إن حركة مسرحية تمتاز بهذه الخصائص هي وحدها القادرة على أن تخرج المسرح العربي من تيهه، وهي وحدها التي تستطيع أن تحلَّ ما هو حقيقي من المشاكل، وتتجاوز ما هو زائف منها، تنبع من جمهورنا، تنهل منه وتعطيه وتحاوره، تغتني به وتغنيه، وعندئذٍ يولد مسرح حقيقي … المسرح العربي الذي نريده هو الذي يدرك مهمته المزدوجة هذه: أن يعلِّم ويحفِّز متفرجه، هو المسرح الذي لا يريح المتفرج أو ينفِّس عنه كربته … بل على العكس هو المسرح الذي يقلق ويزيد المتفرج احتقانًا، وفي المدى البعيد يهيئه لمباشرة تغيير القدر …٣٦
ومن الملاحظ أن دعوة سعد الله ونوس إلى خلق مسرح عربي تتمثل في أمرين؛ أولهما: هدم «الجدار الرابع» بين المنصة والجمهور. وهذا الأمر لم يعد جديدًا على المسرح العربي كي نحاول إحياءه من جديد؛ فنعمان عاشور يُعدُّ أول من قام بهدم هذا الجدار في مسرحيته «الناس اللي فوق» عام ١٩٥٧.٣٧ والآخر: الدعوة إلى المسرح السياسي، أو الدعوة إلى مسرح (التسييس). وهذه الدعوة أيضًا لم تعد جديدة على المسرح العربي، بل على العكس تمامًا؛ فهي متأصِّلة في المسرح العربي عمومًا، والمصري خصوصًا٣٨ منذ يعقوب صنوع.٣٩ فمسرح التسييس هو المسرح السياسي، ومحاولة ونوس للفصل بينهما من أجل خلق نوع جديد في المسرح محاولة فاشلة. والشيء الوحيد الذي يُحسب لونوس من حيث التجديد هو اهتمامه بالجمهور؛ ذلك الاهتمام الذي لاقى رواجًا كبيرًا عند النقَّاد،٤٠ فتحت عنوان «مطلوب من المتفرج» يقول سعد الله ونوس:
… ينبغي أن يعي المتفرج أهميته في أي عرض مسرحي … ينبغي أن تنتهي سلبية المتفرج ووضعيته الساكنة حيال الخشبة وما يدور عليها … مطلوب منه أن يتدخل وبصراحة حين يلمح كذبًا، أو يكشف تفاهةً وغشًّا … إذا لم يرَ نفسه على المسرح ليتدخل ويعلِّم الممثلين درسًا عن المجتمع الذي يعيشون فيه، إذا وجد صورته مزيفة ليمنع الاستمرار بعرضها ليوقفها … نعم مطلوب من المتفرج أن يكون واعيًا ووقحًا، وبذلك فقط يمكن أن تتساقط كثيرٌ من التفاهات والأكاذيب، وأن يصبح المسرح نشاطًا اجتماعيًّا وثقافيًّا فعَّالًا.٤١
وفي عام ١٩٨٠، يخرج لنا «عبد الكريم برشيد» المغربي تنظيرًا جديدًا لمسرح عربي جديد٤٢ يقول فيه:
… ومن كل ما قدمنا يمكن أن نخلص إلى الحقائق الأساسية التالية: التركيز على الأصالة يعني الرجوع إلى الذات الجماعية … من أجل تجاوزها وتغييرها. المسرح المستقبلي لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود نظرية فكرية … الحرص على أن يكون التجديد في العمق … إن المسرح … لا يمكن أن يتطور إلا بتطور الواقع العربي، إن المسرح تعبير حر، وإن التعبير الحر لا يمكن أن يتحقق إلا في المجتمع الحر … فعندما نعرف المسرح بأنه احتفال، فإن مبدأ المشاركة يكون حاضرًا … إن الاحتفال حياة … وإن مبدأ المشاركة هذا لا يمكن أن يتم إلا بوجود مجموعة من الشروط الأساسية: أن يعبر الاحتفال المسرحي عن قضايا عامة وشاملة … أن نبني العلاقات «ممثل/جمهور»، «جمهور/جمهور» على أساس الحوار … ألَّا نُعلِّم؛ لأن التعليم يفترض وجود علاقة الأستاذية؛ هذه العلاقة القائمة على التمييز بين المُرسِل والمتلقي، الشيء الذي يجعل مبدأ المشاركة غائبًا … [وتحت عنوان: الاندماج المتصل والاندماج المنفصل، يقول] فتكسير خط الاندماج وتفتيته شرط أساسي للحصول على تمثيل سليم. ويمكن أن نحقق هذا النوع من الاندماج عن طريق الوسائل التالية: تدمير الزمن المسرحي وتفكيكه … نفس الشيء بالنسبة للشخصية … الاستطراد من أجل إدخال بعض القضايا المستجدَّة على الساحة الوطنية … إدخال تعليقات الجمهور في الاحتفال المسرحي والرد عليها بذكاء …٤٣

وهذا التنظير لخلق مسرح عربي أصيل لم يأتِ بجديد سوى بداية الدعوة إلى المسرح الاحتفالي، وأمَّا الحديث عن المسرح السياسي وتحطيم الجدار الرابع والارتجال — كما يُفهم من التنظير — فهي أشياء قد سبق التنظير لها من قبل، وأيضًا الاهتمام بالجمهور وتحديد دوره قد تمثَّل من قبل عند سعد الله ونوس.

ومن حيث الاحتفال يقول عبد الكريم برشيد:
… وقفت كثيرًا عند دعوة الصديقي إلى المسرح الكامل، ودعوة د. علي الراعي إلى الكوميديا المرتجلة، ويوسف إدريس للسامر، وتوفيق الحكيم إلى الراوية/المقلد. لقد وجدت أن هذه الدعوات — بالرغم من اختلافها الظاهر — تنتهي كلها عند حقيقة أساسية واحدة؛ وهي أن المصدر الذي تفرَّعت عنه كل هذه الألوان من الفرجة هو مصدر واحد، وأن هذا المصدر هو الاحتفال … إن الحلقة والبساط والسامر والحكواتي والراوي والمدَّاح هي مظاهر متعددة لشيء واحد. إنها تجليات مختلفة تعكس في حقيقتها جوهر الاحتفال.٤٤
وبمرور الوقت، يزداد عبد الكريم برشيد تمسُّكًا وإيمانًا بالمسرح الاحتفالي، فيحاول تأسيس هذا النوع المسرحي ليخرج به من نطاق المحلية — من دولة المغرب — إلى نطاق الوطن العربي؛ ليخلق مسرح عربي احتفالي، ويقول في هذا التأسيس:
… إننا نعرف أن التأسيس — عربيًّا — له بدايتان اثنتان: البداية الأولى في القرن الماضي، وقد تمَّت مع مارون النقَّاش والقبَّاني ويعقوب صنوع. أمَّا البداية الثانية فتتم معنا وبنا ومن خلالنا نحن/الآن/هنا. وبهذا أمكن أن نقول عن هذا الفعل الجديد بأنه إعادة لفعل التأسيس الأول. إنه تأسيس آخر له مميزاته، وله اختياراته، وله أسسه المنهجية التي يقوم عليها … [ثمَّ يورد خطوات هذا التأسيس؛ وهي] إن مسرحنا الحقيقي يوجد أمامنا وليس خلفنا، وبذلك كان تاريخ هذا المسرح موجودًا في المستقبل أكثر من وجوده في الماضي … إنه تأسيس للمسرح العربي ككل … تأسيس يبدأ من درجة الاحتفال الخام ليصل إلى المسرح العربي الاحتفالي … وإن محاولة فصل المسرح/الفن عن المسرح/المجتمع لا يمكن أن تكون إلا تحريفًا وتزييفًا للمسرح والواقع معًا … إن التأسيس الجديد ينطلق من اﻟ «نحن/الآن/هنا» … إن التأسيس الجديد ينبني على الحوار والبحث والاجتهاد، ينبني على الدخول في فضاء الأسئلة الحارة والمقلقة … للكشف والاكتشاف، والحلم والابتكار، والسؤال وإعادة السؤال، والشك في المتعارف عليه وفي البديهيات … وعندما نؤكد على «الآن» فإن ذلك لا يعني القطيعة مع الماضي؛ وذلك لأن التأسيس الحق لا ينطلق من فراغ؛ إنه امتداد طبيعي لما هو كائن وموجود، وهو امتداد يجدد ولا يكرر … فهو لا يقف عند حد معين؛ حد يمكن أن ينتهي عنده، كما أنه لا يسير نحو محطة محددة لا يمكن أن يتعدَّاها … ضرورة المزاوجة بين (الماضي/الذاكرة) و(المستقبل/الاجتهاد) … وذلك ما حاول المسرح الاحتفالي دائمًا أن يقوم به، سواء في الإبداعات المسرحية، أم في الكتابات النظرية، أو في المقاربات النقدية.٤٥

ويتسم هذا التأسيس بتنميق العبارات، فكل من نادى به عبد الكريم برشيد سابقًا نجده موجودًا في هذا التأسيس؛ فقد قام برشيد باستبدال الألفاظ ووضع مرادفات أخرى لما نادى به قبل كتابته لهذا التأسيس.

