مقدمة

يعتبر التراث الديني من أقل المصادر التراثية التي يلجأ إليها الكاتب المسرحي عند توظيفه للتراث؛ لأنه يشعر بنوع من التحرُّج أمام الأحداث الدينية أو أمام الشخصيات الدينية الأساسية، ولا سيَّما شخصيات الأنبياء والرسل، ومن هنا نجد مسرحية «محمد» لتوفيق الحكيم عبارة عن صيغة حوارية للسيرة النبوية؛ فالكاتب المسرحي يهرب من توظيف هذه الشخصيات خشية الوقوع في تأويلها، أو استعارة بعض صفاتها، أو إسقاط قضايا العصر على حياتها المقدَّسة؛ لذلك كان دائمًا ينقلها كما هي في مصادرها التراثية الدينية كما فعل توفيق الحكيم.

وعندما يبتعد الكاتب المسرحي عن شخصيات الأنبياء والرسل إلى شخصيات أخرى مثل «أهل الكهف»، أو «الحلاج»، أو «الحسين بن علي»، يجد بعض الحرية في توظيفها، مع ملاحظة أنه مقيد أيضًا أمامها، بمعنى أنه لا يستطيع أن يغيِّر في ملامحها أو حقيقتها التراثية الدينية، ولكن من الممكن أن يفسِّر بعض الجوانب من تصرفاتها أو نفسيتها إزاء بعض المواقف. وهذا هو مجال التوظيف، أو مجال الحرية في التوظيف. وسيتحقق لنا ذلك عند الحديث عن مسرحية «مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور، ومسرحية «ثأر الله» بقسميها: «الحسين ثائرًا» و«الحسين شهيدًا».

ويعتبر التراث الصوفي من أهم مصادر التراث الديني عند التوظيف في المسرح؛ لذلك نجد الشاعر صلاح عبد الصبور يعبِّر عن تجربته الخاصة وموقفه من قضايا عصره من خلال شخصية «الحلاج» الصوفي؛ لأن التجربة الشعرية عند صلاح عبد الصبور تتشابه مع التجربة الصوفية عند الحلاج، في قيمة الكلمات وأثرها في نفوس العامة من الناس، فقد اختار صلاح عبد الصبور شخصية الحلاج من التراث الديني عندما أحسَّ بأن صلته بهذا الصوفي قد وصلت إلى حد الامتزاج بها، والتطابق لها، وأن شخصية الحلاج بملامحها التراثية قادرة على أن تحمل تجربته الخاصة، وأن تعبِّر عنها بصدق. ومن هنا اتَّحد بها وتحدَّث بلسانها مؤثِّرًا فيها ومتأثِّرًا بها، بحيث أصبح الحلاج صلاح عبد الصبور كما أصبح صلاح عبد الصبور الحلاج.

