الفصل الأول

تمهيدي

تداخل العلوم الإنسانية وتشابكها

ما الذي يدفع رجلًا يدرس الأدب واللغة، ويشتهر بأنه مترجم في المقام الأول، إلى كتابة كتاب (على ضيق نطاقه وبساطته) عن فيلسوف لم يتخصص في لغته (الألمانية)؛ بل يقرأ ما كتبه وما يكتبه الآخرون عنه بالإنجليزية؟ السؤال مشروع، ولكن إجابته يسيرة، فلقد أصبح النقد الأدبي اليوم مبحثًا علميًّا يضرب في معظم فروع العلوم الإنسانية بسبب، وأصبح المشتغل بالأدب (كتابةً أو نقدًا، نظريًّا أو تطبيقيًّا) مشتغلًا أيضًا ببعض ما تسهم به هذه العلوم في تطوير النظريات الأدبية، وإن اختلف حظ هذا الإسهام (باختلاف المداخل النقدية النظرية) من النتاج الوفير لهذه العلوم، وقد يكفي أن أذكر بعض هذه العلوم حتى يدرك القارئ أن النقد الأدبي الذي يشغل مكانة رئيسية في المباحث العلمية للأدب لم يعد يقتصر على ما خلفه لنا القدماء من نظرات «جمالية» أو «بيوغرافية» أو «نفسية» أو «اجتماعية» أو «سياسية» عميقة، فعلى رأس هذه العلوم الإنسانية يجد المرء علم اللغة الحديث بفروعه المتشعبة المتداخلة، وهو العلم الذي نما نموًّا مذهلًا في العقود الأخيرة من القرن العشرين، حتى أصبح مجالًا لشتى النظريات التي جاءت بها العلوم الإنسانية الحديثة، مثل فلسفة التحليل اللغوي (analytical philosophy) (أو الفلسفة التحليلية وحسب) حيث يصادف المرء أسماء كبار روادها؛ مثل برتراند رسل (Russell)، وجلبرت رايل (Ryle)، ولودفيج فتجنشتاين (Wittgenstein). كما يجد المرء النظرية الأدبية الحديثة التي أعادت ربط الأدب بحركة الإنسان في المجتمع، وحياته الفكرية، وما يترتب على ذلك من النظرات التي جاء بها رواد هذه المدرسة، فهي أفكار لم نعد نستطيع اعتبارها نوافل أو أن ندفعها إلى هوامش دراستنا للنصوص الأدبية، بل أصبح الجميع يعرفون أهم ما جاء به رولان بارت (Barthes)، وميشيل فوكوه (Foucault)، وجاك دريدا (Derrida)، وماكس فيبر (Weber)، ويورجن هابرماس، وهوركهايمر، وأدورنو (Habermas), (Adorno), (Horkheimer)، وغير هؤلاء ممن أصبحت نظرياتهم تشكل مجالات فكرية لا بد من اطِّلاع الدارس للأدب والنقد الأدبي عليها، فإذا استطعنا التعميم قلنا: إن الأطر الفكرية الحديثة التي أتى بها الرواد (وقد اقتصرتُ على ذكر عَدَدٍ جِدِّ محدود من الفرنسيين والألمان) أصبحت تشكل خلفية فكرية نظرية تعتبر خلفية فلسفية، فالفلسفة منهج التجريد (abstraction) والتعمق والتعميم (generalization)، وإذا كان بعض الفلاسفة يتوسلون بالأمثلة الشارحة (illustration) لإيضاح مذاهبهم — مهما بلغت تجريدًا وعمقًا وتعميمًا — مثل سبينوزا (Spinoza) وفيكو (Vico) من محدثي الأمس القريب، ومن تلاهم مثل برتراند رسل وج. أ. إير (J. A. Ayre). فإن البعض الآخر لا تعنيه الأمثلة، ويهتم في كتابته بمخاطبة من يتمتعون بمعرفة أولية (أو حتى متخصصة) بالتراث الفلسفي الإنساني، أو على الأقل بتقاليد الفلسفة الغربية الأساسية، ومن ثم تجدهم يبنون ما يبنون على هذه المعرفة وهذه الأسس، وقد يفترضون أن قراءهم أوروبيون يجيدون اللغات الأوروبية الحديثة (إذ يتعلمونها في المدرسة) أو أنهم يحظون بقسط وافر من المعرفة باليونانية القديمة واللاتينية، وقد ينزع بعضهم إلى تصور مخاطبته طلاب الدراسات العليا في جامعته، فيقول ما يقول حسبما ترد الفكرة إلى ذهنه، والفكرة الفلسفية بطبيعتها تجريدية وتعميمية، فإذا صادف هذا الضرب الأخير من الفلاسفة قبولًا من أهل لغته (من بين المتخصصين) وآن له أن ينشر ما قال على القراء من بني جلدته من غير المتخصصين؛ واجهته صعوبات تضطره إلى قول المزيد مما يلقي الضوء على ما بدا للناس غامضًا عويصًا، بل ربما يكون (حين يحاول ذلك) قد فقد القدرة على التبسيط، وأصبح أسلوبه مرآة لفكره الذي اعتاد التجريد والتعميم ومصطلح الحرفة (jargon)، بحيث يُضطر بعد ذلك إلى سك (coining) المزيد من المصطلحات وشرحها تيسيرًا على من لم يفهم ما عمد إليه في كتاباته الأولى.