ومن الملاحظ أن ما كتبه ونادى به عبد الكريم برشيد لتأصيل الاحتفالية في المسرح العربي لا يختلف كثيرًا عن تنظير «بيان» جماعة المسرح الاحتفالي، والتي تكوَّنت من:
  • عبد الكريم برشيد: مؤلف ناقد.
  • الطيب الصديقي: مخرج ممثل.
  • عبد الرحمن بن زيدان: ناقد مؤلف.
  • محمد الباتولي: مخرج ناقد.
  • عبد الوهاب عيدوبية: مخرج.
  • ثوريا جبران: ممثلة.
وهذه الجماعة قد أصدرت بيانها الأول عام ١٩٧٩، ويُعدُّ هذا البيان تنظير جامع لما قاله ونظَّر له عبد الكريم برشيد من قبلُ، بعد صياغته مرة أخرى من خلال أعضاء الجماعة. ويتكون هذا البيان من خمسة وسبعين نقطة أساسية، وتقول جماعة المسرح الاحتفالي في هذا البيان:
… فقد ارتأينا إصدار البيان الأول للمسرح الاحتفالي، والدفع به إلى الساحة الأدبية ليكون إيذانًا لفتح باب جديد للحوار والجدل والثقافة الهادفة من أجل إرساء قواعد مسرح عربي … وإيمانًا منَّا أيضًا بأن الأسس التي يقوم عليها المسرح العربي حاليًّا هي أسس زائفة ومتخلِّفة؛ لأنها نابعة بالأساس من بيئات زمانية ومكانية مختلفة … إن الجديد لا يمكن أن يقوم إلا على أساس ما هو قديم. وعندما نتأمل خريطة المسرح العربي، فإننا لا نجد غير تجارب هزيلة، سواء من حيث الكم أو الكيف، وهي تجارب لا يمكن أن تشكِّل قديمَ هذا المسرح؛ ومن هنا كانت الاحتفالية تسعى ليس إلى خلق الجديد، ولكن إلى إيجاد الأصيل … إننا نرفض المفهوم الكلاسيكي للعملية الإبداعية؛ أي التمثيل للجمهور، وعوضًا عن هذا فإننا نرفع الشعار التالي: «التمثيل مع الجمهور»؛ فالمسرح في المنظور الاحتفالي هو مؤسسة شعبية؛ مؤسسة يمتلك فيها الشعب وسائل الإنتاج، كما يساهم في الإنتاج عمليًّا ونظريًّا … الاحتفالية تسعى بالأساس إلى خلق مسرح شعبي … إن المسرح الاحتفالي هو مسرح؛ مسرح مفتوح، فلا ستائر ولا حواجز ولا دقَّات تقليدية، كل شيء يُركَّب أمام الجمهور وبمشاركته. إن الاندماج عملية لا تتم في الكواليس؛ لأن الكواليس لا وجود لها في المسرح الاحتفالي، وإنما في حضرة الجمهور، وإن الدور — مثله مثل اللباس — يمكن أن يُلبس أمام أعين الكل … إن الزمن الاحتفالي هو بالضرورة زمن أسطوري؛ وذلك لأنه يتخذ له خطًّا دائريًّا تنتفي فيه نقطة البدء والختام … [و] يمكن للممثل أن يُخطئ وأن يضيع منه الحوار، وأن يضيف بذكاء، وأن يتوقف عن التمثيل أيضًا، وأن يدخل بعض الكلمات الشائعة أو بعض قضايا الساعة. كل هذا كفواصل تشعر الجمهور أنه أمام احتفال يُقام الآن، وليس أمام حدث جاهز …٤٦

ومن الملاحظ — من خلال هذا البيان — أن جماعة المسرح الاحتفالي تسعى لخلق مسرح عربي أصيل. وهذا الخلق لا يتأتَّى — من وجهة نظرهم — إلا من خلال إنكار جهود المسرحيين الأوائل، وأيضًا إنكار المسرح الغربي بكل مقوِّماته وقواعده، ثمَّ تسعى بعد ذلك إلى الدعوة إلى المسرح الارتجالي، على اعتبار أنه شكل من أشكال المسرح الاحتفالي، وكذلك الدعوة إلى السامر الشعبي، وأخيرًا الدعوة إلى هدم وحدة الزمن.

وهذه الدعوة — من وجهة نظرنا — لم تأتِ بجديد، مثلها مثل باقي الدعوات؛ لأنها تحدَّثت عن أشياء تحدَّث بها السابقون، كما مرَّ بنا؛ فقد أخذت أقوال السابقين وأعادت صياغتها مرة أخرى. وهذه الدعوة تشابهت إلى حدٍّ كبيرٍ مع الدعوة إلى مسرح الحكواتي الذي أصدر بيانه الأول في نفس توقيت بيان المسرح الاحتفالي؛ من أجل التأصيل للمسرح العربي، وقد جاء فيه:
… البحث عن قصة أو حكاية شعبية من التراث والتاريخ، هذه القصة تعتمد تحديدًا على معايشة واقع موجود وحقيقي نتعرف إليه بالمعايشة، أو بالمقابلات الشخصية، أو بالتنقيب عن مراجع … إن النص قابل للمراجعة والتعديل قدر الإمكان وفقًا لتفاعل الممثلين والمشاهدين أثناء التمارين … فيتكون التمرين … أساسًا من تأدية ارتجالية جماعية للمشاهد المكتوبة، يليها نقاش بهدف التقديم والتطوير … تحويل رؤية المشاهدين من رؤية سكونية إلى رؤية فاعلة تتيح لهم إمكانية المشاركة المجدية في الممارسة المسرحية … ينطلق مسرح الحكواتي من هذا الأسلوب فيحكي حكاياته الشعبية مباشرة، ويستخدم أدوات مسرحية مبسَّطة ومكشوفة لتجسيد مشاهدها، فيحقِّق بذلك إزالة العازل التقليدي بين خشبة المسرح وكل ما هو خارجه …٤٧
ويتمثَّل التشابُه بين بياني الحكواتي والاحتفالي في الاهتمام بالتراث والعمل الجمعي والاهتمام بالجمهور، من حيث المشاركة، والتأليف الارتجالي، وكسر الإيهام المسرحي، والاحتفال الشعبي التلقائي. وإذا كان العمل الجمعي يُعدُّ من الأساليب المستحدثة لتأصيل المسرح العربي — من وجهة نظر البيانين — فإننا نقول: إن العمل الجمعي كان من الأشياء الأساسية عند المسرحيين الأوائل؛ لأنهم كانوا مكتملين من حيث العمل المسرحي، فمثلًا نجد المؤلف يقوم بالتمثيل وأيضًا بالإخراج، وكذلك المخرج يقوم بالتأليف والتمثيل … وهكذا. وقد أثار بيان جماعة المسرح الاحتفالي، وأيضًا بيان مسرح الحكواتي، العديدَ من المناقشات النقدية؛ تمثلت في أوجه التشابه بينهما، وما يحمله البيانان من قضايا تدور حول التأصيل للمسرح العربي.٤٨
وبعد هذا العرض لمحاولات التأصيل للمسرح العربي، نستطيع أن نقول: إن هناك سمات عامة مشتركة لهذه المحاولات تمثَّلت في الدعوة إلى إحياء وتوظيف التراث، وهي:
  • أولًا: الدعوة إلى إحياء وتوظيف التراث العربي بصفة عامة، والشعبي منه بصفة خاصة، بما فيه من ظواهر شعبية تراثية كانت موجودة في الحياة العربية قبل ظهور المسرح العربي الحديث على أيدي مارون النقَّاش والقباني ويعقوب صنوع، مثل: السامر، والحكواتي، والارتجال المسرحي، والاحتفال؛ أي إن المسرح احتفال شعبي ومهرجان جماهيري عام.
  • ثانيًا: الدعوة إلى خلق مسرح عربي جديد يحمل مقومات مسرحية عربية أصيلة، ويبتعد في ذات الوقت عن مقوِّمات المسرح الغربي. ونحن نقول: إن أصحاب هذه الدعوات وقعوا في وهمٍ كبيرٍ؛ لأنهم تصوروا أن هذه الدعوات ستخلق لهم مسرحًا جديدًا، والواقع يقول: إن هذه الدعوات لم تأتِ بجديد؛ لأنها ظلَّت أسيرة المسرح الغربي. هذا فضلًا على أن الظواهر الشعبية التراثية المراد إحياؤها وتوظيفها هي ظواهر مُستهلكة، وقد سبقهم فيها كثيرون.
  • ثالثًا: لقد أصابت هذه الدعوات قدرًا كبيرًا من النجاح في الجانب التنظيري، بعكس الإخفاق الذي مُنيت به في الجانب التطبيقي.
  • رابعًا: كثرة التنظير وإصدار البيانات خلقت نوعًا من التشابه والتكرار والخلط عند أصحاب هذه الدعوات. هذا فضلًا عن أن اللاحق كان يأخذ من السابق بعض القواعد التنظيرية ويُعيد صياغتها.

وللبحث وجهة نظر في عملية التأصيل للمسرح العربي تتمثل في: أن عملية التأصيل ينبغي أن تسير في تسلسل منطقي يبدأ من دراسة وتقييم التجارب المسرحية العربية منذ ظهورها وحتى الآن، ثمَّ استيعاب وتفهُّم التجارب المسرحية العالمية، ثمَّ الربط والتوثيق بين هذا كله وبين التراث العربي بصفة عامة، وأخيرًا توظيف ذلك لخدمة قضايا العصر. ومن هنا اتجه الإبداع المسرحي وكذلك النقد المسرحي إلى استلهام التراث.

(٣) استلهام التراث

يقول ابن منظور: «الوِرْثُ والوَرْثُ والإرْثُ والورِاثُ والإراثُ والتُّراثُ واحدٌ … والوِرثُ والتُّراثُ والميراثُ: ما وُرِثَ، وقيل: الوِرْثُ والمِيراثُ في المالِ، والإرثُ في الحَسَبِ … [و] التُّراثُ: ما يخلُفُهُ الرَّجلُ لِوَرَثَتِهِ، والتاءُ فيه بدلٌ من الواو.»٤٩
ومن الملاحظ أن المعنى اللغوي لكلمة «التراث» يوحي بالاتصال بين الأجيال ووجود الماضي في الحاضر؛ لذلك اتجه إليه بعض المبدعين في العصر الحديث ليعبِّروا من خلاله عن واقعهم المعاصر، ومن هنا قال الدكتور زكي نجيب محمود:
إن التراث هو ما تصنعه أنت؛ فالتراث كُتُب وفنون وغير ذلك من هذا الجسم المكتوب الموروث، لكنك ستقرؤه لتستخرج منه ما تستطيع بوجهة النظر التي تريدها أنت دون أن يفرض نفسه عليك … أمَّا من حيث أين التراث، فهو في المكتبات، ولك أن تقرأ منه الجانب الذي تريده … فالنص هو ما تقرؤه أنت وليس قالبًا حديديًّا. فإذا واجهتنا اليوم ضروب جديدة من المشكلات، فلا بُدَّ أن أقرأ التراث قراءة تتناسب معها ومع العصر.٥٠

ومن خلال هذا القول، نجد أن مفهوم د. زكي نجيب محمود، للتراث يقف عند حدِّ التراث المكتوب فقط دون التطرُّق إلى التراث الشعبي الشفاهي المنقول إلينا من خلال الأغاني والمواويل والأمثال والحكايات الشعبية.

