الفصل التاسع

سنوات التحول

ذكرت في الفصل الأول، في تمهيدي للحديث عن ترجمتي لكلمة Dasein بالحضور، أن هايديجر قد تحول بعد عام ١٩٣٠م، أو بعد كتابة الوجود والزمن، ثم تحدثت عن كتابه مقدمة للميتافيزيقا باعتباره دليلًا على التحول، على الرغم من أنه لم يكتب إلا في عام ١٩٣٥م، وقلت: إنني أعتبره — وفقًا لآراء المتخصصين في فلسفة هايديجر — استكمالًا وإيضاحًا لبعض ما بدأه في الوجود والزمن، وانتهزت الفرصة لإلقاء الضوء على النظرة الشعرية إلى الزمن عند هايديجر، مستشهدًا بآراء كبار شراحه المعاصرين. ولكنني أود الآن أن ألقيَ الضوء على تطور فكر هذا الفيلسوف «الشاعر» في السنوات التي تلت نشر الوجود والزمن تمهيدًا للحديث عما أصبح يشغله «بعد التحول»، وما يهمنا في ذلك من آرائه في الفن واللغة بصفة خاصة، متبعًا التسلسل الزمني قدر الطاقة.
يقول ريتشارد بولت، في كتابه هايديجر: مقدمة: إن نشر كتاب الوجود والزمن الذي جلب للفيلسوف شهرة دولية لم يؤد إلى رضاه أو اطمئنانه إلى ما أنجزه؛ بل حفزه على إبداء المزيد من استيائه من المفاهيم الفلسفية الراسخة (ومن بينها مفاهيمه الخاصة) والإحساس بالإحباط إزاء التقدم المزعوم الذي كان العالم الحديث يسير فيه. ويضيف بولت: إن هايديجر كان جاهزًا للقيام بثورة لا في الفكر فقط بل عمليًّا أيضًا، فعندما تولى الحزب النازي السلطة في ألمانيا عام ١٩٣٣م، رحب هايديجر بالحركة النازية ترحيبًا حماسيًّا. وفي إبريل ١٩٣٣م تولى منصب رئيس جامعة فرايبورج، المتمتع برضى الحزب النازي، بل والتحق بصفوف الحزب في أول مايو ١٩٣٣م، لكن فترة رئاسته للجامعة كانت عاصفة؛ إذ اتسمت بالخلافات التي اندلعت بينه وبين الأساتذة والطلاب ورجال الحزب، فاستقال من منصبه في أبريل ١٩٣٤م. (ص١١٣).
ويقول واطس في كتابه فلسفة هايديجر (٢٠١١م): إن قضية الانتماء إلى الحزب النازي قضية شائكة ولا تهمنا إلا من حيث مدى «تأثير هذا الانتماء في فلسفته أو تأثير فلسفته في هذا الانتماء» (ص٢٤٧)، وسوف أعود إلى القضية بعد استعراض ما سبق التحاق هايديجر بالحزب النازي، مبتدئًا بالفترة التي تلت نشر الوجود والزمن مباشرة، إذ كانت بعض النصوص التي كتبها في أواخر العشرينيات تعتبر متابعة أو مواصلة لمشروعه في ذلك الكتاب: كان كتاب المشكلات الأساسية للظاهراتية (١٩٢٧م) يحاول أن يبدأ الجزء الأول من القسم الثالث المعتزم كتابته في الوجود والزمن. وأما كتاب كانط ومشكلة الميتافيزيقا (١٩٢٩م) فكان يمثل مواجهة رائعة وغير تقليدية مع كانط، يفي فيها بالخطة التي وضعها للجزء الثاني من القسم الأول. والواقع أن هايديجر قدم تفسيره الجديد لكانط في سلسلة محاضرات ألقاها في الفترة ١٩٢٥–١٩٢٦م أصلًا، ثم طور هذا التفسير من زاوية الظاهراتية في سلسلة محاضرات تالية (١٩٢٧–١٩٢٨م) ونشرت بعد ذلك في ترجمة عنوانها التفسير الظاهراتي لكتاب «نقد العقل الخالص» لكانط عام ١٩٩٧م، ولكن هايديجر كان في عام ١٩٢٨م قد بدأ اتجاهات أخرى في تفكيره.
ففي كتاب الأسس الميتافيزيقية للمنطق (١٩٢٨م) نجد أن هايديجر يؤكد حرية «الحضور» تأكيدًا لم نشهده لديه من قبل، ونلمح حماسه الشديد لأفلاطون، و«تجربة» استخدام مفردات جديدة، عَلَّها تنجح في نقل التغير في نظرته التي تعمقت فاختلفت للحرية، قائلًا: «إن الحرية التي نخطو بها على الأرض تعني تجاوزنا، في انطلاقنا إلى أعلى، الحرية التي تبتعد بنا ونشتط فنحقق وجودنا على مسافة ما. الإنسان مخلوق تحدده المسافة!» (ص٢٢١)، ويقول بعض النقاد: إن المقصود هنا هو ابتعاد «الحضور» [أي الكائن الذي يعي وجوده] عن كل من يحاول ربطه بالآخرين أو «إلغاء المسافة» بينه وبينهم، ولكن هذا الشرح على وجاهته لا يفسر عودة هايديجر إلى استعمال مصطلح «المسافة» في سياقات لا تتصل بالعلاقات الاجتماعية، وخصوصًا في كتابه التالي زمنيًّا والمتصل موضوعيًّا بهذا الكتاب، وعنوانه: المفاهيم الأساسية للميتافيزيقا: العالم والطابع المحدود والعزلة (١٩٢٩–١٩٣٠م) والذي صدرت ترجمته الإنجليزية عام ١٩٩٥م. ويقول مترجما هذا الكتاب (و. ماكنيل، ون. ووكر): إن هايديجر يقدم عدة مصطلحات جديدة ثم يتخلى عنها، خصوصًا في تركيزه في هذا الكتاب على قضيتين شبه جديدتين، هما «الملل» (ennui) وأنطولوجيا الحيوان، وهما من الموضوعات التي كانت تعتبر بشائر على مرحلة التحول.
ويشار إلى التحول بلفظ turn أو اللفظ الألماني Kehre الذي يتغير معناه من نص إلى نص، ولكن أشهر فقرة يقع فيها هي الفقرة التي نصادفها في مقاله «رسالة عن المذهب الإنساني» ويقول فيها:
لا شك أن الصوغ اللازم لهذا التفكير الآخر الذي يتخلى عن الذاتية واستكماله قد ازدادا صعوبة بسبب ما حدث عند نشر الوجود والزمن من حجب للقسم الثالث من الجزء الأول وعنوانه «الزمن والوجود» أي عدم نشره … وهنا انعكست أوضاع كل شيء. إذ إن القسم المشار إليه لم ينشر بسبب عجز التفكير عن قول ما يلزم عن هذا التحول (Kehre) ولم ينجح بمساعدة لغة الميتافيزيقا. وأما المحاضرة التي عنوانها «عن جوهر الحقيقة»، وهي التي صيغت أفكارها وألقيت في عام ١٩٣٠م، وإن لم تطبع إلا عام ١٩٤٣م، فهي تقدم نظرة ثاقبة في التفكير الخاص بالتحول من «الوجود والزمن» إلى «الزمن والوجود». وليس هذا التحول تغييرًا في الموقف القائم في الوجود والزمن، ولكننا نجد في هذا التحول أن التفكير الذي كنت أنشده أولًا قد وصل إلى موقع ذلك البُعد الذي نشأت منه خبرة الوجود والزمن، أي بتعبير آخر كنت أشعر به من زاوية الخبرة الأساسية لنسيان الوجود.
(هايديجر، «رسالة عن المذهب الإنساني» في الكتابات الأساسية من تحرير ديفيد فاريل كريل، الطبعة الثانية، ٢٠٠٨م، ص٢٣١–٢٣٢)

