امرأتان في امرأة

كان اليوم هو الرابع، وكان الشهر هو سبتمبر، وكانت تضع قدمها اليمنى على حافة المنضدة الرخامية، وقدمها اليسرى فوق الأرض. وقفة لا تليق على الإطلاق مع كونها امرأة، «لم تكن امرأة بعد في نظر المجتمع»، كانت لا تزال فتاة في الثامنة عشرة. ولم تكن ملابس الفتيات في ذلك الوقت تسمح لهن بأن يقفن هذه الوقفة. كن يرتدين شيئًا اسمه «الجيب» يلتف حول الفخذين بشدة ويضيق عند الركبتين، فإذا بالساقين ملتصقتان دائمًا، أثناء الجلوس وأثناء الوقوف، بل وأثناء السير، لم تكن الساقان تنفصلان أبدًا في حركة الخطوات المألوفة للآدميين، وإنما هي حركة دورية غريبة، تنتقل بها قدما الفتاة فوق الأرض وتظل ساقاها ملتصقتين وركبتاها ملتحمتين كأنما تضغط بين فخذيها على شيء تخشى سقوطه.

كانت «رغم كونها فتاة» تندهش، وتود أن تعرف هذا الشيء الذي يمكن أن يسقط من أي فتاة في اللحظة التي تتباعد فيها ساقاها. وباستطلاع طبيعي كانت عيناها دائمًا تبحثان، وتراقبان تلك الحركة الدودية التي تسير بها الفتيات.

لم يكن مظهرها يختلف كثيرًا عن هؤلاء الفتيات، سوى أنها كانت ترتدي البنطلون، وساقاها كانتا طويلتين، عظامهما مستقيمة، وعضلاتهما قوية، تستطيع أن تدب على الأرض وهي تمشي، وتحرك ساقيها بحرية، وتفصل بينهما بثقة.

دائمًا كانت تجد نفسها بين البنات، في مدارس البنات، وفي فصول البنات، واسمها في كشوف البنات، بهية شاهين، التاء مربوطة مضافة إلى اسمها، تربطها بقوائم البنات كاللجام الجلدي.

ولأن العقل البشري عاجز عن إدراك حقيقة الأشياء، فقد أصبحت معروفة عند الجميع كبهية شاهين، أما حقيقتها فلم تكن معروفة لأحد.

وكانوا يندهشون حينما تسير، وتصبح هناك مسافة مرئية بين ركبتيها. وتراهم يحملقون في هذه المسافة، فتتظاهر بأنها لا تراهم، وتواصل سيرها، تحرك ساقيها وتفصل بينهما، وتدب بكل قدم على حدة فوق الأرض، بقوة تدرك بها عن يقين أنها ليست بهية شاهين.

ذلك اليوم بلغت الثامنة عشرة. كانت تقف وقفتها الطبيعية «الشاذة في نظر المجتمع» قدمها اليمنى على حافة المنضدة الرخامية، وقدمها اليسرى فوق الأرض. وقفة لا تستطيع أن تقفها أية فتاة في ذلك الوقت، ولا أي فتى أيضًا. فهي تحتاج إلى ساقين على قدر كبير من الثقة بمرونة عضلاتهما وقوة عظامهما واستقامتهما. وكانت سيقان الفتيان في معظم الأحوال معوجة «بسبب نقص التغذية في الطفولة» والفتى منهم لا يستطيع أن يرفع قدمه ليضعها على حافة المنضدة الرخامية العالية على أن تظل قدمه الأخرى فوق الأرض. أقصى ما كان يستطيعه الواحد منهم هو أن يرفع إحدى قدميه ويضعها على حافة المقعد الخشبي المنخفض. وكانت ترى معظم الفتيان يقفون هذه الوقفة، فهي عادية ومسموح بها للذكور فحسب.

الوحيد الذي كان يستطيع أن يرفع قدمه أكثر ليضعها على حافة المنضدة هو الدكتور علوي أستاذ التشريح. يمر بين المناضد بمعطفه الأبيض ونظارته البيضاء، وحين يقف عند أي منضدة يخفض الطلبة أقدامهم المرفوعة على المقاعد، ويقفون أمامه فوق ساقين تكادان تلتصقان. أما هو فيرفع قدمه عاليًا في الهواء، ويضعها بكل ثقة على حافة المنضدة، وينظر مباشرة في عيون الطلبة، بعينين زرقاوين لا ترمشان.

حين كان يقف عند منضدتها لم تكن تخفض قدمها. وحينما يصوب إليها عينيه الزرقاوين تصوب إليه عينيها السوداوين. كانت تدرك أن اللون الأسود أشد قوة من اللون الأزرق وبالذات في العينين. الأسود هو الأصل، هو الجذر العميق الممدود في بطن الأرض.

بين أصابعه البيضاء المحمرة كان يبرز الملقط المعدني، يمده في بطن الجثة المفتوح، أو الذراع، أو الساق، أو الرأس، أو العنق، ويمسك أي شيء بطرفيه الرفيعين ويصيح بصوته الحاد: ما هذا؟ دائمًا كان يلتقط أصغر الأشياء وأدقها. وريد صغير يجري تحت عضلة صغيرة، شريان رفيع مختفٍ في ثنية جلد، عصب دقيق كالشعرة لا يكاد يمسك بالملقط.

كن ثماني فتيات حول جثة واحدة. وبينهن واحدة أو أكثر تحفظ أسماء الأوردة والشرايين والأعصاب عن ظهر قلب. فما أن يسأل الدكتور علوي: ما هذا؟ حتى يرن في المشرحة صوت أنثوي حاد ومنخفض في نفس الوقت بالاسم الصحيح.

في كل مرة كان ينظر إليها، متوقعًا مرة أن ترد، أن تثبت له أنها تعرف الإجابة لكنها كانت ترفض من حيث لا تدري أن يمتحنها أحد.

ذلك اليوم، الرابع من سبتمبر، كانت تحس أن شيئًا خطيرًا سيقع في حياتها. كل سنة في مثل هذا اليوم ينتابها هذا الإحساس. تفتح عينَيها في الصباح وترى الشمس متوهجة بشكل غير عادي، وعينَي أمها أكثر حدة وبريقًا، وتهمس لنفسها بصوت خافت: في مثل هذا اليوم حدث لأمي شيء خطير في نظري، فقد ولدتني. وفي كل مرة تحس أن شيئًا خطيرًا سيحدث في هذا اليوم، أشد خطورة من كونها تولد.

وحينما تهمس في أذن أمها بهذا الخاطر تضحك تلك الضحكة الأنثوية المألوفة في ذلك الوقت، المكتومة على شكل شهيق متقطع وتقول: اعقلي يا بهية.

لم تكن أمها تفهمها. وحين تراها في مكانها المعهود في السرير تزحف بهدوء إلى جوارها وتحتل مكان أبيها. وكما كانت تراه يفعل تلف ذراعَيها الصغيرتَين حول عنقها الكبير. كانت تدرك بإحساس يقيني أن جسد أمها هو الوحيد الذي يفهمها. وتلتف ذراعا أمها الكبيرتان حولها بقوة غريبة تكاد تسحقها.

ذلك الحين كانت تقرأ قصص الأطفال والأساطير الخرافية. في إحدى تلك الأساطير كان هناك إله رهيب يعبده الناس في مدينة سحرية، هذا الإله كان قادرًا على أن يمسك بيده الواحدة أي شيء صلب، ويضغط عليه، ثم يفتح يده، فإذا بها فارغة.

وكانت تنزعج أمام هذه القوة التي تهدد وجودها انزعاجًا فطريًّا لم تفهمه في طفولتها، لكنها أصبحت تفهمه بالتدريج، وأدركت من بعد أنها كانت تفهمه منذ البداية، منذ اللحظة التي اكتشفت فيها أن لها جسدًا خاصًّا منفصلًا عن جسد أمها.

هذه اللحظة لا تغيب عن ذاكرتها، الألم فيها كان كالسكين الذي يمزق اللحم من اللحم، ومع ذلك لم يكن ألمًا حقيقيًّا، حين دارت يدها دورة كاملة حول جسدها المستقل قفزت في الهواء قفزة عالية، كعصفور يطير من الفرح، لكنها لم تكن عصفورًا، وسقطت على الأرض «بسبب الجاذبية الأرضية»، منذ ذلك السقوط وهي تعرف وزن جسدها الخاص، تعرف أنه أثقل منها، وأن الأرض تشده إليها بقوة أكثر من قوتها، كذراعَي أمها تشدانها إليها مرة أخرى، وبكل قوتها تحاول أن تجعل جسديهما شيئًا واحدًا، بلا جدوى فالانفصال الأبدي حدث في لحظة مضت ولن تعود.

منذ طفولتها وهي تحس المأساة فوق جسدها الخاص، تحملها معها في كل خطوة، داخل كل خلية من خلاياها. رغبة جامحة في العودة من حيث أتت في الخروج من مجال الجاذبية الأرضية، في أن تصبح بغير جسد له ثقل، وله سطح، وله حدود خارجية تفصله عما حوله، رغبة جامحة في الذوبان كذرات الهواء في الكون، والتلاشي الكامل النهائي.

كانت تحملق في صورة الإله الخرافي، وتدقق في أصابعه الكبيرة وهي تسحق الأشياء بضغطة واحدة، وحينما تنهض في اليل مفزوعة تتسلل إلى سرير أمها وأبيها وتدس جسمها الصغير بين جسميهما العاريين، لكن ذراعَي أبيها الكبيرتين تشدانها بعيدًا عنهما، بكل قوته يبعدها. أما أمها فتنظر إليها بعينَين سوداوين تشبهان عينيها وتقول بصوت حانٍ: اذهبي إلى سريرك يا بهية، لقد كبرت.

صوتها كان حانيًا، تحس حنانه كالأصابع الناعمة فوق جسدها، تدور برقة وحنان، تدور دورة كاملة وكأنها ترسم خطوط جسدها، تحدده عن الكون الخارجي، وتبكي وحدها في سريرها بسبب ذلك الحنان، الذي يلامسها برقة ويؤكد وجودها المستقل، وكيانها الخاص المنفصل، وتنشج ببكاء مكتوم يرجُّها ويرجُّ السرير، وتجتاحها الرغبة الجامحة في أن تكف هذه الأصابع عن حنانها الخادع، وأن تضغط عليها بقوة رهيبة، تخلصها إلى الأبد من جسدها وتجعلها هي وأمها شيئًا واحدًا.

أغمضت عينَيها لتنام لكنها لم تنم، تملَّكها الفزع لفكرة غريبة خطرت لها، ذلك أنها ستفني حياتها كلها بحثًا عن هذه اللحظة أو هربًا منها، وخبأت رأسها تحت اللحاف من شدة الرعب، وامتلأت حجرة نومها بأشباح الأساطير والآلهة الخرافية، يضغطون على جسدها ليسحقوها وهي تقاوم بكل قوتها، ترفسهم بقدمها، وتعضهم بأسنانها، وتصرخ مستنجدة بأبيها وأمها.

صراخها لم يكن خوفًا حقيقيًّا، كان خدعة، تخدع بها أمها. كانت تتعلم الخداع منها، كانت أمها تكذب عليها، تنام معها في سريرها وتقول لها إنها لن تتركها، وفي منتصف الليل تحس بها وهي تتسلل خارج سريرها وتذهب إلى سرير أبيها، وكانت تفعل مثلها تمامًا، تعرف كيف تصرخ بصوت مرتعش مثير للشفقة، وتأتي أمها إليها وتنام في سريرها.

لم تكن أمها تفهم رغبتها، كانت تملأ فمها بالطعام، وحين تستدير تبصق الطعام في الصحن، وتعجب كيف أن أمها لا تعرف مع أنها كانت مثلها. سألتها مرة فقالت إنها لا تذكر شيئًا، وأدركت أن الناس تنسى عن قصد الذكريات الحقيقية، ثم تملأ ذاكرتها بأشياء لم تحدث.

قالت لها ببراءة الأطفال إنها اكتشفت أنها فتاة وليست ذكرًا، وكشفت عن ملابسها لتثبت لها الحقيقة، لكنها ضربتها على يدها وصاحت: تحرمي! ولم ترد، فضربتها مرة أخرى وهي تقول: قولي حرمت! ولم ترد، فرفعت يدها في الهواء وصفعتها على وجهها، ولم ينفتح فمها لتقول حرمت؛ لأن ذهنها هو الذي انفتح على حقيقة غريبة، وأدركت وهي تزم شفتَيها وتطرق برأسها إلى الأرض أن الناس لا تحرم إلا الرغبات الحقيقية؛ لأنها قوية، أما الرغبات غير الحقيقية فهي ضعيفة ولا تحتاج إلى قوانين تحريم، وبدأت تبحث في كل المحرمات من حولها لتكشف رغبات الإنسان الحقيقية.

إنه البحث من أجل معرفة الحقيقة، ولا شيء أكثر من هذا، لم تكن تريد شيئًا أكثر من هذا، وحينما يمر الدكتور علوي بعربته الطويلة من خلال نافذة المشرحة تلمع عيون زميلاتها السبع وتتحرك سبع ننيات «جمع نني» في اتجاه واحد محدد. لكن النني الأسود الراسخ في عينَيها يظل مشدودًا إلى ذلك الإحساس الغريب الذي ينبهها بأن كل شيء مباح غير حقيقي. وتلكزها إحدى الزميلات بأصبع مدبب في كتفها قائلة: انظري! وترفع رأسها ناحية النافذة، وترى العربة الطويلة، يطل منها رأس له عينان زرقاوان جاحظتان بعض الشيء ويلكزها الأصبع المدبب في كتفها مرة أخرى: ما رأيك يا بهية؟

– نظرته غير حقيقية.

وتضربها بكفها البضة على ظهرها وتقول بصوت ساخر: يا خيبتك القوية!

وتنفتح الأفواه السبعة في ضحكة أنثوية، مكتومة ومتقطعة، كأنفاس تلهث بحرمان عاجز عن الارتواء إلى الأبد.

غضبت من حرمانهن أكثر مما غضبت من ضحكهن، وصعد الدم إلى وجهها، فلمت مشارطها وأدوات تشريحها ووضعتها في محفظتها الجلدية، وغادرت المشرحة. حين سارت في الهواء الطلق، وتلاشت من أنفها رائحة الفورمالين والجثث الميتة أدركت أنها لم تكن غاضبة من حرمانهن ولا من ضحكهن، وإنما هي تريد أن تهمس في أذن أحد بذلك الإحساس الغريب الذي يتكون في جوفها كالجنين طوال السنة، يتراكم يومًا بعد يوم، ويعلو ويشتد ليبلغ الذروة في اليوم الرابع من كل سبتمبر، يؤكد لها عن يقين أنها ليست بهية شاهين.

خرجت من الكلية وسارت في شارع القصر العيني، تحملق في الوجوه كأنما تبحث بينها عن وجهها الحقيقي. وعند محطة الترام وقفت، وأدركت أنها لم تكن تبحث عن شيء، وأنها مرهقة وجائعة.

جلست في الترام، ظهرها في ظهر رجل، ووجهها في وجه رجل، وعلى يمينها رجل وعن يسارها رجل، وأمامها صفوف من الرجال الجالسين متلاصقين في صمت، أنصافهم السفلى ثابتة متحجرة فوق المقاعد، وأنصافهم العليا تهتز بحركة بطيئة منتظمة كحركة الترام. وحين يقف الترام تتراجع رءوسهم إلى الخلف بقوة، فإذا بهم يفتحون عيونهم في ذعر، وحين يطمئنون إلى أن رءوسهم لا تزال في موضعها يغمضون عيونهم وينامون.

موظفون كلهم؛ لأن شارع القصر العيني مكتظ بالوزارات ودواوين الحكومة. أجسامهم لها شكل واحد وملامحهم وبدلهم وأصابعهم وأحذيتهم كلها اتخذت شكلًا واحدًا كأنما الحكومة تصكهم كما تصك النقود في قطع مخروطية متشابهة. أكتافهم متلاصقة، متهدلة بعض الشيء «رغم حشو البدلة السميك» كأنما يحملون فوق أكتافهم عبئًا أبديًّا لا يرى بالعين وإنما هو قائم وموجود، والدليل على ذلك أنهم من حين إلى حين يحركون أكتافهم بطريقة توحي بأنهم يزحزحون العبء من كتف إلى كتف.

ورغم أنهم نائمون إلا أن حركة عيونهم من تحت الجفن تكشف لها أن نومهم ليس حقيقيًّا، وحين يفتحون عيونهم وينظرون إليها تدرك أن يقظتهم أيضًا غير حقيقية، ويصبح كل شيء فيهم ومن حولهم غير حقيقي. إذا انفرجت شفاههم وظهرت أسنانهم لا تعرف إذا ما كانوا يبتسمون أم يكشرون، وإذا حركوا أصابعهم وهم يصعدون الترام أو يهبطون منه لا تعرف إذا ما كانوا يتبادلون التحيات أم التهديدات ويصبح كل شيء مختلطًا، والشيء ونقيضه يتماثلان، فالابتسامة كالتكشيرة، والتحية كالتهديد، والصدق كالكذب، والفضيلة كالرذيلة، والحب كالكراهية. وتتشابه الحركات والملامح والمعاني إلى حد الشعور بالاختناق، وتمد عنقها خارج الترام لتجذب نفسًا عميقًا من هواء الشارع، وحين يعود تنفسها الهادئ تدرك التشويه الذي تصنعه الحكومات بالبشر، فيصبح الرجل البالغ في حجم الطفل، لكن عظام جمجمته تفضح عمره الحقيقي، وتدل البدلة والكرافتة على أنه من الطبقة الحاكمة، لكن مشيته تكشف عن حقيقة كونه من المحكومين.

في كل مكان كانت تراهم، يملئون الشوارع، وتكتظ بهم الترامات، يدخلون ويخرجون من الأبواب، والردهات والأبنية، بأجسامهم الصغيرة، وأكتافهم المحشوة العريضة وجماجمهم الكبيرة، وظهروهم المحنية، وشفاههم المنفرجة دائمًا عن ابتسامة كالتكشيرة أو تكشيرة كالابتسامة. مخلوقات آدمية مُسخت بقدرة قادرة، بقوة هائلة غير بشرية، تحول البشر إلى مخلوقات أخرى غير بشرية.

هبطت من الترام وسارت نحو بيتها، رأت على بُعد رجلًا يشبه الرجال الآخرين ذا كتفين عريضتين وجمجمة كبيرة وظهر محني، تفادت النظر إليه وأسرعت الخطى لتدخل بيتها، لكنه ناداها باسمها فالتفتت إليه، ورأت وجه أبيها. لا بد أنه رأى ذعرًا شديدًا على وجهها لأن عينَيه اتسعتا في دهشة وقال: ما لك يا بهية؟

وأخفت عينيها بكفها وجرت من أمامه إلى البيت.

كان وجهها لا يزال شاحبًا حين فتحت أمها الباب، لكنها لم تلحظ شحوبها. كانت شاحبة دائمًا، ومن الصعب على امرأة مثلها أن تقدر على تمييز درجات الشحوب، فهي قدرة نادرة تحتاج إلى قدرة على التحديق الطويل، ولم تكن أمها تقدر على التحديق في وجهها. كانت عيناها لا تقويان على الثبات في عينيها، واتخذت من ذلك دليلًا على أنها كانت تخدعها منذ الطفولة، وأبوها أيضًا خدعها، كان يظهر أمامها في البيت بجسد طويل ضخم، وظهر مشدود وكف كبيرة قوية قادرة على صفعها، مع أنه ليس إلا واحدًا من آلاف الموظفين في الحكومة.

•••

ثماني عشرة شمعة مضاءة فوق المائدة البيضاء، وأمها تملأ فمها بالحلوى، وحين تستدير تبصقها في الصحن وأبوها يبتسم في وجهها، ولكنها تشك في ابتسامته، أبوها كله أصبح حقيقة مشكوكًا فيها، الشك كالشمعة له ضوء أحمر وله لسعة حادة كالإبرة. لا زالت تذكر اللسعة فوق أصبعها، والمائدة هي المائدة، ولكن كان عليها شمعة واحدة، كان عمرها عامًا واحدًا، الضوء الأحمر كانت تراه في عينها كجزء منها، وجسمها الصغير الناعم زاحف فوق الأرض ملتصق كقطعة منها، لم تكن قد انفصلت بعد عن الكون، ولم تكن يدها تستطيع أن تدور حول جسمها دورة كاملة، كانت يدها صغيرة وجسمها كبيرًا ضخمًا يشغل المساحة الضخمة بين السقف والأرض، وحينما كانت تمد يدها وتتفقد ساقَيها لم تكن تعرف أهما ساقاها أم ساقا الكرسي؟ وحينما رأت الضوء الأحمر في عينَيها لم تعرف أهو ضوء الشمعة أم ضوء عينيها، وغاظها الشك فأرادت أن تتأكد، ومدت أصبعها فلسعتها النار، وعرفت الفرق بين اللهب وعينَيها، ومن خلال الشك والألم أصبحت حدود جسمها تتشكل وأعضاؤها تأخذ شكلها الخاص.

سمعت صوت أمها يأتيها من فوق المائدة البيضاء، مجتازًا ثمانية عشر لسانًا رفيعًا من اللهب: كل سنة وأنتِ طيبة يا بهية. دهشت ولم تصدق أنها بلغت ثمانية عشر عامًا، هل دار الكون حول نفسه ثماني عشرة سنة؟ لم تعرف كيف سألت السؤال، لكن خيطًا حريريًّا غير مرئي يربط دورتها بدورة الكون. حين كانت تحملق في قرص القمر تمتد بينها وبينه الخيوط الحريرية كالأسلاك تشدها إليه وتشده إليها، لكن جاذبية الأرض أشد، وهي بينهما تبدو ساكنة من فوق السطح، لكن أعماقها كدوامة البحر تغلي، تقاوم الشد من كل جانب، وينفجر في داخلها شيء صغير مستدير كالبالونة المنتفخة، وتخرج البيضة الدقيقة بحجم رأس الدبوس، وفي رأسها عين واحدة تحملق، تسبح إلى الأمام وتحملق باحثة عن لحظة الاتصال الأبدية، لتنسحق في الكون وتتبدد تمامًا.

أصبح وجهها أحمر في ضوء الشموع وظن أبوها أنها تخجل كفتيات الثامنة عشرة، لكنها لم تكن في الثامنة عشرة، ولم تكن فتاة، فما معنى فتاة؟ سألت السؤال لأبيها وأمها وزميلاتها في المشرحة، وحينما سمع الدكتور علوي السؤال دب ملقطه المعدني في بطن المرأة المفتوح وأمسك الرحم. مثلث صغير من اللحم بحجم ثمرة الكمثرى الصغيرة، أملس من السطح، ومجعد من الداخل وقاعدته إلى أعلى ورأسه إلى أسفل.

ثبَّت عينَيه الزرقاوين في عينَيها السوداوين وابتسم لكنها لم تبتسم. وشدها من يدها إلى المنضدة المجاورة وقال بلهجة الأستاذ: أما الرجل فهذا. وأمسك بطرفي الملقط عضو الذكر، ورأت قطعة جلد سوداء مجعدة كقطعة براز قديم.

•••

حين عادت إلى البيت جلست أمام أمها وطلبت منها أن تحدق في وجهها طويلًا ثم سألتها: هل أنا بهية؟ وتشهق أمها شهقتها الأنثوية المكبوتة إلى الأبد، وتقول: اعقلي يا بنتي! لم تكن أمها تفهمها، لكن كانت تفهم أمها، وحين تحدق في عينَيها طويلًا كانت تستطيع أن ترى رحمها، مكورًا وقابعًا في قاع بطنها، وتلمح عضلاته وهي تنقبض وتنبسط، وتنقبض وتنبسط، في نبض سريع متصل، كنبض الكون في سكون الليل، وبحركة لا مرئية ولا محسوسة كحركة الأرض. تود أن تضغط بكل قوتها على هذا الرحم لتبطل حركته السرية المجنونة، وليسكن إلى الأبد، لكن أمها تطرق بعينَيها إلى الأرض، لا تقوى على النظر طويلًا في عينَيها. في أعماقها شيء تخفيه عنها، تدفنه في طيات نفسها، وتلف عليه أحشاءها طبقة فوق طبقة، ليصبح غير مرئي، وحركته مخفية لا نهائية، سرية إلى الأبد.

الأبد كلمة لا تعرف معناها؛ فاليوم يمر وراء اليوم، ودورة القمر تتعاقب مع دورة الدم في عروقها، والخلية المنتفخة في أعماقها تنفجر في اللحظة نفسها، وتدور البيضة الدقيقة حول نفسها دورانًا سريعًا مجنونًا كدورة الأرض حول نفسها، وبعينها الواحدة تحملق في الكون باحثة عن فناء ذاتها، بلا جدوى يتكرر الإحباط كل مرة، مع دورة القمر اللامجدية، ويتراكم الغضب في أعماقها كسخونة الدم، يتجمع ويتراكم ويدور مع دورة الزمن داخل مجال جسدها، تحسه على يقين في خلاياها، إحساسًا ملحًّا شديد الإلحاح، ينبئها بأن شيئًا خطيرًا سيحدث لها في يوم من الأيام، يوم معين محدد.