ولقد أسعدني الحظ في السنوات الخمس الأخيرة (٢٠١٢–٢٠١٦م) بترجمة عدد من كتب هؤلاء المفكرين، فعكفت على الدراسة الجادة للمجالات الفكرية التي يعملون فيها، وكنت أقضي معظم وقتي دارسًا لمذاهبهم، إن كانوا فلاسفة مذهبيين، أو لنظراتهم إن كانوا من ذوي النظرات التي قد ترقى إلى مستوى النظريات، وقد لا ترقى، وعندما انتهيت من ترجمة موسوعة الهرمانيوطيقا (Hermeneutics) (٢٠١٥م) في العام الماضي (٢٠١٦م) كنت قد أحطت إحاطة لا بأس بها بفكر مارتن هايديجر (Heidegger)، الذي يُعتبر إمام الوجودية الألمانية، وتلميذه هانز-جورج جادامر (Gadamer)، الذي يُعتبر ربَّ الهرمانيوطيقا الحديثة وخليفة شلايرماخر (Schleiermacher). ولقد صادفت بعض الصعوبات الخاصة في محاولة نقل فكر هذين المفكرَين تحديدًا إلى اللغة العربية بوضوح وسلاسة، مُكَابدًا عناء الترجمة عن ترجمة أحيانًا، وإن أفادني ما قرأته لمن ترجموها (وخصوصًا مترجمي هايديجر) في التغلب على صعوبات ما تُرجم أو يترجم من الألمانية، إذ أسهم منهم عدد غير قليل بشروح مستفيضة في معاني مصطلحات هايديجر التي ابتدعها أو ابتكرها ابتكارًا حتى صارت عَلمًا عليه، وكدت أحاكي بعض هؤلاء المترجمين بأن أُعَرِّبَ بعضها، أي أن أكتبها كما هي بحروف عربية، مثلما نَجْلَزُوهَا، أي كتبوها بالحروف اللاتينية المستخدمة في الإنجليزية، تفاديًا لإيراد «مرادف» قد لا يكون مرادفًا كاملًا، ولكنني استعنت بالترجمات الفرنسية، فوجدت أن المترجمين الفرنسيين شديدو الاعتزاز بلغتهم ولم يُفَرْنِسُوا أية مصطلحات، بل جاءوا لها بمقابلات أردفوها بشروح. ولما كنت لا أقِلُّ اعتزازًا بلغتي العربية، فقد ارتضيت هذا المذهب لسبب أوضحه فيما يلي:
فأما ذلك السبب فهو أن جوهر ما يقوله هايديجر كامن في مصطلحه الجديد، إلى الحد الذي يجعل فهم مصطلحه فهمًا لفكره، ولا أَدَلَّ على ذلك من أن الكتب التي حَصَلْتُ عليها في مطلع العام الماضي (٢٠١٦م) سواء ما كتبه بنفسه أو ما كتبه الآخرون (بالإنجليزية) عنه، تتضمن صفحاتٍ أو فصولًا في شرح المصطلحات، ودفاعَ كُلِّ مُحَرِّرٍ لأعماله أو مُحَقِّقٍ لها، بل كُلِّ شارحٍ لها؛ عن مفهومه الخاص لكل مصطلح. صحيح أن بعض المحررين والشُّراح لا يتفقون حول كل مصطلح، ولكنهم لا يختلفون حولها جميعًا أيضًا. وكنتُ أتمنى أحيانًا لو كنتُ أجيدُ الألمانية إجادتي للإنجليزية، ظانًّا أنَّ هذا كان يمكنه أن يفتح الباب على مصراعيه للدخول في عالم فكره، لكنني وجدتُ أن أساتذة الألمانية أنفسهم لا يكادون يقطعون بالمعنى المراد لبعض مصطلحات هايديجر، فبعضهم يقول: إن هذه الكلمة تعني كذا في الحياة اليومية الألمانية، ولكنها لا تفيد هذا المعنى هنا، فقد تفيد كذا، وقد تفيد كذا. وقلت في نفسي: لا بد من إثبات الحد الأدنى من المعنى الذي اتفق الشراح عليه حتى أهتدي به في فهم الفيلسوف، وقضيت شهورًا في ذلك العمل حتى انتهيت من كومة الكتب على مكتبي، وإذا بي أفاجأ بأن المساهمين في موسوعة الهرمانيوطيقا المشار إليها (وعددهم خمسة وخمسون أستاذًا متخصصًا في الفلسفة) لا يتفقون إلا على أقل القليل، وهم كُتَّابٌ يتكلمون لغاتٍ أوروبيةً مختلفة، وإن يكن عدد كبير منهم إما من الألمان، وإما من أصول ألمانية ويقيم في الولايات المتحدة. لكنني كنت مسلحًا بالعزم الوطيد على أن أفهم هايديجر، فلديَّ عددٌ كافٍ من كتبه المبكرة والمتأخرة، وعدد كاف أيضًا من الكتب الشارحة له، بالإضافة إلى معجم هايديجر الموجز (glossary) الذي وضعه واطس عام ٢٠١١م.
وهكذا قررتُ أن أكتبَ ما يُعتبر مقدمةً لفهم فلسفة هايديجر، بالتركيز على ما كتبه عن مذهبه الخاص الذي نطلق عليه الوجودية (existentialism) باللغة العربية، وعن الميتافيزيقا (metaphysics)، وعن جوهر الحقيقة (truth)، وعن أصل العمل الفني (work of Art)، وما يسمى الرسالة عن المذهب الإنساني (Humanism)، وعن العلم والتكنولوجيا والتفكير، وعن اللغة (بصفة خاصة) وانتهاءً بما يسمى غاية الفلسفة ومهمة التفكير، وأن يكون النصف الأول من هذا الكتاب تمهيدًا لفهم المصطلحات التي أُورِدُهَا في النصف الثاني منه، ورأيتُ ألا أجعلها تقتصر على مصطلحات هايديجر؛ بل تشمل بعض مصطلحات جادامر ودريدا، وبعض الأصول الكلاسيكية التي اعتمد هؤلاء عليها، والجمع بين جادامر ودريدا ليس اعتباطًا، إذ إن المحاورة التي جرت بينهما في باريس تلقي الضوء على الكثير مما قد لا يتيسر لنا إدراكه من مصطلحات هايديجر لولاها.

وإذا كانت هذه الإجابة قادرة على تبرير انشغالي وانشغال بعض دارسي الأدب والنقد من الجيل الجديد بالعلوم الإنسانية الحديثة، والأيديولوجيات ذوات التأثير المؤكد في الفكر النقدي الحديث، وخصوصًا التحليل النفسي، والدرس الاجتماعي، والماركسية الجديدة، وما يسمى: ما بعد الماركسية، والبنيوية، والتفكيكية والسيمياء، والنقد النسوي، وما بعد الاستعمار، وما بعد البنيوية، والوجودية، فقد لا تكفي لإيضاح اختياري مارتن هايديجر الذي أصبحت كتابته تمثل تحديًا لقدرة القارئ على الفهم، بسبب مصطلحاته الخاصة، كما ذكرت آنفًا، فهي مصطلحات قد يصعب فهمها، ومن ثَم تصعب ترجمتها ويصعب توصيلها إلى القارئ العربي بأسلوب واضح سلس، كما ذكرت آنفًا أيضًا. وهنا تبرز قضية من قضايا الهرمانيوطيقا — وهي قضية الفهم — القادرة على إلقاء المزيد من الضوء على سبب انشغالي وانشغال غيري بهذا الفيلسوف. فماذا يعني الفهم؟

ما الفهم؟