مدخل الشعر

ويستعرض بولت (Polt) شتى الأسباب الدافعة إلى التحول، ثم يقول: مهما تكن صعوبة تفسير التحول فمن المحال على القارئ ألا يلاحظ الأسلوب الجديد والمفردات الجديدة التي بدأت تظهر فيما يكتبه هايديجر في نحو عام ١٩٣٠م. مبينًا أن أسلوب هايديجر أصبح في عقد الثلاثينيات، بوضوح، أكثر «شاعرية». «أي إنه أصبح يقتصر بصورة متزايدة على استخدام الكلمات الألمانية الأساسية الشائعة، عامدًا بمهارة إلى استكشاف جرسها وتاريخها، بحيث ينسج نصوصًا تتدفق من سؤال إلى سؤال من دون أن تتبلور قط في مبدأ فكري أو مفردات تقنية» (ص١١٩)، ويضيف قائلًا:

يتجلى في الاختلاف الأسلوبي تحول في اهتماماته. فطبيعة الشعر واللغة تصبح مسألة رئيسية عند هايديجر … إذ أصبح ينظر إلى الفلسفة باعتبارها أقرب إلى الشعر منها إلى العلم، على الرغم من أنه لم يؤمن قط بأن الفلسفة والشعر شيء واحد. فإذا أردنا التبسيط قلنا: إن المفكرين والشعراء يتمتعون بحساسية لثراء المعنى بصورة لا يمكن أن تحققها العلوم المتخصصة. فالمفكرون والشعراء يستطيعون أن يستعينوا بطاقة اللغة على الكشف عن الكائنات والوجود كشفًا جديدًا.

(بولت، هايديجر: مقدمة، ١٩٩٩م، ص١١٩–١٢٠)
ويدرج بولت في الهامش حاشية تقول: «يوجد نموذج لجهود هايديجر الشعرية الخاصة في «المفكر باعتباره شاعرًا»، في كتاب بعنوان الشعر واللغة والفكر»، ثم يقول بين قوسين: إن العنوان الأصلي لهذه القطعة [piece] هو «من الخبرة إلى الفكر». وتقول بعض الببليوغرافيات: إن الكتاب كُتِبَ في وقت ما بين عامي ١٩٣٥ و١٩٥١م، وإن النص الإنجليزي ترجمه هوفستادتر (Hofstadter) ونشره في نيويورك عام ١٩٧٥م، ولكن كريل (Krell) يقول في الطبعة الثانية (٢٠٠٨م) للكتابات الأساسية: إن ترجمة هوفستادتر لمقال هايديجر بعنوان «أصل العمل الفني» المنشورة في الكتابات الأساسية المذكورة مدرجة في الكتاب الذي ذكرت أن عنوانه الشعر واللغة والفكر وإن هذا الكتاب المترجم نشر في نيويورك عام ١٩٧١م، وطول المقال ٧٠ صفحة في كل إشارة ببليوغرافية إليه (وأرقام الصفحات الخاصة به تشير إلى الطبعة الأخيرة للكتابات الأساسية (٢٠٠٨م)).

وقبل أن أستأنف المنهج الذي اتبعته في هذا الكتاب بإيراد نص لهايديجر والتعليق عليه، أود أن أذكر ولع الفيلسوف بشعر الشاعر هولدرلين (١٧٧٠–١٨٤٣م) والإشارة إلى صورة شعرية أولع بها وأثرت بدورها في النظرة «الشعرية الفلسفية» لهايديجر، وهي صورة الأرض وعلاقتها بما درج على الإشارة إليه باسم «العالم» أو «الدنيا» على نحو ما ذكرت آنفًا. وأعتقد أن النظر في هاتين الصورتين (أو الفكرتين أو المفهومين) يساعدنا على أن نزداد إدراكًا لا بنظرته الشعرية وحسْب؛ بل بطبيعة «تحوله» المشار إليه في الثلاثينيات.

الأرض

يقول واطس: إن الأرض والعالم مقولتان أنطولوجيتان يستخدمهما هايديجر وتعتبران من أسس مناقشته للفن، إذ يزعم أن الحقيقة خبيئة في جميع الأعمال الفنية الصادقة، وأن هذه الحقيقة تنشأ من التوتر أو الصراع بين قوتين متعارضتين، أو بين «مجالين» يوجدان في «الساحة» المكشوفة [وسط الغابة] التي تتجلَّى فيها حقيقة الوجود كله، قائلًا: إن هذين المجالين هما «الأرض» و«العالم»، ويرى أنهما في تصارع أساسي على الدوام. (ص٢٠٦)، ويقول هايديجر: إنه حين يستخدم لفظ «الأرض»، فإن هذه الكلمة

لا ترتبط بفكرة وجود كتلة من المادة المترسبة في مكان ما، أو بمجرد الفكرة الفلكية عن كوكب من الكواكب؛ بل إن الأرض هي الكيان الذي ينشأ منه ما يعيد ويحفظ كل ما ينشأ من دون انتهاك. ففي الأشياء التي تنشأ، تكون الأرض حاضرة باعتبارها العامل الحافظ الواقي.

(«أصل العمل الفني»، ص١٦٨)

على الأرض وفيها يُرسي الإنسان التاريخي أساس سكناه في العالم.

(«أصل العمل الفني»، ص١٧٢)

تدمر الأرض كل محاولة لاختراقها. وتتسبب في تحويل الإلحاف واللجاجة مهما يكن شأنها فوق سطحها إلى خراب ودمار.

(«أصل العمل الفني»، ص١٧٢)
كان هايديجر «يتعامل» مع الطبيعة في الوجود والزمن باعتبارها مجموعة من الأشياء المتاحة لتحقيق الأغراض العملية للبشر، والتي تدرسها العلوم الطبيعية، وأما في «أصل العمل الفني» فإن هايديجر يستخدم لفظ «الأرض» حتى يتحاشى الطرائق التقليدية السائدة في العلوم الطبيعية والفلسفة عن الطبيعة. «فالأرض» عنده مصطلح أساسي يتيح لنا طُرُقًا أعمق للانتساب إلى الطبيعة، فلقد وُجِدَتْ قبل أن نوجد نحن على سطح هذا الكوكب بزمن طويل، وهي كيان صلب يستعصي على كل محاولات الإنسان لاستغلاله والتلاعب به، بل ووضع تفسيرات له، وهو المبدأ الذي يتخذه أنصار «البيئة العميقة» (deep ecology) شعارًا لهم في أيامنا هذه. ويقول واطس:

لنا أن نفسر معنى «الأرض» لدى هايديجر باعتبارها المصدر الغامض الذي ينشأ منه البشر وجميع الكائنات. فهي الأساس الطبيعي الذي يقوم عليه عالمنا، وهي تقدم لعالمنا المواد الأولية اللازمة لتصنيع ما نحتاج إليه في حياتنا اليومية. فالأرض تضم مجال الطبيعة كله، وهو مجال يطيع قوانينه الخاصة ولا يمكن للإنسان فعلًا ترويضه. إنها عالم الحيوان والنبات والتربة والصخور الذي يمتد إلى ما لا تراه العين، ولها وجود مستقل عن التاريخ الإنساني، فهايديجر يصف الأرض، في حديثه عن لوحة فان جوخ على سبيل المثال، قائلًا: إنها تتكشف لنا في «منحتها الصامتة من الحبوب الناضجة» في الصيف، و«إنكارها ذاتها في الشتاء الذي لا تفسير له» («أصل العمل الفني» ١٩٧٤م). والواقع أن مقاومة التفسير هو الطبيعة الأساسية للأرض، إذ يقول: «تبدو الأرض منفتحة صافية في صورتها الحقيقية عندما نراها ونحافظ عليها باعتبارها شيئًا لا يمكن الكشف عنه بطبيعته … فالأرض أساسًا تعزل نفسها بنفسها». (أصل العمل الفني، ١٧٧).