لم يكن من عادتها أن تحمل مفكرة بالأيام، ولم تكن تنظر إلى النتيجة المعلقة في حجرة أبيها والتي تراه يشد منها كل يوم ورقة، يشدها بالطريقة نفسها وفي اللحظة نفسها كل صباح، يشدها ويكورها بين أصابعه، وتشدها بعيدًا وتصرخ في وجهه: اتركها! قبل أن يرفع أبوها يده الكبيرة عن الورقة تتوقع أنها أخطأت، وأن الشمس لم تتوهج بدرجة غير عادية، وأن عينَي أمها هما عيناها ككل يوم، وأن ذلك الإحساس الغريب الذي انتابها ليس إلا وهمًا من أوهامها الكثيرة المتنوعة. وتستدير وتترك أباها ليشد الورقة كما يشدها كل يوم، لكنه لا يشدها، وتسمع صوته من خلف ظهرها يقول: كل سنة وأنتِ طيبة يا بهية، ويلتوي عنقها في حركة سريعة عنيفة، وتصطدم عيناها بالرقم ٤ «أربعة» فوق الورقة البيضاء كخط زجاجي أسود، ويهرب الدم من وجهها ويصبح شاحبًا.

تتلفت حولها وهي تسير في الشارع، وحين تسمع صوتًا من خلفها تتوقف وتستدير كأن أحدًا يناديها، وتدرك بعد لحظة أنه ينادي اسمًا آخر على وزن بهية، كوفية أو نجية أو علية أو زكية.

وحين تركب الترام يُخيَّل إليها أن أحدًا ركب وراءها، أنه يتبعها، وحين تهبط في شارع القصر العيني تكاد تسمع خطواته من خلفها، وحين تدخل من باب الكلية يدخل.

في فناء الكلية الواسع المزدحم تفقده، تختلط الأصوات والملامح، وتحس أنها تغرق في بحر وحدها، دون أن يراها أحد، ودون أن يميزها أحد، وأن وجهها أصبح كوجه زميلاتها لا فرق بين بهية أو علية أو سعاد أو إيفون، وفي هذه اللحظة تدرك المعنى الحقيقي للموت، كانت تبحث عن الموت في جثث المشرحة، لكن الموت كالحياة لا يعيش في الجثث.

الموت لا يعيش إلا في ذهن حي، شديد الحياة، قادر على التقاط أدنى الأحاسيس وأكثرها اختفاءً وسرية، كذلك الإحساس بالضياع الذي تحسه ذرة هواء سابحة في الكون تقاوم الضياع بين ملايين الذرات، أو كتلك الرغبة المحيطة التي تحسها قطرة ماء تقاوم الذوبان في ماء البحر. المقاومة المجنونة اليائسة في قمة الإحباط، تصنع الاستسلام الكامل كالسكون الأبدي. من ينظر إلى وجهها في تلك اللحظة يظن أنها عمياء وخرساء، وأن جسدها ساكن لا يتحرك، مع أن قدمَيها تنتقلان على الأرض، القدم وراء القدم والأشياء أما عينَيها بلون واحد وشكل واحد، والأجسام كلها متشابهة، والحركات والأصوات متشابهة. تجد نفسها تجري بغير وعي، هاربة من فناء الكلية، هاربة من التشابه المميت، داخلها وخارجها، في جسدها وفي العالم الخارجي.

كان لها ركن صغير منفصل، منعزل، بحذاء سور الكلية، وراء المبنى الضخم، تجلس. فيه مقعد خشبي بغير ظهر، تجلس محنية إلى الأمام، تحملق في قطعة صغيرة من الأرض بحجم كف اليد لم ينبت عليها العشب الأخضر، ودون بقية الأرض من حولها ظلت طينية اللون، مشققة، ومن بين الشقوق الرفيعة تدخل وتخرج ملايين الكائنات الدقيقة بحجم النمل.

– بهية!

يرن الاسم في أذنها غريبًا كاسم واحدة غيرها، وتنتفض من فوق المقعد، وفي انتفاضة جسدها تدرك أن لها جسدًا خاصًّا، يمكن أن تحركه وتهزه فلا تهتز معه الأجسام الأخرى، وأن له اسمًا خاصًّا، حينما يرن في الجو ترفع رأسها وتندهش، وقد تسأل: من يناديني؟ في كل مرة تسمع النداء تندهش، وتدرك بإحساس خفي أن أحدًا يناديها باسمها من دون الأسماء الأخرى، ويتعرف على جسدها من ملايين الأجساد، ويستطيع أن يميزها من بين المخلوقات السابحة في الكون بالبلايين.

يهرب الدم من وجهها في شحوب غير بشري، كشحوب التماثيل المنحوتة من الصخر، أو كوجوه الجثث المرصوصة على المناضد الرخامية في المشرحة. ورأت لون وجهها حين نظرت في مرآة حجرة الطالبات، وأصابعها حين لمست بشرتها كانت باردة مثلجة. وتعرف عن يقين أنها ترتعد وأنها تريد أن تهرب من ذلك الصوت الذي ناداها، من ذلك النداء الذي يقصدها هي بالذات، من تلك القدرة الخارقة التي استطاعت أن تميزها هي دون الآخرين، أرادت أن تهرب. بسرعة لم تألفها قدماها دست نفسها بين الطالبات وجعلت جسدها يتوه بين أجسادهن، ورأسها يختفي بين رءوسهن. وحينما تتحرك الرءوس تحرك رأسها معها، إلى اليمين أو إلى اليسار أو إلى الأمام أو إلى الخلف، تحتمي فيها كدرع، وتظل كذلك بينهن مختفية، لا تقوى على أن تطل برأسها إلى الخارج، فهناك في الخارج قوة خارقة للطبيعة تستطيع أن تلتقطها من وسط الزحام، وتميز جسدها من بين الأجساد. قوة قادرة رهيبة، ما إن تطل برأسها حتى تشدها إليها بمغنطة أشد من جاذبية الأرض، وما إن تشدها حتى تدخل مجالها الكهربي، وتدور في فلكها كنحلة مجنونة نزعوا عنها قرنها فراحت تدور حول نفسها حتى يسحقها الدوران.

كانت تشعر بذلك الخطر ينمو داخلها ويكبر، ذلك الخطر الذي يهددها بأنها منسحقة لا محالة، وأن جرثومة ما تعيش في جسدها، تنهشه في حذر وهدوء لتسحقه بالتدريج دون أن تدري، أو أنه سينسحق فجأة وفي لحظة خاطفة تحت قضبان الترام، أو بين عجلات الأتوبيس، وأن أحدًا لن ينقذها، وحينما تسمع صراخًا وتطل برأسها من الترام وترى الجسد الممزق فوق القضبان تحس أنه جسدها، وهذا الوجه الشاحب هو وجهها، وهذا الدم الأحمر فوق الأسفلت هو دمها. ثم يتحرك الترام مرة أخرى وتجد جسدها قابعًا في مكانه فوق المقعد سليمًا صحيحًا، ودمها لا زال داخل عروقها لم يخرج، وتدرك بإحساس خفي، ولكنه يقيني، أن اليوم لم يأتِ بعد، وأنها لا زالت بهية شاهين، طالبة الطب المجدة حسنة السير والسلوك، ابنه محمد شاهين المدير بوزارة الصحة.

تدخل الكلية بحركة تشبه حركتها كل يوم، وتتجه إلى مدرج علي باشا إبراهيم، وتجلس في المقعد الذي تجلس فيه كل يوم، آخر مقعد في آخر صف من ناحية اليسار، من يراها يظن أنها نائمة في مقعدها، مع أنها يقظة شديدة اليقظة، ترى الطلبة بوضوح أشد من أي وضوح سبق، تراهم وهم يندفعون من الباب، يدوسون على أقدام بعضهم البعض، الحقائب المنتفخة بكتب التشريح مضغوطة تحت الإبط، والنظارة البيضاء السميكة تهتز فوق الأنف تسندها اليد اليسرى من السقوط، والذراع اليمنى ممدودة إلى الأمام تزيح الأجسام الأخرى من الطريق يتسارعون إلى احتلال الصفوف الأمامية من المدرج، ويجلس الواحد منهم في مقعد وهو يلهث، ويفتح كشكول المحاضرات بأصابع حمراء متورمة «بسبب التسلق على الترام» يدلكها بحركة سريعة ثم يضعها في جيبه، وقد يضع رأسه داخل الكشكول ليراجع المحاضرات السابقة، أو يمد عنقه إلى اليمين أو إلى اليسار ويهمس في أذن زميله بنكتة «في معظم الأحيان نابية»، وحين يدخل الأستاذ يدب الصمت في المدرج، ويصبح الواحد منهم قادرًا على سماع الأصوات المنبعثة من معدة الآخر «بسبب عدم تناول الإفطار قبل الحضور»، يتحرك الأستاذ أمامهم من فوق المنصة، بخطوات بطيئة هادئة، وصوته هادئ وجسده هادئ وأعضاؤه مستريحة وخلاياه مطمئنة، كذلك الاطمئنان الذي تشعر به خلايا المعدة بعد غذاء دسم، أو خلايا الألية بعد الاسترخاء في مقعد وثير، ويغمض الطلبة عيونهم ويحلمون بالاسترخاء، ويدركون أنه حلم قديم منذ الطفولة، منذ لمحوا البريق في عيون آبائهم وأمهاتهم حين يرن في الجو اسم دكتور.

كانت تجلس في مقعدها الخلفي لا ترى عيونهم وإنما ظهورهم، وكلها محنية إلى الأمام فوق كشاكيل المحاضرات، ويخيل إليها أنهم سيظلون إلى الأبد محنيين ومنكفئين فوق وجوههم، وتندهش حين تراهم «بعد انتهاء المحاضرة» يتحركون، وأنهم ينهضون بسرعة ويندفعون نحو الباب، يدوسون على أقدام بعضهم البعض، ويتدافعون بالأذرع وعظام الكوع المدببة، وحينما يندس كوع الواحد منهم في ثدي طالبة تنفرج شفتاها في حركة غير مرئية، لا تكاد الشفة ترتفع عن الشفة، وبصوت مكتوم غير مسموع تقول: آه! وتضع حقيبة الكتب المنتفخة فوق صدرها. في ذلك الوقت يكون ملمس الثدي الطري قد سرى كالترياق من كوع الواحد منهم إلى كتفه إلى عنقه، وتتقلص العضلات وتصبح الأعناق مشدودة، والملامح مشدودة، وتبدو العيون من شدة التوتر كنقطة الوسط في حبل مشدود من طرفَيه، ساكنة من السطح، لكن خلاياها العميقة تموج بحركة لا مرئية، حركة عنيفة مجنونة تقاوم الشد، وتلتوي عضلات العين ناحية كل شيء فيه طراوة اللحم، لا تفرِّق بين الأثداء أو الأرداف أو الحقائب الجلدية، ويضغط الواحد منهم بأسنانه، من غير وعي، على حقيبة كتبه الجلدية يقطع منها قطعة يمضغها، وحين يكتشف أنها قطعة جلد يخجل من نفسه، ويخفي بكفيه الثقوب المنتشرة في حقيبته. وفي الترام يصبح كل شيء فوق طاقته، ويجد نفسه مدسوسًا، عن غير قصد، بين ثديي امرأة. وفي منتصف الليل يغلق كتب التشريح وينام على السرير، لكن جسده يأبى النوم فقد تجمع الترياق في بؤرة محددة، وتكون برأس مدبب كرأس الدمل، وما هي إلا ضغطة واحدة باليد حتى ينفقئ.

كانت تدرك بوضوح أنها لا تحب هؤلاء الطلبة، لا تحب اندفاعهم من الباب، بنظارتهم السميكة وعيونهم المشدودة، وكيعانهم المدببة، واحتلالهم المقاعد الأمامية، وظهورهم المحنية تصبح في وجهها، وتحملق في أعناقهم من الخلف وترى من فوق حافة الياقة البيضاء البشرة السمراء واضحة المسام، ومنابت الشعر المقصوص وفتافيت كالدمامل الصغيرة.

وتهمس في أذن زميلتها بشيء، فتشهق الزميلة بالضحكة الأنثوية المكبوتة وتقول: اعقلي يا بهية، وفكري في مستقبلك.

إحساس خفي، لكنه قوي، ينبئها بأن مستقبلها ليس في هذه المحاضرات الطويلة المملة، وليس في الحصول على شهادة الطب، وتركيب اليافطة الطويلة في الميدان «دكتورة بهية شاهين»، واسترخاء الأليتين في مقعد السيارة الوثير. كل هذا يبدو لها، بإحساس خفي، بلا معنى، كالصفحة البيضاء الخالية تمامًا من الكتابة، كالليل الأسود الخالي من نجم واحد، كالكون الضخم، وقد أصبح كله أسود أو أبيض لا فرق، فهو كله بلون واحد.

حينئذ تدرك العبث، عبث الكون من حولها، وعبث الحياة، وعبث هذا الأستاذ الذي رشق السيجارة في زاوية فمه، وعبث هذه المحاضرة، وعبث هذه الظهور المحنية إلى الأمام والأعناق المرشوقة من الخلف بالفتافيت.

تضع كتبها وكشاكيلها داخل حقيبتها، وبحركة جانبية يصبح جسدها منفصلًا عن المقعد، وبحركة إلى الخلف تخرج من الباب الخلفي للمدرج، وفي أقل من لحظة تصبح وحدها في فناء الكلية الواسع.

تسأل نفسها وهي تحرك ساقَيها في مشيتها العادية ماذا تريد بحياتها، وتترك السؤال بغير جواب مُعلقًا أمامها في الفضاء، يحركه الهواء أمام عينَيها كبندول الساعة.

وتخبط الأرض بقدم واحدة بخبطة قوية واحدة، وتدرك عن يقين أنها تريد بحياتها شيئًا معينًا، شيئًا يمكن تحديده بنقطة محددة، تستطيع أن تصنعها بسن الريشة فوق صفحة بيضاء، وتستطيع أن تلمسها بطرف أصبعها، تمامًا وباليقين نفسه الذي تلمس به جسدها وتحس حدوده الخارجية من تحت ملابسها، وتستطيع أن تميزه من كل الأجساد، وتفصله عن الأرض، بحركة من قدمها.

فوق سريرها في حجرتها الصغيرة، تحملق في السقف، ترى نفسها وهي جالسة على كرسيها الأحمر الصغير، وأمامها منضدتها الحمراء، فوقها الكراريس وكتاب المطالعة الرشيدة، غلافه أزرق، تتوسطه التكت البيضاء، الاسم: بهية شاهين، الفصل: أول ابتدائي، وتشد الورقة البيضاء من الكراسة، وبحركة من يدها الصغيرة تصنع بسن الريشة خطًّا واضحًا، تدرك من شكله أنه خطها، وأن اليد يدها، والأصابع من حول الريشة أصابعها، تحركها بإرادتها، وتصنع فوق الصفحة البيضاء خطوطها المميزة، تصنع الدائرة الكبيرة ومن داخلها دائرتين صغيرتين، فيصبح أمامها وجه وعينان تنظران إليها من فوق الورقة البيضاء، سوداوان وواسعتان كعينَيها تطلان من خلال المرآة، تتأمل خطوطها فوق الورقة كما تتأمل ملامحها، تعرفها كما تعرف وجهها لا تخلط بينه وبين الوجوه الأخرى، وتستطيع أن تميزه، وتلمس خطوطها فوق الورقة بأصبعها تمامًا، وباليقين نفسه الذي تلمس به جسدها، وتحس حدوده الخارجية من تحت ملابسها.

فتح أبوها الباب، فأخفت الورقة تحت كتاب المطالعة، لكن أصابعه الكبيرة رفعت الكتاب وشدت الورقة ومن فوقها الخطوط. ضربها على يدها الصغيرة بكفه الكبيرة وهو يقول: تضيعين وقت المذاكرة في الشخبطة! وكوَّر الورقة في كفه الكبيرة وألقى بها في سلة المهملات.

حين تخرج، ترمق خطوطها المميزة مكورة إلى جوار قمامة البيت، وتظل تحملق بها كما تحملق في وجهها في المرآة، وتشد ورقة جديدة، وبحركة يدها الإرادية تصنع خطوطها، وتدرك رغم طفولتها أن شيئًا ما يربط بينها وبين هذه الخطوط، كالأسلاك الكهربية غير المرئية أو الخيوط الحريرية الرفيعة بلون الهواء، تمتد مشدودة بينها وبين خطوطها فوق الصفحة البيضاء، تؤكد قدرتها على تمييز حركة يدها، وشكل أصابعها، وارتفاعة أنفها، وسواد عينَيها.

وتسمع صوت أبيها وهو جالس في الصالة، قابع في مقعده الأسيوطي، فتُخفي الورقة تحت كتاب المطالعة، وتقرأ من الكتاب بصوت عالٍ، يرن في أذنها كصوت واحدة غيرها، واسمها فوق الغلاف يبدو تحت عينَيها غريبًا، كاسم تلميذة أخرى، مطيعة ومؤدبة، تسمع الكلام وتعمل الواجب، وتدفن حقيقة نفسها في طيات الورقة المختفية.

منذ وعت الحياة وهي تسأل نفسها السؤال: لماذا كل الأشياء التي تحبها محرمة؟ حتى الطعام يفرضون عليها أنواعًا منه لا تحبها، تدسها أمها في فمها، وحين تستدير تبصقها في الصحن. وأبوها بينه وبين خطوطها عداء، ما إن يراها فوق ورقة حتى يمزقها أو يكورها ويلقي بها بعيدًا مع القمامة ونفايات البيت.

كالحاجز الطويل الضخم كان أبوها يقف بينها وبين نفسها الحقيقية، يحول بينهما بضخامة جسمه، وصوته القوي الخشن، وكفه الكبيرة وعينَيه الكبيرتين القابعتين في مدخل البيت. حين يرن صوته: بهية! تدرك أنه ينادي واحدة غيرها، لكنها ترد وتقول: نعم، ويسألها: عملت الواجب؟ وترد بصوت مطيع مؤدب: نعم. ويتصل صوتها إلى أذنها بكلمة نعم، فتعلم عن يقين أنه ليس صوتها.

حين يختفي أبوها من الصالة، وتصبح في حجرتها وحدها تستطيع أن تسمع صوتها الحقيقي، وتستطيع أن تحدد ملامحه ونبرته الخاصة، كما تحدد ملامح وجهها، وبأصابعها الرفيعة تخلع التكت البيضاء بالاسم المستعار من فوق الغلاف الأزرق، وبسن الريشة فوق الصفحة البيضاء تحدد كل الأشياء كما تراها على حقيقتها، وحين ترسم أباها تصنع له عينَين حمراوين وشاربًا طويلًا أسود وكفًّا كبيرة وأصابع تلتف حول عصا طويلة.

لم يكن لأبيها شارب طويل أسود، لكنها في ذهابها وعودتها من المدرسة كل يوم كانت ترى الشرطي قابعًا في كشكه الخشبي على ناصية الشارع. لم تكن ترى من وجهه إلا شاربًا طويلًا أسود، وحين تقترب من مكانه تسرع الخطى وأحيانًا تجري، وتظل تجري حتى تصل البيت.

أما العصا الطويلة فكانت تهتز أمام عينَيها كل صباح وهي جالسة وراء درجها الخشبي في الفصل، وصوت المدرسة يرن في أذنَيها بنبرة حادة كنبرة أبيها: بهية شاهين! عملتِ الواجب؟ في اللحظة الأولى تظن أن المدرسة تنادي واحدة غيرها، وتطبق شفتَيها في صمت، لكن الصوت الحاد يرن مرة أخرى: بهية شاهين. فتنتفض واقفة وترد بالصوت المؤدب المطيع: نعم.

اليوم الوحيد الذي كانت تحبه هو يوم الجمعة، فهي لا تذهب إلى المدرسة، ومن السرير الصغير تنزلق بخفة إلى كرسيها الأحمر، ومن وسط الكراسة تشد ورقة بيضاء، وتلتف أصابعها الصغيرة حول الريشة، وتحرك يدها فوق الورقة وتصنع خطوطها، وأحيانًا تخرج من طيات حقيبتها قلمًا أحمر، أو أزرق، أو أخضر، اشترته بمصروفها من الدكان المجاور للمدرسة، أو استعارته من زميلة، وتلون الخطوط، وتصنع للشجرة أوراقًا خضراء، وللبحر ماءً أزرق، وللدم لونًا أحمر، كيف عرفت أن الدم لونه أحمر؟

أول بقعة دم حمراء رأتها في حياتها كانت فوق سروالها الصغير الأبيض، ترسمها كالدائرة الحمراء القانية وسط الصفحة البيضاء، وعينا الطفلة الصغيرة دائرتان واسعتان مذعورتان، وجسمها صغير ورفيع كجسم العصفور يرتجف وراء الجدار، وعيون كثيرة كالدوائر الواسعة تحملق، وتدفن سروالها بأصابعها المتورمة الصغيرة في حفرة وراء الجدار، وتسير في الشارع بغير سروال، تنفذ الريح الباردة بين ساقيها تحاول أن ترفع فستانها عن فخذَيها، لكنها تشد الفستان بيدَيها الاثنتين وتقاوم الريح، وتسير فوق الشارع الأسفلت تتدلى من بين أصابعها الصغيرة الحمراء حقيبة جلدية منتفخة بالكراريس وكتب الحساب والمطالعة.

وحين تقترب من الكشك الخشبي تسقط من بين ساقَيها فوق الأسفلت نقطة حمراء قانية، تفترش الأرض على شكل دائرة حمراء، تتسع وتكبر وتصبح في حجم قرص الشمس، يحملق فيها الشرطي بشاربه الطويل الأسود، ويمد أنفه من وراء الكشك متشممًا رائحة الدم، وتلقي حقيبتها على الأرض وتجري لاهثة إلى البيت.

•••

حركت رأسها الثقيل فوق الوسادة ورأت الحقيبة الجلدية المنتفخة بكتب التشريح فوق مكتبها الصغير، وفوق المكتب جمجمة، وكشاكيل، وكوب ماء فيه وردة حمراء. نهضت وقربت أنفها من الوردة، لمحت بطرف عينها النتيجة معلقة على الجدار، فتذكرت موعد الامتحان. رصت الكشاكيل والكتب أمامها وجلست تحملق في الجمجمة، جمجمة إنسان مات منذ سنين، اشترتها من فرَّاش المشرحة بثلاثة جنيهات. كانت في العام الماضي بجنيه واحد، لكن الأسعار ارتفعت والجثث شحت وأصبح لها سوق سوداء، يشترك الحانوتي مع فرَّاش المشرحة، مع خفير المقابر، وحين يدهس الترام الجسد المجهول الذي عاش ومات دون أن يعرف لنفسه أبًا أو أمًّا «يسمونه العديم الأهلية» يبرز على الفور الحانوتي وفي يده الأب، أي أب، يؤجره بالساعة، ويلقي الأب برأسه فوق الجسد الميت ويبكي بدموع مزيفة، كدموع الآباء الحقيقيين، ويتسلم الجثة ويوقع عليها باسمه وتصبح ملكه الخاص، يصنع بها ما يشاء، تمامًا كما يمتلك الأب ابنه ويصنع به ما يشاء.

ويبيع الأب جثة ابنه لخفير المقابر، الذي يبيعها للحانوتي، الذي يبيعها لفرَّاش المشرحة، وهذا بدوره يبيعها لعميد كلية الطب، أو للطلبة الأثرياء الذين يذاكرون في البيت ويحتقرون الذهاب اليومي إلى المشرحة.

تأملت بهية الجمجمة، ورأت الشقوق الطويلة بين العظام كالجروح الغائر العميقة وعظام الخدين بارزة، والعينان حفرتان غائرتان في الجبهة، والفكان مدببان من فوقهما فجوات الأسنان العميقة.

كوجه الطفل الذي يتسلق على الترام بجلبابه الممزق، وفوق يده علبة الدبابيس وعلب الكبريت وأمشاط الشعر، ينادي بصوته الممزق المبحوح، ويقفز من ترام إلى ترام، بساقه الوحيدة، وينظر إلى الناس بعينَيه الغائرتين، يبحث في الوجوه عن وجه له ملامح الأب والأم، يدس يده في جيبه ويخرج قرشًا أو قرشين ويشتري منه مشطًا أو علبة دبابيس.