يكاد المحدثون يجمعون على أن المقصود بتعبير «الكلام المفهوم» هو الكلام الذي يحيل القارئ إلى ما يعرفه، أي إن أساس الفهم معرفي، والمعرفة هنا نوعان: النوع الأول يقتصر على دلالة الألفاظ في سياقها، أي معنى كل لفظة باعتباره مألوفًا للقارئ، سواء كان ذلك المعنى مجردًا (أي تجريديًّا)، أو مجسدًا، أي يستطيع القارئ أن يرسم له صورة حسية في ذهنه، والنوع الثاني هو مرمى الكاتب الذي قد لا يتضح من معاني الألفاظ مفردة أو مجموعة، فهو يعتمد على مدى إحاطة القارئ بمعرفةٍ يفترض الكاتب وجودها لديه، فإذا كان القارئ يتفق مع الكاتب في الخلفية المعرفية أصبح فهم هذا النوع الثاني يسيرًا، وإذا كانت خلفيته المعرفية تختلف عن خلفية الكاتب اختلافًا شديدًا، إما بسبب اختلاف الثقافة ولو اشترك الاثنان في اللغة، وإما بسبب اختلاف اللغة، فكل لغة تختص بعالم صاحبها، كما يقول عالم اللغة الشهير هاليداي (Halliday)؛ أصبح الفهم عسيرًا أو مُحالًا. فأما المثال على اتفاق الخلفية المعرفية في الأقوال التي تتضمن المجسدات فقولك لصديقك أو لزميلك: «أرجوك أن تغلق الباب عند الخروج»، وأما المثال من اتفاق الخلفية في الأقوال التي تتضمن المجردات فقولك لصاحبك: «لا تحزنْ على ما فاتَ واسْتَبْشِرْ بما هُو آت» ففي الحالين يحيل الكاتبُ قارئه، أو يحيلُ المتكلمُ سامِعَه، إلى معرفةٍ عامةٍ يتمتع بها من يعرف اللغة، ولا يمثل التجريد له عقبة، فهو يعرف ما الحزن، ويعرف الاستبشار، ويعرف الفرق بين ما فات وما هو آت، وأما المثال على اختلاف الخلفية المعرفية فقول رجل الاقتصاد: «إن اتفاقيات بريتون وودز (Bretton Woods) ظاهرها الرحمة للدول النامية وباطنها العذاب» فهذا القول يفترض أن القارئ يعرف أن الاتفاقيات المذكورة قد أُبرمت عام ١٩٤٤م، عند إنشاء منظمة الأمم المتحدة (United Nations Organization) (التي كانت تسمى هيئة الأمم المتحدة ثم حُذف من التعبير اللفظ الأول) وأن الاتفاقيات المذكورة أدت فيما بعد إلى إنشاء ما يسمى البنك الدولي للتعمير والتنمية International Bank for Reconstruction and Development (أو: للإنشاء والتعمير، كما يترجم العنوان أحيانًا، ثم أصبح البنك الدولي فقط) وأنشأت آنذاك صندوق النقد الدولي (International Monetary Fund). فإذا كان القارئ مُلِمًّا بمعنى التعبير المذكور، ولا بد أنه سمع عن الدول النامية (Developing)، التي كانت تسمى الدول المتخلفة Backward ثم استُعيض عن صفة «التخلف» (عن ركب الحضارة؟) — لأن فيها شُبهة الإساءة إلى البلدان الصغيرة — بصفة «النامية»، فالكلمة مقبولة لأن النمو (والمقصود النمو الاقتصادي) لا يعيب أحدًا؛ أقول إذا كان القارئ يتمتع بهذه المعرفة، فسوف يفهم مدلول العبارة، فظاهر الرحمة وباطن العذاب صيغة عربية أصيلة، يُفترض أن أبناء العربية قد درجوا على سماعها وفهمها، وربما سمعوا الصورة المعكوسة لها عندما قرءوا وصف أمير الشعراء أحمد شوقي للصوم بأنه فريضة ظاهرها العذاب وباطنها الرحمة. وأما إذا لم يكن لدى القارئ علم بالإشارة التاريخية، وكيف أنها كانت اتفاقيات ترمي إلى التعمير، أي إعادة البناء، في أعقاب ما أحدثته الحرب العالمية الثانية من خراب ودمار، فربما لم يستطع إدراك المقصود، ولو على المستوى الظاهري للعبارة، بتعبير الرحمة والعذاب، وأما إذا كان من المثقفين الذين يعرفون «الأسرار» أو «المرامي السرية» (وإن لم تعد اليوم سرية) لسياسات صندوق النقد الدولي في إقراض الدول الفقيرة مبالغ مالية تكبلها بفوائد يستمر دفعها مع تسديد أصول القروض سنوات طويلة، فسوف يدرك المقصود الاقتصادي المحدد (الديون وأعباءها) لكلمة الرحمة الظاهرة والعذاب الباطن.
وهذا النوع الثاني من الفهم هو الذي ينشط فيه خبراء الهرمانيوطيقا، فذلك مجال يتضمن التفسير بصفة أساسية، ولكنه يتضمن الفهم قبل التفسير، أو قل: إن التفسير يعتمد فيه على الفهم بشتى أشكاله، والأشكال المقصودة منوعة ومتفاوتة تفاوتًا شديدًا، فأما الشكل الأساسي الذي قَدَّمْتُهُ هنا لمعرفة القارئ لمعاني الألفاظ، مفردة ومجتمعة، وهو المنتمي إلى النوع الأول فلا يمثل مشكلة لنا، فالكاتب أو المترجم الذي يحاول الظفر بفهم القارئ يبذل جهده إذا أراد توصيل فكرة جديدة حتى يقيمها على أسس معرفية يثق في وجودها لدى قارئه، أي إنه يتوسل بالمعلوم في إيضاح المجهول، ولا غنى عن المجردات ما دام مجاله هو البحث العلمي، وقد يمزج المجرد بالمجسد مزجًا يتيح للقارئ أن يستعين بالمجسد في فهم المجرد، وأما النوع الثاني فهو مجال المشاكل؛ لأنه قد لا يتوسل بالمجسدات إلا فيما ندر، وكلما تعمق العلم والبحث العلمي ازداد تواري المجسدات وازداد الاتكاء على المجردات، والمجردات أيضًا تنقسم إلى قسمين، فأما القسم الأول فهو الأيسر؛ لأنه يرتبط بالمجسدات وإن لم يعتمد اعتمادًا كُلِّيًّا عليها، وأما القسم الثاني فلا يرتبط إلا من مسافة شاسعة بالمجسدات. فأما القسم الأول فمثاله قولك: «النهضة الاقتصادية تتطلب التنمية الصناعية لا الاستثمار العقاري» فالمجردات هنا يسيرة الفهم لكل من يعرف معنى التنمية، أي تحويل ما هو غير مُنْتِجٍ إلى مُنْتِج، ولكل من يعرف معنى التعبير الأخير الذي يشير إلى تحويل العقارات (أي الأصول الثابتة مثل الأراضي والمباني) إلى مصادر للدخل من خلال التجارة أو الأنشطة الإنشائية؛ مثل شراء الأراضي بثمن زهيد وبيعها بثمن باهظ، أو بناء الأبنية وبيعها بهامش ربح كبير. وتعبير «التنمية الصناعية»، وإن لم يكن تجريديًّا فإنه يسير التصور، وقد يفهمه القارئ في صورة مجسدة أي «إقامة مصانع حديثة تتحول فيها المواد الأولية إلى منتجات صناعية تفي بحاجات الإنسان المتزايدة».
وأما القسم الثاني من المجردات فلا يرتبط بالمجسدات إطلاقًا، فهو مجال العلوم النظرية لا العملية ولا التطبيقية، وتصل فيه المجردات إلى حدودها القصوى، وله عدة أفرع، أحدها يستند إلى طاقة التفسير لدى القارئ، بحيث يمكنه تحويل التعبير المجرد الغامض إلى تعبير مجرد واضح، ونموذج هذا الفرع قولك: «إنك تكتسب فهمًا انعكاسيًّا من قراءة نص أبيقور»، فمربط الفرس هنا هو «الصفة»، أي «الانعكاسي»، فهي كلمة متخصصة أي مصطلح يعني الانعكاس في الذات، أي إن قراءة نص أبيقور لا يُكْسِبُكَ فهمًا بالنص المقروء فقط؛ بل يُكْسِبُكَ فهمًا لنفسك أيضًا، وهذا تعبير دخل إلى العربية عن طريق الترجمة، فالضمائر الانعكاسية في الإنجليزية (reflexive pronouns) ضمائر تعود على الذات أو على النفس.