ومن المعروف أن الشخصية «الدينية» المقدسة لا يوافق على ظهورها على خشبة المسرح الأزهر الشريف ورجال الدين في مصر. ومن الملاحظ أن هذا المنع يحدُّ من قدرة المؤلف المسرحي عندما يتعرض للموضوعات الدينية. وهذا بدوره يدفع النص المسرحي إلى أن يتحول إلى عمل أدبي بين دفَّتي كتاب بعيدًا عن خشبة المسرح. ومن هنا أنشأت البيئة المسرحية الأدبية «المسرح الرمزي» أو «الذهني» أو «الفكري»، الذي يقول عنه الدكتور عز الدين إسماعيل:
إن المسرح الفكري أو مسرحية الأفكار ليست هي ذلك النوع من المسرحيات التي يحشد فيها أكبر قدر ممكن من الأفكار، وإنما هي تلك المسرحية التي تتراءى فيها الفكرة شيئًا فشيئًا من خلال ما يدور فيها من صراع. ولا تكتمل هذه الفكرة إلا بانتهاء هذا الصراع، فليست الفكرة هي الهدف الأصلي من المسرحية، وإنما هي تحصل بالضرورة خلال عملية الصراع بين الأقطاب المتقابلة أو المتناقضات. ومن الصحيح أن هذا النوع من المسرحيات يتوجَّه به مؤلفوه أولًا إلى العقول.١
ولا يمكن أن نتحدث عن المسرح الفكري دون أن نتحدث عن رائده العربي «توفيق الحكيم»، الذي يتحدث عن مسرحه الفكري قائلًا:
إني اليوم أقيم مسرحي داخل الذهن، وأجعل الممثلين أفكارًا تتحرك في المطلق من المعاني مرتديةً أثواب الرموز! … لقد تساءل البعض: أوَلا يمكن لهذه الأعمال أن تظهر كذلك على المسرح الحقيقي؟ … أمَّا أنا فأعترف بأني لم أفكِّر في ذلك عند كتابة روايات مثل: «أهل الكهف»، و«شهرزاد»، ثمَّ «بجماليون» … ولقد جعلتها عن عمدٍ في كتب مستقلة … حتى تظل بعيدة عن فكرة التمثيل.٢
وفي مناسبة أخرى يقول:
من ذلك نتبين الصعوبة في أن نبرز روايات يدور فيها الصراع بين فكرة وفكرة على مسرح آخر غير مسرح الذهن، ولكن هذا المسرح الذهني لا بُدَّ منه ما دامت هناك موضوعات لا محيص من إبرازها تقوم على أفكار مجردة، وأشخاص غير مجسدة، فالصراع بين الإنسان وبين القوى الخفية التي هي أكثر من الإنسان؛ مثل: «الزمن» أو «الحقيقة» أو «المكان» … إلخ، لا يمكن تجسيده حتى يلائم المسرح المادي … نخرج من كل هذا على أن موضوع المسرحية هو الذي يحدد دائمًا نوع المسرح، فإذا قامت الرواية على «حركة الآدميين» كان مكانها «المسرح المادي»، وإذا قامت على «حركة الفكر» كان مكانها «المسرح الذهني».٣

من هذا المنطلق كتب «توفيق الحكيم» أولى مسرحياته الفكرية، وهي مسرحية «أهل الكهف» عام ١٩٣٣، التي تستمد الفكرة العامة لحبكتها من قصة أهل الكهف كما جاءت في القرآن الكريم، كما استمدَّت المسرحية — أيضًا — تفاصيل أخرى من كتب التفسير، ولا سيَّما تفسير الطبري. وقد أضاف الحكيم إلى القصة أحداثًا من عنده، وهي الأحداث التي تدور بين «مشلينيا» و«بريسكا». وشخصيات المسرحية جعلها الحكيم ترتبط بالحياة أكثر من ارتباطها بالدين، لدرجة أن حبَّهم لغيرهم أقوى من حبِّهم لله، وأن صلاتهم لله لم تكن له بقدر ما كانت من أجل الزوجة والولد من قبل «مرنوش»، وللمحبوبة من قبل «مشلينيا».

مرنوش : إن الحب ليبتلع كل شيء حتى الصداقة وحتى الإيمان.
مشلينيا : حتى الإيمان؟!
مرنوش : لأنه هو نفسه إيمان أقوى من كل إيمان.
مشلينيا : أدرك ما تعني …
مرنوش : ماذا أعني؟
مشلينيا : لولا امرأتك المسيحية لما كنت اعتنقت دين المسيح … أنت الوثني وساعِدُ دقيانوس الأيمن في مذابحه السابقة!
مرنوش : ولولاك أنت لما اعتنقت الأميرة بريسكا دين المسيح وهي المؤمنة بدين أبيها دقيانوس!٤

وقد أقام الحكيم صراعه في هذه المسرحية بين الإنسان والزمن، الذي تمثَّل أولًا عند «يمليخا» راعي الغنم عندما اختفى قطيع غنمه. وهنا تظهر له الحقيقة بأنه مكث في الكهف ثلاثمائة عام وأكثر؛ لذلك يهرع إلى الكهف. ثمَّ واجه هذا الصراع أيضًا «مرنوش» عندما ذهب إلى بيته ليرى زوجته وولده الطفل الذي تركهما منذ البارحة، ولكن الحقيقة تغلبه لأنه لم يجد الزوجة ولا الولد، بل وجد قبرًا لهذا الابن كُتِب عليه «مات شهيدًا في سن الستين بعد أن جلب النصر لجيوش الروم.» لذلك يهرع إلى الكهف كما فعل «يمليخا».