لكن الوجوه الجالسة في الترام ليس فيها آباء ولا أمهات، وإنما تلك الوجوه المتشابهة بقدرة قادر، المصكوكة بمطرقة الحكومة كالنقود، جالسين متلاصقين في صمت، أنصافهم السفلى ثابتة متحجرة فوق المقاعد، وأنصافهم العليا تهتز بحركة بطيئة منتظمة كحركة الترام، جماجمهم الكبيرة تتذبذب كبندول الساعة، وأكتافهم العريضة «بسبب حشو البدلة السميك» متلاصقة، والكرافتة ملتفة حول أعناقهم كالمشنقة، وحين يقف الترام فجأة تتراجع رءوسهم إلى الخلف بقوة وترتطم بالترام فينتفضون في مقاعدهم، قابضين بأيديهم على رءوسهم ومحملقين حولهم بعيون واسعة صفراء مليئة بالذعر، وترن في الجو صرخة طفل.

تسقط العيون كالدوائر فوق الجسد الممزق تحت عجلات الترام، ومن حوله تناثرت الدبابيس وعلب الكبريت والأمشاط، وفوق الأسفلت البقعة الحمراء تفترش الأرض وتتسع الدائرة الحمراء كقرص الشمس، والعينان الغائرتان تطلان من تحت العجلات الحديدية كحفرتَين عميقتَين في بطن الأرض.

يتحسس كل واحد رأسه وعنقه وذراعَيه وفخذَيه، وحين يطمئن إلى أن رأسه لا يزال فوق عنقه، وجسده لا زال في مقعده، ودمه لا زال في عروقه، تنفرج الشفاه عن تنهيدة طويلة عميقة، وتلمع العيون بفرحة خفية، وقد يصافح بعضهم البعض مهنئين حامدين الله شاكرين فضله لأنه مزق تحت العجلات جسدًا آخر غير جسدهم، ويرفعون كفوفهم إلى السماء متمتمين بآيات الحمد، متوهمين أنهم يرشون الله بهذه التمتمة فلا يبطش بهم في أي وقت، وتظل رءوسهم فوق أعناقهم إلى الأبد.

مدت بهية يدها وحركت الجمجمة، فأصبحت العينان الغائرتان ناحية الحائط، وأغلقت كتاب التشريح، ومدت يدها وراء السرير وشدت اللوحة البيضاء، أسندتها على الجدار وجلست على الشلتة الصغيرة فوق الأرض وإلى جوارها الفرش والألوان.

حجرتها مظلمة تمامًا إلا من دائرة ضوء بيضاء مسلطة فوق اللوحة من لمبة صغيرة، والسماء من خلال نافذة سوداء، والليل صامت وأبوها نائم، ولا صوت يُسمَع ولا حركة، إلا حفيف الفرشاة تروح وتجيء فوق السطح الأملس، بتلك الحركة الخفيفة بأصابعها، تحرك يدها بإرادتها في أي اتجاه، وترفع جفنيها بكل قوتها من فوق عينَيها لتقاوم النوم، وتظل شاخصة إلى خطوطها، وبقع الألوان، لا تكف عن الحملقة، ومن حين إلى حين تمتد يدها بتلك الحركة الإرادية تصفع الوجوه المتشابهة بضربات الفرشاة، وتنزع بأصابعها قناع اللحم المشدود، وتسحب الجسد الممزق من تحت العجلات، وتكسو الجمجمة النحيلة باللحم وتصبح الحفرتان الغائرتان عينَين سوداوَين تشبهان عينَيها.

في الصباح تفتح عينَيها على صوت أبيها الحاد كصوت المنبه، وترتدي البنطلون الأسود والبلوزة البيضاء، وتحمل الحقيبة الجلدية المنتفخة وتسير نحو الترام. تدب على الأرض بقدمَيها وتفصل بين ساقَيها في خطوتها، وحين ترى الوجوه المتشابهة في الترام تزم شفتَيها في غضب، وحين ترى زميلاتها يسرن بسيقانهن الملتصقة بتلك الحركة الدورية الغريبة تدرك أنهن من فصيلة وهي من فصيلة. وتقف في المشرحة ترفع قدمًا فوق حافة المنضدة الرخامية، وتنتصب ساقها الثانية فوق الأرض طويلة، عظامها مستقيمة وعضلاتها مشدودة، ترمق بطرف عينها سيقان الطلبة المعوجة، ونظاراتهم السميكة داخل كتب التشريح، وأنوفهم الحمراء المتورمة، وظهورهم المحنية المنكفئة فوق الجثث، تتلفت حولها في دهشة كالذي ضل الطريق. لكن المشرط بين أصابعها وكتاب التشريح غلافه أزرق، ومن فوق التكت البيضاء الاسم: «بهية شاهين»، الفصل: أولى مشرحة، تندهش، وتحرك المشرط من أعلى إلى أسفل في كتلة اللحم الغارقة في الفورمالين، ويصطك المشرط بشيء صلب، أخرجته من التجويف بطرف المشرط، فسقط فوق المنضدة الرخامية محدثًا صوتًا كقطعة زلط، شقها المشرط نصفين، فإذا بها جلطة دم تجمدت، واسودت. ضحكت زميلة من زميلاتها ضحكتها الأنثوية المكبوتة وهي تقول: يا خبر! ظننت أنها رصاصة! مدت زميلة أخرى عنقها ونظرت إلى القلب المشطور وتساءلت بدهشة: في القلب رصاصة؟ وأخفت واحدة فمها بكفها وشهقت: يا عيني! وتنهدت أخرى بصوت مسموع: يا ريتني أنا.

إن شيئًا من هذه المعاني المألوفة عن الموت لا يمكن أن يوجد في المشرحة، فالموت هنا ليس موتًا، والجثة ليست شخصًا ميتًا، وجلطة الدم متجمدة كقطعة رصاص في جوف القلب قد تكون شيئًا مثيرًا لرغبة مكبوتة مدفونة في أغوار النفس، كأن ينشطر القلب، أو يكف الدم عن دورانه العبثي ويتجمد في العروق، أنه الموت الذي يرغبه الإنسان ويرهبه، ويبحث عنه ويهرب منه، ويتصوره في كل مكان ولا يجده في أي مكان ولا في المشرحة.

التفتت بهية إلى زميلتها التي قالت «يا ريتني أنا» وسألتها: ترغبين في الموت؟ فشهقت الزميلة بدهشة واستنكار: الموت؟ بعيد الشر عني يا أختي. وأدركت بهية المأساة، وعرفت لماذا يخفي الإنسان رغباته الحقيقية؛ لأنها الرغبات العنيفة الساحقة في عنفها، ولأن الإنسان لا يريد أن ينسحق، فهو يفضل الحياة الفاترة بغير رغبات حقيقية.

وأمسكت بهية بهذا الطرف من الخيط، وبدأت تسير نحو الطرف الآخر، وهي تدرك أنه ليس هناك طرف آخر، وإنما هي الهاوية السحيقة بعينها. لمت مشارطها وأدوات تشريحها في الحقيبة الجلدية وخرجت من المشرحة. سارت في الفناء بخطواتها الواسعة السريعة، وفي كل خطوة يتزايد إحساسها بالقرب من الخطر، ودت لو تستدير وتعود إلى المشرحة لكنها مشدودة، بإحساس خفي، إلى هذا الخطر بعينه، إلى هذه الحافة على شفا الهاوية.

بهية! رن الاسم في أذنها فانتفضت، وفي انتفاضة جسدها أدركت أن لها جسدًا خاصًّا يمكن أن تحركه وتهزه فلا يهتز معه الكون، وأن لها اسمًا خاصًّا، حين يرن في الجو تنتفض. في كل مرة تسمع النداء تندهش. أية قوة خارقة استطاعت أن تميز اسمها من بين الأسماء الأخرى، وأية معجزة تلك التي التقطت جسمها من بين ملايين الأجساد السابحة في الكون.

حين توقفت وجدت أنها لا تزال في فناء الكلية، وأنها أمام لوحة كبيرة معلقة فوق باب صغير أخضر داكن. هذه الوقفة لم تزد عن نصف دقيقة، وكانت على وشك أن تستدير وتتجه إلى باب المشرحة وتعود إلى ما كانت فيه وتظل فيه إلى الأبد، لكن نصف دقيقة قد تغير مجرى حياة الإنسان، قد تنفجر قنبلة في نصف دقيقة، ويتغير شكل المدينة والأرض، الأحداث الخطيرة في الحياة تحدث دائمًا بسرعة شديدة في ثوانٍ، وأحيانًا في غمضة عين، أما الأحداث التافهة فتحدث ببطء، وفي وقت طويل قد يمتد طول العمر.

حين رفعت عينَيها من فوق اللوحة أدركت أن أحدًا أمامها، ليس أي أحد، وإنما هو هذا النوع من البشر، الذي لا يمكن أن تمر عليه عيوننا دون أن تتوقف وربما لا تتوقف إلا بضع ثوانٍ أو ثانية واحدة، بسبب ضيق الوقت أو التحرج من الحملقة الطويلة، لكنها تكفي لأن تجعل هذه الملامح أمام عيوننا إلى الأبد. استطاعت بعد أن مرت الدقيقة الأولى أن تتغلب على المفاجأة وأن تقوى على الحملقة. وباستطلاع غريزي بحثت في الملامح غير العادية عن السبب الذي جعلها غير عادية، ورأت الجبهة عادية والعينَين عاديتين، والأنف عاديًّا والفم عاديًّا، ودهشت كيف يتكون من مجموع هذه الملامح العادية ذلك الوجه الغريب غير العادي.

في تلك اللحظة كان قد أصبح أمامها تمامًا، يضع قدمه اليمنى على عتبة باب المعرض، وكاد يصطدم بها لولا أنه رفع رأسه ورآها، وحينما التقت عيناها بعينَيه أدركت أن سر غرابة الوجه هو في حركة العينين حين تنظران، فهي حركة غريبة، تختلف عن حركة عيون الطلبة حين ينظرون. عيونهم تبدو وكأنها لا تنظر، وكأنها لا تفعل شيئًا، وإنما هي مفتوحة فحسب، كمرآة تنعكس على صفحتها الأشياء. وبمعنى آخر عيون الطلبة لا تمارس النظر الحقيقي، وبالتالي فهي لا ترى الأشياء، أو لا تراها على حقيقتها.

حينما تحركت عيناه أمام عينَيها أحست أنه يراها، وأنها لأول مرة تصبح مرئية بعينَين أخريين غير عينَيها، أمام المرآة فقط كانت تدرك أنها مرئية بعينين سوداوين هما عيناها، وفي الشارع أو في الترام أو في الكلية ترى العيون عاجزة عن رؤيتها، عاجزة عن تمييزها من بين الآلاف، وأنها تضيع وسط الأجساد المتشابهة، ولا شيء ينتشلها من الضياع إلا يدها حيت تلامس جسدها، وتعرف عن يقين أن لها جسدها الخاص، وعيناها حين تلوذان بخطوطها فوق اللوحة البيضاء، وتصبح حركة يدها مرئية، وخطوطها واضحة، منفصلة عن الكون بحدودها الخارجية، واستدارتها الخاصة بحركتها الإرادية القوية، تحطم بها الإرادات الأخرى، وتنزع الغطاء عن الجسد وتشد القناع عن الملامح، وتخلع «التكت» البيضاء بالاسم المستعار من فوق الغلاف الأزرق.

رأت عينَيه الغريبتين تفصحان وجهها كما تفصحه هي في المرآة، وتنفذان من خلال عينَيها إلى السرداب الطويل الضيق في أعماقها. إن لحظة أخرى واحدة كافية لأن يصل إلى النهاية، لكنها حرَّكت رأسها إلى الناحية الأخرى. كانت تخاف من الوصول إلى النهايات، تستشعر خطر الوصول، وتدرك استحالة العودة إلى حيث كانت، وأنها بطريقة سحرية ستصبح إنسانة أخرى غير «بهية شاهين»، أي أنها ستصبح نفسها الحقيقية.

لم تكن تعرف بدقة ما هي نفسها الحقيقية، لكنها كانت تعرف عن يقين أنها ليست «بهية شاهين»، طالبة الطب المجدة حسنة السير والسلوك، هذه الفتاة السمراء الشاحبة التي تقف مترددة أمام الباب.

إن كلمة مترددة هنا غير دقيقة، وغير صحيحة أيضًا، فالحقيقة أنها لم تتردد لحظة، كانت مشدودة برغبتها المبهمة في السير إلى الأمام وعدم التوقف، والوصول إلى النهاية الخطرة، تدرك أنها ذاهبة إليها لا محالة، فهي مصيرها، وأنها ليست ذاهبة ذهابًا عاديًّا، وإنما هي مدفوعة دفعًا بشدة رغبتها في معرفة مصيرها، وبشدة الخوف من هذه المعرفة إلى حد الاندفاع في الاتجاه المضاد.

لو كانت بهية شاهين حقيقة لاستدارت وسارت خطوة إلى الوراء ودخلت المشرحة وأصبح اليوم كالأمس، كالغد، ولسقطت في دوامة الأيام العادية، والحياة العادية، والوجوه العادية، لكنها لم تكن بهية شاهين، كانت إنسانة أخرى شيطانية لم تلدها أمها ولا أبوها، ملامحها تشبه الملامح التي تطالعها في المرآة، ولكنها أكثر حدة، والعينان سوادهما أكثر سوادًا، والأنف ارتفاعه أشد ارتفاعًا، والبشرة سمراء ليست شاحبة، وإنما هي متقدة حمراء بلون الدم.

لم تكن بهية شاهين تعجبها، كانت ترى عيوبها بسهولة، وتكره ذلك الصوت المطيع المؤدب، وتضيق بتلك النظرة الهادئة الوادعة التي لا تنظر إلى الأشياء، وإنما تترك الأشياء تنعكس عليها كصفحة ماء، وتكره ذلك الأنف الذي لم يرتفع بدرجة كافية، وتزدري ذلك الشحوب الذي تعرف سببه الحقيقي، فهو شحوب البشرة حين يهرب منها الدم بسبب الخوف الذي يحاول الإنسان أن يخفيه.

كانت بهية شاهين تخفي خوفها بتلك البشرة الشاحبة، لكن بشرة بهية شاهين لم تكن تخدعها، كانت تعرف أعماقها الحقيقية، وتدرك كيف تخاف ومن أي شيء تخاف.

بهية شاهين كانت تخاف من نفسها الحقيقية، من هذه الإنسانة الأخرى التي تعيش داخلها، تلك الشيطانة التي تتحرك وتنظر إلى الأشياء بكل قدرتها على الرؤية، ولأنفها ارتفاعة حادة غريبة، كحد السيف، تشق به الكون نصفين وتمشي إلى الأمام، إلى الأمام بغير رفق، ولا تردد، لتصل إلى النهاية، نهاية النهاية، وإن كانت هي الهاوية السحيقة ذاتها.

لكن بهية شاهين كانت تتردد، تتوقف في المنتصف، تخاف من النهايات، فالنهاية في نظرها هي النهاية، هي الذروة الشاهقة المخيفة، هي النقطة المعلقة في الفضاء لا شيء أمامها ولا شيء خلفها، القمة الساحقة ومن بعدها الفناء.

في منتصف الطريق كانت تقف، تعرف أنها واقفة، لكنها آمنة في تلك النقطة المتوسطة، نقطة الوسط في الحبل المشدود حيث تتعادل قوتا الشد، نقطة الصفر. قوتها تساوي صفرًا ومقاومتها تساوي صفرًا. هي نقطة السكون الكامل والأمن الكامل الذي لا يهدده شيء، بمعنى آخر هي نقطة الموت.

لم تكن بهية شاهين تعرف أنها تقف في جوف الموت ذاته، وأنها ميتة لا محال. عقلها كان عاجزًا عن إدراك هذه الحقيقة. كانت تظن بطريقة ساذجة مضحكة أنها ستنجو أو أن في استطاعتها أن تنجو بالابتعاد عن الخطر، بالامتناع عن الحركة نحو الحياة الخطرة. لم يكن عقلها قادرًا على إدراك أنها في قلب الخطر، وأن أي حركة إنما هي حركة نحو النجاة، نحو الحياة، لكنها لم تكن تعرف كيف تنقذ نفسها، ولماذا تنقذ نفسها، وبمعنى آخر لم تكن تعرف ما الهدف من حياتها.

حين حركت رأسها إلى الناحية الأخرى ابتسم تلك الابتسامة الغريبة، لم ترَها في تلك اللحظة. همس بصوت خافت: بهية شاهين؟

فاجأها السؤال، فتلعثمت لكنها تداركت الخطأ بسرعة، ورأت الاسم فوق اللوحة البيضاء، فردت بصوت متردد: نعم.

ومد يده إليها وصافحها قائلًا: سليم إبراهيم.

أول يد تلتف حول يدها، كفه بحجم كفها وأصابعه طويلة رفيعة كأصابعها، يد حقيقية بلحمها ودمها، تسري حرارتها في كفها وتؤكد حقيقتها لأنها من نفس الحرارة يدها، وحركة الدم في عروقها لها تحت الجلد ذبذبة، كذبذبة النبض فوق معصمها، وكذبذبة الأرض تحت قدمَيها، والهواء من حولها.

حملق في عينيها السوداوين المتسعتين بذعر لا يحدث إلا عند الإحساس بالخطر، فاتسعت عيناه بذعر مشابه، لكنه تدارك الخطأ بسرعة، فعادت عيناه إلى حجمهما المألوف، واجتازا في نصف دقيقة ما يجتازه الرجل والمرأة للتعارف في نصف قرن.

قال لها: أهنئك على المعرض.

احمر وجهها بخجل مفاجئ، وتلعثمت: لا زلت في البداية.

لم يكن بالمعرض إلا ثلاثة أو أربعة طلبة. كانوا في الكلية بالآلاف، ولكن ماذا يهم طلبة الطب في معرض للرسم؟ بماذا تفيدهم لوحة أو قصة أو قطعة موسيقى؟ لا شيء يهم إلا المشرحة والمحاضرات التي تحفظ وتدون في ورقة الامتحان، ثم تتسرب من الذاكرة من بعد.

وقفا أمام لوحة واحدة متجاورين. قامته طول قامتها، وكتفه بحذاء كتفها، وذراعه بحذاء ذراعها، وساقه بطول ساقها. لم يكن يفصل بينهما إلا مسافة صغيرة. مسافة من الهواء لا تزال تمر بينهما وتفصل جسديهما. مسافة طويلة بطول قامتها لكنها رفيعة كالشعرة. شعرة من الهواء، ورغم كونها هواء، بل لأنها هواء، فهي مسافة عازلة من مادة أخرى غير مادة جسدَيهما، ورغم كونها رفيعة جدًّا، بل لأنها رفيعة جدًّا، فهي حادة جدًّا كحد السيف تفصل الجسد عن الجسد وتقطع اللحم.

دهشت الدهشة نفسها التي تحدث في الأحلام، حين تحدث أكبر الأحداث في ثوانٍ ويقابل الإنسان الغرباء فيعرفهم، والأموات فيصافحهم، ويطير في الجو بذراعَيه وساقيه، ويغوص إلى قاع البحر دون أن يغرق، ويمشي على الحبل الرفيع دون أن يسقط، وتنهدم البيوت في ثانية، وتنبني البيوت في ثانية، ويصبح أي شيء ممكنًا وفي غمضة عين.

تعودت على هذه الدهشة في أحلامها، ولكنها الآن يقظة، عن يقين. حاولت أن تتأكد من يقظتها اليقينية ولكنها عجزت، فليست هناك وسيلة مضمونة للتأكد أكثر من أن تلمس جسدها، ولكنها تفعل ذلك في الأحلام أيضًا حين تتشكك في نومها. وهذا العجز يرعبها، فهي غير قادرة بحال من الأحوال على التأكد من شيء في حياتها، إن محاولة التأكد لا تفعل شيئًا سوى أن تزيد شكوكها.

عيناه السوداوان كانتا ثابتتين فوق اللوحة، واللوحة سوداء كالليل الدامس، فيه نقط بيضاء تبدو كالنجوم، لكنها ليست نجومًا، وإنما هي فصوص صغيرة من الماس، ولكنها ليست فصوصًا، وإنما هي عيون صغيرة تلمع بدموع شفافة، ليست عيونًا، وإنما هما عينان صغيرتان في وجه الطفل النحيل الشاحب، يسير في الشارع وحده، أصابعه الصغيرة حمراء متورمة من طرف المسطرة الحاد، عشرون مرة فوق كل أصبع، بسبب الحقيبة المفقودة. الرجل الكبير ذو الشارب الطويل شده من ذراعه في ثنية الشارع فوقعت الحقيبة على الأرض، وبذراعَيه الصغيرتَين وساقَيه كان يضرب الساقَين الكبيرتَين، لكنهما كانتا قويتَين مفتوحتَين كفكَّي القدر، وهو بينهما منكفئ بوجهه فوق الأسفلت بجوار الجدار، ومن فتحتَي أنفه يسيل خيط رفيع من الدم تجلط بعد فترة قبل أن يراه أبوه. لكن أباه نظر في عينَيه وأدرك من الشحوب أن الدم لا زال ينزف، ففتش عن الجرح بين ذراعَيه، وبين ساقَيه، وحين رأى الدائرة الحمراء واضحة كقرص الشمس رفع كفه الكبيرة في الهواء وصفعه على وجهه.

لمحت اللمعة السريعة فوق عينَيه، وعضلة صغيرة تحت عينه اليسرى ترتجف. فأشارت إلى اللوحة الأخرى، لكنه سألها بصوت خافت: كنتِ تبكين وأنتِ طفلة؟

دهشت وتلعثمت. تذكرت أحلامها الطفولية، والإله الخرافي وأباها، والشرطي، والمدرسة، وحافة المسطرة فوق أصابعها الصغيرة. وقالت: كانوا يضربونني من أجل واحدة أخرى اسمها بهية شاهين، مطيعة ومؤدبة.

ضحك ضحكة قصيرة، ونظر إلى اللوحة الأخرى. طلبة الطب بنظاراتهم السميكة وكيعانهم المدببة يتزاحمون حول أستاذ يجر عربة وينادي كالبائع المتجول على محاضراته المطبوعة بالبلوظة. وعلى باب الكلية نسوة بالجلاليب السوداء والطرح السوداء يشددنها حول أعناقهن من وراء جثة خارجة من المشرحة. وعلى محطة الترام رجل أعمى تجره امرأة كسيحة ومن خلفها أطفال أردافهم عارية. ومن داخل عربات الترام تطل رءوس كبيرة متلاصقة متشابهة كعملات النقد المصكوكة، وعلى ناصية الشارع ربض الشرطي ذو الشارب الأسود الطويل.

همس وهو واقف إلى جوارها دون أن يتحرك: بهية.

انتفضت لصوته حين لامس أذنها، واسم بهية أصبح شديد الخصوصية، ليس كاسم بهية، أية بهية، ولكنها هي بالتحديد، هي دون الآخرين، دون الملايين، بكيانها الخاص هذا الواقف إلى جواره، وبحدود جسمها الواضحة المنفصلة عن الفضاء الخارجي، وخطوط يدها فوق اللوحة، تصنع معالمها وحركتها الخاصة، حركتها الإرادية تنتزعها من بين فكَّي الإرادات الأخرى.

تلفتت حولها، كان المعرض قد أصبح خاليًا إلا منهما، واقفَين متجاورَين، غير متلامسين، تفصل بينهما تلك الشعرة الرقيقة من الهواء. رفيعة جدًّا وشفافة جدًّا كالهواء، وهزة يد تكفي لتمزيقها، أية حركة خفيفة تكفي لتبديدها. لكن أحدًا منهما لا يتحرك، إنهما واقفان جامدين كتمثالين من الحجر، عيناهما ثابتة كأنما في ذعر، وبشرتهما شاحبة كأنما هرب منها الدم.

كالخوف الذي نحسه في الأحلام، لكنه خوف حقيقي. تدرك حقيقته من رعشة جسدها المنتصب في وضع رأسي، وبضع قطرات عرق ملموسة في كفها. وبحذر حقيقي حركت قدمها فوق الأرض، ثم حركت القدم الثانية، وبدأت تحمل جسدها نحو الباب. لكن صوته جاء من خلفها: بهية.

توقفت، تسمرت في الأرض لحظة، وردت بصوت خافت: نعم.

– إلى أين تذهبين؟

– لا أدري.

– تعالي معي.

– إلى أين؟

•••

بإحساس ليس كامل الوضوح أدركت أن هذا الصوت المنتظم المتتابع لقدمَين تنتقلان فوق أسفلت الشارع إنما هو صوت حذائها، صوت مألوف لأذنها، كاسمها حين يرن في الجو. لكن عقلها لا يطمئن كل الاطمئنان لأذنها، وما يبدو مألوفًا لأذنها يصبح أمام عقلها غريبًا شديد الغرابة. فما الذي أتى بقدمَيها فوق أسفلت هذا الشارع؟ الشارع لم نرَه من قبل، فليس هو أحد شوارع القاهرة العادية، تلك الشوارع المنبسطة في استواء ترى نهايتها أمامها في وضع أفقي، لكن هذا الشارع ليس أفقيًّا، إنه صاعد إلى أعلى كطريق فوق جبل شاهق.