وما دام الفهم يعتمد — كما ذكرت في مستهل الفقرة قبل السابقة — على إحالة النص إلى ما يعرفه القارئ أو السامع، فإن إتيان الكاتب بكلمات جديدة على القارئ، قد يجدها في المعاجم وقد لا يجدها، يمثل صعوبة معرفية تعيق الفهم، وأما إقدام الكاتب على سك كلمات جديدة، أو نحتها من كلمات معروفة، بقصد تكوين مصطلح خاص به، أي تكوين معجمه الفكري الخاص، فإنه بذلك يفرض على القارئ اكتساب معرفة خاصة تيسر له فهم هذا المصطلح الخاص، أي الاستعانة بما يضعه المتخصصون من تفاسير لهذا المصطلح قبل أن يتمكن من فهمه، أي إنه لا بد أن يطلب التفسير قبل الفهم، وهو عكس ما افترضناه في مستهل الفقرة المشار إليها، ومن ثم يصبح لزامًا على من يطلب الفهم أن يحيط بالتفاسير الخاصة بمصطلحات الكاتب الخاصة، وقد يكون من بينها ما هو جديد تمامًا، وقد يكون من بينها ما ليس بجديد معجميًّا بل يكتسب لدى الكاتب دلالات جديدة خاصة بمذهب الكاتب الفكري، وفي الحالين تنهض معرفة القارئ بالمصطلح الجديد أو الألفاظ المألوفة التي اكتسبت دلالات غير مألوفة بالدور الأساسي في الفهم، وذلك هو ما يجعل معظم شراح هايديجر يولون أهمية قصوى لتفسير مصطلحاته الخاصة بنوعيها المشار إليهما، بل ويدرجون في كتبهم معاجم مصغرة تتضمن الدلالات التي ينبغي للقارئ أن يحيط بها حتى يفهم كل ما يأتي به الفيلسوف من أفكار، وتزداد هذه الصعوبة ويزداد الأمر تعقيدًا على القارئ غير الملم باللغة الألمانية إلمامَه بلغته الأم أو حتى باللغة الوسيطة التي يُتَرْجَمُ إليها ما كتبه هايديجر، فهو يصادف اختلاف التفاسير التي وضعها المترجمون المتخصصون عن الألمانية، ويواجه اختلافاتهم في التفسير، وعليه أن يختار (اهتداء بما يكتسبه من معرفة بفكر هايديجر وما طرأ عليه من تحول، بعد عام ١٩٣٠م، من كتابات الدارسين وكتابات المفكر نفسها في ترجماتها المختلفة) أفضل السبل لترجمة هذه المصطلحات إلى العربية، فعلى أساس هذه الترجمات يعتمد مفهومه لنصوص الفيلسوف ومراميه، ومن ثم ما يقدمه إلى القارئ العربي باعتباره الشكل الصادق لفكر مارتن هايديجر.
fig1
رسم بياني لرؤية المحدثين للفهم.
وقد لخصت في الشكل البياني أعلاه رؤية المحدثين للفهم، باعتباره يمثل نشاطًا هرمانيوطيقيًّا أي باعتباره ذا صلة مباشرة بما يسميه هايديجر «صورة العالم» (Weltanschauung) وهذا التعبير من المصطلحات المهمة، كما سوف نرى، عند هايديجر، إذ إنه يجعل صدق هذه الصورة (وهو يسميه «صحتها») دليلًا على إدراك الإنسان لوجوده في العالم، ويعني به عالمه الخاص، وخطوة الإدراك المذكورة تعتبر تتويجًا لجهد معرفي من جانب الفرد مثلما تؤدي هي نفسها إلى معرفة من نوع أعمق وأشمل، ألا وهي القيام بأفعال تثبت جدوى وعيه بوجوده بين البشر في عالمه، أي إن المعرفة المكتسبة من إدراك الوجود ذات طابع عملي لا يتكلم هايديجر كثيرًا عنه، ولكنه يشير إليه في سياق تحليله لمفهوم أرسطو للحكمة العملية (phronesis) باعتبارها ثمرة من ثمار الوجود «الأصيل» (authentic) أي وعي الإنسان بقيمة وجوده، وصدقه مع نفسه.
ولعله يكون مفيدًا أن نذكر أن هايديجر كان يستعمل تعبير «دائرة التفسير» بمعنى «دائرة الفهم»، وبذلك يضيف بُعدًا جديدًا ومهمًّا إلى مفهوم «دائرة الفهم» الهرمانيوطيقية عند آصت (Ast)، فالأخير كان يعني بالدائرة انطلاق المرء في قراءة نص من النصوص من تصور للمعنى الكلي إلى فهم أجزائه. ثم يهتدي بهذا المعنى في فهم أجزاء تالية للنص، ولكن هذه الأجزاء قد ترغمه على تعديل فهمه للمعنى الكلي، فيعدله عائدًا إلى جزء تالٍ في النص، حيث يمكن أن يختلف معناه الآن في ضوء اختلاف المعنى الكلي وهكذا دواليك في دائرة من الجزء إلى الكل ثم إلى الجزء أو ما بين الأجزاء، وهي دائرة لا تتوقف على امتداد القراءة، وهو ما يُفَصِّلُ جادامر القول فيه (انظر مادة الهرمانيوطيقا في حواشي المعجم في آخر الكتاب)، وجيء لها بمصطلح جديد هو mereology الذي عربتُه لصعوبة إيجاد ترجمة من كلمة عربية واحدة له، وهي عند آصت توازي «دائرة الفهم» (circle of understanding) واستعمالها بمعنى دائرة التفسير (circle of interpretation) عند هايديجر وغيره يضيف بُعْدًا جديدًا ذاتيًّا، أي من عند القارئ، فدائرة التفسير عند بعض المحدثين تعني أن القارئ يزداد فهمه لنفسه، أي بصورة انعكاسية أي (reflexively) عند قراءة النص، وهو ما يؤدي بدوره إلى اختلاف فهمه للأجزاء التالية من النص، ثم يزيد فهمه لنفسه عند قراءة المزيد من النص، وهكذا دواليك أيضًا في دائرة مستمرة، وهو معنى شبيه بما نجده عند إدوارد سعيد مثلًا، وأما هايديجر فكان يصر على أن التفسير (مهما تكن درجة اكتماله بسبب هذه الدائرة) من المحال أن يصل إلى فهم أو تفسير نهائي لأي شيء، فكل تفسير لديه تفسيرٌ أو فهمٌ تاريخي مقيدٌ باللحظة الزمنية التي يحدث فيها، لأن تصور وجود حقيقة مطلقة أي غير تاريخية (ahistorical) في نظره محال، ولذلك فإن «دائرة الفهم» عنده تلتقي «بدائرة التفسير»، وهي تضم معنى آصت القديم إلى المعنى الذي جاء به عن زمنية الفهم والتفسير (temporality) في دائرة جديدة.
وهكذا فإن معرفة القارئ في الرسم البياني معرفةٌ سابقة، وهي تتغير بطبيعة الحال وفق فهمه للنص، ولكنها تتيح له أن يستوعب ما يأتي به المؤلف وفق مفهوم دائرة آصت، كما يقول هايديجر في شرحه للهدف من تقديم أفكار أفلاطون (في كتابه السوفسطائي لأفلاطون من ترجمة روشيفتز وشوفر ١٩٩٧م) أي أن يعين القارئ على فهم المضمون الحقيقي والصادق للحوار الأفلاطوني حتى يفهم على ضوئه كل جملة (ص١٦٠). وهو يستخدم «الدائرة الانعكاسية» أو دائرة التفسير أو الفهم الحديثة في الوقت نفسه عند تحليله لأخطاء مفكري (أو بعض مفكري) التراث الفلسفي الذين لم يدركوا كيف أدت الدائرة التفسيرية الانعكاسية إلى إضفاء معان على بعض النصوص التراثية نتيجة تفاعلهم معها، وذلك يؤثر في صدق التفسير. وأما الأفكار الغريبة في الرسم البياني فتلتقي عند هايديجر مع الألفاظ الغريبة التي يمكن أن تحملها إلينا، ولكن غرابة الألفاظ في ظني لا تعني استحالة فهمها أو تقديمها في صورة مفهومة، كما أبين في القسم التالي الذي أناقش فيه ترجمة كلمةٍ أصبح الدارسون يرددونها بلفظها دون محاولة لترجمتها كأنما هي تعويذة سحرية، أو كلمة كتب عليها ألا تترجم إلى أية لغة أخرى، كأنما اجتمعت فيها قوة لا قِبل للبشر بتصورها مثل اسم يَهْوَه (Jehovah Yahwah) عند اليهود. وأعني بها كلمة «الحضور» أي (Dasein). (انظر حواشي المعجم المرفق).