(واطس، فلسفة هايديجر، ٢٠١١م، ص٢٠٧)
ويقول كريل في تقديمه لنص «أصل العمل الفني» في الكتابات الأساسية التي حررها وسبقت الإشارة إليها: إن استعمال هايديجر للفظ «الأرض» غريب ولم يرد من قبل في كتابات هايديجر، ربما باستثناء الإشارة إلى أسطورة كورا (Cura) [أي ربة الهم والفكر] في القسم ٤٢ من الوجود والزمن. وأما عن دلالة «الأرض» فيقول كريل: إنه لا يستطيع هنا إلا الإلماح إليها إلماحًا، ففي شتاء عام ١٩٣٤–١٩٣٥م ألقى هايديجر بعض المحاضرات في جامعة فرايبورج عن قصيدتين كتبهما الشاعر فريدريش هولدرلين (Friedrich Hölderlin) (١٧٧٠–١٨٤٣م) وهما «ألمانيا»، و«نهر الراين». وفي هاتين القصيدتين يتكرر ذكر الأرض مرات كثيرة، مثلما يتكرر في سائر أشعار هولدرلين. ويضيف كريل قائلًا:
ربما يكون علينا أن ننشد أصل (Ursprung) فكرة هايديجر عن «الأرض» في الشعر، الذي يشغل مكانًا خاصًّا وسط الأعمال الفنية. بل إن مقال «أصل العمل الفني» ينفتح على قضية اللغة والشعر بصفة عامة.
(الكتابات الأساسية، ٢٠٠٨م، ص١٤١–١٤٢)
ثم يشير كريل إلى ما أشار إليه معظم من كتبوا سيرة حياة هايديجر، من ولع شديد في صباه بالشعر اليوناني القديم، وخصوصًا في سيرته التي كتبها روديجر سافرانسكي (Rüdiger Safranski) بعنوان مارتن هايديجر: بين الخير والشر، وترجمها إفالدر أوزرز (Osers) (١٩٩٩م) فهو يشير إلى طموحات الفيلسوف الأدبية، وولوعه بالنصوص الأصلية والمترجمة للشعراء الكلاسيكيين، وكان ذلك اتجاهًا من الاتجاهات الرئيسية في أوروبا في القرن السابع عشر، ثم في مطلع القرن الثامن عشر في انجلترا خصوصًا، ثم توارى إلى حد كبير في أواخر ذلك القرن عندما ازدهرت الحركة الرومانسية التي كانت تستعيض عن شعر القدماء بالنسج على منوالهم في مطلع القرن التاسع عشر (في انجلترا شلي وكيتس مثلًا)، وكان هولدرلين مولعًا بالشعر الغنائي اليوناني القديم وأدخل الكثير من أشكاله إلى اللغة الألمانية، ويقول الباحثون: إن إحدى القصائد المسماة «الترانيم الهوميروسية» وهي قصيدة بعنوان (Eis Gén Métera Pauton) أي «إلى الأرض، أم الجميع» تعتبر مصدرًا لتقاليد شعرية أضفت ثراء لا حدود له على شعر هولدرلين، وأما تسمية هذه الترانيم بالهوميروسية فلا سند له في الواقع، إذ لا تنتمي إلى ذلك الشاعر القديم إلا في بحرها الشعري المسمى داكتيل (Dactyl)ويتكون من مقطع منبور يتلوه مقطعان غير منبورين، مثل الهزج العربي) ويتميز بأنه سداسي التفعيلة، أي إن كل سطر يتكون من ست تفعيلات، وهو البحر الذي كتب هوميروس به الإلياذة والأوديسية، وأما مؤلف القصائد الثلاث والثلاثين فيكاد المتخصصون يجمعون على أنه مجهول. وأظن أن نص هذه القصيدة سوف يُلقي الضوء على ما ذكره واطس عن ولوع هايديجر «بالأرض». تقول الترنيمة رقم ٣١ المشار إليها:
هَا أَنَذَا أَتَغنَّى بِكِ يا «جَايَا» يا أُمَّ جَميعِ الأَشْيَاء!
يا رَاسِخَةً في الأَرْضِ لِتُطْعِمَ ما في الأَرْضِ جَمِيعًا بِرِفَاء!
ما دَبَّ علَى الأَرْضِ القُدْسِيَّةِ شيءٌ أو عَبَرَ البَحْرَ على المَاء،
أو حَلَّقَ في أي هَوَاءٍ إلَّا اسْتَمْتَعَ بِعَطَايَاكِ الفَيْحَاء.
تَخْرُجُ مِنْ بَاطِنِكِ فَوَاكِهُ رَائِعَةٌ وسُلَالَاتٌ هَيْفَاء.

•••

يا مَنْ تَمْلِكُ أنْ تَهبَ البَشَرَ الفَانِينَ حَيَاةً أوْ أنْ تَنْزِعَهَا مِنْهُمْ؛
لكنْ مَا أَسْعَدَ مَنْ بِرِعَايَتِكِ لَهُ في قَلْبِكِ يَنْعَمْ؛
فَكَرِيمُ نَوَالِكِ لَا يَحْجُبُ شَيْئًا عَنْهُمْ،
وحُقُولُكِ تَزْدَهِرُ بأَطْعِمَةٍ تَغْذُو الأَنْفُسْ،
والقُطْعَانُ علَى كُلِّ مَرَاعٍ تَتَكَاثَرُ حتَّى تَتَكَدَّسْ!

•••

ومَنَازِلُنَا تَحْفِلُ بِبَدَائِعَ وفُنُونْ،
ومَدِينَتُنَا يَحْكُمُها الحَقُّ ويَحْمِيهَا القَانُونْ،
وتُبَارِكُهَا الوَفْرَةُ والثَّرْوَةُ وَسْطَ الحُورِ العِينْ،
ووُجُوهُ الأَطْفَالِ المُشْرِقَةُ بِزَهْوِ شَبَابٍ وفَرَحْ!
والفَتَيَاتُ يُتَابِعْنَ الرَّقَصَاتِ الدَّوَّارَةَ في حَلْقَاتِ مَرَحْ!
في أَيْدِيهِنَّ بَرَاعِمُ زَهْرٍ يَتَوَاثَبْنَ على بُسُطٍ مِنْ زَهَرٍ ذي أَنْدَاءْ.
عُبَّادُكِ يَجْنُونَ سُرُورًا يُمْتِعُهُمْ يا رَبَّتَنَا العَلْيَاءْ … يا رَبَّةَ كَرَمٍ وسَخَاءْ!

إنها «الأرض» التي يصورها وردزورث، الشاعر الإنجليزي المولود في العام نفسه مع هولدرلين، والصورة الكلاسيكية تكاد تنطق بكل تفاصيلها في قصيدة «خاطرات الخلود» التي أشرت إليها آنفًا، فهي الأم الرءوم، والحسناء التي «أخذت زخرفها وازَّينت»، ورحم الإنسان وقبره كما يقول شيكسبير. ولا أظن أن سافرانسكي يبالغ حين يؤكد في سيرته لهايديجر أن الفيلسوف كان يعشق الطبيعة عشق الرومانسيين الذين عاشوا قبله بمائة عام في ألمانيا وإنجلترا (سافرانسكي، ١٩٩٩م، ص٢٢ وما بعدها).