تساءلت في دهشة: هل تركنا القاهرة؟ وحينما سمعت صوته إلى جوارها أدركت أنها ليست وحدها، وأنهما وصلا نهاية شارع القصر العيني واجتازا فم الخليج واتجها إلى جبل المقطم. لم تكن أتت إلى هذا المكان من قبل، ولم تكن مشت فوق شارع يصعد فوق جبل كما تمشي الآن، كانت حياتها تسير في خط أفقي مستوٍ، بيتها في الدور الأرضي تدخله بصعود أربع درجات، والترام تركبه بصعود درجة أو درجتين، والمشرحة في الدور الأرضي، والمدرج يرتفع عن فناء الكلية بثلاث درجات، وأقصى ما تصعده هو ست درجات لتصعد إلى المعمل.

الآن، شيء غريب يحدث لجسدها وهي تبتعد عن الأرض. إنه يصبح أقل ثقلًا. كأنها تتخفف في كل خطوة من أثقال غير مرئية، تلتف كالخلخال الحديدي حول رسغَيها. وصوت حذائها فوق الأسفلت أصبح أقل حدة، وقدماها تتحركان وحدهما بخفة، كأنما لم يعودا يحملان جسدها، أو أن جسدها أصبح بغير ثقل، والهواء من حولها بغير صوت.

صفقت بيديها وهي تجري بمرح: «أول مرة أصعد المقطم!» وسمعت صدى صوتها يتردد مرة أخرى من سفح الجبل. توقفت ونظرت تحتها، رأت المدينة الكبيرة مستوية كالبساط الأخضر والبيوت كالمربعات الصغيرة، وقدماها داخل حذائها المألوف على حافة الجبل، وإلى جوارهما قدمان أخريان داخل حذاء أسود غير مألوف.

رفعت رأسها مندهشة، فالتقت عيناها بعينَيه، عينان سوداوان لهما نظرة ثاقبة غريبة، تنزع عن وجهها القناع، وتشد الأغطية عن جسدها وتصبح بهما مرئية. حركت رأسها إلى الناحية الأخرى فلم تجد إلا السماء ومن تحتها الهاوية السحيقة. انتابها الإحساس الغامض الملح بأن شيئًا خطيرًا سيحدث لها. قطعة الطوب تحت قدمها ستنفصل فجأة عن الجبل ويسقط جسدها تشده الأرض بقوتها الرهيبة ويتناثر في الهواء أشلاءً صغيرة كالذرات. وكما يحدث في الأحلام خُيِّل إليها أنها لو قفزت فسوف تنجو بجسدها من قبضة الأرض وتطير منطلقة في السماء. ومدت قدمًا واحدة وكادت تتبعها القدم الثانية وتقفز، لكن قوة غريبة شدتها إلى الخلف. ظنت أنها يده، لكنه كان بعيدًا عنها واقفًا جامدًا كتمثال، ذراعاه إلى جواره، وعيناه السوداوان ثابتتان في عينَيها، تنفذان إلى السرداب الطويل الضيق في أعماقها، تريان أعماقها العميقة الخفية، وذلك النبض السريع المتصل، كنبض الكون في سكون الليل، تلك الحركة السريعة المجنونة تدفنها في طيات نفسها، وتلف عليها أحشاءها طبقة طبقة، لتصبح غير مرئية وحركتها إلى الأبد سرية.

هرب الدم من وجهها فأصبح شاحبًا، وأصابعها أصبحت باردة مثلجة، وأغمضت عينَيها بتلك الحركة المخادعة التي تعلمتها في أحلامها، ثم فتحتهما، وأدركت أنها لا تحلم، والعينان السوداوان لا تزالان في عينَيها، والسواد ليس أسود تمامًا، وإنما تشويه زرقة، زرقة عميقة بعيدة القاع، مجهولة الأغوار، كزرقة السماء حين نحملق فيها بعيوننا المفتوحة، ونرى كأنها غير موجودة، وتسري فوق الجسد قشعريرة غير مفهومة، ندرك بها أننا أمام ضخامة الكون، ضخامة رهيبة مخيفة، ضخامة صامتة ساكنة سكونًا مفزعًا، لأنه ليس سكونًا حقيقيًّا، وإنما هناك حركة من تحته، حركة خفية عنيفة تخطف بسرعتها البصر.

وأخفت وجهها بكفَّيها وصرخت بشهقة غير مسموعة: سليم.

رد بصوته الخافت: نعم.

– أنا خائفة.

– من أي شيء؟

– من الموت.

– الموت غير موجود.

– ولكنني خائفة.

– من الحياة؟

– نعم.

من يراها في تلك اللحظة يلحظ أنها ترتعد. لم يكن خوفها كالخوف الذي يبعدها عن الخطر، ولكنه خوف آخر يقربنا من الخطر أكثر مما يبعدنا عنه. رغبة جارفة عنيفة في استشعار الخطر حتى ذروته، حتى نهايته، نهايته الأخيرة التي تخلصنا منه إلى الأبد. كالعبء الثقيل كانت تحسه فوق جسدها منذ أن أصبح لها جسد. منذ أن انفصلت عن الكون وانسلخت عن جسد أمها في كتلة صغيرة محددة، تشدها الأرض إلى تحت، وتشدها السماء إلى فوق ويضغط عليها الهواء من كل جانب، وجسدها الصغير دائمًا في قبضة الكون، بين فكَّي الأسد، وعن يقين تدرك أن الفك الأعلى سيهبط فوق الأسفل في لحظة قادمة لا محالة. لو تشككت لحظة في هذا اليقين ربما فكرت في الهرب بطريقة أو بأخرى. لكنها كانت تحمل اليقين فوق جسدها في كل خلية تنبض وتعرف أن اللحظة ستأتي، وأن هذا النبض سيتوقف، ومن شدة اليقين كانت ترغب في أن تأتي اللحظة ويتوقف النبض وينتهي العبء.

قالت بصوت خافت: ضمني بكل قوتك حتى …

توقفت ولم تكمل، كانت تريد أن تقول حتى يتوقف النبض، لكن رغبتها الخفية في الموت بدت في العلانية كرغبة محرمة، وأدركت بوضوح أكثر لماذا يحرم الناس الرغبات الحقيقية ويشرعون الرغبات غير الحقيقة.

إن حركة واحدة منه كانت كافية لأن تصل بها إلى النهاية، لكنها كانت تخاف من الوصول إلى النهايات، تستشعر خطر الوصول، وتدرك استحالة العودة إلى حيث كانت، وأنها بطريقة سحرية ستصبح إنسانة أخرى غير بهية شاهين، أي أنها ستصبح نفسها الحقيقية.

أصبحت بعيدة عنه، تسير بخطوتها السريعة الواسعة، عيناها السوداوان مرفوعتان إلى أعلى، سوادهما ليس أسود بما فيه الكفاية، وذلك الأنف الذي لم يرتفع بدرجة كافية، والبشرة الشاحبة بسبب الخوف الذي يحاول الإنسان أن يخفيه.

جاءها صوته من الخلف: بهية.

لم تتوقف ولم ترد. صاح بصوت أعلى تردد صداه في جنبات الجبل: بهية.

بدأت تجري مبتعدة عن الصوت، لكنه أحاطها من كل جانب، فسدت أذنَيها بيدَيها، لكنه نزع يدَيها عن أذنَيها وصاح بصوت غاضب: لماذا تذهبين؟

حاولت أن تتحرك، لكنه سد الطريق بذراعه، دفعته بكل قوتها فشدها إليه بكل قوته، رفع وجهها بيده، وأصبحت عيناه في عينَيها، عينان غاضبتان، سوادهما تشويه زرقة داكنة مخيفة كزرقة بحر بغير قاع، وحاولت أن تحرك رأسها إلى الناحية الأخرى، لكنه ثبَّت رأسها بيده وقال بصوت غاضب: بهية شاهين ستجعلك دائمًا عاجزة عن بلوغ أية قمة، وتعيشين دائمًا في منتصف الطريق وتسقطين في قبر الأيام العادية ككل الملايين.

صوته كان يرتعد، وتركت يده رأسها فسقط فوق صدرها يهتز، وعيناها تهتزان، وكل شيء في حياتها أصبح مهزوزًا. هذا الصوت المرتعد سمعته من قبل مرة، بل مرتين، بل مرات كثيرة، بل كل يوم حين كانت تجلس في الترام وترى قطع البشر المصكوكة، وحين ترى الطلبة بنظاراتهم السميكة ورءوسهم المنكفئة فوق الكشاكيل، وحين ترى الطالبات بعيونهن المنكسرة وسيقانهن الملتصقة، وحين تسمع المحاضرات وهي تتلى بذلك الصوت المتكرر المتشابه، وحين يرن جرس المنبه في أذنها كل صباح الرنين نفسه، وصوت أبيها يناديها النداء نفسه، ولا شيء لا شيء يقطع هذه الرتابة المستمرة إلى الأبد.

رغبة جارفة طاغية كانت تتملكها لقطع هذه الرتابة، رغبة في الصراخ بلا سبب لتقطع الصرخة الرتابة، في القفز من النافذة وانكسار ذراعَيها أو ساقها، في إغماد سكين المطبخ في صدرها لتصرخ من الألم ولتسمع صرختها بأذنها وتدرك عن يقين أنها حية وليست ميتة، رغبة جارفة وملحة للإحساس بالحياة إلى حد اقتراف جريمة قتل، في أن تقتل جسدها بكامل وعيها وإرادتها. كانت تدرك أنها ليست جريمة، وإنما الجريمة هي أن يُقتَل جسدها بغير إرادتها. وعن يقين كانت تعرف أن هناك إرادة أخرى تتربص بها، وتنتهز الفرص أي فرص لسحقها، كانزلاقة قدمها على سلم الترام، أو شرودها لحظة وهي تعبر الشارع، أو انطلاق رصاصة في الجو تصيبها خطأً.

إن موتها بهذا الشكل، بالصدفة وبغير إرادتها، يصبح جريمة غير مشروعة. إن الذي يجعل الموت مشروعًا هو أن تكون هدفه المحدد، أن تكون اختياره ويكون اختيارها.

حين رفعت رأسها من فوق صدرها لم تجده، التفتت بسرعة فرأت ظهره يكاد يختفي في ثنية الشارع الملتوي الصاعد، هتفت بصوت عالٍ: سليم.

لكنه لم يرد، رفعت صوتها أكثر ونادت: سليم.

تردد صدى صوتها في جنبات الجبل عدة مرات، لكن أحدًا لم يرد.

•••

في حجرتها الصغيرة فوق سريرها أصبح جسدها ممدودًا، وعيناها السوداوان تلمعان في الظلام كفصَّين من الماس، يمتصان السواد ثم يفرزانه شعاعًا أبيض كشعاع الضوء، وملايين الذرات الدقيقة تسبح في الشعاع وتدور في حركة دائرية منتظمة كحركة الكون الأبدية، كالدق المنتظم في أذنَيها يهبط إلى عنقها وصدرها ويسرى في ساقَيها تنميلًا خفيفًا كسريان الدم، ويصب في كفَّيها وقدمَيها ويتجمع في أطراف أصابعها العشرين كرءوس الدبابيس، كأرجل النمل الدقيقة تمشي تحت جلدها وفوق عظامها، وتكاد تسمع دبيبها كالأزيز الخافت المتصل، كملايين الأصوات الخافتة المتصلة التي تصنع صمت الليل.

رفعت جسدها من فوق السرير، ولامست قدماها العاريتان الأرض الباردة فترنحت وكادت تسقط لولا قدرة ساقَيها الطويلتَين المستقيمتَين وعضلاتهما القوية المشدودة، ترفعان جسدها منتصبًا إلى فوق، بتلك السيطرة العجيبة على التوازن، والسير فوق الأرض بتلك الخطوة القوية الثابتة تشق الكون كربان ماهر يمسك بدفة سفينة متينة.

شدت اللوحة من وراء السرير، وسلطت ضوء اللمبة فوق الصفحة البيضاء وجلست على الشاشة الصغيرة فوق الأرض تحملق في ذرات العقيق السابحة في الشعاع، وحينما ضغطت بأصابعها على الفرشاة أحست برءوس الدبابيس تحت جلدها، وفي كل ضغطة تستشعر الألم كوخز الإبر، لكن يدها لا تكف عن الحركة، تروح وتجيء فوق اللوحة بتلك الحركة الإرادية، بتلك الرغبة الجارفة الملحة في استشعار الألم حتى نهايته، في الضغط على أصابعها حتى تنزف دمها وتنسحق ويكف الألم.

رغبة غامضة جارفة، تهز جسدها، وتهز الأرض من تحتها، وتسري من أصابعها إلى ذراعَيها إلى عنقها إلى رأسها كأنما خلال سلك كهربي مشدود، وأصابعها تصبح مشدودة، وعنقها مشدودًا، ورأسها ثابتًا لا يتحرك.

من يراها في تلك اللحظة يظن أنها مصلوبة، لولا حركة يدها يظن أنها ميتة، أو نائمة وهي جالسة. لكنها يقظة شديدة اليقظة. عيناها المفتوحتان تريان أدق خط، تلتقطان النقطة وأصابعها بطرف الفرشاة تستطيع أن تشق الكون الأسود بخط رفيع أبيض كالشعرة، كخط الأفق يفصل الأرض عن السماء، والنهار عن الليل، خط أبيض تشوبه حمرة، حمرة داكنة قانية بلون الدم.

عيناها حين تريان اللون الأحمر القاني تتسعان، كذعر العينَين أمام الدم الحقيقي. ما الذي يخيفها في لون الدم؟ تحملق في عروقها الزرقاء تحت جلدها، وتحس ذبذبة النبض المنتظمة المتصلة فوق معصمها، دقة بعد دقة بعد دقة، وبإحساس غامض خفي يخيل إليها أن الدقة القادمة هي آخر دقة، وأن الصوت سينقطع، وتكتم أنفاسها، وترهف سمعها وتكاد تقبل اللحظة بغير دقة، لكن أذنَيها سرعان ما تلتقطانها خافتة ومقبلة بنفس الحركة، كالدقة السابقة، وكالدقة اللاحقة، كالأزيز أو الطنين المستمر في أذنها، ترغب بعنف في أن ينقطع ويتوقف، وبعنف أشد ترهف السمع في انتظار الدقة المقبلة، تخاف ألا تقبل.

تفتح عينَيها في الصباح على صوت المنبه، وعينا أبيها الكبيرتان من فوق السرير، تشدانها خارج السرير، وخارج حجرتها، وخارج البيت وتتعقبانها في الترام، وفي الكلية، وكفه الكبيرة تدفعها في ظهرها داخل المشرحة.

تقف بجوار المنضدة الرخامية، على قدم واحدة، والقدم الثانية ترفعها في الهواء كأنما ترفس أحدًا، ثم تضعها بكل قوتها وكل ثقلها على حافة المنضدة، وقفة لا تستطيع أن تقفها أية فتاة في ذلك الوقت، ولا أي فتى. الوحيد الذي يستطيع هو الدكتور علوي، يمر بين المناضد بنظارته البيضاء ومعطفه القصير الأبيض، وعند منضدتها يقف، قدم على الأرض وقدم على حافة المنضدة بجوار قدمها، وعيناه الزرقاوان تصبحان في عينَيها. لكنها لا تطرق. عيناها السوداوان مرفوعتان إلى أعلى شاخصتان إلى الأمام، تحملقان في الفضاء كأنما تبحثان. تفرزان ملايين الذرات السابحة في الجو، وتفحصان الكائنات الدقيقة العائمة في الكون، وتبحثان بين آلاف الكتل المتشابهة عن الوجه غير العادي، عن العينَين اللتين تنظران إليها فتصبح بهما مرئية. العينان السوداوان اللتان تلتقطان وجهها من بين الوجوه، وتنتشلان جسدها من بين ملايين الأجساد الضائعة في الكون.

لكن الوجوه كلها متشابهة في المشرحة، وفي الشارع وفي الترام، وفي فناء الكلية الواسع المزدحم تحس أنها تغرق في بحر وحدها، دون أن يراها أحد، ودون أن يميزها أحد، وأن وجهها أصبح كوجه زميلاتها، لا فرق بين بهية أو علية أو سعاد أو إيفون. وتجري بغير وعي هاربة من الزحام إلى ذلك الركن الصغير المنعزل بحذاء سور الكلية، وراء المبنى الضخم. تجلس على المقعد الخشبي بغير ظهر، تجلس محنية إلى الأمام، تحملق في قطعة صغيرة من الأرض بحجم كف اليد، لم ينبت عليها العشب الأخضر، ودون بقية الأرض من حولها ظلت طينية اللون، مشققة، ومن بين الشقوق الرفيعة تدخل وتخرج ملايين الكائنات الدقيقة بحجم النمل.

بهية! رن الاسم في أذنها غريبًا كاسم واحدة أخرى، وانتفضت من فوق المقعد. رأت أمامها العينَين السوداوين تخترقان عينيها، تنزعان عنها القناع وتشقان الغطاء، وتنفذان بغير رفق ولا تردد إلى السرداب الطويل الضيق في أعماقها، إن لحظة واحدة كافية لأن يصل إلى النهاية.

لكنها هتفت بصوت خافت: سليم.

ظل واقفًا صامتًا ينظر إليها. قالت: لماذا تركتني بالأمس؟

عيناه ثابتتان في عينَيها لا تتحركان. أخفت وجهها بيدَيها وبكت بصوت مسموع.

سألها بصوت هامس: لماذا تبكين؟

قالت: أنت لا تحبني بما في الكفاية.

قال: أنتِ لا تحبين أحدًا بما فيه الكفاية. تخافين من الحب كالموت وتقفين في منتصف الطريق، هذه هي بهية شاهين.

صرخت: لا.

ناولها منديله الأبيض فمسحت دموعها. لمعت عيناها السوداوان في ضوء الشمس فابتسم.

سألها: ماذا فعلت ليلة الأمس؟

ردت: لا شيء.

سألها: ألم ترسمي شيئًا جديدًا؟

قالت: لا.

سكت لحظة ثم سألها: وماذا ستفعلين الليلة؟

قالت بصوت خافت: لا أدري.

وضع يده في جيبه وأخرج مفتاحًا صغيرًا. ناوله لها، وهو يقول: هذا مفتاح شقتي بالمقطم، تعالي في أي وقت بعد الثالثة، سأنتظرك.

•••

اختفى بسرعة وراء مبنى الكلية الضخم، وظلت هي واقفة في مكانها، أصابعها تلتف حول شيء معدني صغير، رأسه مستدير ناعم يتوسطه ثقب، وذيله له أسنان صغيرة مشرشرة، تحسستها بطرف أصبعها فسرت في جسدها قشعريرة، كحبات الرمل الناعمة الساخنة، تمشي في ذراعَيها وتهبط إلى ساقَيها ثم تصعد إلى رأسها وتهبط إلى عنقها وذراعَيها وتتركز في كفها المتكرر حول ذلك الشيء الصغير.

كأي مفتاح من مفاتيح الأبواب، ولكن تدرك أن الأشياء تتغير بتغير أحاسيسها، ومفتاح معدني صغير قد يصبح فجأة مفتاحًا ذريًّا أو سحريًّا، يحرك الهواء والضوء من حوله في ذبذبة دائرية، وينفث في الجسد حرارة تسري فوق الجلد كقشعريرة البرودة، ويتمدد فوق الكف ضخمًا يملأ الكف ويزيد، طويلًا بطول الذراع الممدودة، امتداد الشجرة في السماء، أو الأرض المنبسطة الممتدة بامتداد البصر.

أحست قطرات العرق في كفها الساخنة تحت الجسم الصلب وأطراف أصابعها حين لامست سطحه المعدني أصبحت باردة مثلجة. لفَّته في منديلها الصغير، ووضعته في جيبها، وبخطوتها الواسعة السريعة كوثبات الفهد اجتازت الفناء المزدحم. حاصرتها العيون من كل جانب، فوضعت يدها فوق جيبها لتخفيه، وكأنه قادر على أن يشق بمعدنه السحري منديلها وجيبها ويصبح أمام العيون واضحًا ومرئيًّا كقرص الشمس.

•••

ضغطت بيدها فوق جبيها عن غير وعي، واتجهت ناحية باب الكلية، لكنها سمعت صوتًا ينادي: بهية.

استدارت ورأت الدكتور علوي أمامها بعينَيه الزرقاوَين من خلف النظارة البيضاء ومن حوله بعض الزميلات.

قال بلهجة الأستاذ: بهية، أين أنتِ؟ كنت أبحث عنك.

ارتبكت لحظة ثم قالت: كنت في حجرة الطالبات.

قال بصوت يكاد يكون أمرًا: تعالي معي إلى مكتبي خمس دقائق.

همست في أذنها زميلة: سيضربك على أصابعك بالمسطرة.

ضحكت واحدة أخرى وهي تضع يدها على فمها قائلة: سيشرِّحك بالمشرط.

مدت إحداهن عنقها وقالت: سيمزقك إربًا.

تنهدت واحدة: يا بختك يا ريتني أنا.

شهقات، زفرات، تنهيدات، أنفاس متأججة برغبة دفينة مدفونة في الجسد كالجرثومة، تريد أن تنهش الجسد نهشًا، وتمزقه، وتسحقه عن آخره فلا يبقى منه شيء.

دخلت وراءه مكتبه. كان قد خلع المعطف الأبيض والنظارة البيضاء، وعضلات الأستاذ المشدودة، وأصبح كشاب رياضي، ممشوق الجسم، بشرته بيضاء محمرة ملوحة بالشمس، وعيناه الزرقاوان أكثر اتساعًا كأنهما مندهشتان.

– ماذا حدث لك هذه الأيام يا بهية؟ لست بهية التي عرفناها.

انتفضت في ذعر كأنه نزع فجأة جزءًا من ملابسها ورأى شيئًا خاصًّا جدًّا، شيئًا كانت تخفيه عن الأعين، وتحفظه لنفسها، وشدت حول عنقها ياقة البلوزة وقالت بصوت غاضب: أنا ككل يوم.

رد بلهجة الأستاذ الواثق الهادئة: والتزويغ من المشرحة؟

قالت: كنت مشغولة بالمعرض.

قال: لا يا بهية، ليس هو المعرض، أنتِ مشغولة بشيء آخر.

انفرجت شفتاها في دهشة، ولكنها زمتهما بسرعة كأنما في غضب، واستدارت ناحية الباب لتخرج، لكنه سد عليها الطريق، وقال بلهجة الأستاذ: أنتِ مشغولة بشيء آخر يا بهية.

رفعت عينَيها في عينَيه الزرقاوين وقالت بحزم: لا.

وكأنما لم يسمع ردها وسأل بصوت هادئ شديد الثقة بنفسه: ما الذي يشغلك يا بهية؟

وردت مرة أخرى: لا شيء.

شيء ما بين الدكتور علوي وبينها، شيء غير محدد وغير مفهوم، ولكنه موجود ومحسوس. تحسه في عينَيه الزرقاوين حين ينظر إليها، وفي صوته حين يحدثها، وبعض الأوقات تفكر في كنه هذا الشيء، ماذا يكون. بل إنها رأته مرة في أحلامها. كان يرتدي قميصًا وبنطلونًا، وجسمه ممشوق كشاب رياضي، وذراعه مشعرة محمرة ملوحة بالشمس، رفعها وحاول أن يضمها لكنها أفلتت. استطاع أن يحوطها بذراعَيه الاثنتَين ونزع يدها من فوق شفتَيها وقبَّلها. وصحت من النوم هو لا يزال يقبلها، وحين دفعته بيدها ولم تجد أحدًا أدركت أنها كانت تحلم. ودهشت كيف يفرض الدكتور علوي نفسه عليها في أحلامها، مع أنها في يقظتها لا ترغبه، بل إنها تكاد تكرهه. تكره عينَيه الزرقاوين المقتحمتين، وتكره ضحكته. فهو لا يضحك كما يضحك الناس، ولكنه يضحك بوقار وأستاذية وقهقهته مصنوعة مبتورة لا تكاد تُسمَع حتى تنقطع. يشعرهم دائمًا أنه أستاذ، يعرف ما لا يعرفون، ويملك ما لا يملكون، وحركة ساقَيه وهو يمشي فوق المنصة كحركة ساقَي الأساتذة بطيئة وواثقة من نفسها إلى حد الاسترخاء. وأليتاه من الخلف مترهلتان بعض الشيء، بسبب الجلوس لفترات طويلة فوق مقعد وثير مريح.

كانت يده المشعرة المحمرة قد أصبحت فوق مقبض الباب، ويده الثانية فوق كتفها، تربت عليها بحركة الأساتذة حين يربتون على أكتاف الطلبة، لكن يده حين لامست كتفها بقيت فوقها ثابتة لحظة كالضغطة السريعة، أو انقباض عضلة باليد لا إرادية، وصوته اعترته رعشة وهو يقول: بهية تعرفين أنني أهتم بك.

تداركها بسرعة بنبرة الأستاذ الهادئة الواثقة: والامتحان أصبح قريبًا، ويهمني أن تنجحي.