لكنني لن أتعرض في الكتاب أو في معجم مصطلحات هايديجر لرؤيته الخاصة للهرمانيوطيقا التي لا تقتصر، كما يقول المتخصصون، على التفسير بل تضم من أنواعه الفهم أيضًا، وهو ما توسع فيه جادامر، تلميذ هايديجر، مؤكدًا دور التحيز في التفسير، ودور الفرضيات المسبقة التي تؤثر في مدى الفهم الصحيح والتفسير الصحيح جميعًا، وإن كنت أوردت في المعجم عددًا من أهم مصطلحات جادامر التي يدين بها لأستاذه هايديجر، فمصطلحاته تلقي الضوء على مصطلحات أستاذه، وللقارئ أن يرجع إلى موسوعة رتلدچ للهرمانيوطيقا، من تحرير مالباس وجاندر، ٢٠١٥م (والترجمة العربية تحت الطبع) إذا أراد الاستزادة.

ما الحضور؟

وقد حدا بي ذلك، كما قلت، إلى إيلاء الأولوية لمصطلحات هايديجر وتبيان اختلاف دلالاتها في نظر الدارسين، وإلقاء الضوء على تحول هذه الدلالات فيما بعد مرحلة الوجود والزمن (١٩٢٧م) حتى أعماله الأخيرة التي سأُبدي اهتمامًا بها بسبب علاقتها بالفن والأدب، خصوصًا فن الشعر، وما يترتب عليها من نظرات مفيدة للناقد الحديث. وسوف أضرب مثالًا واحدًا للاختلاف بين المتخصصين حول معنى المصطلح الأساسي الذي أشرت إليه من مصطلحات هايديجر، إذ دأب مترجموه على كتابته بصورته الألمانية خشية إيراد ترجمة لا تمثل المعنى الدقيق الذي يقصده الفيلسوف، وهو مصطلح Dasein الذي ترجمته أنا أولًا بمصطلح الحضور ترجمة مؤقتة تعتمد أساسًا على الدلالة الاشتقاقية، ثم صرت أستبدله بعد ذلك في ذهني أثناء قراءة نصوص هايديجر بالكلمة الألمانية، فأجده يقدم صلب المعنى المراد إلى جانب دلالات أخرى ثانوية مستمدة من كل سياق على حدة، ولما كانت الكلمة الألمانية تختلف دلالتها باختلاف السياق، وتكتسب ما تكتسبه من دلالات ثانوية من السياق نفسه، رأيت أن ذلك يمكن أن ينطبق على الكلمة العربية، كما اكتشفت أثناء دراستي لهايديجر أن الكلمة العربية تتضمن عناصر دلالية تماثل العناصر التي تضفيها السياقات المختلفة على الكلمة الألمانية باعتبارها دلالات ثانوية، منها مثلًا أن لها دلالة مجردة (كون الشيء أو الإنسان موجودًا) ودلالة مجسدة (تشير إلى الحاضرين)، ومنها أنها لفظ مفرد، ويمكن أن يفيد معنى الجمع، وقبل هذا وذاك يتفق معناها الدقيق مع معنى اللفظ الألماني اشتقاقًا، فهو يعني حرفيًّا «الوجود في مكان معين» ويضيف بعض الشراح الألمان أنه يفيد «الوجود في لحظة زمنية معينة» أيضًا، والدلالتان يشملهما الحضور، كما إن إحدى الدلالات الثانوية للكلمة الألمانية تفيد الوعي أو «حضور الذهن»، ومن ثم ارتضيت هذه الترجمة، راجيًا أن تنهض السياقات التي ترد فيها بمهمة إضافة أي معنى ثانوي آخر. وسوف أورد هنا بعض نماذج الشروح الإنجليزية لهذا المصطلح أبدؤها بنموذجين: الأول يعود إلى عام ١٩٥٧م (أي إنه صدر في حياة هايديجر)، والثاني إلى عام ٢٠١٤م، أي بعد عقود من وفاته وصدور عشرات الكتب عنه، فهايديجر ولد عام ١٨٨٩م وتوفي عام ١٩٧٦م. وفيما يلي تعريفٌ لهذا المصطلح، كتبه أستاذ فلسفة معاصر للفيلسوف — وهو جون باسمور (Passmore) — في حاشية على عرضه لفكر هايديجر، في كتابه مائة عام من الفلسفة، وها أنا ذا أورده من دون ترجمتي للمصطلح المذكور. يقول باسمور:
أغامر باستخدام هذا التعبير، أي «الوجود الإنساني» (Human Existence) باعتباره ترجمة لمصطلح Dasein عند هايديجر، في السياقات التي تهمنا بصفة خاصة. ولفظ Dasein حرفيًّا، يعني — باعتباره فعلًا — «أن يكون موجودًا» (to be there)، وباعتباره اسمًا «الوجود» (Existence)، ولكنَّ كلَّ ترجمة من هاتين الترجمتين مُضَلِّلَةٌ. فمما تتميز به صعوبة ترجمة هايديجر أن المترجمين قد اقترحوا لترجمة كلمة Dasein ألفاظًا ذوات معان بعيدة؛ مثل «الوجود في مكان ما» (being-there)، ومثل «الطابع العابر» (transience)، بل إنه قيل بصدد Dasein: إنها «كلمة ذات دلالة مرادفة تقريبًا لدلالة العقل الخالص (pure reason) عند كانط (Kant) على الرغم من عدم اتصافها بالدلالات العقلانية البارزة في المصطلح الكانطي (مسرحية هاملت من دون أمير الدنمارك؟). والمترجمان ماكواري وروبنسون (Macquarrie & Robinson) يحتفظان، على غير عادتهما، باللفظة الألمانية في ترجمتهما، وذلك لا شك البديل الوحيد أمام من يرجو أن يترجم Dasein بالتعبير نفسه في جميع السياقات التي ترد فيها. أما ترجمتي «الوجود الإنساني» فتعادل تقريبًا ترجمة سارتر وهي «الواقع الإنساني» أو «الحقيقة الإنسانية» (Réalité Humaine)، ولكن ترجمتي لن تصلح، كما هو واضح، في السياقات التي يتكلم فيها هايديجر عن «وجود الله»» (ص٤٧٩).