العالم/الدنيا

وأما «العالم» فيقول هايديجر: «ليس العالم قط شيئًا يمثل أمامنا ونستطيع أن نراه، بل إنه دائمًا غير موضوعي ونحن خاضعون له ما دامت طرق الميلاد والموت، ودروب البركة فيه واللعنة، تنقلنا إلى الوجود» («أصل العمل الفني»، ١٧٠) ويقول واطس: إننا إذا أردنا أسلوبًا عمليًّا لفهم تصور هايديجر للعالم فعلينا أن نعتبر اللفظة مصطلحًا أساسيًّا أقدر من مصطلحي «الثقافة» أو «المجتمع» على الإشارة إلى البيئة البشرية التي تحدد قيمنا وأسلوب حياتنا. فهو يصف العالم باعتباره المجال الذي يتغير على الدوام، مجال العمل واتخاذ القرارات، مجال الفعل والمسئولية. فالعالم هو الذي يخلق بناء الوجود البشري ودلالته، وهو السياق الذي يحدد ما يهمنا في حياتنا وما لا يهمنا (واطس، فلسفة هايديجر، ٢٠١١م، ص٢٠٧). ويقول هايديجر:

يؤدي انفتاح العالم إلى أن يظفر كل شيء بما يدفعه إلى التمهل أو إلى العجلة، إلى الابتعاد والاقتراب، وما يحدد نطاقه وحدوده. ففي عمل العالم تجتمع الرحابة التي تنعم الأرباب علينا بالنعم والرحمات منها أو تحرمنا إياها (١٧٠) …

العالم هو الانفتاح الذاتي للدروب العريضة للقرارات البسيطة والأساسية في مصير كل شعب تاريخي (١٧٤).

ويشرح واطس ذلك قائلًا: إن هايديجر يعني أن «العالم» يشكل إحساسنا بالهوية وأنشطتنا بإقامة بناء منظم للمعاني والدوافع التي تمكننا من الحصول على فهم أعمق لأنفسنا وللبيئة التي نعيش في كنفها، ومن ثم للغرض من حياتنا، ولذلك فأنا أترجم «العالم» حين يرد اللفظ بغير أداة تعريف أو تنكير (Welt-“world”) بلفظ الدنيا العربي القادر على نقل الدلالات التي يضفيها هايديجر على الكلمة، بحيث تصبح مرادفة لاستعمال الشاعر وردزورث لها في إحدى سونيتاته.
(The world is too much with us late and soon …)

[أي ما أشد انشغالنا بالدنيا الآن ومنذ عهد قريب …]

وهاك ما يقوله واطس تعليقًا على نظرة هايديجر إلى «الصراع الاشتباكي» بين الأرض وبين الدنيا:
كان هايديجر يرى أن الدنيا/العالم والأرض يشغلان جانبين متعارضين في نشاط التكشُّف (alētheia) فهما مشتبكان ملتحمان فيما كان يرى أنه صراع (strife) أساسي (كما كان الحال في التفكير السابق لسقراط). إذ ترتكز دعائم دنيا منتجات الإنسان وأنشطته على أساس ترويض الأرض (فهي تقوم عليها) والانتفاع بها. ولكن الأرض التي تستعصي على الترويض الحقيقي تصد الهجوم، فتزداد نماءً والتهامًا لما نخلقه وتسترد ما تسترده من أيدينا إذا لم نقم برعايته والحفاظ عليه. ولكن الأرض والدنيا/العالم يعتمد كل منهما على الآخر، وكل منهما يحتاج إلى الآخر ويغذيه. فدنيا الإنسان تستقر على الأرض، وتعتمد عليها في المواد اللازمة لها والمأوى الذي تسكنه. كما تظهر الأرض للعيان بفضل المنشآت الدنيوية، وهي التي تبرز صخور الأرض التي تستقر عليها، ومن خلال أجواء الأرض العاصفة التي يبدو أثرها في الندوب البادية في تلك المنشآت نتيجة لعوامل التعرية. ونتيجة هذا الصراع ينشأ ما يبدو واقعًا مستقرًّا. يقول هايديجر: «إن العالم المستقر على الأرض يحاول التغلب عليها، وهو بصفته يتمتع بالانفتاح الذاتي، لا يستطيع تحمل بقاء أي شيء مغلقًا. ولكن الأرض أيضًا باعتبارها مأوًى ومخبأً تنزع دائمًا إلى اجتذابه إلى داخلها والإبقاء عليه في ذلك المكمن» («أصل العمل الفني» ١٧٤).
(واطس، فلسفة هايديجر، ٢٠١١م، ص٢٠٧–٢٠٨)
أي إن هايديجر يرى أن الدنيا (التي تضم المجتمع والثقافة) تنشأ من الأرض، وتحاول أن تفهم الشيء الذي نشأت منه، فالثقافة الإنسانية بطبعها — في نظره — تجفل؛ بل وتخشى عالم المجهول، وتكافح في سبيل الوضوح، ومن ثَم تحاول أن تكشف — أي تميط اللثام — (unconceal) عن هوية أفرادها، وأن تعرضها بأقصى درجة من السفور في كل ما يحيط بها، أو ما نسميه البيئة المحيطة، من خلال فهم الطبيعة وإلقاء الضوء على أسرارها، ولكن من طبع «الأرض»، اللفظ الذي يشير إلى الطبيعة هنا، أن تخفي أسرارها ودقائق عملها، مستمسكة «باللثام» المذكور.
وقد سبق لهايديجر أن أشار في الوجود والزمن إلى الطاقة المحدودة أصلًا للفهم عند الإنسان، أي إن ما نظفر به من علم عميق بها لا بد أن يظل محدودًا بل بالغ القصور، ومن ثم فلن نتمكن أبدًا من الفهم الكامل للوجود. وهكذا فلا يمكن الزعم بأن أي حقيقة نحصل عليها أو أي تفسير للواقع، يمكن أن يصبح مطلقًا. ومهما يبلغ تقدمنا في فهم الكائنات والوجود فلسوف تظل دائمًا بعض الأبعاد التي تستعصي تمامًا على التفسير. وهكذا فإن أي كشف ننجح في نوله لا بد أن يتوسل بالفهم المشترك لدنيانا وأرضنا في الوقت نفسه، بسبب طبيعة الروابط المشتركة بينهما، فدنيا الإنسان مشتبكة دومًا بالأرض أو بالطبيعة، وهنا يأتي دور الفن. فما الدور الذي ينهض به الفن، أو تنهض به الأعمال الفنية في هذا الصدد؟ فلنعد إلى ما يقوله هايديجر في «أصل العمل الفني»، آخذين في اعتبارنا اللحظة التاريخية التي كُتِبَ فيها هذا العمل.

الفن بين الأرض والعالم

يقول هايديجر:

إن العمل الفني الذي ينشئ عالمًا [دنيا] ويصور لنا الأرض، يُذْكي الصراع الذي نفوز فيه بإماطة اللثام عن الكائنات باعتبارها كُلًّا واحدًا.