على محطة الترام نظرت في الساعة: كانت الثالثة والنصف، دق قلبها دقة عالية، وامتدت يدها تتحسس جيبها. اصطدم طرف أصبعها بالحافة المعدنية الصلبة فابتعدت يدها مرتجفة كأنما تحمل في طيات ملابسها قنبلة، ما أن تلمسها حتى تنفجر، وما أن تنفجر حتى يتناثر جسدها فوق الأسفلت أشلاء، وجاء الترام بزحامه وضجيجه فابتعدت عن الناس حتى لا يصطدم بها أحد، عدلت عن ركوب الترام وقررت العودة إلى البيت سيرًا على الأقدام.

اجتازت شارع القصر العيني واتجهت إلى شارع النيل، الشمس كانت منعكسة بقوة على صفحة الماء، والهواء الدافئ المحمل برطوبة خفيفة منعشة يلمس وجهها برقة. أغمضت عينَيها تحت اللمسات الدافئة. طريق الكورنيش كان خاليًا في ذلك الوقت من الظهيرة، ونوافذ البيوت مغلقة بالشيش، ولا أحد أمامها أو خلفها، ووقع قدمَيها فوق الأسفلت في أذنَيها واضح بتلك الدقات المنتظمة المألوفة. لكن ما يبدو مألوفًا لأذنَيها يصبح أمام عقلها غريبًا شديد الغرابة، وهذه الدقات فوق الأسفلت ليست وقع قدمَيها، وإنما وقع قدمَين أخريين خلفها. استدارت فلم تجد أحدًا. شعرت بشيء يشبه خيبة الأمل. كأنها كانت تتوقعه، أو كان بينهما موعدًا ولم يأتِ. وفي الوقت نفسه كانت تدرك أنه ليس خلفها، وإنما ينتظرها في شقته بالمقطم، في أي وقت من بعد الثالثة.

رمقت الساعة بطرف عين، كانت الرابعة إلا ربعًا. صعد قلبها ثم هبط بخبطة واحدة، وعيناها السوداوان مرفوعتان إلى أعلى، وجهها الطويل النحيل شاحب، وشعرها الأسود القصير متناثر فوق عنقها وأذنَيها، وكتفاها النحيلتان تحت البلوزة لهما استدارة خفيفة، ونهداها الصغيران يختفيان ويظهران مع أنفاسها الصاعدة الهابطة، وأصابعها الحمراء تلتف حول الحقيبة الجلدية المنتفخة بكتب التشريح.

أصبحت في ميدان فم الخليج، أمامها شارع النيل والكوبري الذي يقود إلى بيتها في الروضة، وعن يمينها النيل، وعن يسارها الشارع الصاعد نحو المقطم، من يراها يظن أنها ستستدير بجسدها ناحية اليسار وتتجه إلى الشارع، لكنها لم تستدر، ظلت واقفة. كانت تدرك أن استدارتها هذه ستعني لها شيئًا ضخمًا، شيئًا خطيرًا. ستعني أنها لم تصبح بهية شاهين، وأنها أصبحت الإنسانة الأخرى الأقوى التي بقدر ما تريدها وترهبها.

لحظة خطيرة مخيفة، تشبه الموت، بل هي نوع من الموت فعلًا، يموت فيها الإنسان ويولد إنسان آخر، لحظة قصيرة يستدير فيها جسدها ناحية اليسار، لا تستغرق من الزمن إلا ما تستغرقه قدم ترتفع فوق الأرض ثم تنخفض أو جفن ينخفض فوق العين أو يرتفع، ومع ذلك بدت لها كلحظة العمر كله، ككل السنين التي عاشتها والتي ستعيشها، ككل حياتها وقد تكورت وأصبحت بحذاء قدمها ما إن ترفع قدمها وتخفضها حتى تدوسها وتسحقها كمسحوق ناعم من الرماد.

ولم يعد الشارع عن يسارها شارعًا. الشوارع أيضًا ككل الأشياء تتغير بتغير نظرتنا لحظة بعد لحظة، وتغير الدم في عروقنا دقة وراء دقة، وهواء الصدر مع كل نفس جديد، وماء البحر مع كل موجة. أصبح الشارع طويلًا بارزًا من بطن الجبل كذراع طويلة ممدودة، ومن فوقه شريط السماء المحصور بين الجبل والمباني كالذراع الثانية، ذرعان ضخمتان كذراعَي الإله الخرافي، منفجرتان أمامها كفكَّي القدر ممدودتان في الأفق، بطول الأفق، وبعرض الأفق، مرفوعتان نحوها ومفتوحتان تنتظران استدارة جسدها نحوهما.

عن يقين كانت تريد أن تستدير، وتلقي نفسها بين الذراعَين الممدودتين، لكن جسدها قاوم الاستدارة، ولم تستطع أن ترفع قدمها عن الأرض. انتفضت وهي واقفة، فسقطت الحقيبة الجلدية من يدها وتبعثرت كتب التشريح على الأرض.

رمقت بطرف عين التكت البيضاء فوق الغلاف السميك «بهية شاهين» أولى مشرحة، وتقلصت ذراعها في الهواء، رفضتا أن تلتقطا الكتب، لكن جسدها انحنى فوق الرصيف فلمت الكتب ووضعتها في الحقيبة. هذه الانحناءة كانت كافية لأن تعيد إليها بهية شاهين بكل قوتها وسطوتها، وتوارت الإنسانية الأخرى في سردابها العميق، وبدأت قدماها تدبان بسرعة وقوة في الطريق نحو بيتها.

حركة جسمها وهي تسير تبدو حركة قوية منتصرة، لكن إحساسها الحقيقي كان شيئًا آخر. كانت تشعر بالهزيمة وحينما رأت بيتها من بعيد غاص قلبها، كسجين مؤبد مساق إلى السجن، مساق بقوة كقوة الحديد، تلتف حول يدَيها وقدمَيها، كالسلاسل تمامًا كانت تحسها حول معصميها ورسغيها وعنقها، تشدها بغير رفق ولا رحمة إلى ذلك البيت الأحمر الصغير.

ومنذ تلك اللحظة لم يعد بيتها هو بيتها، ولا حجرتها هي حجرتها، ولا سريرها هو سريرها. الأشياء تتغير كالإنسان، ليس تغيرًا في الشكل فحسب، وإنما في المعنى أيضًا. حقيقة الأشياء نحن لا نعرفها أبدًا، ولا نراها إلا بمقدار ما نعيها. إن وعينا هو الشيء الوحيد الذي يحدد شكل الكون من حولنا، وحجمه، وحركته، ومعناه.

كانت تعي بيتها كالمكان الآمن، تلوذ به من زحام الترام، وزحام الكلية، وحرارة الشمس وبرد الشتاء، وتجد فيه أباها الذي يعطيها المصروف اليومي وأمها التي تطعمها، وإخوتها الذين ترى في ملامحهم شبهًا بملامحها، وكل شيء من حولها يبعث على الطمأنينة.

لكن البيت الآن أصبح كالسجن، وأبوها كالسجَّان، رابض في الصالة على كرسيه الأسيوطي يرقب حركاتها وسكناتها، يحاول أن يستكشف من خلف ملامحها خبايا نفسها، وأصابع أمها لا تزال بصماتها فوق أوراقها الخاصة في درج مكتبها، وتحت وسادتها، تفتش عن أسرارها، تبحث عن خطاب غرام أو صورة شاب، وعيون إخوتها من حولها في كل مكان تحاصرها بالأسئلة. الأدهى من ذلك تلك الزيارة التي تكاد تكون يومية، حين يأتي عمها وزوجته وابنه خريج التجارة «والمرشح للزواج منها منذ الطفولة»، وتلك الابتسامة البلهاء على شفتَيه، والسعادة الغبية القاتلة.

أدركت عن يقين أنها لا تنتمي إلى هذه الأسرة، والدم الذي يجري في عروقها ليس من دمهم. وإن كانت رابطة الدم هي التي تجمعها بهذه الأسرة فهي تشك في هذه الرابطة، تشك في الدم الذي يجري في عروقها أو الذي يجري في عروقهم. إن أمها لم تلدها. ربما وجدوها لقيطة بجوار جامع، بل لو كانت أمها هي التي ولدتها حقًّا، وأن أباها كان مشتركًا معها أو غير مشترك، فليس معنى ذلك أنها تنتمي إليهما. إن تلك الرابطة التي تسميها رابطة الدم ليست رابطة في نظرها. فهي رابطة بغير إرادة من أحد، بغير حرية. إنها الصدفة المحضة وحدها هي التي جعلتها ابنة أمها وأبيها بغير اختيار منهما ولا منها.

لم تدرِ كيف وصلت إلى هذا المدى في التفكير، لكنها كانت تريد أن تصل إلى حقيقة واحدة هي أن إرادة الإنسان وحدها هي التي تجعل للرابطة معنًى. وكانت تريد أن تصل من هذه الحقيقة إلى حقيقة أخرى، وهي أنها تريد أن تكون رابطة بينها وبين سليم، رابطة من نوع ما، من أي نوع، تجعله حين يراها من وسط الآلاف يتوقف ويتجه نحوها، وتجعلها هي من دون الآلاف تتوقف وتتجه نحوه، إن هذه الحركة الإرادية نحوه هي الشيء الوحيد الذي يكسب الرابطة معنًى، بل يكسب حياتها معنًى، فما معنى حياتها؟

لم تكن تعرف لحياتها معنًى. لم تعرف بالضبط ماذا تريده بحياتها. كل ما كانت تعرفه أنها لا تريد أن تكون بهية شاهين، ولا تريد أن تكون ابنة أمها أو أبيها، ولا تريد أن تعود إلى البيت، ولا تريد أن تذهب إلى الكلية، ولا تريد أن تكون طبيبة، ولا تريد أن يكون لها مال كثير، ولا زوج محترم، ولا أطفال، ولا بيت، ولا قصر، ولا أي شيء من هذه الأشياء. ماذا كانت تريد؟

عقل بهية شاهين لم يكن عقلها، كان لها عقلها الآخر الخاص، تحسه تحت القشرة المخية كبيرًا ضخمًا يملأ جمجمتها، ينبئها بطريقة شيطانية خفية أن كل تلك الأشياء ليست شيئًا، وأنها تريد شيئًا آخر، شيئًا مختلفًا تمامًا، مجهولًا ومعلومًا في نفس الوقت، محددًا وغير محدد، تستطيع أن ترسمه بسن الريشة فوق الصفحة البيضاء خطًّا أسود محددًا، ولكنها حين تنظر إليه بعينَيها السوداوين يصبح خطًّا طويلًا ممدودًا في الأفق، بطول الأفق، وبعرض الأفق، لا تعرف له أولًا ولا آخرًا.

كالتائهة كانت تسير من شارع إلى شارع، كذرة هواء ضائعة بين ملايين الذرات السابحة في الكون، تاركة نفسها للهواء يحركها في أي اتجاه، تبدو من الخارج كالمستسلمة تمامًا للضياع، كالمستمتعة بالذوبان والفناء الكامل في الكون، لكنها من الداخل تقاوم، تشد عضلاتها وتقاوم الحركات اللاإرادية، ترفض الاستسلام لها، وبكل قوتها تمنع قدمَيها من الحركة، بكل قوتها تريد أن تقف.

كالحصان الجامح وجدت نفسها واقفة بجسدها الطويل النحيل منتصبًا، عيناها السوداوان مرفوعتان إلى أعلى، وشعرها الأسود متناثر فوق جبهتها وأذنَيها وعنقها من الخلف، وأنفها مستقيم حاد، وشفتاها مزمومتان في غضب.

تلفتت حولها لتعرف أين هي، لكنها كانت في مكان لم تأتِ إليه من قبل. والبيوت لم ترَها والناس من حولها يروحون ويجيئون في حركة المرور الدائبة، ولا أحد يعرفها ولا هي تعرف أحدًا. صعد الدم إلى قلبها في دقة كبيرة وتلاحقت أنفاسها كالذي يغرق في بحر، وكأنما تحولت ومن فوقها ماء، ولا تستطيع يداها أو قدماها أن تمسك بشيء صلب.

بأصابع مرتجفة مذعورة حركت يدها كالذي يبحث وسط الماء عن قارب نجاة، وحينما لامس أصبعها الحافة الصلبة في جيبها التفت أصابعها الخمسة حول المفتاح المعدني، وضغطت عليه، كأنما تريد أن تتأكد من حقيقة وجوده، أو كأنما تستمد من صلابته إحساسًا بأن في الحياة شيئًا له قوام، شيئًا يمكن الإمساك به في الأصابع.

وبالسرعة نفسها وبالقوة نفسها، التي يندفع بها الجسد الغارق حين يمسك شيئًا صلبًا أصبح جسدها يندفع، وقدماها تدبان فوق الأسفلت بقوة وبسرعة، وعيناها تبحثان في الشوارع المتداخلة المتشابكة عن الذراع الممدودة من قلب الأفق، والسماء الزرقاء المحصورة بين البيوت والجبل. كادت تجري، بل إنها جرت فعلًا. وبحركة سريعة من عينَيها نظرت إلى معصمها. كانت الساعة الرابعة والنصف. صعد قلبها ثم هبط، وصدرها أصبح يعلو ويهبط، يعلو ويهبط، وقدماها تتلاحقان كأنهما في سباق مع أنفاسها.

•••

انفتح الباب الصغير الذي يتدلى فوقه غصن لبلاب أخضر، ورأت الوجه الطويل النحيل بملامحه العميقة المستغرقة إلى حد الإرهاق، كأنه لا ينام، ولا يأكل، ورأسه ينوء بهموم العالم والبشر، وعيناه الزرقاوان العميقتان إلى حد السواد أو السوداوان إلى حد الزرقة، ونظرته النافذة تقتحم الأغطية والأقنعة وتصل إلى القاع البعيد.

– أهلاً بهية.

دهشت لصوته حين لامس أذنها، واسم بهية أصبح شديد الخصوصية، ليس كاسم بهية أي بهية، بل هي بالتحديد، دون الملايين، بكيانها الخاص هذا الواقف في الصالة الغريبة.

الصالة تكاد تكون عارية بغير أثاث، إلا كنبة كبيرة في الركن ومنضدة عليها زهرية ورد والنافذة الزجاجية الكبيرة من ورائها الجبل الضخم. جلست على الكنبة، واستدار هو ليغلق الباب خلفها، فأصبح ظهره أمام عينَيها، ووجهه وعيناه وملامحه لم تعد مرئية، فبدا كرجل غريب لا تعرفه. وحينما سمعت صوت الباب يغلق تذكرت على الفور أنها بهية شاهين، طالبة الطب المجدة، حسنة السير والسلوك، وأنها أصبحت الآن بالتحديد في بيت رجل غريب، ظهره كظهور الرجال، ولا شيء يربطها به. ودهشت الدهشة التي تحدث في الأحلام، حين يجد الإنسان نفسه في أماكن غريبة لم يعرفها من قبل، ويقابل أشخاصًا غرباء لم يقابلهم من قبل.

وبدأ عقلها يعمل بسرعة الحركة في الأحلام، مصورًا لها أشياء كثيرة. تصورت أباها قابعًا في كرسيه الأسيوطي في الصالة يحتسي قهوة الصباح، يفتح الجريدة فوق الصفحة الأولى فيرى جسد ابنته بهية عاريًا ومقتولًا في شقة شاب أعزب بمدينة المقطم. أبوها كان يؤمن أن بهية لا تعرف إلا الطريق من البيت إلى الكلية، وأنها تصلي وتصوم، وتذاكر في اليوم أربع ساعات، وحين تسمع أغاني الحب في الراديو تغلقه، وحين يضحك معها أحد شباب الأسرة تنهره، وأنها ليست كأية فتاة أخرى، جسمها ليس كجسم أية فتاة أخرى، بل إنها ليس لها جسم، وليس لها أعضاء، وبالذات تلك الأعضاء الجنسية التي يمكن أن يثيرها أو يحركها واحد من الجنس الآخر.

خيالها عجز عن تصور الصدمة، حين يرى أبوها جسد ابنته المطيعة المؤدبة عاريًا، ليس في حجرة نومها الخاصة مثلًا، وإنما في شقة شاب وليست عيناه فحسب هما اللتان تريانها وإنما آلاف العيون التي تقرأ جريدة الصباح، ومنها عيون أفراد الأسرة العريقة الكبيرة المنتشرة في القطر من أسوان إلى الإسكندرية، وخاصة عيون الفلاحين منهم والصعايدة، وعيون موظفي وزارة الصحة جميعًا، رؤسائه ومرءوسيه الذين أقنعهم على مدى ثلاثين عامًا أنه المدير الكفء ذو الأصل العريق والسمعة الشريفة، وأبناؤه وبناته جميعًا حسنو السير والسلوك، وخاصة بهية طالبة الطب المجدة.

ارتجفت الرجفة ذاتها التي تحدث في الأحلام، وأيقنت أنها على استعداد لأن تدفع عمرها كله من أجل أن تمنع عن أبيها هذه الصدمة، وأنه من الممكن أن تموت ويتعرى جسدها ويتمزق إربًا بشرط ألا يرى أبوها ولا يعرف. كانت تحب أباها رغم كل شيء، وحين يمد لها يده كل يوم بالورقة البالية ذات العشرة قروش يغوص قلبها في صدرها ثقيلًا كقطعة حجر، وحين تضم أصابعها الورقة الندية برائحة عرقه تكاد تخفي وجهها وتبكي. كانت تعلم أنه يكد ويشقى من أجلها وأجل إخوتها، وأحيانًا تراه وهو يشق الزحام بجسده النحيل ذي الظهر المحني، وحين يجتاز الشارع المكتظ بالعربات السريعة ترتجف خشية أن تدهمه عربة، وذات مرة رأته واقفًا على سلم الترام من شدة الزحام، وخُيِّل إليها أن السلم سيهوي تحت الأقدام الكثيرة ويصبح جسد أبيها تحت العجلات. وذات مرة ذهبت إلى مكتب أبيها في الوزارة، فلمحته في الردهة يسير خلف رئيسه، ظهره أكثر انحناءً، وعضلات عنقه أكثر ارتخاءً، ورأسه يميل إلى الأمام في خضوع، ورئيسه يسير أمامه بحركة متعالية تجعل ظهره مشدودًا وعضلات عنقه مشدودة ورأسه مائلًا إلى الوراء في كبرياء. في تلك اللحظة أرادت أن تنشق الأرض وتبتلعها، وحين ركب أبوها الترام إلى جوارها وابتسم لها لم تبتسم له، وظلت تتفادى النظر في عينَيه حتى أتى اليوم التالي، وحين مد لها يده بالورقة البالية المبللة بعرقه كادت ترفضها، لكنها أخذتها وشعرت بالمهانة، وبصعوبة شديدة رفعت عينَيها في عينَيه، ورأت سوادهما يترقرق من تحت دمعة شفافة غير مرئية.

•••

انتفضت لتقف، وقبل أن تصبح واقفة تمامًا كان قد استدار، وأصبح وجهه أمامها، وعيناه في عينيها فسرى في كيانها ذلك التيار السحري الذي يشعرها على الفور أن كل شيء في الزمان والمكان خارج هذه اللحظة لا معنى وبلا وجود حقيقي، وأن حياتها كلها من خلفها ومن أمامها ليست حياتها، وإنما حياة إنسانة أخرى، ولا شيء يربطها بالعالم الذي عاشت فيه، أو الناس الذين عرفتهم، لا شيء يربطها بشيء سوى هذا الوجه بعينَيه السوداوين الزرقاوين تنظران في عينيها وتؤكدان وجودها الحقيقي.

– سليم.

رن صوتها في الصالة غريبًا، كصوت واحدة أخرى، فاندهشت، والاسم أيضًا «سليم» أصبح في أذنها غريبًا كاسم واحد آخر. رددته بينها وبين نفسها عدة مرات لتألف ذبذباته في أذنها، وفي كل مرة يصبح أكثر غرابة عن المرة السابقة. اسمه سليم واسمها بهية، واسمه ليس أكثر غرابة من اسمها حين يرن في أذنها، لكن ما أبعد الأسماء عن حقيقة الأشياء، وما أعجز حواس الإنسان عن إدراك ما يحسه الإنسان! إن ما تحسه هي نحوه هو شيء أكثر من مقدرة أذنَيها على السماع، وعينَيها على الرؤية، وأنفها على الشم، وأصابعها على اللمس. وأيقنت في تلك اللحظة أن للإنسان حواس أخرى مجهولة، لم تُكتَشف بعد، وأنها كامنة، منكمشة في أغوار النفس، ولكنها أكثر من الحواس المعلومة قدرة على الإحساس، فهي الحواس الحقيقية الطبيعية، لم تفسدها التربية في البيوت، ولا التعليم في المدارس، ولا النظم ولا القوانين ولا التقاليد ولا أي شيء. كالنهر الطبيعي المنطلق بغير سدود، وكالمطر المنهمر من السماء بلا حواجز ولا موانع إلى أن يكف وحده حين ينضب.

كانت قد أصبحت جالسة على الكنبة، وهو إلى جوارها وأمامها النافذة الزجاجية والجبل من خلفها، ومن خلف الجبل السماء الزرقاء الملوحة بحمرة الشمس وقت الأصيل. انعكس ضوء الشمس على عينَيها كالابتسامة اللامعة، فضحكت بصوت منطلق وقالت وهي تشير إلى النافذة: المنظر من هنا رائع.

ظنت أنه سيحول عينَيه عن عينَيها وينظر إلى النافذة، لكنه لم يفعل، وظلت عيناه في عينَيها، تلعثمت وهي تقول: لماذا لا تنظر؟ أليس المنظر رائعًا؟

قال وعيناه لا تزالان في عينيها: أنت أروع من المنظر.

أبعدت عينَيها عن عينَيه، فاندهش وقال: لماذا تبعدين عينَيك؟

اضطربت وقالت: لا أدري. ولكن عينَيك تبدوان أحيانًا كأنهما ليستا عينَيك.

سألها: عينا من؟

قالت: عينا رجل آخر.

سألها: وأيهما تفضلين: أنا أم الرجل الآخر؟

قالت: أنت.

ضحك وضحكت. وقال: أتشربين شيئًا؟

قالت: لا.

قال: أتأكلين شيئًا؟

قالت: لا.

وضحكت مرة أخرى بغير سبب، وحين سمعت صوت ضحكتها بأذنَيها تساءلت بينها وبين نفسها أتكون هذه اللحظة هي السعادة، وهل السعادة معناها أن يغيب العالم بكل ما فيه ومن فيه ولا يبقى من الكون أجمع إلا تلك المساحة الصغيرة من الكنبة التي تجمع جسديهما متجاورين غير متلامسين بعد، تفصلهما مسافة من الهواء لا تزيد عن ملليمتر؟

حاولت أن تمسك بلحظة السعادة، لتعرف مذاقها الحقيقي، لكنها كانت رقيقة شفافة كطبقة رقيقة من الهواء، ما أن ترفع يدها وتلمسها حتى تتمزق. كانت يدها بجوار يده فوق الكنبة، تفصلهما شعرة من الهواء، لكن أحدًا منهما لم يحرك يده، وكل منهما يخشى لو تحرك أن تتمزق شعرة الهواء وتتمزق معها لحظة السعادة الرقيقة كالغلالة.

لكن كلًّا منهما كان يضيق بهذه اللحظة، يتعجل نهايتها، فالسعادة إحساس لا يحتمله الإنسان إلا لحظة واحدة، تصبح معلقة في الزمن كذرة هواء سابحة في الكون، لا الأرض تجذبها ولا السماء تشدها، معلقة، وما أشق على الإنسان أن يصبح معلقًا بين السماء والأرض، وما أشد رغبته في أن تطأ قدماه سطح الأرض أو سطح أي جسد صلب يؤكد وجوده الحقيقي بثقله المعهود.

وكقوة الأرض حين تشد إليها الجسد فلا يبقى بينها وبينه مسافة من هواء، التفت ذراعاه حولها وذراعاها حوله، وبتلك الرغبة العنيفة في الذوبان في الكون، وفقدان الإحساس بالجسد وثقله والفناء الكامل والتلاشي في الجو كذرات الهواء، كالموت إذا استطاع أحد أن يموت ويصحو ثم يصف لنا الموت، ولكنه أيضًا ليس كالموت تمامًا. فالموت موت، وربما فقد الإنسان الإحساس حقيقة، ولكن أن يفقد الإنسان الإحساس ولا يفقده، وأن يتلاشى جسده ويظل موجودًا، وأن يفنى العالم من حوله ويبقى حيًّا، وأن تصبح السماء كالأرض والأرض كالسماء، وكل الأشياء تتشابك وتتداخل وتمتزج في شيء واحد أو نقطة واحدة، في منتصف الرأس، تنبض بحركة محسوسة كنبض القلب بل أشد.