أمَّا الدكتور حسن حنفي، فيرى أن التراث «هو المنقول إلينا أولًا، والمفهوم لنا ثانيًا، والموجَّه لسلوكنا ثالثًا. ثلاث حلقات يتحول فيها التراث المكتوب إلى تراث حي، يقوم بالحلقة الأولى الشعور التاريخي، وبالحلقة الثانية الشعور التأمُّلي، وبالحلقة الثالثة الشعور العملي».٥١ ومن الملاحظ أن هذا القول، يتفق مع قول د. زكي نجيب محمود، على اعتبار أن التراث هو التراث المكتوب فقط، ولكنهما يتفقان على ضرورة سريان الماضي في الحاضر؛ أي النظر إلى التراث بصورة معاصرة حتى يكتسب دلالات جديدة تعبِّر عن الواقع.

لذلك فالتراث العربي هو ذلك المخزون الثقافي المتنوع والمتوارث من قبل الآباء والأجداد، والمشتمل على القيم الدينية والتاريخية والحضارية والشعبية بما فيها من عادات وتقاليد، سواء كانت هذه القيم مدونة في كتب التراث العتيقة أو مبثوثة بين سطورها، أو متوارثة، أو مكتسبة بمرور الزمن، وبعبارة أكثر وضوحًا: أن التراث هو روح الماضي، وروح الحاضر، وروح المستقبل بالنسبة للإنسان الذي يحيا به، وتموت شخصيته وهويته إذا ابتعد عنه أو فقده؛ لذلك نرى الإنسان — العربي بصفة خاصة — يتمسك بتراثه بصورة أو بأخرى، سواء في أقواله أو أفعاله.

ومن هنا نجد أن الكاتب المسرحي قد شعر بمدى ثراء التراث بما فيه من معطيات، من الممكن أن تمنح عمله الإبداعي طاقات ودلالات تعبيرية لا حصر لها؛ لأن معطيات التراث لها كثير من التقديس والتبجيل في نفوس الأمة، والكاتب المسرحي عندما يقوم بتوظيف التراث يقوم في الوقت نفسه بإثارة وجدان الأمة؛ لِما للتراث من حضور حي ودائم في وجدانها. وهناك أربعة أسباب — من وجهة نظر البحث — جعلت الكاتب المسرحي يهتم بالتراث، ويقوم بتوظيفه في إبداعه المسرحي. وهذه الأسباب هي:
  • أولًا: «الفخر بمآثر العرب وتاريخهم»، وهذا السبب غالبًا ما يأتي عندما يشعر الكاتب بعدم تقدُّم الأمة العربية أمام تقدُّم العالم من حوله، فيجد الخلاص من ذلك في تمجيده لفترات الازدهار في التاريخ العربي والإسلامي. ويقول في ذلك الدكتور محمد يوسف نجم: «اتجهت عواطف بعض الكتَّاب في القرن الماضي ومطلع هذا القرن نحو التاريخ العربي يستوحون بعض المواقف القومية التي تدعو إلى الفخر والاعتزاز، وتثير في النفوس الحمية والأنفة، وذلك لأسباب قومية وسياسية واجتماعية؛ منها استفحال ظلم العثمانيين في البلدان العربية، وطغيان المستعمرين في البعض الآخر، ثمَّ تأخُّر الشعوب عامة عن موكب الحضارة الحديثة.»٥٢
  • ثانيًا: «الوقوف أمام المستعمر»، لقد حاول الاستعمار الأجنبي — وقت احتلاله لنا — أن يطمس الشخصية العربية بصفة عامة، والشخصية المصرية بصفة خاصة، وما كان أمام الكاتب المسرحي سوى أن يتمسَّك بشخصيته العربية أمام المستعمر.٥٣
  • ثالثًا: «التمسك بالهوية القومية العربية»، وهذا السبب يُعدُّ من أهم الأسباب التي شغلت فكر الكاتب المسرحي، وكان غالبًا ما يتمسَّك به ويُظهره في إبداعه بعد الهزَّات الكبرى التي تتعرض لها الأمة العربية، والتي من شأنها أن تضعف الكيان العربي، ويخيِّم عليه الإحساس بالإحباط والضياع؛ لذلك نجد الكاتب المسرحي يلجأ بل يهرع إلى التراث كي يستمد منه الشعور المعاكس لما يشعر به من إحباط وضياع، عن طريق فترات الازدهار والانتصار العربي في تراثه، ويقول في ذلك د. علي عشري زايد: «يمكن أن ندرك لماذا شاعت ظاهرة استخدام الشخصيات التراثية بعد هزيمة ١٩٦٧ المنكرة، بشكل لم يعرف من قبل في تاريخ شعرنا؛ فقد أحسَّ الشاعر المعاصر أن هذه الهزيمة قد عصفت بكيانه القومي أكثر مما عصفت به نكبة ١٩٤٨ ذاتها، ومن ثمَّ ازداد تشبُّثه بجذوره القومية، يحاول أن يتكئ عليها لتمنحه بعض التماسك أمام تلك الهزَّة العنيفة التي تعرَّض لها كيانه القومي، أو تمنحه — في الأقل — بعض العزاء».٥٤
    ومن ذلك نجد أن الكاتب المسرحي — كالشاعر — أراد بارتباطه بالتراث، وخصوصًا في فترات الازدهار، أن يحفظ للأمة العربية قوميتها وهويتها ووحدتها؛ لأن العرب في هذه الفترات — أي بعد الهزائم — كانوا في أشد الحاجة إلى ما يذكِّرهم بمآثر الآباء والأجداد، حتى يستمدُّوا منها المنطلق الجديد لحياتهم، والبعد عن الإحباط والانكسار، وعودة الثقة بالنفس العربية؛ كي يبنوا أنفسهم مرة أخرى.٥٥
  • رابعًا: «محاولات التأصيل للمسرح العربي»، لقد أراد الكاتب المسرحي العربي أن يحطِّم قيود المسرح الغربي، سواء من حيث الشكل أو المضمون، تلك القيود التي تجذبه وتقيِّده؛ حتى يقنع نفسه بأن التراث العربي — وبالأخص الشعبي منه — يحمل في جوانبه ذلك الشكل أو المضمون للمسرح الغربي؛ لذلك أخذ يبحث وينقِّب ويُجهِد نفسه في استخراج هذه القواعد العربية الأصيلة للمسرح العربي — من وجهة نظره — بل وطبَّق هذه القواعد على أعماله بعد أن قام بالتنظير لها أوَّلًا. وهذا ما فعله «يوسف إدريس» من حيث التنظير في مقالاته الثلاث «نحو مسرح مصري»، ومن حيث التطبيق في مسرحيته «الفرافير». ومحاولة يوسف إدريس هذه شجَّعت حركات ودعوات أخرى لتأصيل المسرح العربي، سواء في مصر أو في العالم العربي.

وإذا كان حديثنا السابق اتَّجه نحو أسباب اهتمام الكاتب المسرحي بالتراث العربي وتوظيفه لذلك التراث في إبداعه المسرحي؛ فنحن هنا بصدد محاولة وضع بعض الشروط — من وجهة نظر الباحث — الواجب توافرها في العمل المسرحي المتأثِّر بالتراث، التي تتمثل في:

أوَّلًا: عدم تبجيل التراث

يفضَّل بالنسبة للكاتب المسرحي عند توظيفه للتراث أن يبتعد عن تبجيل التراث على إطلاقه، وإلا أصبح أسيرًا لكل ما هو قديم؛ فقد قال صلاح عبد الصبور ﺑ «ضرورة أن يرتدي التراث برقع الحداثة، بمعنى خلع طابع القداسة عن التراث.»٥٦ لأن التراث ليس مجموعة ثابتة أو متحجِّرة من الحقائق التاريخية، أو العادات والتقاليد الشعبية، بل هو مجرد تصوُّرات ووجهات نظر لمن دوَّنه حسب موقفه من الملمح التراثي الذي كان في البداية ظاهرة فردية، ثمَّ أصبح ظاهرة جماعية بمرور الوقت، والتراث مستمر معنا إلى الآن بصورة أو بأخرى، وغالبًا ما يختلف من زمن إلى آخر؛ فالتراث يتشكل في كل فترة زمنية عن الأخرى، ونظرة الإنسان له تختلف، ووجهات النظر تتفاعل معه بالأخذ والعطاء، ومن هنا يقول د. حسن حنفي:
ليس التراث قضية فخر واعتزاز بالماضي بما تركه الآباء والأجداد؛ لأن الاعتزاز بالماضي إسقاط من الحاضر عليه، بمعنى أنه تعويض عن قصور جيلنا بالهروب إلى الماضي، وتخلٍّ عن معارك العصر، كما أن الاعتزاز بالماضي انصياع للعواطف القومية المعاصرة التي تقوم على بعث النعرة القومية التي تسرَّبت إلينا من مسار الحضارة الغربية في القرن الماضي. الاعتزاز بالماضي استسلام للنزعة الخطابية السائدة في عصرنا، والتي تغطي الواقع بسيلٍ من الخطب الحماسية، وفي غياب العقل يسود الانفعال.٥٧
ولعل نظرة المبدع العربي — وخصوصًا الشاعر — قديمًا إلى تبجيل التراث جعلت الأدب العربي يخلو من أدب القصة والمسرح، وفي ذلك يقول د. زكي نجيب محمود:
ولعل شيوع الحكمة في الشعر العربي أن يكون دالًّا على تلك الخاصة المميزة التي أشرنا إليها، وهي نزوع العقل العربي نحو إدراك الحقيقة في صورتها المجردة العامة، حتى ولو لم يكن قد صادف لها في دنيا الكائنات الجزئية أفرادًا تؤيِّد صوابها. ومن ناحية أخرى نقول كذلك: إن نزوع العقل العربي نحو ما هو مجرد يدركه بلمعة مباشرة لا استخلاصًا من أمثلة فردية، قد جرَّ وراءه نتيجة أخرى في الأدب العربي القديم، وهي خلوه من أدب القصة وأدب المسرح. لماذا؟ لأن هذا الأدب إنما يرتكز أساسًا على تصوير اللحظات الجزئية متمثلة في سلوك الأفراد وفي خاطرات الوجدان. فإذا لم تكن الجزئيات المفردة من أحداث ومن أشخاص تسترعي انتباه الأديب انصرافًا منه إلى ما هو مجرد وعام، سقط من حسابه — بالتالي — أدب القصة والمسرح.٥٨

وبناء على ذلك، رغم وجود تفسيرات عديدة لوجود أو خلو الأدب العربي من الأدب المسرحي، نستطيع أن نقول: إن الكاتب المسرحي المعاصر استطاع أن يجد في التراث العربي هذه اللحظة الجزئية المتمثلة في سلوك الأفراد — على حد قول د. زكي نجيب محمود — واستطاع أن يفسِّر التراث ويوظِّفه بصورة أقرب إلى الأفضل مما هو عليه في الكتب والمعتقدات، عندما ابتعد عن تبجيل التراث.

