الاسترقاق في أيام الحرية

لو يعلم المهد ما يكونُ
من بعدِه ذخرُه الثمينُ
لبات حرصًا بهِ ضنينًا
وذو الغوالي بها ضنين
يظلُّ يهفو بهِ حنينٌ
إذا شجا ربهُ حنين
يصر في ميلهِ صريرًا
كأَنهُ تحتهُ أنين
يا حبذا الوجه حين يبدو
من فوقهِ ذلك الجبين
حسن تشك العقول فيهِ
وينتهي عندهُ اليقين

•••

لما تحلى بها صباها
وجاولت عينها العيون
وأقبلت تنثني دلالًا
كما انثنت قبلها الغصون
أطاعها الحب في البرايا
فكيف كانت لهم يكون
تحاجزت دونها الأماني
وأوقفت عندها الظنون
أمست وعشاقها ملوك
أضحت وإخوانها قيون
فوجهها للعلى وفيٌّ
وقلبها للهوى خَئُون
وجسمها في الورى عزيز
وقدرها في الورى مهين
وكم قصورٍ بها حِسَانٍ
أحب منها لها السجون
مَلَّتَ سهول الحياة رغمًا
وأعجبتها بها الحَزون

•••

في أوج تلك السماءِ شمسٌ
تغضي لإشراقها الجفون
لم يستقر الفؤَاد منها
بينا خفوق إذا سكون
وما خلا من جوى فإما
مضت شجون أتت شجون
استسلمت للزمان طوعًا
إذا قسا صرفهُ تلين
تشتاق في عزها ذويها
وحصنها دونهم حصين
حتَّامَ هذي القيود تبقى
يا رب قد كَلَّتِ المتون

كلما أومض بأفق الغرب بارق هاج منا شجونًا. وكلما سَرَتْ من نحوه نسمة، أذكت في أفئدتنا غرامًا. يا رب. ما تلك المحاسن التي يرنو الحليم إليها صبابة؟ كل النفوس لها نوازع. كل الآمال عليها عواكِف. نناديها فنستلفتها، ثم نبتهل فنستعطفها، ثم ندعوها فنستجلبها. فإذا أمكنتنا من نواصيها وسلس بأَيدينا قيادها؛ أذَلْنا مصوناتها وشوَّهْنا محاسنها ومسخناها مسخًا.

بالأمس كنا ننادي: يا حرية يا حرية. يا فتنة الشعوب وعدوة المستبدين، ومرتع الآمال ومسرح النفوس، وشفاءَ الصدور وحياة الممالك. فلما استجابت دعاءَنا وأقبلت برضائها علينا، تجاذبنا غدائرها وتنازعنا حُلِيَّهَا ووصلنا القيود التي فكتها عن سواعدنا لنشد بها سواعدها.

قرأْت في طنين خبرًا ما وددت أن أقرأَهُ ولي ما تشرق عليهِ الشمس. فليستمع عبَدة الحرية وليبكوا كما بكيت. وما بكت عيني فدمعي في الحوادث غالٍ. ولكن بكى فؤادي ودمعهُ متواصل الجريان.

بالأناطولي قضاءٌ اسمهُ «دوزجه»، بهِ رجل يُدعى الحاج إسحق! كان في دولة الاستبداد موظفًا في إدارة الحراج بذاك القضاءِ. وكان لهذا الرجل جارية اسمها ملك، أنفذها رشوة إلى بعض الأكابر بالأستانة. فلما أُعلِن الدستور رجعت إلى بلدها، فطلبها إسحق ورفع أمرها إلى المحكمة الشرعية هناك، فقضت لهُ بأخذ الجارية ولم يُجْدِ دفاعها عن نفسها فتيلًا. وحين أعيتها الحيل فرت مختفية تريد الأستانة لترفع بها ظلامتها إلى الحكومة. فأرسلت حكومة «دوزجه» رسالة برقية في طلبها، فقبضوا عليها في «آطه بازار» واسترجعوها صاغرة إلى من ينازعها حريتها. وقد غلب الخوف أختها حتى قضت فزعًا.

بعثت هذه المظلومة كتابًا إلى طنين تستنجدها بهِ على ظالميها، ودافعت طنين عن الحق دفاع الأبطال.

هذه القصة أذكرتني أخرى مثلها. جرت في نحو سنة ١٩٠٥ بسيواس قبل إعلان الحرية، وأنا إذ ذاك مَنْفِيٌّ بها، وذلك أن رجلًا اسمهُ الحاج مقصود هو من قرية من قرى العزيزية يقال لها «جامورلي»، كان ذهب إلى حلب في جماعة من رجاله، فاختَطَف من إحدى القبائل صبية تدعى فضة. ثم جاءَ بها إلى بلدهِ وأقامت معهُ بضع سنين، حتى إذا صارت شابة حملت منهُ كُرهًا. وما زالت تترقب الفرص إلى أن سنحت لها. فشكت ما بها إلى رجل من قريتها اسمهُ غنيمت. ففرَّ بها ليلًا حتى دخل بها سيواس. فلما كان الصباح قصدتْ إلى الوالي وهو الشهم الهمام رشيد عاكف باشا، أحد أعضاء مجلس الأعيان الآن، ونجل الرجل الشاعر الحر عاكف باشا الشهير. فأمر بجعلها في داري، وأخذت المحكمة تنظر في أمرها. والحاج مقصود أُودِعَ السجن، ولكن بقي أعوانه يسعون في الأرض فسادًا. فاستمالوا القاضي إليهم واغتالوا الذي فرَّ بها فقتلوهُ ليلًا وهو راجع إلى القرية، وأمر القاضي بإرجاع المرأة إلى الحاج مقصود، ولكنني لم أفعل. ثم جهزها الوالي وأعادها إلى أهلها بعد أن وضعت بنتًا حُرِمَتْ محبة الأب وهي في بطن أمها.