فالحقيقة تتجلى [على سبيل المثال] في مبنى المعبد [اليوناني] المنتصب حيث يقف. ولا يعني ذلك أن شيئًا ما قد مُثِّلَ تمثيلًا صحيحًا وقُدِّمَ إلينا هنا، لكنه يعني أن الكائنات باعتبارها كُلًّا مجسدًا قد كُشِفَ عنها الغطاء وأصبح يضمها في داخله، و«الضم» يعني أصلًا أن تعي الشيء فتحفظه وتقيه. وتتجلى الحقيقة في اللوحة التي رسمها فان جوخ [لحذاء الفلاحة]. وهذا لا يعني أن شيئًا جاهزًا قد صُوِّر تصويرًا صحيحًا، ولكنه يعني أن الكشف عن الوجود الأدائي للحذاء [أي طرائق استعمال الحذاء المجسدة في صورته] يُمكِّنُ بعض الكائنات معًا، أي الدنيا والأرض في تفاعلهما معًا، وباعتبارهما كُلًّا واحدًا، من إماطة اللثام عن الحقيقة. وهكذا فإن القوة الفاعلة في العمل الفني هي الحقيقة لا مجرد شيء حقيقي. فاللوحة التي تصور حذاء الفلاحة، والقصيدة التي تتكلم عن النافورة الرومانية؛ لا يقتصران وحسب على إيضاح كيان كل من هذه الأشياء المفردة، هذا إذا كانا يكشفان فعلًا عن أي شيء على الإطلاق، بل إنهما يجعلان إماطة اللثام بصفتها المذكورة تحدث فيما يتعلق بالكائنات باعتبارها كُلًّا واحدًا. وكلما ازدادت درجة استغراق الحذاء في جوهره الصادق وبساطته، ازدادت درجة تمتع جميع الكائنات المصاحبة له بوجودها المباشر الجذاب معه. وهذا هو سبيل إلقاء الضوء على الكائنات التي تخفي أنفسها. ويشارك ضوء من هذا النوع في سطوعه على العمل الفني وفي داخله، وأما هذا السطوع الذي يشارك في العمل فهو الجمال. فما الجمال إلا أسلوب من الأساليب التي تتجلى لنا بها الحقيقة باعتبارها إماطة للثام.
(«أصل العمل الفني»، في الكتابات الأساسية، ص١٨٠–١٨١)
ولا يملك القارئ الذي يلم بطرف من تراث الشعر الرومانسي إلا أن يرى تأثير هذا التراث في الكلمات الأخيرة في هذا المقتطف، فنُشدان الجمال يقرب المرء من الإحساس بوجود الحقيقة، والجمال ليس (كما كان يُنظر إليه في القرن الثامن عشر في أوروبا) معرفة ناقصة، فبهذا كان يقول لايبنتس (Libnitz) (انظر ب. جاير (P. Guyer) في موسوعة ستانفورد الفلسفية، ٢٠٠٧م)، وبهذا قال باومجارتن (Baumgarten) في عام ١٧٣٥م، بل وقد أصدر كتابًا في عام ١٧٥٠م يوازي فيه بين علم الجمال والإدراك الحسي قائلًا: إنه «نظرية في الآداب، وإنه المعرفة الأقل منزلة، وفن التفكير المشابه للعقل» (مقتطف في جاير، ص١٣). أقول: إن موقف الشعر الرومانسي من الموازاة بين الجمال والحقيقة، على نحو ما يقول الشاعر الإنجليزي كيتس، أي «الجمال هو الحقيقة، والحقيقة الجمال»، موقف له جذوره في الآداب الكلاسيكية، ونجد بذوره عند أفلاطون الذي يقول في المائدة وفي فيدو:

إن النظام الأحق باتباعه … الانطلاق من مظاهر جمال الأرض، والصعود في طلب ذلك الجمال الآخر، باستخدام هذه المظاهر باعتبارها خطوات فقط، والانتقال من واحدة إلى الثانية، ومن الثانية إلى جميع الأشكال الجميلة، وإلى الأفعال الحسنة، ومن الأفعال الحسنة إلى الأفكار الجميلة حتى يصل المرء إلى فكرة الجمال المطلق فيعرف أخيرًا جوهر الجمال.

(مقتطف من طبعة لأعمال أفلاطون، عام ١٩٦٤م)
ولا أستبعد أن يكون هايديجر قد تأثر بهذه الفكرة، فأفلاطون ينطلق من «الأرض» إلى «العالم» وفق مصطلح هايديجر، وسبيله هو الجمال الذي أصبح علمًا بفضل جهود كانط في التمييز بين الجميل والجليل (the Sublime and the Beautiful)، وإدموند بيرك الإنجليزي الذي أصدر كتابه عن الجمال والجلال قبل نشر كتاب كانط بإحدى عشرة سنة، وهو ما يعني أن هذا الاتجاه لم يولد فجأة في مطلع القرن التاسع عشر؛ بل سبقته إرهاصات في الفكر الأوروبي منذ أواخر القرن السابق، وحسبنا من هذا الاستطراد الإلماح إلى النزعة الشاعرية في فكر هايديجر، وغلبة الإحساس أو الحدس عنده على عقلانية ديكارت، وهو ما يؤدي بنا إلى الأحوال التاريخية التي كتب فيها هذا الكلام.
قلت في الفصل الثاني من هذا الكتاب: إن هايديجر كان متأثرًا في محاضراته في العشرينيات بما أدت إليه الحرب العالمية الأولى من خراب ودمار، ثم اقتبست قول ريتشارد بولت، في مطلع هذا الفصل من أن هايديجر لم يجد الرضى المنشود من نشره كتاب الوجود والزمن، واقتطفت ما يقوله عن إحساسه بالإحباط لعدم استكمال مشروعه الفلسفي فيه، وأضع النقط على الحروف هنا بأن أربط بين حال «المفكر الشاعر» وحال «دنياه» (أي «عالمه») في الثلاثينيات، وقول بولت: إن هايديجر كان متأهبًا للثورة فكريًّا وعمليًّا لا ينفصل عما نعرفه تاريخيًّا عن الثورة الحقيقية التي اندلعت في ألمانيا في الثلاثينيات. كانت الحرب العالمية الأولى قد أعقبت أزمة اقتصادية بلغت أوجهها في الكساد العظيم في ١٩٢٩–١٩٣٠م، وكان الألمان يشعرون بالإذلال السياسي الذي أحدثته الحرب، وهم شعب درج على الاعتزاز بأمجاده ورفعة شأنه، ومن ثم نشأت الحركات الوطنية وحركات معاداة «الحداثة»، وعلى رأسها الاشتراكية القومية، أي النازية. ومن الطبيعي أن يشعر هايديجر، مثل الكثير من كبار مفكري عصره، بأهمية اللحظة التاريخية التي كانت تعني أن ألمانيا كانت على أبواب تغيير جذري ربما شمل العالم كله، وكانت للحظة التاريخية آثارها التي تبدت في تغيير مسار فكر هايديجر.