ويقول جريجوري فريد وريتشارد بولت (Gregory Fried & Richard Polt) مترجما كتاب هايديجر مقدمة للميتافيزيقا: إن هذا الكتاب جدير بالانتماء حقًّا إلى هذا العصر بسبب نطاقه الفكري وعمق هذا الفكر، وبسبب أسلوبه المعقد الحافل بظلال الدلالات، فعلى الرغم من أن الكتاب يتكون من سلسلة من المحاضرات التي ألقيت على الطلاب في قاعة الدرس «فإن تأليفه يتسم بدقة شديدة، وتتضمن كل فقرة فيه تقريبًا سلسلة من التلاعب اللفظي على كلمات تستغل جرس الألفاظ الألمانية ومعانيها، بل والألفاظ اليونانية أيضًا، ابتغاء تقريبنا من الخبرة الصادقة بالظواهر الأزلية، وهذه الكلمات هي الكائنات (beings) والوجود (Being)، والحضور (Dasein).» ويعلق المترجمان بعدها على كل كلمة من هذه الكلمات في أربع فقرات فيما يلي ترجمة مقتطفات منها:
[١] Das Seiende: الكائنات (beings) أي ما هو موجود أو كائن (what is) أو (that which is). والتعبير الألماني الذي يستخدمه هايديجر واسع الدلالة إلى الحد الذي يشمل أي شيء يعتبر وجودًا لا عَدَمًا، أيْ أيَّ كيان (entity) قد نتعامل معه مهما اختلف نوع التعامل … (وأحيانًا يصف هايديجر شيئًا باعتباره seiend، وقد ترجمنا هذه الصفة التي تعتبر «اسم فعل» بعبارة «في الوجود» (in being)
[٢] وأما لفظ Seiendheit: فيعني beingness أي كون الشيء موجودًا أي «خصيصة الوجود»، أو ما يعتبر خصيصة كل ما هو موجود … ويقول هايديجر: إن تقاليد الميتافيزيقا كانت تركز أولًا وقبل كل شيء على إدراك «خصيصة الوجود» المذكورة، من خلال نظام مراتبي لتصنيف الأشياء ووضع بعضها فوق بعض، فالمذهب الأفلاطوني يركز مثلًا على الصور (forms) باعتبارها الكائنات التي تمثل خصيصة الوجود خير تمثيل، وتتيح للكائنات الأقل كيانًا خصيصة وجود مشتقة منها …
[٣] Das Sein: الوجود (Being). ويقول هايديجر: إن الوجود ليس شيئًا (thing) وليس كيانًا على الإطلاق، ولكنه «مفهوم» يشير إلى الكشف الحافل بالدلالات عن الكائنات باعتبارها موجودة … والوجود بصفة عامة يمكن أن يعني خصيصة الوجود (being = beingness) (أي خصيصة كل موجود حسبما تبحثها الميتافيزيقا التقليدية).
ويضيف المترجمان: إن بعض الفقرات في كتب هايديجر تشير إلى صورة وجود بعض الأشياء، ثم يطرح الفيلسوف سؤالًا مهمًّا يقول: «كيف يمكننا أن ندرك خصيصة الوجود في أي شيء موجود؟ ما الذي يدفعنا إلى تفسير الأشياء وإدراك وجودها؟»، ويقول المترجمان: إن هايديجر أصبح في الثلاثينيات يجيب عن هذا السؤال قائلًا: إن المرء يتعرض لحدث أصيل (event) يُمَكِّنه من إدراك وجود الأشياء وفهمها، وإن «هذا الحادث يمكن أن يسمى أيضًا وجودًا (Being) بمعنى أعمق وغير ميتافيزيقي.» وأحيانًا يستخدم بعض التعبيرات الخاصة؛ مثل «الوجود بمعناه المعروف» أو «الوجود نفسه» باعتبارها بديلًا عن عبارة «خصيصة الوجود» أو «وجود الكائنات»، ويضيف المترجمان:
[٣-أ] وعلينا أن نشير إلى أن بعض الباحثين يفضلون ترجمة das Sein بكلمة being المبدوءة بحرف صغير لا بحرف كبير (B) خشية الإيحاء بأن هايديجر يعني الموجود الأعلى الذي يقف فوق جميع الكائنات ويغذوها …
[٤] Dasein: هذه كلمة تُتْرَكُ دون ترجمة في معظم ترجمات عمل هايديجر، وتعريف Dasein في كتاب الوجود والزمن يقول: إنه الوجود المعنيُّ بقضية الوجود نفسه، وهو الوجود المتسائل عن الوجود (وخصوصًا وجوده هو نفسه). وفي معظم ما كتب هايديجر نجد أن هذا الوجود هو نحن، أبناء البشر، على الرغم من أن Dasein ليست معادلة وحسب للإنسان؛ ويصر هايديجر على أن Dasein ليست مفهومًا أنثروبولوجيا، أو نفسيًّا أو بيولوجيًّا، وقد يفيدنا أن ندرك أن الكلمة ليست نوعًا خاصًّا من الوجود، بل حالة يتصف بها البشر، أفرادًا أو جماعات، في حقبة تاريخية تتميز بانشغال البشر بقضية الوجود، أو بأن الوجود باعتباره حدث الكشف يقع فيها. ففي نَص مقدمة الميتافيزيقا يستعمل هايديجر عبارات يُفهم منها تصوير Dasein باعتباره حالة مثل Historical Dasein وOur Dasein وhuman Dasein أو the Dasein of a people [وترد ترجماتها العربية في آخر الفقرة]. وتستخدم كلمة Dasein في اللغة الألمانية الجارية في الحياة اليومية تمامًا مثلما نستخدم نحن كلمة existence [أي وجود]. وللقراء أن يستبدلوا الكلمة الأخيرة في جميع الأحوال بالكلمة الألمانية حتى يدركوا كيف كان الجمهور الأصلي لهايديجر يفهم أقواله، ولكن هايديجر دائمًا ما يعتبر الكلمة اللاتينية existentia مضلِّلة وسطحية، ولذلك فمن الأفضل أن نفسر كلمة Dasein من حيث دلالتها الجذرية. وهذه الدلالة الجذرية تترجم عادة إلى اللغة الإنجليزية بعبارة «الوجود في مكان ما»، ولكن هايديجر قد يكتب الكلمة من جزئين يرتبطان بشرطة قصيرة Da-sein وهنا استعملنا الترجمة الأصح والأقرب للحياة وهي الحضور Being-here. فكلمة Dasein تعني السُّكنى والوجود في مكان حاضر، أي في موقع يظهر في داخله الوجود والكائنات ظهورًا له معنى. (ص٨–١١).