ثانيًا: القدرة على الانتقاء من التراث

«إن التراث لا يمتلك قيمة مطلقة في ذاته، ولكن ما يحدد قيمته — بالنسبة لنا — هو متطلبات المرحلة التاريخية الراهنة، بكل ما تنطوي عليه هذه المتطلبات من معنى.»٥٩ وبعبارة أكثر وضوحًا بالنسبة للكاتب المسرحي: من الأفضل أن يبحث ثمَّ ينتقي من التراث ما هو ملائم لمشكلات حاضره؛ حتى يستطيع أن يتعامل مع هذه المشكلات من خلال هذا الانتقاء التراثي. ومن الواضح أن حرية الانتقاء مكفولة للكاتب، فمن الممكن أن ينتقي الفترات المزدهرة في تاريخ التراث العربي. وهذا ما قام به «محمود تيمور» في مسرحيته «طارق الأندلس»، وكذلك «عزيز أباظة» في مسرحيته «الناصر». ومن الممكن أن ينتقي عكس ذلك؛ أي فترات الضعف والانحلال. وقد قام بهذا الانتقاء «أحمد شوقي» في مسرحيته «أميرة الأندلس»، وأيضًا «عزيز أباظة» في مسرحيته «غروب الأندلس»، وكذلك من الممكن أن ينتقي الكاتب الشخصيات الهامة، كما فعل «عبد الرحمن الشرقاوي» في مسرحيته «ثأر الله» بجزأيها «الحسين ثائرًا» و«الحسين شهيدًا»، وكذلك «صلاح عبد الصبور» في مسرحيته «مأساة الحلاج»، وكذلك «أحمد شوقي» في مسرحيته «مجنون ليلى». ومن الممكن أن ينتقي الكاتب الشخصيات الثانوية في التاريخ كما فعل «عزيز أباظة» في مسرحيته «العباسة»، وكذلك «د. فوزي فهمي أحمد» في مسرحيته «لعبة السلطان»، ومن الممكن أن ينتقي الكاتب الشخصيات النمطية كما فعل «يوسف إدريس» في مسرحيته «الفرافير». ومن الثابت أن قيمة التراث المجرَّدة تكمن في تدوينه، وبذلك أصبح ميراثًا للأجيال خلفه لنا الآباء والأجداد. أمَّا قيمة التراث الجمالية والفنية، فتكمن في حسن التوظيف وطريقة المعالجة والتعامل معه من قبل الكاتب.

ثالثًا: المرونة في التعامل مع التراث

«إن المبدع المسرحي الذي يعي دور التراث وعيًا نقديًّا هو الذي يفجِّر ما في هذا التراث من دلالات إيحائية، ويكشف ما فيه من طاقات متفجِّرة قادرة على التجديد والاستمرار.»٦٠ وتتحقق هذه المقولة من خلال حرية الكاتب المسرحي في تعامله مع الظواهر التراثية المنتقاة؛ لأن الكاتب يستطيع أن يضيف بعض الجوانب المهملة في التراث للشخصية التراثية. وهذا ما فعله «محمود تيمور» في مسرحيته «طارق الأندلس» بالنسبة لشخصية «طارق بن زياد». ومن الممكن للكاتب المسرحي أن يخلق شخصيات تراثية لم يكن لها وجود حقيقي في التاريخ، وينشأ بينها وبين الشخصيات الحقيقية التراثية علاقات لا وجود لها في الأصل التراثي. وهذا ما قام به «أحمد شوقي» في مسرحيته «أميرة الأندلس» عندما خلق شخصية «حسون». ومن الممكن للكاتب أن يقوم بتفسير بعض الظواهر والأحداث التراثية بصورة تخالف الواقع التراثي من أجل إثبات فكرة معيَّنة، أو من أجل إثبات وجهة نظره في هذه الظواهر أو الأحداث، وهذا ما قام به «عزيز أباظة» في مسرحيته «العباسة»، وكذلك «د. فوزي فهمي أحمد» في مسرحيته «لعبة السلطان»، عندما قام كل منهما بتفسير «نكبة البرامكة». ومن هنا نجد أن الكاتب المسرحي يختلف عن المؤرِّخ الذي يتمسك بحرفية التاريخ وصدق الأحداث؛ لأن القواعد الفنية هي التي تتحكم في العمل المسرحي لا القواعد التاريخية.

رابعًا: التوظيف الرمزي للتراث

أحيانًا يمرُّ الكاتب المسرحي بفترات عصيبة في حياته، مثل الوقوع تحت مؤثِّر ما خارجي، أو ضغوط اجتماعية أو سياسية من قبل مجتمعه؛ لذلك يبتعد الكاتب عن التعبير المباشر في كتاباته إلى طرق أخرى — مشروعة في الكتابات الإبداعية — كي يعبِّر بها عما يريده. ومن هذه الطرق «الرمز» أو «القناع» أو «المعادل الموضوعي» الذي يقول عنه «إليوت»: «الطريق الوحيد للتعبير عن الانفعال في صورة فنية هو العثور على معادل موضوعي، وبعبارة أخرى: على مجموعة من الأشياء، أو على سلسلة من الأحداث تكون بمثابة صورة للانفعال الخاص، بحيث متى استوفيت الحقائق الخارجية التي يجب أن تنتهي إلى تجربة حسية؛ فإن الانفعال يثار إثارة مباشرة.»٦١ ومن خلال هذه الطرق، يستطيع الكاتب أن يعبِّر عن آرائه وأفكاره، وقدرة الكاتب — هنا — تتمثَّل في حسن اختيار الطريقة التي يعبِّر من خلالها عن غرضه، بشرط أن يكون لهذا الغرض كيان تاريخي وتراثي عند المتلقي؛ حتى لا يحدث انفصال بين الرمز وبين المرموز له، وذلك ما قام به «محمود تيمور» في مسرحيته «طارق الأندلس»، وكذلك «أحمد شوقي» في مسرحيته «أميرة الأندلس».

خامسًا: الأصالة والمعاصرة بين التراث والواقع

من الملاحظ أن النهضة الأدبية الحديثة بدأت مع مطلع القرن التاسع عشر، وكانت تعتمد على أمرين؛ أولهما: الاتصال أو التمسك بماضينا الحضاري العريق عن طريق إحياء التراث العربي القديم، والآخر: الاتصال بالحضارة الغربية الحديثة. ومن هنا أفرزت لنا هذه النهضة مدارس الشعر المعروفة، والتي بدأت ﺑ «مدرسة الإحياء أو البعث» لرائدها «محمود سامي البارودي ١٨٤٠–١٩٠٤». ومن الملاحظ أن الاهتمام في هذه الفترة كان متَّجهًا نحو الشعر وحده دون غيره من فنون الأدب الأخرى، ولا سيَّما الأدب المسرحي؛٦٢ لأن الشعر كان أسبق منه بقرون طويلة. أمَّا الآن وقد أصبح للأدب المسرحي مكانة عظيمة، فمن حقِّه علينا أن نهتم به، وننشئ له مدرسة إحياء وبعث أيضًا. وهذا الإحياء والبعث يعتمد على ما اعتمدت عليه النهضة الأدبية الحديثة، أي على الأصالة والمعاصرة؛ لأن الأصالة الحقيقية تكمن في قلب المعاصرة دون أن تتنكر للماضي، ومقياسها الحقيقي هو أن تعرف كيف تبتكر حلولًا صادقة وملائمة لمشكلاتك التي تعيشها في عصرك، مستعينًا بكل ما تحمله من خبرات ماضيك دون أن تخدع نفسك أو تغالطها، أو تنقل عن الآخرين بغير وعي بالاختلاف بين ظروفك وظروفهم.»٦٣ لذلك وجدنا في الآونة الأخيرة اهتمامًا بالتراث من قبل بعض المحافل الأدبية والثقافية، وأُقيمت له بعض الندوات والمؤتمرات؛٦٤ لأن التراث ليس قيمة مطلقة في ذاته. أمَّا قيمته الحقيقية فتكمن في مدى ما يُعطي للمبدع من وجهات نظر لتفسير الواقع، والعمل على تطوره واستمراره؛ أي إن علاقة المبدع بالتراث قابلة للتغيير والتجديد وفقًا لاستجابة التراث لمتغيرات العصر؛ لذلك يقول د. عز الدين إسماعيل: «الأمر — في ظنِّي — يعتمد أولًا وأخيرًا على مدى وعي المثقف بتراثه من جهة، وعلى وعيه بدوره التاريخي من جهة أخرى، وإلى هذا الوعي تعود كل الفعاليات التي تحدد عطاء المثقف أو جماعة المثقفين في حقبة من الزمن. الوعي إذن بالتراث والوعي بالدور التاريخي هما القدمان اللتان يمشي بهما التراث، واللتان تقودان خطواته وتوجهاتها، ولا يمكن أن تتحقق مسيرة بقدم واحدة.»٦٥
ومن الجدير بالذكر أن تعامل الكاتب المسرحي مع التراث مرَّ بمراحلَ عديدةٍ، وقد اهتمَّ بعض الباحثين بهذه المراحل في كتاباتهم النقدية، وهم على سبيل المثال: د. علي عشري زايد في دراسته «استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر»، ود. عز الدين إسماعيل في مقاله «توظيف التراث في المسرح»، ود. نهاد صليحة في دراستها «المسرح بين الفن والفكر».٦٦
ود. علي عشري زايد يُقسِّم مراحل هذا التعامل إلى قسمين أساسيين؛ أولهما: مرحلة «التعبير عن التراث» أو تسجيله؛ حيث اقتصر جهد المبدع على تصوير التراث كما هو دون إضافة أو تفسير، والآخر: مرحلة «التعبير بالموروث» أو توظيفه. والمبدع في هذه المرحلة تجاوز المرحلة الأولى؛ حيث استخدم العناصر التراثية استخدامًا فنيًّا من حيث التعبير عن هموم العصر وقضاياه، وذلك بعد تأويل العناصر التراثية تأويلًا معاصرًا، بعد تجريدها من دلالاتها الوقتية في الماضي، والتي لا تصلح للتعبير عن الحاضر بصورتها الغابرة.٦٧
وهذا التقسيم من قبل الباحث يُعدُّ مقبولًا من حيث التنظير والتطبيق في مرحلته الأولى. أمَّا المرحلة الثانية فكان من الممكن تقسيمها تقسيمات أخرى، وبصورة أفضل؛ ليوضِّح لنا الباحث كيفية التعبير بالموروث أو توظيفه كما قال؛ لأن هذه المرحلة هي أخصب مرحلة من حيث التعامل مع التراث، ولعل د. عز الدين إسماعيل فطن لأهمية مراحل ارتباط المبدع — وبالأخص المبدع المسرحي — بالتراث أكثر من سابقه، فجاءت منه تقسيمات عديدة أكثر وضوحًا من الناحية التنظيرية مع التقصير — بعض الشيء — في الناحية التطبيقية، فنجده يرسم رسمًا تخطيطيًّا مكوَّنًا من ست تقسيمات توضح ارتباط الكاتب المسرحي بالتراث، وهي على الترتيب: «الاستغراق في التراث»، ثمَّ «استعادة التراث مع بعض الإضافة»، ثمَّ «الاستعادة مع التفجير»، ثمَّ «الاستلهام الموضوعي عن بُعد»، ثمَّ «الاستلهام الجمالي شكلًا وموضوعًا»، وأخيرًا «المواجهة».٦٨
وعلى غير المتوقع تأتي الدراسة التطبيقية بعد ذلك على التقسيمين الأولين فقط؛ وهما: «الاستغراق في التراث» و«استعادة التراث مع بعض الإضافة»، دون التطرق إلى باقي التقسيمات الأخرى. ولعل ظروفًا حالت دون ذلك.٦٩
أمَّا د. نهاد صليحة فقد مرَّ المسرح المصري عندها في علاقته بالتراث بثلاث مراحل، أطلقت على المرحلة الأول اسم «مرحلة التمجيد» أو «المرحلة الملحمية»، وذلك عن طريق إبراز البطولات الفردية من جانب كتَّاب المسرح الذين يتعرَّضون لحياة وبطولات الشخصيات التاريخية والتراثية، بشرط الحفاظ على القيم المرتبطة بهم بصورة تقليدية، فجاءت أعمالهم بصورة ملحمية، وأطلقت على المرحلة الثانية اسم «المرحلة التراجيدية»، والتي حوَّل فيها كُتَّاب المسرح المصري التراجيديا إلى جدل بين المنظور الفكري الفردي والمنظور الفكري الجماعي؛ وذلك لطرح رؤية جديدة في معنى التراث يجسِّدها البطل التراجيدي. وأخيرًا تأتي المرحلة الثالثة، والتي أطلقت عليها اسم «مرحلة الوعي النقدي والتوعية النقدية المباشرة بالتراث»، والأعمال المسرحية في هذه المرحلة تتعمد طرح فكرة أو أسطورة «المخلص» في أثواب متعددة بعيدة عن الإطار التراجيدي التقليدي لتثبت فشلها. والبطل في هذه المرحلة هو البطل النقيض، وكتَّاب هذه المرحلة هم أتباع الواقعية الاجتماعية.٧٠