الحقيقة والصدق

ومن الطبيعي أن يتطلع مفكر في جوفه قلب شاعر إلى الفن باعتباره قادرًا على إدراك الحقائق، أو الكشف عن بعض الحقائق التي ينشدها كل مفكر، وإن كانت مشكلة الحقيقة، كما يقول بول هيلي (Paul Healy) من المشكلات الرئيسية في الفلسفة منذ نشأتها، «بل إن نشدان الحقيقة كثيرًا ما كان يعتبر مرادفًا للفلسفة نفسها» («الحقيقة والنسبية»، في موسوعة رتلدج للهرمانيوطيقا، ٢٠١٥م، ص٢٨٧). وتواجهنا هنا قضية مهمة من قضايا المصطلح، فالكلمة الألمانية التي تعني «الحقيقة» (Wahrheit) تعني «الصدق» أيضًا، مثل نظيرتها الإنجليزية truth ونظائرها العربية، وهي التي يتلون معناها، اقترابًا وابتعادًا عن هذه وتلك وفقًا للسياق، فإذا طُلب إلى فرد أن يذكر «حقيقة» ما حدث، فقد طلب إليه قول «الصدق»، وإذا صدق في رواية ما حدث أو ما شهده فقد قال «الحق»، واللوحة التي تصور حقيقة شيء إنما تصدق وحسب في تقديم ما تراه العين، وإن ابتغى الفنان «الحق» فلم يُزَيِّفْ شيئًا مما تراه عينه، أي لم يكذب، ونحن في هذه الحالة نقول: إن الصورة «صادقة» لأنها تقدم «حقيقة» ما نراه، لا حقيقة الشيء من الناحية «العلمية». أي من أي شيء صنع، أو إلى أي فئة ينتمي، أو ما خصائصه «الحقيقية»، ولما كان هايديجر مشغولًا بهذه المعاني كلها لما نسميه الحقيقة، فإنه يوجزها في معنى الوجود أو معنى الكائن كما هو في «جوهره» أي كما ينبغي لنا أن نفهمه من حيث كيانه الحقيقي/الصادق (أي غير الزائف/غير الكاذب).
ولن يتصور أحد بطبيعة الحال أن هايديجر يطالب الفنان بأن يقتصر على تقديم ما يمثل الشيء خير تمثيل وحسب، أي أن ينشد الحقيقة بالصدق في التصوير، فذلك معنى لا يضعه هايديجر على رأس معانيه لكلمة الصدق أو الحقيقة، وإن لم ينكره، فأما الصدق بمعنى مطابقة الكلام للواقع فهو المعنى الأساسي في مدرسة التحليل اللغوي (أو المدرسة التحليلية) التي يعتبر فريجه (Frege) مؤسسًا لها، والتي أصبحنا نقرنها بأسماء رَسِلْ، وفتجنشتاين ورايل وإير، على نحو ما أشرت من قبل، فالصدق خاص بالمقولات ومدى اتفاقها مع الحقائق المادية أو الأحوال التي تشير إليها، وهو ما ينطبق أيضًا على العقائد، فإذا كنت أعتقد أن الشمس تسطع وكانت تسطع فعلًا فقد صدقت، ولا يعترض هايديجر على هذا المعنى بل يؤكده ثم ينحيه، لأنه يجد أن الفن العظيم هو الفن الذي ينفذ من خلال الظاهر إلى الباطن حتى يكشف ما يختفي تحت ما تراه العين أو تدركه الحواس، وهو يسميه الكشف عن الكيان أو «الحقيقة الوجودية» (ontic truth) التي تمثل الصدق الوجودي من جانب الفنان. ويشير هايديجر إلى حقيقة أسهب جادامر تلميذه في درسها وتحليلها وهي الدور الذي يلعبه موقف الفنان، بمعنى ما ترسب في وجدانه من مشاعر، وما يسود فكره من آراء، وما يكمن في باطنه من تراث لغته (إن كان شاعرًا) أو أساليب فنون أسلافه وأقرانه (إن كان فنانًا تشكيليًّا) في تحديد قدرته على النفاذ إلى حقيقة الشيء، وهو يتأكد من صدق رؤيته عمليًّا، أي بالاشتباك مع الشيء الذي يتناوله تناولًا يُمَكِّنُ الشيء نَفْسَهُ من الكَشْفِ عَنْ حَقِيقَتِهِ لِلْفَنَّان. وهذا هو ما يعنيه هايديجر بالجملة الأولى في المقتطف الوارد أعلاه، أي إن الفنان يستعين بالصراع بين «الأرض» أو «الطبيعة» وبين «العالم» أي دنيا الفنان الخاصة، حتى يجعل الشيء الذي يتناوله ينتقل من «الطبيعة» (الخارجية) إلى دنيا الشاعر أو الرسام ذات العوامل التي ذكرتها آنفًا، فيفصح عن معناه له، أي يفصح عما يسميه هايديجر معنى وجوده (حقيقته الوجودية التي تشهد على صدق الفنان).
ويلاحظ القارئ أن هايديجر يكرر الإشارة إلى أن الصدق الفني (القادر على الكشف عن الحقيقة الوجودية) يرتكز على مبدأ الكلية (holism) وهو الذي يتيح للفنان أن يرى مادته أو يعالجها من عدة زوايا في آن واحد، والأهم من ذلك أن يراها في إطار ترابطها المحتوم بغيرها، فالمادة — التعبير البديل عن «الأرض» أو «الطبيعة» — دائمًا ما تتخفى عن «العالم»، بمعنى أن الإنسان في دنياه يراها في عدة صور، ولكنه يحتاج إلى أن يبصرها باعتبارها كُلًّا واحدًا حتى يدرك ما يسميه هايديجر «وجودها الأدائي» (equipmental being) أي الأغراض التي تستخدم فيها، وكيف ترتبط بغيرها — بصورتها الكلية (as a whole) — وكيف من ثم يبرز معنى وجودها.
يقول راذول:
وهكذا فإن العالم هو الكيان الكلي المترابطُ المعنى الذي يبني علاقاتنا بالناس والأشياء من حولنا، حتى وهو يبني أسلوب اصطفاف الأشياء والأنشطة بعضها مع البعض، وأسلوب إحالة بعضها إلى بعض. وهايديجر يُعَرِّف «العالم» في هذا المقال بأنه: «إخلاء الدروب التي تمثل الاتجاهات الأساسية التي يلتزم بها كل قرار وإيضاحها» (أصل العمل الفني، ص١٨٠). فجميع القرارات التي أتخذها — سواء بمشاهدة التلفاز، أم بالذهاب إلى حفل الموسيقى، وسواء بأن أصبح كاتبًا أو محاميًا — لا يمكن أن تتاح لي إلا لأن العالم فتح أمامي هذه الإمكانيات. أي إن العالم يشق «الدرب» الذي يوجه قراراتنا، ولكنْ ليس هذا كل شيء، إذ إنه يقيم المعايير التي تجعل بعض هذه القرارات أهم من غيرها، وبعض الخيارات أعظم قيمة من سواها وهلم جَرًّا.
(كيف تقرأ هايديجر، ٢٠٠٦ ص٧٥–٧٦)
وإذا انتقلنا من حديث هايديجر عن الصراع الذي ينشئه أو يحفزه العمل الفني بين الأرض والعالم وقيامه بمهمة وضع أسلوب مترابط أو نهج متماسك للوجود يمكنه أن يتحكم في شكل كل ما يبدو لعيوننا، إلى كيان العمل الفني نفسه؛ وجدنا قول هايديجر في مستهل الفقرة المقتطفة نفسها: إن العمل الفني هو نفسه المكان الذي يدور فيه الصراع، فهو «ينشئ» العالم و«يصور» الأرض، أي يجعل لكل منهما شكلًا محددًا إلى الحد الذي يسمح لهما بالاصطراع فيما بينهما. ويستدرك هايديجر قائلًا: إن مهمة الأعمال الفنية العظيمة تتمثل في أن تجعل أسلوبًا معينًا لتنظيم الأشياء يسطع ضوءُه، وأن يعمل في الوقت نفسه على تَكُيُّفِنَا معه، أي ضبط آلاتنا الموسيقية البشرية لإصدار أنغام متآلفة متوافقة معه. ويضيف هايديجر: إن العمل الفني ينشئ هذا الأسلوب ويجتذبنا إليه، وهذا الأسلوب الذي يصوره في «سُكْنَى» العالم مصور تصويرًا بالغ الجمال، بحيث نشعر أننا منجذبون إليه، حتى ولو لم نستطع أن نفهمه. فكل شيء يصوره الفن يبدو بالصورة التي يظهر بها في ذلك العالم. أي، كما يقول راذول: «إن العمل الفني يرينا جوهر الشيء بنقاء وبساطة، بعيدًا عما يشتت الانتباه إليه أو يضفي عليه زخرفة تمنعنا من رؤية الأمر على حقيقته في العالم، وربما انجذبنا إليه» (كيف تقرأ هايديجر، ٢٠٠٦م، ص٨٣).
القضية إذن، كما يصورها هايديجر، هي أن العمل الفني يؤدي إلى سطوع ضياء شيء بحيث يبدو جميلًا ويجعلنا نحس بالعالم إحساسًا مختلفًا، وهذا السطوع إذن هو الشرارة التي تجعلنا ننطلق من شعورنا بالجمال «إلى الأفكار الجميلة وإلى الأفعال الحسنة» كما يقول أفلاطون في الفقرة المقتطفة آنفًا، وإذا ذكرنا ولع هايديجر الشديد بأرسطو فربما استطعنا أن نجد تأثيرًا أرسطيًّا في قيمة الجمال العملية عند هايديجر، فأرسطو، كما هو معروف، كان يُرْسِي في كتبه المثل الأعلى للإنسان، ويرى فيه جمعًا بين حسنِ الخَلْقِ والخُلُق، (kalos kagathos) على أساس ما يسمى بالتعليم التكاملي (paideia) الذي يقدمه فيرنر ييجر (Werner Jaeger) في كتابه الذي يحمل هذا العنوان، وأرسطو يذكر في كتابه الميتافيزيقا صفات الجمال التي يحددها بأنها النظام والتناظر والدقة، مضيفًا: أنها صفات الجمال والخير معًا. كما يقدم مفهومه الخاص للحكمة العملية (phronesis) التي تتفوق على طلب المعرفة؛ بل والحكمة في ذاتها (sophia).
ولكن الأعمال الفنية ليست، بطبيعة الحال، الأشياء الوحيدة القادرة على أن «تسطع»، أي أن تقدم أسلوبًا جديدًا أو طريقًا للوجود يمكنه أن يجتذبنا إليه، إذ يقول هايديجر بوجود طريق آخر لخلق حقيقة وجود جديدة، وهو «تساؤل المفكر» («أصل العمل الفني» ١٨٧) بمعنى قدرة الفيلسوف على التعبير عن أسلوب جديد لفهم العالم، وأما الطرق الأخرى القادرة على خلق هذه الحقيقة، فمن بينها «الفعل الذي يؤسس دولة سياسية» («أصل العمل الفني» ١٨٦) ووجود «التضحية الأساسية» (المرجع نفسه). ولنا أن ندرك أن هايديجر عندما كان يكتب عن هذه الأمور في ألمانيا في عام ١٩٣٥–١٩٣٦م فمن الأرجح أنه كان يقصد الثورة القومية الاشتراكية التي منحت هتلر سلطة مطلقة في ألمانيا وأدت إلى تأسيس دولة قومية اشتراكية جديدة.