وأظن أننا ما دمنا انتهينا إلى وجود دلالة الحضور في الكلمة، فلا بأس من أن نترجم التعبيرات الأربعة التي أوردتُها بالإنجليزية في منتصف هذه الفقرة إلى «الحضور التاريخي» و«حضورنا» و«الحضور البشري» و«حضور الشعب» على الترتيب، وبعض الشراح المحدثين يصرحون بهذه الدلالة القائمة في أعمال هايديجر بعد فترة التحول المشار إليها، ذاكرين أن كتاب الوجود والزمن، على أهميته العظمى كتابٌ ناقص، فلقد كان هايديجر يعتزم استكماله يومًا ما، واضْطُرَّ اضطرارًا إلى طبعه ناقصًا حتى يستكمل شروط تعيينه أستاذًا في الجامعة، ولذلك فهم يركزون على سياقات استعمال المصطلح بعد ما يسمى بمرحلة التحول في الثلاثينيات، وخير ما يمثلها في نظري كتابه مقدمة للميتافيزيقا (١٩٣٥م) فعندما نشره في عام ١٩٥٣م كتب تزكيةً له في تصديره لطبعة جديدة من الوجود والزمن باعتباره يتضمن إيضاحًا لقضية الوجود، كما يذكر بعض الشراح هذه الدلالة استنادًا إلى مقتطفات يجمعونها من كتاباته الكثيرة التي نشرت تباعًا بعنوان الأعمال الكاملة Gesamtausgabe بالألمانية وتُرْجم منها قدرٌ كبيرٌ، نُشِرَ جانبٌ منه فيما يسمى الكتابات الأساسية وتتضمن منتخبات من كتاباته من ١٩٢٧م (الوجود والزمن) إلى ١٩٦٤م (مهمة التفكير) وظهرت طبعتها الأولى عام ١٩٧٧م ثم ١٩٩٣م واشترك في ترجمتها عدد كبير من المتخصصين، ثم صدرت طبعتها الثانية المزيدة المنقحة عام ٢٠٠٨م، وتتضمن أحد عشر فصلًا، وتقع في ٤٥٠ صفحة، ولا تكاد تُغفِل أية فكرة أساسية من أفكار هايديجر، مُبْرِزَةً تطورَه الفكريَّ من خلال نصوصه والمقدمات لكل نص، وقد اعتمدتُ عليها وعلى غيرها من الكتب الصادرة عن هايديجر، حتى أقطع في أمر الترجمة الأدق لكلمة Dasein، مقتنعًا بالرأي الذي أبديتُه قبل المقتطفات الواردة أعلاه من أنها توازي الحضور، وإن كنت أحب أن أضيف: إنه حضور مشروط، بمعنى أنه حضور يتلوَّنُ بألوان سياقاته، كما رأينا في العبارات الأربع المقتطفة أعلاه، كما أرجو لفت نظر القارئ إلى التمييز الذي أراه بين كلمتين تختلفان وتتفقان معًا عند هايديجر، فهما تشتركان في فعل معين بالعربية، وهو الفعل «حضر» ولكنهما تختلفان في دلالتهما عنده: فالحضور الذي أعنيه لا يفيد الزمن الحاضر، وهذا خلط ما أيسر أن يقع إذا اكتفى المرء بمعنى الحضور في كتاب الوجود والزمن، وهو المعنى الذي لم يستكمل هايديجر بحثه في ذلك الكتاب لأسباب ربما كانت تتعلق بظروف حياته، فالزمن أو الزمنية عنصر أساسي من عناصر الحضور، بمعنى أن الحضور الذي يعنيه هايديجر حضورٌ في الزمن على إطلاقه، من ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل، أو كما يسميه هو «الحضور التاريخي». فتعريف الفيلسوف للوجود في إطار الزمن غير مكتمل، ومع ذلك فهو يتضمن إلماحات إلى ما يسميه «الوجود الحاضر» (present-at-hand) والفرق بينه وبين «الوجود الجاهز» (ready-to-hand)؛ فالأول خاص بالإنسان، والثاني خاص بما يستعمله من أدوات، قائلًا: إن الإنسان يصبح وجودًا حاضرًا بكونه قائمًا في شبكة من العلاقات الحاضرة وانتمائه إليها. ثم يضيف استدراكًا يقول: إنه يصبح ذا وجود أصيل (authentic) إذا كان يتمتع بالوعي الكافي بالزمن: «الفرد ذو الوجود الأصيل يعيش بأسلوب مناسب للكائن الزمني، أي الكائن الذي «أُلْقِيَ به» (thrown) في حالة معينة، ومن ثم فهو يتصور إمكانيات المستقبل، ويعيش وسط الكيانات الأخرى في عالم حاضر» (ص١٢)؛ ولذلك فإن طابعنا الزمني تاريخي، ويحاول هايديجر في الوجود والزمن أن يبين أن زمنية الحضور (Dasein) تجعله قادرًا على أن يفهم جميع أنواع الوجود. وهكذا، فإن الوجود الحاضر سوف يبدو مجرد نوع واحد من أنواع الوجود، ولكنه وجود محدود، ضيق النطاق، محصور في الحاضر، وأما ما يرمي إليه هايديجر فهو الوجود الزمني العام أي المنتمي إلى الدهر، من الأزل إلى الا بد، وهو مغرم بالصفة التي يتصف بها من يشترك مع عالمه الخاص في أزلية واحدة وهي equiprimordial.
وأما في مقدمة للميتافيزيقا فهو يقول: إنه يستكمل ما بدأه في الوجود والزمن، وهو في الحقيقة يقدم بعض ما يظن أن ذلك الكتاب قد أغفله، ألا وهو التمييز بين الحضور والزمن الحاضر، حسبما أشرت إليه آنفًا، إذ يعرض أصل الخلط، مشيرًا إلى أنه يرجع إلى تأثير أفلاطون في معنى الوجود على امتداد تاريخ الغرب، إذ أدَّى هذا التأثيرُ إلى قَصْرِ معنى الوجود، بإقامة تضاد بينه وبين الصيرورة (becoming) والشكل الظاهر (seeming) والتفكير (thinking) والواجب (the ought) [أي ما يجب أن يكون]، وبذلك جعل هذه الأشكال ذوات الوجود الخاص مضادة لمبدأ الوجود في ذاته، قائلًا: إن ذلك لا يتجلى إلا إذا رجعنا إلى أصل كلمة فيزيقي أو الفيزيقا (physics) اليونانية، وهي التي تقوم على خبرة الوجود باعتبارها مرادفة لمعنى phusis اليونانية وهو «القوة والحضور البارزين الدائمين»، مؤكدًا أن الخبرة الأصلية للحضور تكمن في جذور التفسير الغربي للوجود، وأن ذلك هو ما أعمى أعيننا عن الطابع الزمني لهذا الحضور، فهو لا يتعلق بالحاضر، بل بالزمن في أي لحظة من لحظاته، ويقول بولت، شارح هايديجر ومترجمه: إن الحضور في الكتاب الأخير يعيد طرح السؤال الأساسي الذي دفع هايديجر أصلًا إلى كتابة كتابه الأول، على عمقه وثراء مادته، ألا وهو: «لماذا يوجد الوجود بدلًا من العدم؟» وهو يثير الدهشة «الطبيعية» التي يشعر بها كل من يتأمل حقيقة الوجود في ذاتها. إنها دهشة شاعرية تصيب كل من يتأمل وجوده بصورة مطلقة، أي دون ربطها بوجود سواها، وهايديجر، على الرغم من إحاطته المذهلة بالتراث الفلسفي الهائل الذي خلفه الأسلاف في الغرب والشرق معًا، لا يفتأ يعود إلى هذا السؤال الذي يعتبر حقًّا منبع الدهشة والعجب، وهي — كما قلت — دهشة شاعرية.

الحضور الزمني

وهنا يتجلى لنا هايديجر ذو النظرة الشعرية حسبما وصفه روجر سكروتون (Scruton) في كتابه موجز تاريخ الفلسفة الحديثة (ص٢٦٠)، وسوف أمثل لنظرته الشعرية بموقفه من الحضور الزمني نفسه، فنحن — كما يقول — قد درجنا على النظر إلى كل شيء بعيون الحاضر، فأصبحنا نعجز عن إدراك صورة الزمن الكلية، أي الوجود في لحظات مختلفة من الزمن، فهذه القدرة طاقة ينميها الإنسان في نفسه حتى إذا استطاع رؤية وحدة الزمن أحس بنشوة (ecstasy) تكشف له عن معنى الوجود الحق. وهنا يشعر المرء حقًّا بمعنى يندر أن يشعر به المنغمسون في أشغالهم وحياتهم اليومية، بحيث لا يرون إلا ما تراه العين، ويشرح واطس (Watts) ذلك قائلًا: إن بناء كلمة النشوة المذكور يعني «وقوف الشيء خارج ذاته» وفق اشتقاقها باليونانية، وهو ما يعنيه هايديجر، مضيفًا:
هذا هو ما يعنيه هايديجر بوصف الحضور (Dasein) بالطابع الزمني، أو «الزمنية»، إذ إن جوهر الطابع الزمني (temporality) هو نفسه جوهر الحضور، وهو الامتداد خارج ذاته إلى وحدة حالات «النشوة» (ecstasies) في المستقبل والحاضر والماضي، فكل منها تمتد داخلةً في الأخرى (الوجود والزمن ص٣٧٧). ومعنى ذلك أن لحظات «الزمنية» الأصيلة للحضور تقف خارج ذواتها، إذ يرتبط بعضها ببعض بدروب لا تُحصى من الذاكرة والتوقعات التي تصل إلى داخل الماضي والمستقبل. وكل لحظة من لحظات وجود الحضور تشبه الإبرة في البوصلة التي تتجه دائمًا إلى القطب الشمالي، فهذه لحظات «ممغنطة» بوعيها بطابعها المحدود [الفاني]. فالنفس المُوَحِّدَةُ للحضور الأصيل المتسم بالعزم الثابت تضرب بجذورها في القدرة على قطع مسافة حياتها كلها بالسبق المسرع إلى المستقبل، وهو الذي يتضمن وعد الموت، ثم العودة من ذلك المستقبل إلى ماضيها (وهو الذي يمتد إلى لحظة مولدها وربما إلى ما قبلها، أي إلى تراث أسلافها) ثم تعود منه إلى الحاضر، حيث تستطيع في «لحظات الرؤية» أن تتخذ خيارات لحياتها من بين الإمكانيات التي تكشفت وأصبحت متاحة لها بفضل ماضيها ومستقبلها معًا.