أما بعد، فالشكايات جمة ولكن من يسمعها، والجراحات دامية وأين من يأسوها. ابتلانا الله بأناس لا يفقهون قولًا ولا يرتضون بنُصح. فهم الحوائل بيننا وبين كل سؤْدد، وهم الموانع دون كل مكرُمة، نسميهم مسامحة إخوانًا، وإنهم لإخوان السوء وأعداء الوطن. إذا اشتدت بهم شهواتهم زاغت أبصارهم وعرمت نفوسهم ووقفت الأهواء بينهم وبين الأحلام.

لست أدري ما يبتغي الرجل من فتاة يبتاعها بدراهمهِ ليشركها في حياتهِ ويقاسمها أفراحهُ وأحزانهُ، كما يقاسمها نعمهُ وأموالهُ. أما فؤادها فموصد بابهُ في وجه محبتهِ، وأما نفسها فحائمة على غير ودهِ. لا يقدر أن يستخلصها لهواهُ ولا يدعها تختار هوًى لها. كالغراب يخطف قرص الصابون لا هو يأْكلهُ ولا يتركه لصاحبهِ فينتفع به.

الفتاة التي تطأُ بساط العز وتتهادى في مطارف النعمة وتتقلب على حواشي الملك، ويقول في أترابها شوقي بك:

أمضى نفوذًا من زبيـ
ـدة في الإمارة والأمير

لو خلا بها من يستخبر فوآدها لقالت:

ولبس عباءَة وتقر عيني
أحبُّ إليَّ من لبس الشفوفِ
وبيت تضرب النكباءُ فيهِ
أحب إليَّ من قصر منيفِ

ازدحمت قصور الظالمين بالكواعب الأتراب أمثال الدمى حبستهن عن العباد كرهًا، ثم جادت بهن للعباد كرهًا. وقد يرغم الزمان على السماح إذا طحنت حوادثهُ شُمَّ الهضاب، ذلك ما يعظ وهيهات المتعظ.

نفسي فداءُ أرواحٍ صُعِقَتْ بين الأسوار المرفوعة والسجف المسدولة، لم تمتع بنظرة إلى هذا الوجود الحر في سمائهِ الضاحية، ورياضهِ اليانعة، وتلاعهِ الزاهية، وأنهارهِ الدافقة، وأطيارهِ المتناجية. إذا استل الزمان سيف الصبح من غمد الليل تفزَّعت ووقفت تلقاءَ القدر ضعافًا. مثل هذه خليقة بأن يُبكى عليها لأنها تموت قبل أن تولد.

تستخف بعض النفوس وِقر الإثم فتستحدث وقرًا. على أنهُ سيأتي عليها حين من الدهر تنوءُ فيهِ بأعباءٍ ثقال. يا ويل المورَّطين في شبهات الجهل. أظلمت عليهم ليالي الحياة فلا يبصرون ما حولهم، ولا تزال في العمر بقية وفي الدهر متسع لو شاءوا انتباهًا. غير أني معزيهم عن ذلك بالصبر الجميل.

الحاج إسحق والحاج مقصود. لله فرسا رهان يتسابقان إلى غاية واحدة، حين مَدَّ أحدهما يمينَه إلى قبر النبي زائرًا، وطاف بالبيت واستلم الركن، هل حسب نفسهُ يُقرض الله سابقًا؟ أم هو يعلم أنهُ أغضبهُ لاحقًا؟ تحج المطايا ولا تحج الركبان. والقطار الزافر الصافر حين يطوي الفدافد والتنوفات لَأَكْبَرُ عند الله ثوابًا.

الغرب بل مصر بها أناس يحمون الحيوان ولا يدعون ابن آدم يستبدُّ بهِ في جر الأثقال وطي السرى، وبنات آدم تُباع كما يباع الببغاءُ والبلبل وعصفور قناريا لتكون في أقفاص من الذهب تطرب بصوتها وتعجب بحُسنها، إن هذا لهو البلاءُ العظيم.

أما لو كان الأمر بيدي لأَلَّفت مجتمعًا من أهل النجدة وحاربت هؤُلاءِ التجار، تجار الأعراض والأرواح، وقلت يا أخواتي هذا ملك الله امرحنَ في أرجائهِ بسلام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