ومن الملاحظ أن مراحل التعامل مع التراث عند الباحثين الثلاثة تشترك في تنظير وتطبيق بداية تعامل المبدع مع التراث، من حيث التسجيل والاستغراق في التراث أو تمجيده، ولكن الاختلاف بينهم جاء بعد ذلك في المراحل المتوسطة، فلكل منهم وجهة نظره في التعامل مع التراث في هذه المراحل، وله أيضًا دلائله وشواهده المستخلصة من الأعمال الإبداعية. وأخيرًا يشتركون في نهاية مراحل هذا التعامل، والمتمثلة في «التعبير بالموروث» أو توظيفه عند د. علي عشري زايد، أو «المواجهة» عند د. عز الدين إسماعيل، أو «مرحلة الوعي» عند د. نهاد صليحة. وهذا الاشتراك أو الاتفاق يحمل بين جوانبه اختلافًا هامًّا، وهو أن كلًّا منهم له وجهة نظره الخاصة بتوظيف التراث عند المبدع في وقتنا الحاضر. وبعبارة أخرى، إن كلًّا منهم حاول أن يضع بعض القواعد التنظيرية كي يسير عليها المبدع في تعامله مع التراث، على اعتبار أنها القواعد المستخلصة من الجهد النقدي والتطبيقي له، فهي عند د. علي عشري زايد استخدام التراث للتعبير عن هموم العصر، وعند د. عز الدين إسماعيل المواجهة — مع ملاحظة عدم تفسيره لهذه المواجهة — وعند د. نهاد صليحة الواقعية الاجتماعية، المتمثلة في محاولات التأصيل للمسرح العربي.