(مايكل واطس، فلسفة هايديجر، ٢٠١١م، ص١٢٣، والتأكيد في الأصل)
وسوف يجد القارئ في المعجم الملحق بهذا الكتاب — وهو الذي يستند إلى المعجم الذي وضعه واطس في كتابه المشار إليه عن هايديجر، والمعجم الألماني-الإنجليزي الذي وضعه مترجما مقدمة للميتافيزيقا المشار إليهما، وهما جريجوري فريد وريتشارد بولت، في ذيل ترجمتهما المشار إليها — ما يؤكد هذا المفهوم الذي أبنيه أساسًا على شروح بولت في كتابه عن هايديجر، وشروح الفيلسوف الإنجليزي المعاصر مارك راذول (Wrathall) في العديد من كتبه، ومن بينها إعادة فحص هايديجر، والاستيلاء على هايديجر، وكيف تقرأ هايديجر (٢٠٠٦–٢٠٠٥م) والكتابان اللذان حررهما مع جيف مالباس (Jeff Malpas)، وعنوان الأول: هايديجر والأصالة والحداثة، ٢٠٠٠م، والثاني: هايديجر والتعامل الناجح والعلم المعرفي، الصادر في العام نفسه من دار نشر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.
وينبغي لي الآن أن أختتم هذا الفصل الذي أَثْقَلْتُه عامدًا بقضية تقع في جوهر فلسفة هايديجر، وهي قضية مفهوم «الحضور الزمني» (الذي سأرجع إليه في الفصل الأخير) — والذي يمثل أفضل مدخل لمفهوم Dasein — (أي الحضور في الزمن كله، أو إن شئت البسط: الوجود في الزمن الحاضر حاملًا الوعي بالوجود في الماضي وإمكانيات الوجود في المستقبل)، أقول: إنه من المناسب أن أختتم هذا الفصل بلمحات أدبية تلقي الضوء على جانب من هذا المفهوم الذي أثار من الخلافات ما دعا المترجمين والشراح إلى تركه دون ترجمة، وإن قدموا في الواقع من الشروح ما يصف معظم جوانبه التي جَمَعْتُها في ترجمتي المؤقتة (الحضور) التي شرحتُها ودافعت عنها آنفًا، آملًا أن تَلْقَى القَبُول، وسوف يجد القارئ في اللمحات الأدبية التالية ما يدعم هذا المفهوم.
يقول وردزورث (Wordsworth) في قصيدة المقدمة (The Prelude): إنه حين يسترجع ذكرى طفولته يشعر بوجود مسافة شاسعة تفصل بينه وبينها، حتى إنه حين يتأملها يشعر أنه ذو «وَعْيَيْن» أي إنه يعي وجود كائنين، كائن هو ذاته الحاضرة، وكائن آخر موجود في الماضي، و«الوعي المزدوج» (two consciousnesses) قائم على أن أيامه الخوالي ذات حضور قاهر في ذاته (which have such self-presence)، ولا ينفصل حضوره ذاك عن وجوده «الحاضر». ويقول في قصيدة «كنيسة تينترن»: إنه يحس في الكون «بحضور» يغشى نفسه ويهزها بالفرح المستقى من الأفكار العلوية:
And I have felt
A presence that disturbs me with the joy
Of elevated thoughts;
93-95
ولَقَدْ أَحْسَسْتُ حُضُورًا تَضْطَرِبُ لَهُ رُوحِي بالفَرْحِ
بأَفْكَارٍ ذَاتِ سُمُوٍّ.
هذا «الحضور» يفسره النقاد بأنه الإحساس بوجود الله، جل وعلا، أو بروح الطبيعة التي نفثها البارئ، ولكن التعبير عن الوجود بالحضور مرة في الماضي ومرة في الحاضر يلقي الضوء على الدلالة الكامنة في الحضور عند هايديجر، كما يصور شعراءُ قدماءُ ومحدثون هذا الاتصال الزمني بين الماضي والحاضر، بل والمستقبل، لا في إطار «الزمن الباطن» (internal time) عند كانط فقط، بل باعتبار أن التلاقي بين الفرد وعالمه (وهو ما يفسر به هايديجر ما يعنيه بالحضور من خلال مفهوم «الوجود في العالم») كفيل بضمان اتصال الوعي داخل الإنسان وقوته وهو ما يعبر عنه بالأصالة (authenticity) بمعنى الصدق مع النفس (being true to oneself) حسبما يفسرها الفيلسوف راذول في كتابه كيف تقرأ هايديجر (ص٦٠–٦١). فالصدق مع النفس يكفل الحرية، ويستتبع المسئولية، وراذول يتوسع في شرح هذه الدلالات في كتابه المشار إليه.
غير أن للزمن دلالة أخرى عند هايديجر على نحو ما يعبر عنها استعماله للحضور، ألا وهي القدرة على دحض الصورة التقليدية للماضي باعتباره «زال وانقضى»، فالحضور (Dasein)، أي طاقة الإحساس بالوجود هنا والآن، قادر على قهر التغير الذي يأتي به الزمن، وهو قهر نجح في تصويره والاحتفاء به الشعراء والأدباء، سواء في الروايات التي تبين تدفق الزمن الذي يؤكد الحضور، أو في الشعر الذي يجعل الإحساس قادرًا على قهر الزمن، يقول شوقي:
لَمْ تَزَلْ لَيلى بِعَيْنيِ طِفْلَةً
لَمْ تَزِدْ عَنْ أَمْسِ إلَّا أُصْبُعَا
مَا لِأَحْجَارِكَ صُمًّا كُلَّمَا
هَاجَ بِي الشَّوْقُ أَبَتْ أنْ تَسْمَعَا
كُلَّما جِئْتُكَ رَاجَعْتُ الصِّبَا
فَأَبَتْ أَيَّامُهُ أنْ تَرْجِعَا

وأظن هذه الأبيات قادرة على دحض الزعم باستحالة فهم هايديجر، وأظن أن سكروتون محق إلى حد بعيد في اعتباره شاعرًا، وإن قسا عليه فأنكر نهجه في الكتابة الذي يراه غير فلسفي، وسوف ألتقط هذا الخيط الشاعري فأجعله مدخلًا إلى حديثي عن هايديجر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