بأذنَيها كانت تسمع دقات قلبه، والصوت حين يلامس أذنَيها يصبح كملمس جسدها، وبصعوبة شديدة يمكنها التعرف على جسدها من جسده، والحرارة نفسها، والرائحة، ولون البشرة، وحركة الدم في العروق، وكل شيء فيهما متشابه كأنهما جسد واحد. أرادت أن تهمس في أذنه بكلمة ما، لكنها لم تجد الكلمة. أتقول له مثلًا: «أحبك»، ولكن الكلمة تبدو قبل أن تخرج من شفتَيها قاصرة، عاجزة عما تحسه حقيقة. فما معنى كلمة «أحبك»؟

الصمت يستطيع أن يعبر عن حقيقة إحساسها؛ لأنها بهذا الصمت تقول شيئًا خطيرًا، تقول إن الكلمات المتداولة بين البشر لم تعد تصلح، وإنها في حاجة إلى كلمات أخرى، كلمات تصنعها بنفسها، ولغة جديدة لم تفسرها الكلمات القديمة المستخدمة. وهو أيضًا كان صامتًا، مستغرقًا كأنما يبحث عن سر لحظة الاتصال الأبدية، حين يكف الجسد عن الإحساس بالانفصال عن الكون، ويصبح هو والكون شيئًا واحدًا، وكيانًا ضخمًا يملأ الساحة بين السماء والأرض.

حين رفعت عينَيها إلى فوق رأت الجبل من وراء زجاج النافذة فأدركت ببطء أنها تعود إلى مكانها المحدد فوق الكنبة، وتحسست جسدها بيدها، واكتشفت أن لها جسدًا خاصًّا منفصلًا عن جسده، فاتسعت عيناها بالدهشة، لكنها رأته أمامها فابتسمت وكانت تضحك، وقالت له: أليس ذلك غريبًا؟

قال: ما هو الغريب؟

قالت: ذلك الذي يحدث بيننا.

قال: وما الذي يحدث بيننا؟

قالت: شيء غريب.

قال: ولماذا غريب؟

قالت: بهذه السرعة؟ وبغير كلمات؟

قال: الحياة الحقيقية ليست فيها زمن، أما الكلمات فقد صنعها الناس ليبرروا حياتهم غير الحقيقية.

ضحكت وضحك هو أيضًا.

قالت: ولكن كيف يمكننا التفاهم مع الناس؟

قال: التفاهم مع الناس مستحيل يا بهية، الناس لا يريدون إنسانًا حقيقيًّا، تعودوا تزييف كل شيء حتى أنفسهم وبمرور الزمن نسوا شكل أنفسهم الحقيقية. وحين يرون إنسانًا حقيقيًّا تفزعهم حقيقته إلى حد الشروع في قتله أو قتله فعلًا؛ ولذلك فلا بد لهذا الإنسان أن يكون مطاردًا دائمًا، أو مقتولًا أو محكومًا عليه، أو مسجونًا، أو معزولًا في مكان بعيد عن الناس.

قالت: في شقة في جبل المقطم.

قال: في شقة في جبل المقطم.

قالت: أنا أحبك يا سليم.

كانت عيناه السوداوان الزرقاوان شاخصتَين نحو السماء والجبل، وظل صامتًا لحظة طويلة كالمستغرق في شيء بعيد. أرادت أن تسأله هل تحبني يا سليم، وتسمع صوته بأذنَيها يقول أحبك يا بهية، لكن السؤال بدا لها بلا معنى. فما جدوى الإجابة عنه؟ هي تحبه، وإذا كان هو يحبها أو لا يحبها فهذا لن يغير من حبها شيئًا.

قالت: فيمَ تفكر يا سليم؟

قال: ربما يكون لنا طفل بعد سبعة شهور.

انتفضت في رجفة عنيفة، واهتزت يدها الموضوعة على مسند الكنبة، وأدركت أن فوق معصمها عقربين يشيران إلى الساعة السابعة والنصف، وبذلك الإحساس الراكد الثقيل تذكرت البيت والكلية وأباها والمشرحة، والترام، وزميلاتها وزملاءها، والدكتور علوي، والترام، والشوارع، والناس، والعالم كله الذي انفصلت عنه وظنت أنها لن تعود.

تساءلت في دهشة: طفل؟ لم تخطر الفكرة ببالها قط، ولم تتصور من قبل أن الأطفال يخلقون بهذه السرعة، وفي مثل هذه الغيبوبة عن العالم، والانفصال الكامل عن الأرض. أيمكن لذلك الجسد الذي ذاب في الكون وتلاشى أن يخلق في لحظة التلاشي جسدًا محددًا مربوطًا بالأرض، وأن تلد اللحظة اللاموجودة لحظة موجودة ومجسدة يمكن للأصابع أن تلمسها وتمسك بها؟

وبدأت تحس النبض الجديد في أعماقها، كحياة سحرية ولدت من العدم، كالذي ينظر إلى صخرة ثابتة في الجبل وفجأة يراها تتحرك وتنبض بانتظام كنبض القلب. وانفرجت شفتاها عن الدهشة نفسها، والفرحة، وصاحت وهي تضع يدها على قلبها: انظر يا سليم، إنه يتحرك.

ورآها تنظر إلى الجبل فتساءل بدهشة: ما الذي يتحرك؟

قالت وهي تضحك: الجبل.

ضحك معها، لكنها كفت عن الضحك بعد لحظة، وأدركت أن فرحتها ليست حقيقية، وأن الجبل لا يتحرك، وأنه ثابت، جامد، والأرض والحائط والنافذة والكنبة وكل شيء من حولها ثابت جامد، إلا هذان العقربان فوق معصمها بحركتهما البليدة البطيئة الرتيبة، تذكرها أن الزمن يمضي ولا يعود، وأن لحظات حياتها تسقط في العدم، وتأتي من العدم، وأن لا شيء يبقى سوى تلك الذبذبة العبثية لعقربين من المعدن داخل علبة معدنية صغيرة بحجم القرش لها غطاء زجاجي.

قالت بصوت حزين: سليم.

قال: نعم يا بهية.

قالت: لا أريد أن أعود إلى البيت.

قال: لا تعودي.

قالت: ولكن …

قال: ولكن ماذا؟

قالت: أبي وأمي والكلية والناس و…

قال: وبهية شاهين.

أحست بقطرات العرق في كفها وتحت إبطَيها، وبشرتها أصبحت شاحبة كبشرة بهية شاهين، وعيناها أقل سوادًا، وأنفها أقل ارتفاعًا، وحاولت أن ترفع رأسها وتجعل عينَيها سوداوين كما كانتا وأنفها مرتفعًا حادًّا يشق الكون نصفين تسير بينهما إلى الأمام بغير تردد، ولا خوف، وتصل إلى النهاية، نهاية النهاية. لكن بهية شاهين كانت قد عادت إليها. كيف عادت؟ لم تعرف. وفجأة وبغير أن تدري نهضت، وأمسكت حقيبتها الجلدية المنتفخة وسارت نحو الباب.

•••

حين احتواها سريرها في تلك الليلة ظنت أن الذي حدث لم يكن إلا حلمًا، وأنه لم يكن حلمًا فلا بد أنه حادث طارئ اعترض حياتها العادية بغير إرادتها كحوادث القضاء والقدر، وأنها عادت بقدرة قادر إلى مكانها المعهود في سريرها، وجسدها صحيح بكامل أجزائه وحدوده الخارجية المألوفة.

ولكن بعقل آخر شيطاني كانت تدرك أن هذا الحادث الطارئ هو الشيء الوحيد الحقيقي في حياتها. إنه ليس طارئًا، وليس حلمًا، وليس قضاء وقدرًا، وليس صدفة ولكنه الشيء الوحيد الذي فعلته بإرادتها، الشيء الوحيد الذي أرادت أن تفعله.

حياتها كلها ليست من فعلها، وليست بإرادتها. فأمها هي التي ولدتها، وأبوها هو الذي أدخلها كلية الطب، عمتها المريضة بالصدر تريدها أن تتخصص في الأمراض الصدرية، خالها يريدها أن تكون طبيبة ناجحة ينهال عليها مال المرضى وتتزوج ابنه خريج التجارة، فتربح فلوسها من تجارته، وينجبان أطفالًا يرثون ثروتهما ويحملون اسمه واسم أبيه وجده.

كل واحد منهم كان يقول لها ماذا يريده، لكن أحدًا منهم لم يسألها ماذا تريد هي؟ والحقيقة أنها لم تكن تريد شيئًا مما يريدونه هم، لم تكن تريد أن تكون طبيبة، وبالذات طبيبة أمراض صدرية، كانت ترى طوابير المرضى بالدرن الرئوي كالهياكل البشرية، وأطباء الأمراض الصدرية أجسادهم ممتلئة سمينة مترهلة، ولم تكن تحب عمها، ولا ابنه خريج التجارة، كان شابًّا وسيمًا في نظر الأسرة كلها، فهو طويل ممشوق، أبيض البشرة، متورد الخدين، عيناه تلمعان بالصحة والسعادة، وملامحه بريئة براءة الأطفال، وكأنه لا زال يرضع لبن أمه، ويبتسم للجميع ابتسامة سعيدة.

كانت تكره ابتسامته وسعادته، تقابلهما بتكشيرة وشفتاها مزمومتان في غضب، لكنه لم يكن يغضب ويظن بطريقة بلهاء، أو بغرور الرجال الأغبياء، أنها تخفي إعجابها به تحت هذه التكشيرة، ويقول لها بصوته المسطح: «أنا أفهم البنات، البنت تقول لا لكن قلبها يقول أيوه.»

لو كانت تملك إرادتها لبصقت في وجهه، لكنها لم تكن تفعل أي شيء بإرادتها، وحينما ترى أباها يبتسم له تبتسم هي الأخرى وتقول: «من قال لك إنني بنت.»

كانوا قد تعودوا أن يسمعوا منها هذا السؤال، لم يكن يغضبهم، بل بالعكس كان أبوها يغتبط بعض الشيء، كأنما يفخر بشعور خفي أن ابنته ليست بنتًا، أو يتمنى في قرار نفسه ألا تكون بنتًا. كانت تعرف أن أباها صادق في غبطته، وأنه كان يريدها ذكرًا، لكن أمها أرادت شيئًا آخر وولدتها أنثى، أو لعلها لم تكن أمها، وإنما هي الصدفة المحضة التي جعلتها أنثى.

كلمة أنثى كانت حين تصل إلى سمعها ترن في أذنَيها كالسُّبة، أو كالعورة العارية، كأول عورة رأتها في حياتها. كانت تخجل حين تخلع ملابسها في الحمام، ولا تستطيع النظر إلى جسدها العاري في المرآة، وحين تقترب أصابعها من عورتها وهي تستحم تبعدها بسرعة كمن مست يده منطقة مكهربة أو محرمة. يد أمها حين ضربتها وهي طفلة لا زالت على يدها، آثار أصابعها الكبيرة محفورة في ذاكرتها، ثابتة فوق الجلد كالوشم، وصوتها لا زال في أذنيها يردد: «تحرمي، قولي حرمت.» ولم تنطق كلمة حرمت، ولم تحرم، فما الذي يمكن أن تكون في تلك المنطقة المحرمة؟ وبأصابع مرتجفة كانت تفحص جسمها، تحس بطريقة ما أن شيئًا خطيرًا يكمن في تلك المنطقة المحرمة، لا تستطيع أن تلمسه، ولا تستطيع أن تراه بعينَيها، لكنه موجود. تحسه عن يقين حين تحرك ساقيها، وترتعش أصابع أمها حين تقترب منه وهي تغسل لها جسدها. شيء لا بد خطير ومخيف. لكنها تحمله في جسدها، كجزء منها، لا يفارقها. أحيانًا تنساه وتظن أنه خرافة من الخرافات التي ملأت رأسها وهي طفلة، وأحيانًا أخرى يصبح حقيقة مؤكدة وعارية، كالسلك الكهربي ما إن تلمسه حتى ينتفض جسمها انتفاضة قوية.

•••

بهية، رن صوت أبيها في أذنَيها كطلقة الرصاص. كصوت الحقيقة الوحيد، أدركت معه أنها بهية شاهين طالبة الطب المجدة، حسنة السير والسلوك، العذراء الطاهرة، التي لم يمسها بشر، والتي خلقت بغير أعضاء جنسية.

شدت الغطاء فوق رأسها وتظاهرت بالنوم، لكنها سمعت وقع قدمي أبيها في حجرتها تقترب من سريرها، وأصابعه الكبيرة ترفع الغطاء عن رأسها، وعيناه تحملقان في عينَيها، ويكتشف مصعوقًا أنها ليست بهية شاهين، وليست ابنته، وليست مهذبة ولا مطيعة ولا عذراء، وأنها خلقت بأعضاء جنسية، واضحة ومرئية، مرئية من تحت الغطاء، ومن تحت الملابس، ليست مرئية فحسب، ولكنها متحركة أيضًا، كحركة الحياة، نابضة كنبض القلب، أزاحت في حركتها الحاجز الذي كان أمامها، ومزقت الغشاء الذي كان يفصل بينها وبين الحياة، غشاء رقيق غير محسوس وغير مرئي، كلوح من الزجاج يفصلها عن جسدها، ويقف بينها وبين حقيقتها، شفاف كالزجاج ترى من خلاله نفسها، ولكنها تعجز عن لمسها أو الإحساس بها. كالزجاج تمامًا معرض للكسر عند أي حركة، وأي قفزة.

كانت أمها تشهق حين تراها تقفز من فوق السلم القفزة العالية، وتسمع قلبها يدب في صدرها، وتتقلص عضلات ساقَيها، وتضم فخذَيها بقوة، وتسير نحو أمها بمشية البنات المألوفة، ساقاها ملتصقتان، لا تكاد الساق تنفصل عن الساق، وفي اللحظة التي تنفصلان فيها يُخيَّل إليها أن شيئًا من بينهما سيسقط، شيئًا على شكل الزجاج المكسور.

وحين تختفي أمها داخل المطبخ تعود إلى القفز. لا يكفيها القفز من فوق السلم، فتقف على حافة الشرفة (كان بيتهم في الدور الأول)، وتقفز في الهواء وتصرخ من الفرح حين تحس جسمها طائرًا في الهواء بغير ثقل، خفيفًا كذرة هواء، والأرض لم تعد تشدها إليها، وقد تخلصت إلى الأبد من قبضتها الحديدية. لكنها ليست إلا لحظة خاطفة، وصرخة فرح واحدة، ثم تشدها الأرض إليها بقوتها المجنونة وتهبط بسرعة كنجم يهوي، ويرتطم جسدها بالأرض كقطعة حجر.

كانت تنهض، وتنفض التراب عن ملابسها، وتتفقد ذراعَيها وساقَيها. كل شيء في مكانه، وعظامها كما هي لم تنكسر، وتدرك بإحساس خفي لكنه يقيني أن أمها تخدعها، وأن شيئًا لا ينكسر في جسدها، وتقفز وهي تمشي، وتحرك ساقَيها بحرية، وتفصل بينهما بقوة، وتدرك عن يقين أن لا شيء زجاجيًّا بينهما، وتصعد فوق الشرفة وتقفز مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، وعشرين، وفي كل قفزة يزداد يقينها بأن شيئًا لا ينكسر فيها، وأن عضلاتها قوية، وعظامها متينة، وتضرب الهواء بركبتَيها في كبرياء كما يفعل أخوها حين يمشي، وتشد قامتها، وترفع رأسها، وتصوب إلى الحياة عينَيها السوداوين مفتوحتين وحادتين، لا يرمش لها جفن. وبزهو غريب تحرك قدمَيها فوق الأرض، وحين تقف ترفع قدمًا فوق أي كرسي أو منضدة، ترفعها بكل ثقة فوق أي حافة عالية، كما يفعل أبوها حين يقف في الصالة، وبالكبرياء نفسها.

وتضربها أمها على ركبتها لتخفض قدمها قائلة: «عيب يا بهية، ألا ترين كيف تقف أخواتك البنات؟» وتنظر إلى أخواتها البنات وترى سيقانهن السمينة الملتصقة، وعيونهن المنكسرة، كعيني الجثة الراقدة فوق المنضدة، والمشرط في أصابعهن يرتجف حين يقترب من الرحم، أو عضو الذكر.

كانت تغضب من عيونهن المنكسرة، وتدرك عن يقين أنها لا تنتمي إلى هذا الجنس، وأن شيئًا فيها لا ينكسر، وعيناها حين ترفعهما ترتفعان، وحين تثبتهما تثبتان، وليست هناك من قوة فوق الأرض تستطيع أن تجعل عينَيها تنكسران.

•••

في الصباح التالي ذهبت إلى الكلية ككل يوم، ودخلت المشرحة ككل يوم، لكن أبدًا لم يكن دخولها ككل يوم، ولم تكن قدماها هما قدماها، ولم تكن يدها التي تمسك بالحقيبة هي يدها، ولم تكن عيناها اللتان تنظر بهما إلى الأشياء هما عيناها، من يراها يظن أنها هي نفسها التي كانت هنا بالأمس وأول أمس وأول أول أمس، لكن أبدًا لم تكن هي بالتأكيد، كانت واحدة أخرى مختلفة، والأشياء أصبحت أمام عينَيها مختلفة. أحجامها أصغر مما كانت، وألوانها أخف مما كانت، وحركتها أبطأ مما كانت. أجسام الطلبة أصبحت أصغر حجمًا، وسيقان الطالبات أكثر بطئًا، كالزواحف يسرن فوق الأرض، لا تكاد الساق تنفصل عن الساق، وإذا انفصلت عادت والتصقت بسرعة، بقوة تضم الفتاة فخذَيها كأن شيئًا ثمينًا سيسقط من بينهما في اللحظة التي ينفصلان فيها، والحقيبة الجلدية المنتفخة بكتب التشريح فوق صدرها، تخفي تحتها شيئًا ثمينًا عن عيون الطلبة وكيعانهم المدببة. والطالبة منهن لا تستطيع أن تسير منفردة، وإنما يسرن دائمًا على شكل جماعات، كأسراب البط. فإذا ما وجدت الواحدة منهن نفسها منفردة في فناء الكلية أو في المدرج أسرعت الخطى تطرقع بكعبها العالي لتلحق بزميلاتها وتخبِّئ جسدها بين أجسادهن.

لمحت الدكتور علوي يمر بين المناضد، فخرجت من الباب الخلفي للمشرحة. سارت في الفناء الواسع تتلفت حولها كأنما تبحث عن أحد. دخلت المعرض ودارت حول اللوحات تتأمل خطوطها، وعيناها السوداوان تبحثان في العيون عن العينَين السوداوين الزرقاوين والوجه النحيل بملامحه المرهقة المحددة. خرجت وسارت في الفناء بخطوات بطيئة، تتفحص وجوه الطلبة. وجوه كلها متشابهة، وحركاتهم متشابهة، وأصواتهم متشابهة، وعيونهم حين تنظر إليها لا تراها، وتغرق في البحر دون أن يراها أحد، ودون أن يميزها أحد، ووجهها يصبح كوجه زميلاتها لا فرق بين بهية أو علية أو زكية أو إيفون.

جرت بغير وعي في الشارع. وقع قدمَيها في أذنها تعرفه، والشارع ليس أفقيًّا ككل الشوارع، ولكنه يرتفع إلى أعلى، وجسدها يرتفع إلى أعلى وهي تلهث، وعيناها مشدودتان إلى ذلك البيت الرمادي بلون السحب، مشدودتان بأسلاك رفيعة كخيوط حريرية غير مرئية، مشدودتان بكل قدرتها على الحركة، بحركة الدم في شرايينها، بحرارة الدم وسخونته كانت تصعد، بقوة الانجذاب نحو مصيرها أيًّا كان هذا المصير، أيًّا كان، وإن كان هو الموت والفناء الكامل.

بأصابع مرتجفة وضعت المفتاح في الباب، ودخلت، وظلت واقفة في الصالة الخالية، دقات قلبها في أذنَيها وأنفاسها تتلاحق، وصدرها يعلو ويهبط. نادت بصوت خافت: سليم. لكن البيت كان خاليًا. دهشت الدهشة نفسها التي تحدث في الأحلام، حين تتلاشى الأشياء التي تمسك بها في لحظة، ويختفي الجسد الذي نحوطه بذراعَينا في غمضة عين، وحين نفتح عيوننا لا نرى في الظلام إلا الحائط ومن تحتنا السرير.

تحسست بيدها الشيء الذي تحتها، فوجدت أنها الكنبة التي جلست عليها بالأمس. مدت ذراعها في الظلام فاصطدم بالحائط الصلب البارد. أغمضت عينَيها مرة أخرى وظنت أنها تحلم. لكنها لم تكن تحلم، وعن يقين أدركت أن سليم غير موجود، وأنها وحدها في بيته الخالي، جالسة فوق الكنبة ويقظة. حاولت أن تتأكد من يقظتها اليقينية ولكنها عجزت. فليست هناك وسيلة للتأكد سوى أن تلمس جسدها، ولكنها تفعل ذلك في الأحلام أيضًا حين تتشكك في نومها. وهذا العجز يرعبها، فهي غير قادرة بحال من الأحوال على التأكد من شيء في حياتها. إن محاولة التأكد لا تفعل شيئًا سوى أن تزيد شكوكها.

حين فتحت عينَيها في الصباح أحست أن الذي تحتها ليس ملمس سريرها المألوف، ورأت النافذة الزجاجية ومن خلالها الجبل فانتفضت واقفة. أول ليلة تغيبها عن بيتها، وأول ليلة ترقد في مكان غير سريرها. تصورت أباها يزأر كالأسد الغاضب وقد قلب الدنيا بحثًا وتنقيبًا، وأمها وأخواتها وعمها وأعمامها وعماتها وأفراد الأسرة جميعًا انتشروا في الأرض كالجراد، يبحثون عنها ويفتشون.

سارت إلى المرآة بخطوات ثقيلة. من كان يراها في ذلك الصباح يدرك أنها نامت بملابس الخروج، وأن بياض عينَيها تشوبه حمرة خفيفة، كتلك الحمرة التي تعقب البكاء، أو السهر الطويل، ولم يكن منظرها هذا عاديًّا. كانت فتاة مثالية، ملابسها دائمًا مكوية، بياض عينَيها أبيض صافٍ ينم عن فتاة مطيعة مهذبة، تنام الليل في سريرها، لا تعرف السهر، ولا تعرف الشجن، ولم تبكِ في حياتها مرة واحدة.

لم تعرف إلى أين تذهب ذلك الصباح، لكن قدمَيها حملتاها إلى الكلية ككل يوم، ورأت الفناء مزدحمًا بالطلبة، يموج بحركة غير عادية، وشقت الزحام متجهة إلى المشرحة، لكن طالبًا اعترض طريقها قائلًا: اليوم إضراب، لا محاضرات ولا مشرحة.

ورأت زميلاتها يقبلن نحوها بحقائبهن الجلدية المنتفخة وسيقانهن الملتصقة.

وقالت واحدة: فلنسرع إلى بيوتنا قبل توقف المواصلات.

وسألت واحدة: وهل ستتوقف المواصلات؟

وردت أخرى: يقولون إن عمال الترام والأتوبيس سيشتركون في الإضراب.

وسألت زميلة: وما سبب الإضراب؟

وضربتها واحدة على ظهرها: يا خيبتك القوية! ألا تعيشين على ظهر الدنيا؟

وقالت واحدة: إنهم عيال وبعد قليل ينفض المولد ويجري كل منهم إلى مذاكرته.

وردت واحدة بسخرية: طلبة الطب لا يهمهم إلا المذاكرة والصم، أما طلبة الحقوق والآداب، هناك الإضراب الحقيقي.

وضحكت واحدة: فلنذهب إلى هناك.

وشدتها زميلتها ناحية الترام: فلنذهب إلى البيت، الامتحان بعد شهر واحد.

وتجمعن متكئات، متلاصقات، وسرن نحو الترام برءوسهن المطرقة إلى الأرض، وعيونهن المنكسرة، وسيقانهن المتلاصقة في تلك الخطوات الدودية الزاحفة.

وبقيت بهية واقفة وحدها، ترمق الطلبة المتجمهرين من بعيد، تحاول أن تلتقط من بين الوجوه الوجه غير العادي، والعينَين السوداوين الزرقاوين القادرتين على رؤيتها والتقاط وجهها من بين الوجوه. كانت واقفة، تسند ظهرها إلى الحائط، وتتدلى من يدها الحقيبة الجلدية المنتفخة بكتب التشريح، وعيناها السوداوان مرفوعتان إلى أعلى تبحثان، وأنفها المرتفع الحاد يشق الكون نصفين، وشفتاها مزمومتان في غضب. لم تكن تحب طلبة الطب وبالذات حين يتجمهرون في أعداد كبيرة. صورتهم وهم يتدافعون داخل المدرج لا زالت في رأسها، بنظاراتهم السميكة، وظهورهم المحنية، وكيعانهم المدببة، وعيونهم المشدودة النهمة لكل شيء له طراوة اللحم.