والبحث يرى أن هذه الدراسات الثلاث قد نجحت في جانبها التنظيري أكثر من نجاحها في الجانب التطبيقي، وهذا القصور من الممكن تبريره؛ فدراسة د. علي عشري زايد كانت موجَّهة في المقام الأول نحو دراسة الشعر العربي المعاصر بما فيه من مسرحيات شعرية،٧١ أمَّا مقال د. عز الدين إسماعيل، فقد اعتمد فيه — من خلال التطبيق — على عيِّنة من المسرحيات قال عنها: «في حدود ما بين يدي هذه الدراسة من مسرحيات تزيد قليلًا على ثلاثين مسرحية — وهي عينة معقولة نسبيًّا — يمكننا أن نحدِّد شكلين عامِّين للمسرحية المرتبطة بالتراث.»٧٢ وبقسمة هذا العدد من المسرحيات على عدد صفحات الدراسة،٧٣ سنجد أن المسرحية الواحدة تشغل أقل من صفحة واحدة. هذا بالإضافة إلى اعتماده على مرحلتين فقط من مراحل التعامل مع التراث. أما دراسة د. نهاد صليحة، فقد اعتمدت فيها على أربع مسرحيات فقط، وهو عدد قليل نسبيًّا كتطبيق على مراحل التعامل مع التراث.٧٤ ولعل هذا التحديد أو القصور من حيث الجانب التطبيقي لهذه الدراسات كان السبب الرئيسي والمباشر لاختيارنا هذا الموضوع، والاهتمام فيه بالجانب التطبيقي على عيِّنات من المسرحيات؛ لبيان أثر التراث العربي فيها، وقدرة الكاتب المسرحي على توظيف ذلك التراث.
١  راجع: إتيين دريوتون، «المسرح المصري القديم»، ترجمة: د. ثروت عكاشة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط٢، ١٩٨٨، ص٣٣–١٥٠.
٢  السابق، ص٥٠.
٣  انظر: السابق، ص٥١.
٤  إدنا مجوير، «الماضي يُبعث حيًّا»، ترجمة: إبراهيم زكي خورشيد، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٥٣، ص٣٥–٣٧، ٤٤.
٥  وهم على سبيل المثال وحسب الترتيب الزمني لأبحاثهم: د. عمر الدسوقي، «المسرحية نشأتها وتاريخها وأصولها»، مكتبة الأنجلو المصرية، ط١، ١٩٥٤، ص١١، وكذلك د. محمد مندور، «المسرح الحديث وسلسلة التطورات السابقة»، مجلة «المجلة»، عدد ٧، يوليو ١٩٥٧، ص١٠٢، وكذلك عبد الرحمن صدقي، «مولد المسرح على أعتاب المعبد … مصر تسبق اليونان»، مجلة «المجلة»، عدد ١٥، مارس ١٩٥٨، ص٧٣، وكذلك د. سمير سرحان، «تاريخ الدراما … البدايات الأولى … الكاهن يؤلِّف للمسرح»، مجلة «المسرح»، عدد ١٣، يناير ١٩٦٥، ص٦٥، وكذلك رشدي صالح، «المسرح العربي»، مطبوعات الجديد، عدد ٤، يونيو ١٩٧٢، ص١٠، وكذلك د. علي إبراهيم أبو زيد، تمثيليات خيال الظل، دار المعارف، ط٢، ١٩٨٣، ص١٣–١٧، وكذلك د. عبد المعطي شعراوي، «ملاحظات حول العرب والمسرح»، مجلة «المسرح»، عدد ٢٤، يوليو ١٩٨٤، ص٤٧ (ثمَّ أعاد نشر هذا المقال في كتابه «المسرح المصري المعاصر أصله وبداياته»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٦، ص١٠–٢٣).
٦  راجع: عمر أبو النصر، «تاريخ الأمة العربية»، المجلد الأول، «قصة العرب قبل الإسلام»، مكتب عمر أبو النصر للتأليف والترجمة والصحافة، بيروت، ١٩٧٠، ص٢٠٨-٢٠٩، وانظر كذلك: د. علي الراعي، «المسرح عند العرب قديمًا»، مجلة «العربي» الكويتية، عدد ٢٢٥، أغسطس ١٩٧٧ (وقد نشر هذا المقال بعد ذلك ضمن كتاب «المسرح في الوطن العربي»، سلسلة «عالم المعرفة»، عدد ٢٥، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يناير ١٩٨٠، ص١١، ثمَّ نُشِر — للمرة الثالثة — في كتاب العربي تحت عنوان «المسرح العربي بين النقل والتأصيل»، عدد ١٨، يناير ١٩٨٨، ص١٣–٣١)، وانظر كذلك: د. عمر محمد الطالب، «ملامح المسرحية العربية الإسلامية»، منشورات دار الآفاق الجديدة، المغرب، ط١، ١٩٨٧، ص٥٧.
٧  محمود سليم الحوت، «في طريق الميثولوجيا عند العرب» (بحث مسهب في المعتقدات والأساطير العربية قبل الإسلام)، دار النهار للنشر، بيروت، ط٢، ١٩٧٩، ص١٥٧.
٨  انظر في ذلك: د. سلمان قطاية، «المسرح العربي السوري … من أين؟ وإلى أين؟» مجلة «المعرفة» السورية، عدد ١٠٤، أكتوبر ١٩٧٠، ص٦٩-٧٠. وكذلك منذر شعار، «ملامح مسرحية في النصوص القديمة»، مجلة «الأدباء العرب»، عدد ٨، أكتوبر ١٩٧٢، ص١٠، وكذلك تمارا ألكساندروفنا بوتينتسيفا، «ألف عام وعام على المسرح العربي»، دار الفارابي، بيروت، ط٢، ١٩٩٠، ص٤٩ (وكانت الطبعة الأولى عام ١٩٨١)، وكذلك د. علي إبراهيم أبو زيد، السابق، ص١٩-٢٠، وكذلك د. عبد الفتاح قلعه جي، «نحو مشروع آخر في المسرح العربي»، مجلة «الفكر العربي» اللبنانية، عدد ٦٩، يوليو وأغسطس وسبتمبر ١٩٩٣، ص٥٨–٦٠.
٩  انظر في ذلك: د. عمر الدسوقي، السابق، ص١٢، وكذلك عبد الله العيوطي، «بدايات المسرح العربي … مسرح خيال الظل»، مجلة «المسرح»، عدد ١٣، ديسمبر ١٩٦٤، ص٢٣، وكذلك عمر أبو النصر، السابق، ص٣٠٩-٣١٠، وكذلك د. سلمان قطاية، السابق، ص٧٠، وكذلك محمد عزيزة، «الإسلام والمسرح»، ترجمة: د. رفيق الصبان، كتاب الهلال، يناير ١٩٧١، ص٤٢–١٣٧، وكذلك تمارا ألكساندروفنا بوتينتسيفا، السابق، ص٤٢، وكذلك د. عبد العزيز حمودة، «المسرح العربي والبحث عن الهوية»، مجلة «المسرح»، عدد ١٠، سبتمبر ١٩٨٩، ص٥، وكذلك د. جواد الأسدي، «تكهُّنات في تأصيل المسرح»، مجلة «الفكر العربي»، العدد السابق، ص٢٢–٣٨.
١٠  انظر على سبيل المثال: د. سلمان قطاية، السابق، ص٦٤–٦٨، وكذلك تمارا ألكساندروفنا بوتينتسيفا، السابق، ص٥٨، وكذلك د. عبد الله قلعه جي، السابق، ص٦١–٦٤.
١١  د. سلمان قطاية، السابق، ٧٠.
١٢  انظر: محمود تيمور، «بواكير المسرح العربي»، مجلة «المسرح»، عدد ٢٩، مايو ١٩٦٦، ص١١.
١٣  انظر: د. علي الراعي، «المسرح في الوطن العربي»، السابق، ص١٢–١٧.
١٤  انظر: د. علي إبراهيم أبو زيد، السابق، ص٢٣.
١٥  انظر: د. عمر محمد الطالب، السابق، ص٥٨–٧٢.
١٦  انظر: د. عبد الفتاح قلعه جي، السابق، ص٦٥–٧٦.
١٧  انظر ذلك في: د. عمر الدسوقي، السابق، ص١٢، وكذلك د. محمد مندور، «المسرح»، دار المعارف، ١٩٥٩، ص٢٠–٢٦، وكذلك د. محمد غنيمي هلال، «الأدب المقارن»، دار العودة، بيروت، ط٥، ١٩٨١، ص١٧٠ (وكانت الطبعة الأولى لهذا الكتاب عام ١٩٦٢)، وكذلك عبد الله العيوطي، السابق، ص٣٤، وكذلك محمد إسماعيل محمد، «المسرح في العالم العربي»، مجلة «المسرح»، عدد ١٩، يوليو ١٩٦٥، ص٨٣، وكذلك محمود تيمور، السابق، ص١١، وكذلك يعقوب لنداو، «دراسات في المسرح والسينما عند العرب»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٦٩، ص٣٨، وكذلك رشدي صالح، السابق، ص٣٠-٣١، وكذلك د. علي الراعي، السابق، ص١١–٢٩، وكذلك تمارا ألكساندروفنا بوتينتسيفا، السابق، ص٨١، وكذلك د. علي إبراهيم أبو زيد، السابق، مواضع متفرقة، وكذلك د. إبراهيم عبد الرحمن، «الأدب المقارن بين النظرية والتطبيق»، مكتبة الشباب، ١٩٨٤، ص٢٠٥–٢١٣، وكذلك د. عمر محمد الطالب، السابق، ص١١٧–١٢٣، وكذلك د. عبد العزيز حمودة، السابق، ص٥.
١٨  انظر لهذه الإجابات في: توفيق الحكيم، مقدمة مسرحية «الملك أوديب» (كُتِبت عام ١٩٤٩)، مكتبة الآداب، د.ت، ص١٦–٣٤، وكذلك: «لماذا لم يعرف الأدب العربي المسرح؟» مجلة «المجلة»، عدد ١١١، مارس ١٩٦٦، ص١٣–٣٢ (وهي دراسة اشترك فيها وقال رأيه كل من: د. طه حسين، وتوفيق الحكيم، وأحمد حسن الزيات، وأمين الخولي، ومحمود تيمور، وزكي طليمات، ود. سهير القلماوي، ود. لويس عوض، وعبد الرحمن صدقي، ود. أحمد الحوفي، وعلي أحمد باكثير، ود. عز الدين إسماعيل)، وكذلك محمد عزيزة، السابق، ص١١–١٧، وكذلك د. شكري عياد، «الأدب العربي والمسرح»، مجلة «الأدباء العرب»، العدد السابق، ص١٩، وكذلك رشدي صالح، السابق، ص١٦، وكذلك د. إبراهيم عبد الرحمن، السابق، ص١٩٦–٢٠٥، وكذلك د. عبد المعطي شعراوي، السابق، ص٣٨.
١٩  انظر في ذلك: د. محمد مندور، السابق، ص٢٧، وكذلك د. محمد غنيمي هلال، السابق، ص١٦٩، وكذلك زكي طليمات، «هل بدأ المسرح العربي بداية خاطئة؟» مجلة «المجلة»، عدد ١٢١، يناير ١٩٦٧، ص٥٧، وكذلك علي أحمد باكثير (توفي عام ١٩٦٩)، «فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية»، مكتبة مصر، ط٣، ١٩٨٥، ص٢٤، وكذلك سعد الدين حسن دغمان، «الأصول التاريخية لنشأة الدراما في الأدب العربي»، منشورات جامعة بيروت العربية، ١٩٧٣، ص٣، وكذلك د. عبد المعطي شعراوي، السابق، ص٣٨.
٢٠  توفيق الحكيم، بيان مسرحية «الصفقة» (كُتِبت عام ١٩٥٦)، مكتبة الآداب، د.ت، ص١٥٧-١٥٨.
ومن الجدير بالذكر أن توفيق الحكيم ذكر المعنى العام لهذا البيان في مجلة «المسرح» في عدديها يناير وفبراير ١٩٦٤، ثمَّ أعاد نشره في كتابه «ملامح داخلية»، مكتبة الآداب، ١٩٨٢، ص٨٥-٨٦.
٢١  ومن الجدير بالذكر أن د. سهير القلماوي تُعدُّ أول من قام بالتنظير لارتباط المبدع بالتراث في مجال الأدب عمومًا. وشمل هذا التنظير مجال الشعر والنثر «القصة والمسرح». أمَّا التطبيق فقد اتَّجه إلى مجال الشعر «الشعر الجاهلي» دون النثر، وذلك من خلال ثلاث مقالات (نعتقد أن يوسف إدريس قد تأثَّر بها في مقالاته «نحو مسرح مصري») في مجلة «الكاتب»، أعداد ١–٣، أبريل ومايو ويونيو ١٩٦١، تحت عنوان «تراثنا القديم في أضواء حديثة».