قضية الالتحاق بالحزب النازي

سبق أن ذكرت أن هايديجر عُيِّن رئيسًا لجامعة فرايبورج والتحق بحزب العمال الألماني الاشتراكي القومي في عام ١٩٣٣م، وهو العام الذي أصبح هتلر فيه مستشارًا لألمانيا (أي رئيسًا للوزراء) (Kanzler) أو (Reichskanzler) وأصدر فيه مجلس النواب (Reichstag) قرار التمكين (the Enabling Act) الذي يسمح لهتلر بالاستيلاء على السلطة الكاملة في ألمانيا. واستقال هايديجر من رئاسة الجامعة، ولكن بعدما شارك مشاركة فعالة في برنامج الحزب النازي لإصلاح التعليم الجامعي، وكان الحزب قد وضع برنامجًا لإعادة تنظيم الحياة كلها في ألمانيا، بما في ذلك الجامعات، وانتهز هايديجر هذه الفرصة لتحقيق رؤيته في جامعة فرايبورج للعلاقة بين الفلسفة والعلوم في الجامعات الألمانية. كما يقول إيان طومسون في كتابه هايديجر واللاهوت الوجودي، ٢٠٠٥م، ص٣٢–٣٤)، وأما الكتب التي تتحدث تفصيلًا عن علاقته بالحزب النازي فتتفاوت في إدانتها له بسبب تأييده لهتلر والتماس مبررات له تعتبر خلافية، على أحسن تقدير، ولا أظن أن كتابًا صغيرًا كهذا يتسع لها، ومن ثم فسوف أورد الحكم المتزن الذي يقدمه راذول، بسبب علاقته بموضوع الفصل (سنوات التحول) ودلالته على ما نجده في «أصل العمل الفني» من أقوال تختلف عما رأيناه في الوجود والزمن اختلافًا قد يتعذر تفسيره إلا في ضوء كلام راذول الذي يقول:

كانت أفعال قادة الحزب النازي، وأبطاله بعبارة أخرى، نماذج للأفعال الرائعة «الساطعة» في عيني هايديجر، إذ كان يراها أفعالًا تجتذب الناس وتدفعهم إلى إعادة تشكيل سلوكهم وتغيير مواقفهم من العالم. وكان هايديجر مخطئًا حين ظن أن الثورة الاشتراكية القومية سوف تهيئ الفرصة للشعب الألماني لتفادي أسوأ معالم الحداثة، وهي التي كانت تعمل على تصدع الأشكال التقليدية للحياة الألمانية وتمثل خطرًا عليها. (وأما كون هذا الخطأ غير مقصور عليه فلا يعتبر سببًا، بطبيعة الحال، لإعفائه من مسئولية تأييد نظام الحكم الجديد) … كان هايديجر يرى أن الأسلوب التكنولوجي الذي يتبعه العالم الحديث يؤدي إلى الحط من قيمة كل شيء، بما في ذلك البشر، بتحويلهم إلى مجرد موارد، الأمر الذي يشكل تهديدًا خطيرًا لقدرتنا على أن نعيش حياة جديرة بالعيش.

والواقع أن حديث هايديجر عن الأعمال الفنية يساعدنا على فهم سر حساسيته وانجذابه إلى سحر الاشتراكية القومية، إذ كان يرى في النازية فرصة سانحة لتغيير التشكيل الراهن للعالم، وتخليص ألمانيا من الحداثة وفتح إمكانية جديدة للوجود. ولكن الواقع يقول: إن الأرض — التي تمثل الأساس اللازم لاتخاذ القرارات الخاصة بإقامة عالم جديد — لا يمكن إخلاؤها، بل إن عليها أن تنعزل حتى تحكم العالم الجديد، فإن الذين ينجذبون إلى عمل فني جديد أو إلى غيره من الأعمال الرائعة الساطعة، والذين «يغيرون طبيعة الكائنات» على ضوء العمل الذي يجري (حسبما يقول في كتابه إسهامات في الفلسفة، ص٩٦) سوف يتعرضون دائمًا للخطر، وهو خطر الإتيان بعالم جديد أشد بشاعة من طرائق الوجود الحالية. ونحن نستنكر عجز هايديجر عن الإحاطة بهذا الخطر إحاطة كافية.
وقد وجد عدد كبير من الفلاسفة أن اعتناق هايديجر للاشتراكية القومية يعتبر سببًا وجيهًا (أو ذريعة، على الأقل) لتجاهل عمله، وأما دارسو هايديجر، فيرون أن الخطأ الذي ارتكبه يمثل تذكيرًا وتنبيهًا بالعواقب الوخيمة لفكره، وعلى كل شخص يتبع هايديجر ويشعر بالمسئولية الملقاة على عاتقه، أن يتقبل هذه الحقيقة. والمرء يشعر بالحيرة على الأقل إزاء هذه الحالة، إذ كيف يمكن لهايديجر الذي كان يزعم التمتع ببصيرة نفاذة كشفت له حقيقة التاريخ البشري أن يصاب بعمًى فظيع يمنعه من إدراك دلالة الأحداث التي كانت تقع أمام عينيه؟ والحق أن المرء يشعر بالغم حين يتأمل سلوك هايديجر المزري في تلك الظروف. فعلى سبيل المثال، لا نملك أدلة على أن هايديجر كان يضمر العداء للسامية؛ ولكنه لم يربأ بنفسه عن استغلال وجود هذا العداء لتحقيق أغراضه الخاصة. وهكذا فليس من الغريب أن تكون إحدى القضايا التي يثار حولها جدل عنيف في مجال دراسة هايديجر قضية الدروس المستفادة من التحاق هايديجر بالحزب النازي (وعلى من يريد الاطلاع على شتى استراتيجيات دراسة اعتناق هايديجر للنازية أن يرجع إلى كتاب طومسون وعنوانه هايديجر والاشتراكية القومية).