وفجأة اهتز الكون اهتزازة عنيفة، كصوت زلزال ارتجت له السماء والأرض، وأدركت بعد لحظة أنه ليس صوت زلزال، ولكنه صوت بشري، آلاف الحناجر البشرية تنطق بصوت واحد في لحظة واحدة، كصوت السماء حين ترعد، كملايين الأصوات التي تصنع صوتًا واحدًا ضخمًا يملأ الكون، ولا يدخل من الأذنَين فحسب ولكنه يخترق مسام الجلد ويغزو جميع فتحات الجسد، ويصبح كالغاز ينتشر في لحظة ويسري كالدم في كل خلايا الجسم.

مضت دقائق قبل أن يألف جسدها الارتجاجة، ويألف معها الصوت. لأول مرة في حياتها تسمع هتافًا ينطلق من آلاف الحناجر في نفس واحد طويل عريض، بطول السماء وعرضها، قوي كالريح العتية تقتلع من أمامها البيوت والشجر، ولم تكن أذناها من ضخامة الصوت قادرتَين على تبين الكلمات، ثم رنت في أذنَيها كلمة «مصر». لم تكن هي مصر التي كانت تسمعها من فم أبيها أو أمها أو أحد المدرسين أو المدرسات أو أحد الزملاء أو الزميلات، ولكنها «مصر» بذلك الصوت القوي الضخم، الذي يملأ الكون ويرج السماء والأرض، وسرت فوق جسدها قشعريرة، وأحست حركة الشعر فوق جلدها وهو ينتصب، وحركة تحت جفنَيها دافئة ناعمة كحركة الدموع حين تتجمع، وصور قديمة من طفولتها بدأت تتابع أمام عينَيها مهتزة كأنها من وراء ماء متحرك، صدر أمها الدافئ تحت وجهها ورائحة اللبن في أنفها، ورائحة التراب وأشجار التين في قريتهم، ويد أبيها الكبيرة تمسك يدها وهي تجتاز الشارع، ووجه عمتها الطويل النحيل وهي تسعل وتبصق الدم وعيون إخوتها الصغار المغمضة وهم نائمون متلاصقون وأفواههم مفتوحة يريلون فوق الوسادة، وعيون الأطفال الجائعة من حول الترعة، وطوابير المرضى في فناء المستشفى ونحيب النسوة بملابسهن السوداء المتربة مندفعات وراء الجثة الخارجة من المشرحة.

ابتلعت الدموع وظلت واقفة. كانت القشعريرة لا تزال فوق جسدها، والصوت الضخم لا زال يتردد، ومرت المظاهرة أمامها، ورأت وجوهًا غير التي كانت تراها في المشرحة وأجسامًا غير الأجسام التي كانت تندفع داخل المدرج، فالملامح أصبحت بارزة حادة كالسيف والبشرة محتقنة بالدم، والعيون مرفوعة إلى أعلى، والظهور مشدودة بغير انحناء، والسيقان مشدودة مستقيمة عضلاتها قوية، والأقدام تدب على الأرض وتهز السماء وتهز الشجر.

ووجدت نفسها بينهم كقطعة منهم، كجزء من جسد ضخم، حرارته من حرارتها، وملامحه تشبه ملامحها، وبشرتها محتقنة بالدم، وأنفها حاد يشق الكون، وعيناها شاخصتان إلى الأمام، ورأسها مرفوع، وظهرها مشدود، وساقاها عضلاتهما قوية، وقدمها تدب على الأرض، وتهز الأرض، وصوتها ينطلق وحده من حنجرتها قويًّا ضخمًا يملأ الكون، وبكل ما تملك من قوة تهتف: «الحرية لك يا مصر!»

إحساس غريب بالذوبان في الكون الضخم، في الجسد اللانهائي الممتد، في أن يصبح الإنسان جزءًا من كل، ويذوب في كل ما حوله كقطرة ماء في بحر، وذرة هواء في الجو. إحساس غريب، له طعم لذيذ في الفم، وسعادة طاغية ينتشي لها الجسد، كالنشوة التي أحست بها بالأمس، في ذلك المكان البعيد في حضن الجبل، كنشوتها وهي طفلة حين كانت ترى الإله الخرافي يضغط على الشيء ثم يفتح يده فإذا هي فارغة، وضحكتها الطفولية حين كانت أمها تضغط عليها بكل قوتها ويكاد جسداهما يصبحان واحدًا.

رغبة كامنة في جسدها، قديمة منذ الطفولة، منذ أن أصبح لها جسد خاص منفصل عن الكون. رغبة ملحة في أن يعود جسدها إلى الكون، أن يذوب إلى آخر ذرة، أن تتحرر وتصبح بلا جسد، وبلا ثقل له وزن، كالروح الخفيفة الحرة المحلقة في أي مكان وأي زمان بغير قيود تشدها إلى الأرض.

رغبة في حرية طاغية لا محدودة، لا يحصل عليها الإنسان إلا في اللحظة التي يقرر فيها الخلاص، ويمزق تلك الشعرة التي تفصل الحياة عن الموت، لا يرهب الموت، وحين يكسر الإنسان رهبة الموت يصبح قادرًا على أي شيء في الحياة، وإن كان الموت ذاته.

وأحست في تلك اللحظة أنها قادرة على اختراق الحديد بجسدها، وتلقى الرصاص في صدرها، والخناجر المسمومة وغير المسمومة، وأن أي قوة في العالم لا تستطيع أن تجعل جسدها يسقط، أو ساقَيها تتوقفان عن الحركة إلى الأمام، أو صوتها يكف عن الانطلاق مناديًا بالحرية. من ينظر إلى وجهها في تلك اللحظة يرَ في سواد عينيها القرار الرهيب أن لا عودة إلى الخلف، أن لا قوة في العالم تحول بينها وبين حريتها.

وكأنما أصبحت بعد هذا القرار أقل توترًا، وأكثر ارتخاءً، ولم تعد عضلاتها مشدودة، وتركت جسدها ذائبًا في الكون، متحركًا معه، منسجمًا كنغم في لحن، وخطواتها كإيقاع راقص في رقصة جماعية، وصوتها ليس هتافًا وإنما غناء، والكون كله يغني معها: «بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي.»

الصوت يخرج من صدرها كالأنفاس الساخنة، وقلبها تحت ضلوعها يدق، وأحشاؤها تنبض، وأحزان قديمة وهموم ثقيلة تفارق جسدها مع كل نفس، وكل دقة، وعيناها من شدة الفرح تدمعان، ودموعها تسيل فوق خدَّيها، وتدخل أنفها وفمها، فتلعقها بلسانها وهي تضحك وتغني، وغناؤها يتمزق بالبكاء والنشيج ولكنه لا ينقطع ولا يتوقف: «بلادي بلادي بلادي لك حبي و…»

وكلمة حبي تنسلخ عن صدرها كقطعة حية من لحمها، كحفنة ساخنة من دمها، تضغط على الكلمة بكل قوتها، بكل عنفوان حياتها، بكل رغبتها المكبوتة في الحب، والانطلاق كالطائر الحر في السماء.

أهو الحب الذي جعلها قادرة على إدراك كل هذه الأحاسيس؟ وأدركت عن يقين أنه الحب. الحب الحقيقي الذي يجعل الإنسان قادرًا على أن يحب كل شيء، وكل الناس، ويستطيع أن يفتح ذراعَيه ويحتضن الأرض والسماء والشجر، وحين يفتح الإنسان عينَيه وينظر بين ذراعَيه يرى أنه يحتضن جسدًا واحدًا محددًا، يعرف ملامحه وحدوده الخارجية عن ظهر قلب، ويستطيع أن يلتقطه من بين ملايين الأجساد السابحة في الكون، ويميزه، يميزه بكيانه الخاص وعينَيه الخاصتين القادرتين على رؤيته والتقاطه من بين البشر.

إن مثل هذه اللحظات تبدو كالحلم، كل اللحظات السعيدة تبدو كالحلم، فقد أفاقت على صوت طلقات الرصاص، وأدركت أن هذا الصوت هو الصوت الحقيقي الذي بدأت تسمعه، وبدأت تعود معه إلى واقع حياتها، وإلى القيود التي تربطها بالأرض، وكلما دوت طلقات الرصاص أفاقت على الحقيقة، ورأت بعض الطلبة يسقطون على الأرض، وبعضهم يتقدم إلى الأمام مواجهًا الرصاص بصدره، وبعضهم يحتمي بجدران البيوت والدكاكين.

ظلت واقفة كالتمثال في مكانها، شامخة بقامتها الطويلة وعينَيها السوداوين المرفوعتين إلى أعلى. لو انطلقت رصاصة في المساحة المحددة التي يشغلها جسدها لسقطت على الفور ميتة، لكنها كانت تدرك أنها لن تموت بغير إرادتها، وهي لا تريد الموت بعد، ولكنها تريد أن تبكي، وأن الحزن هو الحقيقة الوحيدة في حياتها، وأنها حين كانت تضحك لم تكن تضحك، وحين كانت سعيدة كانت تدرك في أعماقها البعيدة أن هذه السعادة ليست حقيقية، وأن شيئًا ما يتهددها، يتهدد حياتها، إرادة أخرى تتربص بها، في كل لحظة، وفي كل ركن، تنتهز الفرص لتنقض عليها، ولا أحد ينقذها، لا أبوها ولا أمها ولا إخوتها ولا أحد على الإطلاق.

وفجأة، وكأنما انشقت الأرض عنه، رأت وجه سليم، كان ينثني فوق الأرض ويحمل جسدًا تنزف منه الدماء، وتلاشت الصور أمام عينَيها، ولم يبقَ إلا ذلك الوجه بخطوط ملامحه المميزة وهو يجتاز الميدان ببطء، ومن فوقه جسد آخر، رأسه مائل، والدم الأحمر يغرق القميص الأبيض، ويسيل خلفهما راسمًا فوق الأسفلت شريطًا طويلًا أحمر.

•••

كالحالمة، بين مصدقة وغير مصدقة، كانت تجلس في الحجرة المجاورة لحجرة العمليات في مستشفى قصر العيني القديم. أحداث كثيرة حدثت في وقت قصير جدًّا إلى حد عدم التصديق، لكن عينَي سليم السوداوين الزرقاوين أمامها تؤكدان وجودها ويقظتها، وحين يغيب في الحجرة المجاورة تفقد الأشياء من حولها حقيقتها ووجودها، وحين يقبل مرة أخرى وتلتقي عيونهما يسري في جسدها ذلك الإحساس العجيب بحقيقة الأشياء، وحقيقة وجودها، وتدرك أن هذه اللحظة هي عمرها الحقيقي، وأن الأيام التي مضت والسنون لم تكن إلا حلمًا أو وهمًا.

أحست في فمها طعم الحياة ساخنًا لاسعًا وقد امتزج برائحة الأثير النفاذة وصبغة اليود، ورعشة محسوسة تحت ضلوعها، ورجفة يدها حين تمسك شيئًا، ورجفة ساقَيها حين تقف أو تمشي، رجفة الحياة الحقيقية، مزيج من الخوف والإقدام، الإحساس بالخطر والأمان، فقدان الإحساس بالزمان والمكان واكتساب قدرة عجيبة على الإحساس بالزمان والمكان. مزيج غريب من أحاسيس متناقضة ذائبة كلها في وعاء واحد وفي انسجام كامل كألوان الطيف.

خُيِّل إليها أن العالم كله يتحرك من أجل إحداث هذا المزيج العجيب في جسدها، وأن الإضراب والمظاهرة والهتاف والنشيد وطلقات الرصاص، والأجسام التي سقطت، والدم الأحمر الذي سال فوق الأرض، والرأس النازف الذي ساعدت في حمله إلى العربة، وحجرة العمليات، ورائحة الإثير وصبغة اليود، والأطباء بمعاطفهم البيضاء، والممرضات ببرانيطهن البيضاء، كل ذلك حدث من أجل إحداث ذلك المزيج المتناقض في جسدها.

من ينظر في عينَيها في تلك اللحظة يرَ حزنًا عميقًا دفينًا تعلوه سعادة غريبة طاغية، تبدو كالبريق الخاطف فوق سواد عينَيها، كالحركة السريعة، كلفحة هواء ساخن، كأنفاس طفل يلهث بالجري وراء كرة، كرفرفة جناح عصفور تحت أشعة الشمس، وسمعت صوت أحد الأطباء يقول: مجدي مات.

صوته نفذ في أذنها كطلقة رصاص جديدة مزقت الشعرة بين اليقظة والحلم، وبين الحياة والموت، وأدركت بوضوح أن سبعة من الطلبة ماتوا، وأن عددًا أكبر أصيب بجراح، وأن عددًا آخر حُمل في العربات إلى السجن، وأن مصر ليست حرة، والقيود لا زالت باقية، وعيون الأطفال لا زالت بجوار البركة جائعة، وطوابير المرضى لا زالت واقفة في فناء المستشفى تبصق الدم، والنسوة بملابسهن السوداء لا زلن يبكين وينتحبن، وأبوها في الصالة لا زال قابعًا في كرسيه الأسيوطي، والشرطي على ناصية الشارع لا زال من وراء الكشك الخشبي يتشمم رائحة الدم.

سقط رأسها فوق صدرها كأنما نامت، ويبدو أنها نامت فعلًا؛ لأنها أفاقت على صوت سليم، وصوت سليم حين يناديها تبدو كل الأشياء كالحلم: بهية.

انتفضت من فوق الكرسي على صوت النداء، بهية، من دون الأسماء كلها يتعرف على اسمها، ومن دون الوجوه كلها يتعرف على وجهها، وبتلك الحركة الإرادية الوحيدة يتجه نحوها، وصوته المميز في أذنها: بهية، أنت متعبة، وملابسك عليها دم. نظرت إلى ملابسها، ورأت بقع الدم تلطخ صدرها وأكمامها، دم مجدي الذي تجمد في شرايينه منذ دقائق. وقال الطبيب فوزي: وأنت يا سليم قميصك كله دم. تعالوا معنا إلى بيت الأطباء، وهناك يمكن أن نزيل البقع.

كان بيت الأطباء في القصر العيني الجديد، فاجتازوا الكوبري الصغير الذي يفصل المستشفى القديم عن المستشفى الجديد. ومن بين قضبان الكوبري كان الماء يجري، وقارب صغير جلس فيه فتى وفتاة يجدفان ويضحكان ويلوحان لامرأة شقراء في شرفة قصر من قصور جاردن سيتي، وعلى باب المستشفى كان هناك الحشد المألوف، وعربات الكارو تحمل البرتقال، والوجوه الضامرة، وأجساد كالهياكل، ونساء يحملن أطفالًا لهم وجوه عجائز، وعجائز يسيرون بأجسام صغيرة كأجسام الأطفال، ونساء لهن ملامح رجال، ورجال لهم ملامح نساء، وعلى الأسفلت بصاق دموي، وبراز أطفال، وكلاب جرباء جائعة تنبش في القمامة المبعثرة هنا وهناك.

ودوَّى من خلفهم بوق سيارة حاد، ورأوا العربة السوداء الطويلة داخلها أربعة وجوه سمينة وثماني عيون جاحظة. وهمس سليم: البوليس.

وتقدم نحوها الرجل ذو الفم المدبب الممدود كفم الفأر قائلًا: تعالوا معي.

ولم يتحرك أحد منهم من مكانه، فأحاط بهم ثلاثة رجال وساروا أمامهم إلى عربة كبيرة كالصندوق، جوانبها الأربعة مغلقة ومظلمة من الداخل كالزنزانة المتحركة.

جاء مقعدها إلى جوار شق صغير في جدار العربة، كشق المفتاح في الباب، رأت من خلاله الشوارع المزدحمة بالناس، والعربات، والترام. كانت الشمس قد بدأت تغرب وأنوار الشوارع والبيوت والدكاكين بدأت تنتشر، ومعها تنتشر تلك الحركة المصاحبة لقدوم الليل وخروج الناس للتنزه والسهر، أو للعمل في وردية الليل أو لشراء حاجياتهم. عالم آخر تنظر إليه من خلال ثقب صغير في صندوق مغلق، كالعالم المسحور الذي كانت تراه وهي طفلة من خلال الثقب في صندوق الدنيا، أو جراب الحاوي.

وأصبحت حركة الشوارع والناس أمامها حركة غريبة، منفصلة تمامًا عن العالم الذي أصبحت فيه، والذي بدا لها لا يعرف شيئًا اسمه طعام أو شراب أو نوم أو بيوت أو آباء أو أمهات، أو دكاكين أو ناس تشتري، أو أطفال يولدون أو عجائز يمتن، أو شوارع يمشي فيها الناس، أو ترامات تسير فوق قضبان. وبدت لها حركة الناس وهم يسيرون حركة عبثية بلا معنًى، وخُيِّل إليها أن هؤلاء الناس ميتون أو أنهم يعيشون في عالم فاتر بغير حرارة وبغير نبض. عالم الناس أصبح ميتًا في نظرها، والحياة كلها أصبحت متجمعة متركزة في تلك العربة، أو ذلك الصندوق المغلق، أو بالتحديد ذلك المقعد الذي يشغله الجسم النحيل ومن فوقه الرأس والملامح المحددة المرهقة المحملة بالهموم، والعينَين العميقتَين بقدرتهما العجيبة على الرؤية والنفاذ إلى حقيقة الأشياء.

توقفت العربة، وانفتح باب الصندوق، وجاء عدد من الرجال ساروا من أمامهم ومن خلفهم، ودخلوا معهم إلى مبنى غريب، ووجدت نفسها في حجرة ضيقة خالية، وانغلق الباب عليها وحدها، وظلت عيناها ثابتتين فوق الباب الموصد لا تريان شيئًا إلا الباب. حاجز كبير مصمت من الخشب الداكن السميك، يحول بينها وبين سليم. يقف بينها وبين حياتها، يمنعها من الحركة، يشدها بعيدًا عن إرادتها كذراعَي أمها الكبيرتين حين كانتا تشدانها، وصوت أبيها حين ينهرها، وصوت الترام وهو يزحف فوق القضبان، وباب الكلية الحديدي والمشرحة بالمناضد الرخامية ومن فوقها أشلاء الجثث وسيقان الطلبة المعوجة وعيون الطالبات المنكسرة، وعينا الدكتور علوي الزرقاوان بنهمهما الخفي.

•••

بقبضة يدها القوية تضرب الباب الخشبي، وبقدمها اليمنى، واليسرى، تضرب الباب السميك المصمت، بكل جسدها تضربه، لكن جسدها يرتد عنه ويرتطم بالجدار ثم يرتد عن الجدار ويرتطم بالباب كالذي يضرب رأسه ليكسر الحائط، فيبقى الحائط وينكسر الرأس. لكن رأسها لا ينكسر، لا شيء فيها ينكسر. وجسدها الطويل يظل ممدودًا فوق الأرض، يشغل المساحة بين الجدار والباب، ومن تحته تنساب خيوط رفيعة من الدماء، من تحت أنفها وأذنَيها، ومن بين أصابع يدَيها وقدمَيها، ويفتح الشرطي الباب، أنفه يتشمم رائحة الدم، وعيناه تتلصصان، تصوب إليهما عينَيها السوداوين فيطرق إلى الأرض بحركة مستسلمة ككل رجال الشرطة، يقاومها بحركة أخرى متغطرسة وبشد عضلات ظهره وعنقه، وتجحظ عيناه كالمشنوق، والسوط يتدلى من بين أصابعه الغليظة المشققة كأصابع الجلاد.

كل شيء من حولها يبدو مألوفًا، كأنه حدث من قبل مرة أو مرتين، والألم في جسدها أحسته من قبل، وتلك البقع الحمراء فوق الأرض، بل هذا الشرطي رأته، والعينان، والأنف، والسوط، والجدار، والبقع الحمراء، والباب، وكل شيء يتكرر، وكأنما تستطيع أن تعرف ما الذي سيحدث في الغد، والورقة البيضاء تخفيها تحت البرش، كما كانت تخفيها عن عينَي أبيها، وحينما يختفي السجان تخرج الورقة، وتنظر في خطوطها المميزة، تعرف خطوطها كما تعرف ملامحها، وبتلك الحركة الإرادية القوية تحرك الفرشاة فوق الصفحة البيضاء، وكل الأشياء تتخذ شكلًا جديدًا، وألوانًا جديدة، أو بعبارة أخرى ألوانها الحقيقية. وتصبح عيناها قادرتَين على اكتشاف أن ورق الأشجار ليس أخضر، والسماء ليس لونها أزرق، والجدار ليس رماديًّا، بل إنه ليس مصمتًا أيضًا، بل هو شفاف كستارة من حرير، جسدها يخترقه بسهولة، وهي تشعر بقوة خارقة، حقيقية وليست وهمية، لها كثافة مادية ملموسة، تحسها بأصابعها متينة مرنة كالمطاط، لا تنكسر وإنما تنثني فحسب تحت الضغط الشديد، تدرك بها أن جسدها لا يمكن أن ينسحب من الحياة، ويظل قلبها يدق بتلك الضربات العالية كالقهقهات، ويصبح للأشياء ألوان زاهية، والبقع الحمراء فوق الأرض تصبح متوهجة وضَّاءة كقرص الشمس، والنجوم تسطع بضوء قوي كضوء القمر، واخضرار الشجر يصبح أزرق داكنًا، وكل ورقة لها خيوط ونسيج بارز كالأسنان المشرشرة، يحرِّكها الهواء بذبذبة غير مرئية كحركة الزمن، ويصبح الماضي كالحاضر كالمستقبل، والأمس كاليوم كالغد، يصبح الزمن بغير زمن، وهذه حقيقة رائعة لا يكتشفها الإنسان إلا في زنزانة السجن.

هذا الاكتشاف أو هذا الإدراك هو السبب الحقيقي وراء تلك النشوة العجيبة التي كانت تطل من عينَيها السوداوين، والتي كانت تجعل جسدها النازف يتراقص برشاقة نادرة، يداعب أسراب البق النشطة فوق البُرش. وهي مقدرة خارقة للعادة، لا يكتسبها الجسم إلا حين يتخلص من وعيه الإنساني المزيف ويصبح بوعيه الحقيقي.

حين أطل الحارس برأسه من الباب دهش، كانت بهية تفرد ذراعَيها وتتحسس بأصابعها عروقها النافرة المنتفخة، وحينما تحس دورة الدم في جسدها تضحك، فالإنسان منذ آلاف السنين يحاول عن طريق دورة الدم في جسده أن يعرف الكون، وتنظر بهية إلى الشرطي بعينَيها السوداوين، تدرك عن يقين أن الكون يدور مع دورة الدم في جسدها، وأن هذا الدوران بالذات هو ما يفزع رجال الشرطة، ويشل تفكيرهم، خاصة إذا كان الدوران شديدًا إلى حد أن يبدو السطح أملس ساكنًا كسطح الأرض، مع أن لونه أحمر وردي كلون الدم، ويمشي ببطء أشبه بالكبرباء في العروق الزرقاء تحت الجلد.

سألها الشرطي بصوته الحاد الأنثوي: أنت بهية شاهين.

أجابت على الفور ولا تزال تضحك وعيناها مرفوعتان إلى أعلى بشموخها العادي: لا.

حملق فيها الشرطي بعينَين جاحظتَين: أتكذبين؟

وضحكت وهي تطرقع أصابع يدَيها فصفعها على وجهها، فانساب الخيط الرفيع الأحمر من فمها وأنفها، لكن عينَيها السوداوين ظلتا مرفوعتَين إلى أعلى، وأنفها له ارتفاعة حادة تشق الكون أمامها نصفين، وحين سارت إلى جوار الشرطي بدت ساقاها في البنطلون الأسود طويلتَين، عضلاتهما مشدودة، وعظامهما مستقيمة، تدب بكل قدم على حدة فوق الأرض، وتفصل بين ساقَيها بثقة. وحين وصلت إلى الحجرة الفسيحة المزدحمة بالأجسام وقفت وقفتها المألوفة، اتكأت بقدمها اليمنى فوق الأرض، ورفعت قدمها اليسرى عالية في الهواء، ثم وضعتها فوق الحاجز الخشبي الذي بينها وبين ضابط يجلس من خلف مكتب صغير.

فتح الضابط دفترًا كبيرًا بحجم المكتب ورن صوته في الحجرة مناديًا: بهية شاهين.

أدركت أنه ينادي واحدة أخرى فلم ترد، لكنه نادى مرة ثانية بصوت عالٍ: بهية شاهين.