٢٢  يوسف إدريس، «نحو مسرح مصري»، مجلة «الكاتب»، عدد ٢٣، فبراير ١٩٦٤، ص١١٧-١١٨.
ومن الجدير بالذكر أن يوسف إدريس قد أعاد هذا الحديث بشيءٍ من التوضيح والشرح في مقدمة مسرحيته «المهزلة الأرضية»، سلسلة المسرحية، عدد ١٠، وزارة الثقافة، مسرح الحكيم، مارس ١٩٦٦، ص٤–٦.
٢٣  مجدي العفيفي، «نظرية المسرح عند يوسف إدريس»، مجلة «المسرح»، عدد ٢، يوليو ١٩٨١، ص٧٢.
٢٤  سيد أحمد الإمام، «حول التجريب في المسرح … قراءة في الوعي الجمالي العربي»، المكتبة الثقافية، عدد ٤٨١، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٢، ص١٣٢-١٣٣.
ومن الدراسات المؤيدة لدعوة يوسف إدريس، انظر: د. نادية رءوف فرج، «الجوانب النظرية لمسرحيات يوسف إدريس» (مقال ضمن كتاب تذكاري عن يوسف إدريس)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩١، ص٣٥٨–٤١٣، وكذلك د. مفيد الحوامدة، «المسرح العربي ومشكلة التبعية»، مجلة «عالم الفكر» الكويتية، مجلد ١٧، عدد ٤، يناير وفبراير ومارس ١٩٨٧، ص٧٠-٧١.
٢٥  راجع: محمد فتحي التهامي، «المسرح العربي بين الأصالة والمعاصرة»، مجلة «المسرح»، عدد ٣٤، يوليو ١٩٨٤، ص٧٠. (ومن الجدير بالذكر أن الناقد أعاد نشر هذا المقال بصورة أكثر وضوحًا في مقالتين بعنوان «المسرح العربي والبحث عن هوية» في مجلة «الفنون»، عدد ٢٣، يناير وفبراير ١٩٨٥، ص٥٦–٥٩، وعدد ٣٤، مارس وأبريل ١٩٨٥، من ٤٦–٥١.)
ومن الدراسات الرافضة لدعوة يوسف إدريس، انظر: د. محمد فتوح أحمد، في المسرح المصري المعاصر، مكتبة الشباب، ١٩٧٨، ص١١٧–١٣٦، وكذلك د. السعيد الورقي، «تطور البناء الفني في أدب المسرح العربي المعاصر في مصر»، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، ١٩٨٨، ص٢٨٠–٢٨٩.
٢٦  ومن هذه الدراسات: جلال العشري، «يوسف إدريس»، مجلة «المسرح»، عدد ١٩، يوليو ١٩٦٥، ص٣٦–٤١ (وقد أعاد جلال العشري هذه الدراسة مرتين: الأولى في كتابه «ثقافتنا بين الأصالة والمعاصرة»، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ١٩٧٠، ص٢٠٧–٢٢٠، والثانية: في الكتاب التذكاري ليوسف إدريس السابق، ص٤٨٣–٤٩٤)، وكذلك د. حياة جاسم محمد، «من قضايا المسرح العربي المعاصر»، كتاب العربي، السابق، ص١٧٩-١٨٠ (وقد سبق نشر هذا المقال في مجلة «العربي»، عدد ٣٠٨، يوليو ١٩٨٤)، وكذلك شوكت عبد الكريم البياتي، «تطور فن الحكواتي في التراث العربي وأثره في المسرح العربي المعاصر»، وزارة الثقافة والإعلام، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد، ط١، ١٩٨٩، ص١١٨–١٣٧، وكذلك د. محمد محمود رحومة، «النص الغائب: دراسة في مسرح سعد الله ونوس»، دار آتون للنشر، القاهرة، ١٩٩١، ص٣٩–٦٦.
٢٧  توفيق الحكيم، «قالبنا المسرحي»، مكتبة الآداب، د.ت، ص١١–١٧.
٢٨  انظر: السابق، ص١٠.
٢٩  ومن الجدير بالذكر أن توفيق الحكيم قام بتطبيق بعض ما جاء في قالبه المسرحي قبل التنظير له، وذلك من خلال مسرحيات «الزمار عام ١٩٣٠»، ثمَّ مسرحية «الصفقة عام ١٩٥٦»، ثمَّ مسرحية «يا طالع الشجرة ١٩٦٢». أمَّا بعد التنظير فلم يقم بأي تطبيق له فيما كتب من مسرحيات، مثل مسرحية «مجلس العدل» عام ١٩٧٢، ومسرحية «الدنيا رواية هزلية» عام ١٩٧٤، ومسرحية «بنك القلق» عام ١٩٧٦.
٣٠  ومن الدراسات الرافضة لقالب الحكيم المسرحي: د. فوزي فهمي أحمد، «مناقشة حول توفيق الحكيم وقالبه المسرحي»، مجلة «المسرح والسينما»، عدد ٥١، مارس ١٩٦٨، ص٥٤–٥٨، وكذلك د. إبراهيم حمادة، «توفيق الحكيم والبحث عن قالب مسرحي عربي»، مجلة «فصول»، عدد ٣، مجلد ٢، أبريل ومايو ويونيو ١٩٨٢، ص٥٩–٦٧ (ثمَّ نُشِر هذا المقال ضمن كتاب «من حصاد الدراما والنقد»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٧، ص١١٥–١٣٢)، وكذلك: محمد فتحي التهامي، السابق، ص٦٩، وكذلك: مفيد الحوامدة، السابق، ص٧١–٧٣، وكذلك أحمد نبيل الألفي، «شعبية المسرح»، المكتبة الثقافية، عدد ٤٥٢، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٩، ص١٠٥، وكذلك د. محمد محمود رحومة، السابق، ص١٩–٣٨، وكذلك د. حمدي الجابري، «المخرج المسرحي العربي ناقلًا ومبدعًا»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص٦١–٦٥.
٣١  انظر لهذا التطبيق في «قالبنا المسرحي»، السابق، ص٢٥–١٩١.
٣٢  د. علي الراعي، «الكوميديا المرتجلة في المسرح المصري»، كتاب الهلال، عدد ٢١٢، نوفمبر ١٩٦٨، ص١٤-١٥، ٩٤.
٣٣  وبالنظر إلى الدراسات التي اهتمَّت بحركات التأصيل في المسرح العربي، أو حركات التجديد — ومنها مراجع ومصادر هذا الجزء من البحث — لم نجد إلا دراسة واحدة فقط تعرضت لدعوة د. علي الراعي للمسرح الارتجالي؛ وهي: د. حمدي الجابري، السابق، ص٦٥-٦٦ (هذا بخلاف دراسة د. علي الراعي، «المسرح في الوطن العربي»، السابق، ص٩٢).
٣٤  وللمزيد عن الكوميديا الإيطالية «كوميديا ديلارتي»، انظر: أشلي ديوكس، «الدراما»، ترجمة: محمد خيري، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، د.ت، ص٢٨، وكذلك بهاء جاهين، «الكوميديا ديلارتي أو الكوميديا المرتجلة»، مجلة «المسرح»، عدد ١، أغسطس ١٩٧٩، ص١٩، وكذلك بيير لوي ديشارتر، «الارتجال والمرتجلون في: الكوميديا ديلارتي»، ترجمة: سباعي السيد، مجلة «المسرح»، عدد ٤٩، ديسمبر ١٩٩٢، ١٢٩–١٣١.
٣٥  وهذه الدراسة لطلعت المرصفي تحت عنوان «المسرح الارتجالي»، مجلة «المسرح»، عدد ٣٨، فبراير ١٩٦٧، ص٦٠–٦٢ (ومن الملاحظ أن أفكار هذه الدراسة تتفق في أشياء كثيرة مع دراسة د. علي الراعي).
٣٦  سعد الله ونوس، «بيانات لمسرح عربي جديد»، مجلة «المعرفة» السورية، عدد ١٠٤، أكتوبر ١٩٧٠، ص١٧–٢٨ (وقد أُعيد نشر هذه البيانات في كتاب مستقل بعنوان «بيانات لمسرح عربي جديد»، دار الفكر الجديدة، بيروت، ط١، ١٩٨٨، ص١٥–٤٤).
٣٧  انظر: د. محمد مندور، «في المسرح المصري المعاصر»، دار نهضة مصر للطبع والنشر، د.ت، ص٥٦-٥٧.
٣٨  وللتعرف على بدايات المسرح السياسي في مصر منذ أوائل هذا القرن، انظر: د. رمسيس عوض، «اتجاهات سياسية في المسرح قبل ثورة ١٩١٩»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٩ (وقد سبق نشر هذا الكتاب في مجلة «الثقافة»، أعداد ٢٣، ٣١، ٣٤، ٣٨، ٤٠، ٤٢، أغسطس ١٩٧٥، أبريل ويوليو ونوفمبر ١٩٧٦، يناير ومارس ١٩٧٧).
٣٩  وللتعرف على المسرح السياسي، وخصوصًا «اللعبات التياترية»، انظر: د. نجوى إبراهيم فؤاد عانوس، «مسرح يعقوب صنوع»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٤.
٤٠  انظر في ذلك: سعد أردش، «المخرج في المسرح المعاصر»، سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية، عدد ١٩، يوليو ١٩٧٩، ص٣٦٣، وكذلك محمد المشايخ، «المسرح الحديث عند سعد الله ونوس»، مجلة «الأقلام» العراقية، عدد ٦، مارس ١٩٨٠، ص٨٩–٩٣، وكذلك خالد عبد اللطيف رمضان، طبيعة المتفرج العربي، مجلة «البيان» الكويتية، عدد ٣٦٨، ٣٦٩، يوليو وأغسطس ١٩٨٨، ص٣٩–٤١، وكذلك د. محمد محمود رحومة، السابق، ص٢٢١-٢٢٢، وكذلك سيد أحمد الإمام، السابق، ص١٢٠–١٢٦، وكذلك د. حمدي الجابري، السابق، ص٦٦–٧٠.
٤١  سعد الله ونوس، السابق، ص٣٠-٣١.
٤٢  وقد سبق هذا التنظير إرهاص له؛ عبارة عن أفكار متفرقة لم تتخذ شكل التنظير الكامل. انظر ذلك في: عبد الكريم برشيد، «بحث عن المسرح العربي»، مجلة «الكاتب»، عدد ٢٠٠، نوفمبر ١٩٧٧، ص٥٨–٧٥.
٤٣  عبد الكريم برشيد، «في التصور المستقبلي لتعريب المسرح العربي»، مجلة «البيان» الكويتية، عدد ١٦٩، أبريل ١٩٨٠، ص٧١، ٩٠، ٩٣.
٤٤  عبد الكريم برشيد، «أوراق من تجربتي المسرحية»، مجلة «البيان» الكويتية، عدد ٢٠٥، أبريل ١٩٨٣، ص١٠٣.
٤٥  عبد الكريم برشيد، «الاحتفالية بين التأسيس وإعادة التأسيس»، مجلة «الفكر العربي»، العدد السابق، ص٧، ١٥، ١٨-١٩.
٤٦  «البيان الأول لجماعة المسرح الاحتفالي»، مجلة «البيان»، عدد ١٦٣، أكتوبر ١٩٧٩، ص١٣-١٤، ١٨–٢٠، ٢٤–٢٦ (وقد أُعيد نشر هذا البيان في مجلة «المسرح»، عدد ٧، يونيو ١٩٨١).
٤٧  «بيان مسرح الحكواتي»، مجلة «البيان»، العدد السابق، ص٨–١١.
٤٨  أولًا: بالنسبة للمناقشات التي دارت حول المسرح الاحتفالي