وإذا لم يكن هايديجر قد تخلى في يوم من الأيام عن الفكرة الأساسية التي تقول بأن الإنسان تنفتح أمامه عوالم بطرائق تتحدى الوضوح وتقاوم الأسس العقلانية، فإن عمل هايديجر بعد الحرب «العالمية الثانية» قد خطا خطوات مهمة على طريق التغلب على السذاجة السياسية التي دفعته إلى المساهمة الناجعة في الاشتراكية القومية، وقد ساعده على المضي في هذا السبيل ازدياد وضوح أخطار العالم الحديث في عينيه، وهي الأخطار التي دفعته يومًا ما إلى الظن بأننا في حاجة إلى الكشف عن عالم جديد، وهكذا فما إن استطاع الإفصاح عن خطر الحداثة باعتبارها ربيبة التكنولوجيا حتى اتضح له أن الاشتراكية القومية لم تكن إلا حركة تكنولوجية حديثة أخرى (حتى ولو استخدمت التكنولوجيا لتحقيق أهداف رجعية). كما إن هايديجر، ثانيًا، تخلى عن ولوعه أو غرامه الرومانسي بالكفاح، والفِعال السياسية الأسطورية، والتضحيات في سبيل إعداد شكل أرق وألطف وأكثر تقبلًا للانفتاح على الأرض والسماء، والبشر والأرباب.

(كيف تقرأ هايديجر، ٢٠٠٦م، ص٨٦–٨٧)
وما دمنا قد تجاوزنا سنوات التحول في الثلاثينيات وأصبحنا نواجه مشكلات فكرية أخرى تبتعد عن الوجود والزمن ونقرأ عن قضايا أدبية أو فنية بصفة عامة، على رأسها الشعر واللغة، فيجمل بنا أن نلقي نظرة عامة على نشأة هذا الاهتمام الجديد بعد أن عرضنا لتفاصيله العملية والنظرية في منتصف الثلاثينيات، وكانت هذه النشأة محاضرة ألقاها في ١٣ نوفمبر ١٩٣٥م في فرايبورج بعنوان أصل العمل الفني، ثم كرر إلقاء المحاضرة في يناير ١٩٣٦م في زيوريخ، وعلى امتداد ذلك العام كان يضيف مادة جديدة إلى المحاضرة ويتوسع في بعض جوانبها حتى أصبحت تتكون من ثلاثة أقسام: القسم الرئيسي (٦٣ صفحة) تتلوه خاتمة (٣ صفحات) وتتلوها إضافة (٦ صفحات) ألقاها في فرانكفورت في ثلاث مناسبات في أواخر ذلك العام. وكان مدار المحاضرة الطويلة سؤالًا وجوديًّا واضحًا، ولكنه لا يتسم بالغموض الذي عهده القراء في الوجود والزمن، بل يعتبر واضحًا في صوغه والإجابة عنه، وهو ما سبق أن عرضه هذا الفصل الذي طال بعض الشيء، فأما ما أصل العمل الفني، أو ما منبعه؟ فسؤال لا يجيب عليه هايديجر إجابة مباشرة، لأن السؤال يتصل بسؤال آخر يتعلق بما ينبع من العمل الفني أو ما يؤدي إليه العمل الفني. ففيلسوفنا لا يميز بين الأصل والفرع، أي جذور العمل الفني وفروع شجرته وثمارها، إذ يقول: إن الأمر يتعلق بكشف الفن عن الحقيقة أو إماطة اللثام (aletheia)، أي إن ما يشير إليه باسم «أصل العمل الفني» هو في الحقيقة ثمرة العمل الفني الذي يكشف عن حقيقة الوجود أو حقيقة الكائنات، ولكنه يصوغ فكرته بأسلوب يختلف عن ذلك قائلًا: إن الكائنات أعمال فنية تكشف عن أصلها بأسلوب خاص يطلق عليه هايديجر تعبير فن صيرورة الحقيقة، أي إن أصل العمل الفني هو قوة الوجود التي تكشف عن نفسها في العمل الفني، فالحقيقة خبيئة وهي «تصير» أي تتحول إلى عمل فني يكشف عنها، وهكذا تصبح الحقيقة سببًا ونتيجة في الوقت نفسه.
ولا يملك المرء أثناء قراءة ذلك المقال الثلاثي الطويل إلا أن ينبهر بالمقدرة البيانية لهايديجر، فهو يأتي بعبارات موجبة ثم يحولها إلى سالبة، عامدًا إلى شد انتباه القارئ إلى شيء ثم نفي هذا الشيء، بحيث يصعب على القارئ أن يتابع حجة متماسكة الأجزاء مترابطة المعنى. فهو يبدأ بتأكيد أن العمل الفني «شيء»، محاولًا تأكيد شيئية الأعمال الفنية كلها، ثم يعيد فحص التفسيرات التقليدية «للشيء» (لأي شيء) استنادًا إلى الأنطولوجيا الكلاسيكية، وهي ثلاثة تفسيرات، الأول (١) يقول: إن الشيء مادة، تتصف بخصائص أو عوارض شيء، مثلما نجد أن المبتدأ قد يكون له أكثر من خبر واحد، والثاني (٢) يقول: إن الشيء هو الوحدة الناشئة بين العديد من الانطباعات الحسية داخل الذهن [وهو ما ذكرت أنه المذهب الكلي أو مذهب الكُلِّيَّةْ (holism)]، ويقول الثالث (٣): إن الشيء مادة هيولية اكتسبت صورة معينة، ثم يضيف قائلًا: إن هذه التفسيرات الثلاثة تشي بأصلها في نشاط بشري محدد، هو انشغال الإنسان بالأدوات والمعدات (وهو ما سبق لهايديجر أن حلله تفصيلًا في الوجود والزمن (في الأقسام ١٥–١٨)) ومن ثم فهي تشوه طابع «الشيء» وطابع «العمل» جميعًا. وينتقل الفيلسوف من ذلك إلى الرأي الذي يراه صوابًا لفهم العمل الفني (باعتباره شيئًا أيضًا) بقوله: إن ذلك يقتضي فهم انتماء العمل الفني إلى «عالم» الإنسان، وكيف يصير هذا الانتماء، مُعرِبًا عما سبق أن ذكرته من أن الصيرورة المذكورة تعتمد على الصراع بين الأرض والعالم (الدنيا) أو بين الطبيعة ودنيا البشر. وهو في هذا يستند إلى الصور الشعرية للأرض، حتى ينتهي إلى إقرار عامل الجمال الذي يجتذب الإنسان إلى داخل الفن. وأما دور اللغة الوجودي فنناقشه في الفصل التالي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