أمَّا «مشلينيا» فقد كان آخر الثلاثة في صدامه — أو صراعه — مع الزمن، فإذا كان «يمليخا» قد ارتبط بالماضي عن طريق قطيع غنمه، وكذلك «مرنوش» ارتبط بالماضي عن طريق الزوجة والولد، فإن «مشلينيا» قد ارتبط بالماضي عن طريق حُبِّ «بريسكا». وإذا كان قطيع الغنم بالنسبة ﻟ «يمليخا» قد فُقِد، وكذلك الزوجة والولد بالنسبة ﻟ «مرنوش» قد ماتا، فإن الماضي بالنسبة ﻟ «مشلينيا» باقٍ في الحاضر ولم يمت؛ لأن بريسكا ما زالت حية أمامه، وعندما يتحدث إليها تظهر له الحقيقة من خلال هذا الحوار:

مشلينيا : بريسكا! ألست ابنة دقيانوس؟
بريسكا : أأنت مجنون؟! أأكون ابنة ملك مات منذ ثلاثمائة عام؟!
مشلينيا (رأسه بين يديه كأنما ينتظر طامة) : من أنت إذن؟ إلهي! أكاد أُجَن! سأُجَن …
بريسكا (تمد يديها إليه في قلق) : ماذا بك؟!
مشلينيا : ابنة هذا الرجل؟ هذا الملك؟ ربَّاه كيف يمكن هذا …؟
بريسكا : من كنت تحسبني إذن؟ آه … (تصيح فجأة؛ إذ تبرق في رأسها فكرة) آه … نعم … نعم … يا إلهي … فهمت … فهمت …
مشلينيا (رافعًا رأسه) : ماذا؟ ماذا؟ …
بريسكا : فهمت أني لست بريسكا التي تقصدها. يا إلهي، أكل هذا الذي قلت لم يكن لي إذن … بل للأخرى …
مشلينيا : لست أفهم …
بريسكا : أنسيت أن عمرك ثلاثمائة عام؟! أنسيت أنك لبثت في الكهف ثلاثمائة عام؟
مشلينيا : وماذا يهم …؟!
بريسكا (في كآبة ومرارة، وكأنما تقول لنفسها) : صدقت! أنا أيضًا نسيت ذلك الساعة!٥

وهنا يقع «مشلينيا» تحت وطأة تأثير الزمن كما وقع قبله «يمليخا» و«مرنوش». وهذا الصراع مع الزمن أدى به إلى صراع أكبر بين الحقيقة والواقع، فحقيقة «مشلينيا» أنه إنسان يبلغ من العمر أكثر من ثلاثمائة عام، وواقعه يقول إنه شاب لم يتجاوز سن الشباب بعدُ، وتنتهي المسرحية بانتصار الحقيقة على الواقع؛ أي بذهاب «مشلينيا» إلى الكهف كما فعل من قبله «يمليخا» و«مرنوش».

وهكذا نجد «توفيق الحكيم» يقوم بتوظيف التراث الديني كي يخلق منه صراعه المعهود بين الحقيقة والواقع، ذلك الصراع الذي رأيناه في مسرحية «السلطان الحائر»، كما أنه موجود أيضًا في مسرحيات «بجماليون» و«الملك أوديب» و«شهرزاد»، أي إن توفيق الحكيم أقام هذا الصراع لمعظم مسرحياته الذهنية أو الفكرية.

وفي الفصل الأول من هذا الباب سنتحدث عن توظيف الشخصية الصوفية للتعبير عن الذات من خلال مسرحية «مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور، وفي الفصل الثاني سنتحدث عن التوظيف السياسي للشخصية الدينية من خلال ثنائية عبد الرحمن الشرقاوي: «الحسين ثائرًا» و«الحسين شهيدًا».

١  د. عز الدين إسماعيل، «قضايا الإنسان في الأدب المسرحي المعاصر»، دار الفكر العربي، ١٩٨٠، ص٣٩.
٢  توفيق الحكيم، مقدمة مسرحية «بجماليون»، مكتبة الآداب، د.ت، ص١٠-١١.
٣  توفيق الحكيم، مقدمة مسرحية «الملك أوديب»، مكتبة الآداب، د.ت، ص٤١–٤٣.
٤  توفيق الحكيم، مسرحية «أهل الكهف»، مكتبة الآداب، د.ت، ص٤٤-٤٥.
٥  المسرحية، ص١٤٨-١٤٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