انظر: ندوة مجلة «البيان» عن بياني مسرح الحكواتي والمسرح الاحتفالي، عدد ١٦٤، نوفمبر ١٩٧٩، ص٨–٢٨ (واشترك في الندوة: د. علي الراعي، وسعد أردش، والمنصف السويسي، وعبد العزيز السريع، ود. أحمد عتمان، وسليمان الشيخ)، وكذلك د. أحمد عتمان، «دعوة إلى فتح ملف المسرح العربي برمته»، مجلة «البيان»، العدد السابق، ص٢٩–٣٦، وكذلك سعد أردش، «مسرح الأصالة ومنهج العمل الجمعي في المسرح العربي الحديث»، مجلة «البيان»، عدد ١٦٩، أبريل ١٩٨٠، ص٢٦–٤٠، وكذلك مفيد الحوامدة، السابق، ص٧٦–٧٨، وكذلك خالد عبد اللطيف رمضان، السابق، ص٤١–٤٣، وكذلك د. أحمد سخسوخ، «المسرح الاحتفالي بين محاولة الخروج من دائرة التأثير الغربي والوقوع فيها»، مجلة «القاهرة»، عدد ١٠٧، أغسطس ١٩٩٠، ص٨٤–٨٧، وكذلك د. محمد محمود رحومة، السابق، ص٦٧–٧٩، وكذلك د. حمدي الجابري، السابق، ص٧٢–٧٩، وكذلك عبد الرحمن بن زيدان، «الديمقراطية شرط جوهري لمسرح عربي حر»، مجلة «المسرح»، عدد ٣٩–٤١، فبراير ومارس وأبريل ١٩٩٢، ص٨٢–٨٥.
ثانيًا: بالنسبة للمناقشات التي دارت حول مسرح الحكواتي
انظر: ندوة مجلة «البيان»، السابق، نفس الصفحات، وكذلك د. أحمد عتمان، السابق، نفس الصفحات، وكذلك سعد أردش، السابق، نفس الصفحات، وكذلك سعد أردش، «الحكواتي وأزمة المسرح العربي»، كتاب «العربي»، السابق، ص١٨٧–١٩٠ (وقد سبق نشر هذا المقال في مجلة «العربي»، عدد ٢٥٦، مارس ١٩٨٠)، وكذلك خالد عبد اللطيف رمضان، السابق، ص٤٣-٤٤، وكذلك شوكت عبد الكريم البياتي، السابق، مواضع عديدة، وكذلك سيد أحمد الإمام، السابق، ص١٢٠–١٢٦، وكذلك د. حمدي الجابري، السابق، ص٩٥–١٠١.
٤٩  ابن منظور، «لسان العرب»، مادة «ورث».
٥٠  د. زكي نجيب محمود، مجلة «فصول»، مجلد ١، عدد ١، أكتوبر ١٩٨٠، ندوة العدد «موقفنا من التراث»، ص٣٢-٣٣، ٣٨.
٥١  د. حسن حنفي، «تراثنا الفلسفي»، مجلة «فصول»، العدد السابق، ص١٢٢.
٥٢  د. محمد يوسف نجم، «المسرحية في الأدب العربي الحديث (١٨٤٧–١٩١٤)»، دار بيروت، ١٩٥٦، ص٢٩٣.
وهذا القول يتحقق من خلال الاطِّلاع على الأعمال الإبداعية لكتَّاب المسرح الأوائل في نهاية القرن الماضي وأوائل هذا القرن من خلال ببليوجرافية هذه الدراسات — على سبيل المثال — وهي: يعقوب لنداو، «دراسات في المسرح والسينما عند العرب»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٦٩ (انظر: المسرحيات الأصلية المؤلَّفة من ص٣٤٣–٤٥٤)، وكذلك يوسف أسعد داغر، «معجم المسرحيات العربية والمعرَّبة (١٨٤٨–١٩٧٥)»، وزارة الثقافة والفنون، العراق، ١٩٧٨ (مواضع عديدة)، وكذلك د. فائق مصطفى أحمد، «أثر التراث الشعبي في الأدب المسرحي النثري في مصر (١٩١٤–١٩٥٢)»، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، العراق، ١٩٨٠ (انظر: ملحق الكتاب، وهو فهرس للمسرحيات التي ظهرت في مصر من ١٩١٤–١٩٥٢، ص٤٨٣–٥٢٠).
٥٣  وهناك دراسات عديدة اهتمَّت بهذا الجانب، منها على سبيل المثال: (أ) د. رمسيس عوض، «التاريخ السري قبل ثورة ١٩١٩»، مطبعة الكيلاني، ١٩٧٢، (ب) د. رمسيس عوض، «اتجاهات سياسية في المسرح قبل ثورة ١٩١٩»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٩، (ﺟ) د. أحمد العشري، «مقدمة في نظرية المسرح السياسي»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٩، (د) د. أحمد العشري، «المسرحية السياسية في الوطن العربي»، سلسلة «اقرأ»، عدد ٥١٦، دار المعارف، ط٢، د.ت، (ﻫ) نعمان عاشور، «المسرح والسياسة»، المكتبة الثقافية، عدد ٤٠٨، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٦.
٥٤  د. علي عشري زايد، «استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر»، منشورات الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس، ليبيا، ط١، ١٩٧٨، ص٥٢.
٥٥  وللتعرف على مسرحيات هذه الفترة، انظر: د. سعد أبو الرضا، «الكلمة والبناء الدرامي»، دار الفكر العربي، ط١، ١٩٨١ (الجداول التي تضم أغلب المسرحيات التي ظهرت في الفترة من عام ١٩٥٢ إلى عام ١٩٧٥ في مصر، ص٢٩١–٣٠٤).
٥٦  صلاح عبد الصبور، مجلة «فصول»، مجلد ١، عدد ١، أكتوبر ١٩٨٠، ندوة العدد «موقفنا من التراث»، ص٤٥.
٥٧  د. حسن حنفي، «التراث والتجديد»، مكتبة الأنجلو المصرية، ط٣، ١٩٨٧، ص٢٣.
٥٨  د. زكي نجيب محمود، «قيمة من التراث تستحق البقاء»، مجلة «فصول»، العدد السابق، ص٢٣.
٥٩  رفعت سلام، «بحثًا عن التراث العربي: نظرة نقدية منهجية»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠، ص٢٨٨.
٦٠  د. مصطفى رمضاني، «توظيف التراث وإشكالية التأصيل في المسرح العربي»، مجلة «عالم الفكر» الكويتية، مجلد ١٧، عدد ٤، يناير وفبراير ومارس ١٩٨٧، ص٨٨.
٦١  د. محمد غنيمي هلال، «النقد الأدبي الحديث»، دار نهضة مصر، د.ت، ص٣٠٧.
وللمزيد عن «المعادل الموضوعي»، انظر: د. رشاد رشدي، «فن كتابة المسرحية»، دار ألف للنشر، د.ت، ص١٢٢، و«المعادل الموضوعي»، مجلة «الكاتب»، عدد ٢، مايو ١٩٦١، ص٧٥، و«شكسبير والمعادل الموضوعي»، ومجلة «المسرح»، عدد ٤، أبريل ١٩٦٤، ص٦، وكذلك حسن البنا عز الدين، «جدل المعادل السمعي والموضوعي»، مجلة «فصول»، مجلد ١٠، عدد ١، يوليو ١٩٩١، ص٢٢٨.
٦٢  أمَّا من حيث ما أشار إليه الدكتور محمد يوسف نجم في كتابه «المسرحية في الأدب العربي الحديث»، من بعض الانتقادات التي ظهرت في بعض الصحف المصرية عن مسرح يعقوب صنوع بين عامي ١٨٧١–١٨٧٣، فما هي إلا تعليقات بعيدة كل البعد عن النقد المسرحي المعروف، والذي بدأ بصورة عملية بعض الشيء — رغم بعده أيضًا عن خصائص الفن التمثيلي وأصوله الفنية وقواعده النقدية — عند جرجي زيدان عند تقديمه لمسرحية «العدل أساس الملك» لحسين فهمي، بمحافظة السويس، في عدد الهلال المؤرخ له ﺑ ١ / ٥ / ١٨٩٤ (راجع: أحمد حسين الطماوي، جرجي زيدان، سلسلة نقاد الأدب، عدد ١١، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٢، ص١٤٣–١٤٥).
٦٣  د. فؤاد زكريا، «الأصالة والمعاصرة»، مجلة «فصول»، العدد السابق، ص٣٠.
٦٤  بالنسبة للندوات، انظر على سبيل المثال: ندوة مجلة «فصول»، «موقفنا من التراث»، العدد السابق، ص٣١، وندوة «الهوية والتراث» — أُقيمت في ١٨ / ١٢ / ١٩٨٣ بالمركز الإقليمي العربي للبحوث والتوثيق، ونُشِرت في دار الكلمة، بيروت، ط١، ١٩٨٤ — وندوة «التراث العربي والمسرح» التي نظَّمها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت من ١١–١٤ فبراير ١٩٨٤. راجع: مجلة «المسرح»، عدد ٢٣، مايو ١٩٨٤، ص٨٨، وندوة «التراث وتحديَّات العصر في الوطن العربي» التي عقدت في القاهرة في سبتمبر ١٩٨٤. انظر: رفعت سلام، السابق، ص١١، وندوة مجلة «المنهل» السعودية حول «التراث والحضارة»، مجلد ٤٧، عدد ٤٤١، نوفمبر وديسمبر ١٩٨٦، ص٢٢٠، وندوة مجلة «المجلة العربية للعلوم الإنسانية» حول «التراث وثقافة الأمة»، مجلد ٩، عدد ٣٥، صيف ١٩٨٩، ص١٩٠. وبالنسبة إلى توصيات مؤتمرات الأدباء العرب حول التراث من عام ١٩٥٤ إلى عام ١٩٨٤، انظر: د. جواد صالح الطعمة، مجلة «القاهرة»، أعداد ٧٨–٨٠، ديسمبر ١٩٨٧، ويناير وفبراير ١٩٨٨، ص٥٦، ٦٤، ٨٩ على الترتيب.
٦٥  د. عز الدين إسماعيل، «توظيف التراث في المسرح»، مجلة «فصول»، العدد السابق، ص١٦٧.
٦٦  وهذه الدراسات هي على سبيل المثال فقط، واختيار البحث لها جاء من خلال ما قامت به من تطبيق على مسرحيات تتوافق مع ما جاء فيها من مراحل تنظيرية؛ أي إنها مزجت التنظير بالتطبيق، ورغم ذلك فهناك دراسات أخرى جاءت في هذا الصدد، ولكنها في الناحية التنظيرية فقط، مثل بحث الدكتور علي الراعي «التاريخ العربي: المسرح»، والذي تقدَّم به إلى ندوة «التراث العربي والمسرح» في مؤتمر الكويت، تحت اسم «إحياء التراث»، في الفترة من ١١–١٤ فبراير ١٩٨٤، وحدد فيه مراحل التعامل مع التراث بسبع مراحل. انظر: مجلة «المسرح»، العدد السابق، ص٨٩.
٦٧  راجع: د. علي عشري زايد، السابق، ص٦٢-٦٣.
٦٨  راجع: د. عز الدين إسماعيل، السابق، ص١٧٣.
٦٩  وهذه الظروف — من وجهة نظر البحث — تتمثل في حدود كتابة المقال في الدوريات الأدبية — من حيث المساحة المنشورة — عن غيرها من الدراسات في الكتب المستقلة. هذا فضلًا عن رئاسة د. عز الدين إسماعيل في هذه الفترة لتحرير المجلة، كما أن هذا المقال جاء في العدد الأول منها، وما يتبع الإصدار الأول في الدوريات من أعباء جسيمة.
٧٠  راجع: د. نهاد صليحة، «المسرح بين الفن والفكر»، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد، ١٩٨٥، ص١٣٢–١٣٥.
٧١  والمسرحيات الشعرية في هذه الدراسة تتمثل في مسرحيتين فقط؛ هما: «مأساة الحلَّاج» لصلاح عبد الصبور، و«ثأر الله» لعبد الرحمن الشرقاوي.
٧٢  د. عز الدين إسماعيل، السابق، ص١٧٤.
٧٣  مقال د. عز الدين إسماعيل. يقع في ٢٤ صفحة.
٧٤  وهذه المسرحيات هي: «منين أجيب ناس» لنجيب سرور، ص١٣٦–١٤٣، و«درب عسكر» لمحسن مصيلحي، ص١٤٤–١٥٠، و«مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور، ص١٥٤–١٥٩، و«الوزير العاشق» لفاروق جويدة، ص١٦٠–١٦٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