وتلفتت حولها تبحث في الوجوه عن واحدة اسمها بهية شاهين. لم تتعرف على وجهها بين وجوه النساء الواقفات والجالسات فوق الأرض، ورنت في الحجرة ضحكة أنثوية ممطوطة تبعتها ضحكات كركرت مصحوبة بطرقعات اللبان ومصمصات الشفاه، ورائحة عرق ونتانة امتزجت برائحة عطر نفاذ كصبغة اليود، ووجوه بعضها سمين مكتظ باللحم وبعضها ناحل ممصوص، الجلد فوق العظم، والكحل الأسود ساح من الحر حول العينين فأصبح كشنبر أسود لنظارة بيضاء، والجسد السمين المترهل يترجرج تحت الفستان الحريري الضيق، برجرجة البروزات والانبعاجات والأثداء والأرداف، والجسد الناحل كعود الذرة الجاف بغير الثديين ولا ردفين، والأقدام الأنثوية الصغيرة تطل من الشباشب المفتوحة بأظافرها الطويلة الحمراء وكعوبها المشققة المسودة بالطين.

وقالت واحدة من الضامرات: أين بهية شاهين؟

وردت واحدة من السمينات: أنا اسمي بهية الشربتلي.

– أهلًا وسهلًا يا أختي.

– أهلًا بك.

– متى يتوب علينا ربنا؟

– ربنا راضي عنا كل الرضا.

– والنبي يا أختي.

– طبعًا، نحن زين النساء.

– رددت الروح في جسدي يا أختي.

– لولانا لمات الأزواج الشرفاء، وانهارت البيوت المحترمة.

– ولكنهم يتأففون من رائحتنا.

– لأنها رائحتهم الحقيقية.

– ويضعوننا في السجن.

– لأننا نعرف شكل عوراتهم.

– ويخافون منَّا إلى حد الموت.

– ويرغبوننا إلى حد الموت.

ورنت الضحكات الممطوطة وطرقات الشباشب واللبان، وفاحت رائحة النتانة ذات العطر النفاذ، وخبَّط الضابط بيده فوق المكتب الكالح كمنضدة المطبخ وصاح غاضبًا: سكوت يا غجر! أليس عندكم حياء؟

وكركرت واحدة بضحكة طويلة: حياء إيه يا شاويش؟ أصحاب الحياء ماتوا.

وغمز لها الرجل بحاجبه قائلًا: صدقت والله.

ثم رمقها بعينَين متوعدتَين تلمعان بالشهوة.

انفرجت شفتا بهية عن ابتسامة سرعان ما تقلصت حين رأت أباها أمامها، وكأنما انشقت الأرض عنه. رمقها أبوها بنظرة حادة متوعدة، وأجاب على أسئلة الضابط، ووقَّع بإمضائه (على شكل شخبطة) على المحضر، ودفع غرامة عشرة جنيهات قبل أن يتسلم ابنته.

ركبت التاكسي، وجلست، عن يمينها جلس أبوها، وعن يسارها عمها. وانغلقت أبواب العربة وانطلقت بها، كالمقبوض عليها بسلطة أخرى تشبه سلطة البوليس، وأبوها من ناحية وعمها من الناحية الأخرى كرجلَي الشرطة، ووجهاهما من جانب جامدان صامتان، وعيناهما شاخصة إلى الأمام، لا يلتفتان ناحيتها، تمامًا كشرطيين غريبين عنها، يسوقانها إلى المقصلة أو إلى الزنزانة.

اجتمع رجال العائلة الكبيرة، وجلسوا حول المائدة يلتهمون الفراخ المحشية، وبعد الغداء جلسوا في الصالة يدخنون، ويسلكون أسنانهم من اللحم بأعواد الخلة وقد ارتفع بطن الواحد منهم فوق فخذَيه كالمرأة الحامل، وملأت أليتاه السمينتان المترهلتان المقعد الأسيوطي الكبير. ويتجشأ الواحد منهم بصوت عالٍ، ثم يتنحنح ويقول بصوت خشن رزين (ليس هو صوته الحقيقي): أنا رأيي أن نخرجها من الجامعة، الجامعة مفسدة لأخلاق البنات.

ويرد الآخر: أنا رأيي أن نزوِّجها بأسرع ما يمكن، فالزواج هو الحصن المنيع لأخلاق البنت.

ورد الآخر: أنا رأيي أن نفعل الاثنين معًا، بعبارة أخرى نخرجها ونزوجها، والعريس موجود.

•••

إنها في قبضة القدر، والأصابع التي تقبض عليها حديدية كالقضبان لا ترتخي والمسافة بين القضيب والقضيب لا تكفي لأن تخرج رأسها. القدر هو أبوها. يملكها كما يملك ملابسه الداخلية. يعلِّمها أو لا يعلِّمها فهو الذي يدفع مصاريف الكلية. يزوِّجها أو لا يزوِّجها فهو الوكيل عنها مع أنها لم توكله.

المؤامرة أصبحت تحاك ضدها، بتكتم وسرية، تسمع الهمس، وترى النظرات في العيون، وتدرك الخطر القريب وتفكر في وسيلة للنجاة.

وفي منتصف الليل حين تسمع شخير أبيها تتسلل من فراشها وترتدي ملابس الخروج، وتجلس على حافة السرير تفكر إلى أين تذهب، في مثل هذا الوقت، إلى أين يمكن أن تذهب فتاة مثلها في الثامنة عشرة؟

لم تكن تحس أنها فتاة، أو أنها في الثامنة عشرة. هذه السن في ذلك الوقت كانت تسمى سن المراهقة، والمراهقة كلمة مشبوهة مريبة، ما إن ترن في الجو حتى يرتعد الآباء والأمهات برغبة جنسية مكبوتة، يرفقونها بتكشيرة حادة، ويلوحون لأبنائهم وبناتهم بأصابع مهددة، فترمقهم عيون الناس بنظرات الريبة، أما الآباء والأمهات فينساقون وراء غرائزهم دون أن يرتاب فيهم أحد.

كانت تدرك أنهم لن يفسروا هروبها من البيت إلا تفسيرًا جنسيًّا، مع أنها في ذلك الوقت لم تكن لها رغبة جنسية، (علاقتها بسليم كانت شيئًا آخر). منذ ذلك اليوم الذي ضربتها أمها على يدها (كانت في الثالثة من العمر) وهي تشعر بالغثيان إذا ما رأت أعضاء ولد أو بنت، وحين تلمح أعضاءها في الحمام صدفة تبعد عينَيها بسرعة، بمعنى آخر لم تكن تدرك أنها أنثى، وسليم في نظرها لم يكن ذكرًا. كانت ترى في عينَيه صورة نفسها الحقيقية، وحركتها إليه تؤكد حريتها وإرادتها، وحين تكون معه تضيع رغبتها في الطعام، وتضيع شهوتها الجنسية، وتصبح إنسانًا جديدًا بغير غرائز وبغير تلك الشهوات المعروفة، وإنما هي شهوة جديدة عارمة بغير اسم. شهوة إلى أن يكون الإنسان نفسه الحقيقية، أن يدوس بإرادته على الإرادات الأخرى، ويمزق شهادة ميلاده، ويغيِّر اسمه، ويغيِّر أباه وأمه، ويضع أصبعه في عيون كل الذين خدعوه وكذبوا عليه، ولا يستثني من ذلك عينَيه فيخرقهما ويصنع لنفسه عينَين جديدتَين.

كانت تعرف أن عينَيها تكذبان وتخفيان رغبتها الجنسية، لكنها لم تكن تخفيها بإرادتها. كانت تتقلص وحدها رغم أنفها، وتحس بها وهي تنسحب منها، كالروح تنسحب وحدها من الجسد. وفي بعض اللحظات، حين كانت تحس حاجتها إليها، وتحاول أن تستحضرها «كما تستحضر الأرواح» فلا تحضر، وتظل بعيدة عنها، كالروح الهائمة محلقة فوق رأسها، ولا تستقر أبدًا في جسدها، لا زال صراخ أختها فوزية في أذنَيها، وبركة الدم من تحتها حمراء قانية، وفي كل يوم تنتظر دورها، والباب يفتح وتدخل أم محمد بالموسى الحادة لتقطع ذلك الشيء الصغير بين فخذَيها. لكن أم محمد ماتت وانتقل أبوها إلى القاهرة وظل الشيء الصغير في جسدها.

أحيانًا كانت تخاف منه، وتظن أنه شيء ضار وُجِد خطأً أو نُسِي في جسدها. وتود لو صحت أم محمد من قبرها وجاءت بموساها، لكن صورة أختها فوزية تتراءى أمامها، وهي تمشي إلى دورة المياه تعرج وتتأوه، وبعد أن التأم الجرح لم تعد تجري كما كانت، وخطواتها أصبحت بطيئة، وساقاها حين تمشي تظلان ملتصقتَين لا تكاد الساق تنفصل عن الساق.

وأصبحت تكره اليوم الذي تستحم فيه، وحين تخلع ملابسها تصوِّب نحو أعضائها نظرة كراهية، بل إنها كرهت الله لأنه هو الذي خلقها، وكانت قد سمعت من أبيها مرة أن الله هو الذي خلق أجسامنا وأعضاءنا، وذات يوم قالت لأمها إنها تكره الله فشهقت أمها وضربتها على وجهها قائلة: كيف تقولين هذا؟

وردت وهي تبكي: لأنه يخلق أشياء سيئة.

فضربتها مرة أخرى وهي تقول: إن الله لا يخلق إلا الأشياء الجميلة.

فقالت وهي تمسح دموعها: فمن إذن الذي خلق تلك الأعضاء السيئة؟!

وحملقت أمها في وجهها بعينَين متسعتين ولم تَرُد، وسمعتها في تلك الليلة تهمس في أذن أبيها: هذه البنت غير طبيعية!

لم تكن تعرف بعدُ ما هو الطبيعي، وتصورت أن الرغبة الجنسية غير طبيعية، فأصبحت تتقزز حين تلمح أعضاء الرجال بارزة من تحت سراويلهم، وتشعر برغبة في القيء حين يدس الواحد منهم كوعه في صدرها وهي واقفة في الترام. كانت تكرههم، وتكره سراويلهم، وأعضاءهم القبيحة البارزة، وعيونهم المدببة النهمة، ورائحتهم التي يختلط فيها البصل بالتبغ، وشواربهم الكثة التي تبدو فوق شفاههم كالحشرات السوداء الميتة.

كانت تعرف أن أباها رجل فأصبحت كراهيتها له مزدوجة، وحين ينقطع شخيره في الليل لحظة تتخيل أنه مات، ولم تكن تحب أمها أيضًا، ولا النساء ولا أثوابهن المفتوحة عند الصدر، تكشف عن نهدين منتفخين برغبة مكبوتة، وعيونهن المكحلة كالجواري تتأجج بالشبق، لكن سيقانهن السمينة الملتصقة وعيونهن المتكسرة تفضح برودهن الجنسي إلى الأبد.

ومع ذلك كانوا يسمونها مراهقة، وحين كانت تقف في الشرفة لتستمتع بأشعة الشمس يتصور أبوها أنها تطل على الجار الأصلع، وحين تتأخر، أو تشرد، أو ترسم، أو تفكر، أو تستحم، أو تنظر في المرآة، فالسبب واحد، وهو الرجل. وقد أدركت من بعد أن رءوس الآباء والأمهات لا يشغلها إلا الجنس؛ ولهذا يتصورون أن أبناءهم وبناتهم على شاكلتهم.

في حفل عائلي كبير طرقعت فيه الصاجات، وترجرجت أجساد الراقصات، وجحظت عيون الرجال بالشهوة، وامتلأت البطون بالطعام والشراب، باعوها لرجل من الرجال مقابل ثلاثمائة جنيه. وسط الزهور والأنوار كان وجهها يطل على العالم شاحبًا، وأمها تزغرد بذلك الصوت الحاد الذي يتقطع قرب النهاية كالنشيج المكتوم. وأبوها يسير مختالًا بالبدلة الجديدة يتحسس من حين إلى حين الجيب الداخلي، حيث ترقد المحفظة المنتفخة بالمهر، والأطفال يجرون ويلعبون لكن عيونهم ترمق العروس فيتحسسون أعضاءهم من تحت ملابسهم في وجل وخوف، والرجال بسراويلهم وسيقانهم المعوجة يروحون ويجيئون مختالين بذكورة مترهلة نهمة كالمعدة المريضة، والنساء بفساتينهن اللامعة وعيونهن المنحلة من فوقها سحابة تخفي ذكرى زفاف أليم.

الفستان الحريري الأبيض، ضيق عند الصدر يخنق ثديَيها، ويلتف عند الردفين وحول ساقَيها عدة لفات وثنيات كالكفن، ويجرجر على الأرض في ذيل طويل، تتعثر فيه قدماها المتأرجحتان فوق كعب عالٍ رفيع، تسير نحو «الكوشة» المحاطة بباقات الورد كقبر الجندي المجهول، ودقات الطبول في أذنَيها بطيئة ثقيلة كدقات اللحن الجنائزي، ويدها الصغيرة الباردة في يد «العريس» الكبيرة أصابعه الغريبة حول أصابعها تلتف كأصبع القدر، وساقاها من تحت لفائف الكفن تتحركان ببطء كأنما تسير نحو كارثة مجهولة، وعيناها السوداوان مفتوحان شاخصتان إلى الأمام، ثابتتان في الفضاء على لا شيء.

كالصفعة القوية الحادة سمعت الباب وهو يغلق، والأصوات كلها انقطعت، والصور، ووجدت نفسها تجلس داخل عربة كعربات البوليس، عن يمينها رجل «أبوها» وعن يسارها رجل «العريس»، وجهاهما من الجانب مشدودان، وعضلاتهما مشدودة، وعيناهما شاخصة إلى الأمام تراقبها خلسة كعيون رجال البوليس.

وعند باب الشقة الجديدة تسلم العريس الوديعة من الأب، وانتقلت ملكية بهية شاهين من محمد شاهين إلى محمد ياسين. لكن أحدًا من الرجلين لم يكن يدرك بعد أنها ليست بهية شاهين، وبالتالي لا يمكن أن تصبح بهية ياسين.

هي الوحيدة التي كانت تعرف، وحين انغلق الباب عليهما رفعت عينَيها السوداوين المقتحمتين ورأت الشارب الأسود تعلوه نقطة بيضاء بلون المخاط، وشعر الصدر الكث الأسود تتخلله حبات عرق، وغابة الشعر أسفل بطنه، وتلك القفزة فوق السرير كقفزة قرد، ضحكت بصوت عالٍ، فاتسعت عيناه في دهشة. سارت بخطوات بطيئة نحو الدولاب وفتحته فاندهشت هي الأخرى. قمصان النوم العارية من الصدر والظهر والبطن، والملابس الداخلية ذات الكرانيش والمخرمات والدنتلا، وزجاجات عطر، وعلب مساحيق بيضاء، وخضراء، وحمراء، وفرش للرموش وشباشب منبعجة إلى أعلى ومن فوقها وردة حمراء، وفوط حمام، وصابون تواليت، وبودرة إزالة الشعر، ومعجون إزالة الرائحة، وزيوت دهان وتدليك.

أدوات المرأة في حياتها الزوجية، كلها أدوات جنسية. تنتقل الفتاة من بيت أبيها إلى بيت زوجها فتتحول بقدرة قادر من مخلوق لا جنسي «بغير أعضاء جنسية» إلى مخلوق جنسي ينام ويصحو ويأكل ويشرب الجنس. يظنون ببلاهة غريبة أن الأعضاء التي بترت بالموسى يمكن أن تعود، أو أن الرغبة التي ذُبحت وماتت وشبعت موتًا يمكن أن تصحو.

ابتسم لنفسه في زهو، وأدرك أن تمنُّع الفتاة العذراء الجاهلة بالرجل. فاستمد من جهلها ثقته بنفسه فسار أمامها عاريًا يتبختر مستعرضًا رجولته. ضحكت مرة أخرى، فاشتعل الدم في عروقه بعدوانية الذكر، وانقض عليها كالوحش المفترس. رفسته بقدمها في بطنه فسقط على الأرض. فرك عينَيه في دهشة وعدم تصديق، هذه القدم القوية لا يمكن أن تكون قدم أنثى، قدم الأنثى كما عهدها «من تجاربه مع المومسات» قدم صغيرة لينة، يستطيع أن يلويها بيد واحدة. أما هذه القدم فصلبة قوية كالقذيفة.

قال لنفسه الزوجة غير المومس، وأدرك أن تمنُّع العذراء يزيد ويشتد بمقدار طهارتها وجهلها بالرجل. تضاعف زهوه وتأكد أنه الغازي الأول، واطمأن إلى أنها لن تكتشف ضعفه فانقض عليها بوحشية أشد، فرفسته بقوة أشد.

بعقل الأزواج البطيء بدأ يدرك أنها ترفضه، فاتسعت عيناه في ذعر وصاح بصوت غاضب: كيف ترفضين؟

ردت بغضب أشد: لست مومسًا.

قال بصوت المالك: أنت زوجتي.

سألت بدهشة: من قال لك هذا؟

– أبوك وأنا والمأذون.

صاحت بغضب: أحط صفقة في التاريخ!

صفعها على وجهها فضحكت. أدركت أن الناس يغضبون حين نشد الغطاء عن عوراتهم. كان عاريًا، وعورته سوداء قبيحة، رمقتها بنظرة متقززة.

أخفى نصفه الأسفل تحت الملاءة في خجل، كخجل العذراوات ليلة الزفاف «بسبب فقدان الثقة في النفس»، لكنه تذكر أنه رجل، والرجل لا يخجل، فشد عنه الملاءة ونظر إليها، فلم تهتز عيناها السوداوان المرفوعتان إلى أعلى.

صاح بغضب: أنت لست أنثى!

الاتهام التقليدي، يلقي به الرجل في وجه المرأة، يظن أن الأرض من تحتها تهتز، وأن شيئًا لا يبقى لديها، فماذا يبقى للمرأة «في رأيهم» إذا لم تكن تقدس عورة الرجل؟

هزت كتفَيها بحركة لا مبالية وقالت: من قال لك إنني أنثى؟

قال بغضب: أبوك خدعني إذن.

ضحكت: عليك أن تسترد منه الثمن.

قال: إنه نصاب!

قالت: كان عليك أن تفحص البقرة قبل شرائها!

كالباحثة عن الفضيحة، فالفضيحة وحدها هي التي تنقذها، هي التي تجعل الجميع يلفظونها، وهي تريد أن تُلفَظ، أن تصبح بغير أب وبغير أم وبغير أسرة تظللها أو تحميها، فالحماية إنما هي الخطر ذاته. إنه الاعتداء على حقيقتها، واغتصاب إرادتها ووجودها.

ظلت جالسة في مقعدها، ورأته يشد الملاءة فوقه وينام، وارتفع شخيره بعد فترة، فأدركت أن شخير الأزواج كشخير الآباء، وتسللت على أطراف أصابعها إلى الشارع، وحينما رأت خيوط الفجر الأحمر في الأفق، تذكرت أن هذا الصباح هو «الصبيحة»، وأن الفضيحة تنتظر أسرتها، وأن أباها سيقبل، يتشمم رائحة الدم، وتفتش أمها ملاءة السرير وقميص النوم، وينتشر أفراد الأسرة في بيت العرس يبحثون بلا جدوى عن شرفهم غير الموجود.

•••

بقدمَين ثابتَتين سارت في الشارع ترتدي بلوزتها البيضاء وبنطلونها الأسود، تدب بقدمها على الأرض بقوة، وتفصل بين ساقَيها بثقة، خطواتها واسعة سريعة كخطوات الشاب الرياضي، وحذاؤها منخفض بغير كعب، وشعرها الأسود القصير متناثر فوق أذنَيها وعنقها من الخلف، وعيناها السوداوان شديدتا السواد ومرفوعتان إلى أعلى، وأنفها المرتفع الحاد يشق الكون بغير رفق ولا تردد، وشفتاها مزمومتان في إصرار كالغضب أو غضب كالإصرار. حين بلغت شارع القصر العيني أدركت أنها تعرف هدفها.

لمحت إحدى زميلاتها تهبط من الترام فتراجعت واختفت وراء الجدار، راقبت جموع الطلبة والطالبات وهم يهبطون من الترام أو الأتوبيس ويسيرون نحو الكلية. حين هدأ الشارع وابتلعت الكلية الطلبة والطالبات خرجت من وراء الجدار وسارت حول سور الكلية، تنظر من خلال القضبان الحديدية إلى باب المشرحة، والباب المجاور لا تزال تعلوه اللوحة البيضاء تحمل اسمها، ورءوس الطلبة والطالبات تتحرك من وراء نوافذ المدرجات والمشرحة.

– بهية شاهين!

رن الصوت من خلفها فانتفضت. رأت أمامها وجه أحد زملائها. تذكرت اسمه. كان هو رءوف قدري.

سألها: كيف حال الكلية؟

قالت: لم أعد بالكلية.

سأل: أأنتِ أيضًا فصلوك؟

سألت: وهل فُصل أحد؟

قال: فُصل أربعة وأنا خامسهم.

قالت: وأنا فُصلت، ولكن بسلطة أخرى.

ضحكت: تعددت السلطات والفصل واحد.

سألت: والدكتور فوزي؟

قال: كما هو في المستشفى.

اجتازت الكوبري الصغير بين المستشفى القديم والجديد، رأت من خلال قضبان الكوبري القارب المزركش والفتى والفتاة يجدفان ويلوحان للمرأة الواقفة في شرفة القصر، مرت من جوارها سيارة سوداء طويلة كسيارات البوليس، تبعتها سيارة إسعاف، شقت ببوقها الحاد الزحام الواقف أمام باب المستشفى، وطوابير من رجال بوجوه شاحبة، ونساء بجلاليب سوداء، وأطفال بعيون جاحظة، وتجار البرتقال بعرباتهم الكارو، وقطط وكلاب تجري هنا وهناك بين أكوام القمامة.

دخلت فناء المستشفى الجديد الواسع، اصطفت فيه عربات أساتذة الكلية والأطباء، كالسفن الطويلة الراسية في الميناء، أو الطيارات القابعة فوق أرض المطار، ظهرها المقوس يلمع تحت أشعة الشمس كالفولاذ، ورأسها مدبب حاد كبوز المدفع، ومؤخرتها طويلة ناعمة كذيل ثعبان، داست بقدمها بقوة فوق الأرض، كأنما تدوس على كل الذيول الناعمة، وكل الرءوس المدببة الحادة، وكل الأساتذة والأطباء بسياراتهم اللامعة الطويلة، وبطونهم البارزة من الأمام، وأردافهم المترهلة من الخلف، ومقاعدهم الجلدية الوثيرة، وأسمائهم المعلقة فوق اليفط في الشوارع والميادين، والشهادات التي رشقوها بالدبابيس فوق ظهورهم، ورائحة الدم وعرق المرضى تفوح من الأوراق المالية المكومة في جيوبهم المنتفخة.

اتجهت نحو العيادة الخارجية، ولمحت رأس الدكتور فوزي يطل من وراء طابور الأجساد الضامرة كالهياكل، يتساند الجسد فوق الجسد، وبمشقة تنتصب الساقان الرفيعتان المعوجتان، وبمشقة أشد ينتصب الرأس فوق العنق، والعيون غائرة والأفواه مفتوحة تلهث، والرائحة العفنة كرائحة الجسد الميت.

شقت طريقها وسط الأجساد لتصل إلى الدكتور فوزي. إن كلمة شقت هنا غير صحيحة، إذ الحقيقة أنها لم تكن تلمس الجسد منهم حتى يترنح، أو يستند إلى الجدار، أو يتهاوى على الجسد الآخر، والعيون الصفراء تلتفت نحوها بصعوبة، وتتطلع إليها كأنما من وراء سحابة، أو من عالم آخر، وبذهول كذهول الغيبوبة يدركون أنهم واقفون في الطابور.

رأت الدكتور فوزي جالسًا عند رأس الطابور، السماعة المعدنية حول رقبته كحبل المشنقة، والقلم في يده يجري فوق الورق بأسماء الأمزجة «رواند وصودا أو حديد وزرنيخ»، والعرق الغزير يتصبب من جبهته، وصوته يرن بين الأنفاس اللاهثة والحشرجات والسعال، خذ نفس! اكتم نفسك! قول آه! قول واحد اثنين ثلاثة أربعة! مد إيدك! مد رجلك! شد حيلك!

رآها الدكتور فوزي وهي واقفة، فترك مقعده واتجه نحوها باسمًا: أهلًا بهية، كنت أريد أن أتصل بك لأطمئن عليك، لكني لم أعرف عنوانك. هل أنت بخير؟

قالت بصوت هادئ: لا.

التقت عيناهما في لحظة صمت طويلة.

ثم سألته: ما أخبار سليم؟

قال: نقلوه من سجن مصر إلى سجن طرة.

سألت: والزيارة؟

قال: ممنوعة حتى بالنسبة لأمه.

قالت: سمعت أنهم أفرجوا عن بعض الطلبة.

قال: ربما، ولكن أمثال سليم لن يخرجوا الآن.

سألت: ومتى يخرجون؟

قال: لا أحد يعرف، وقد يمتد بهم الحال سنين.

صاحت: سنين؟!

قال بحزن: سنين طويلة لا يعرف عددها أحد.

صافحته بأصابع مرتعدة وجرت إلى الشارع. رأت الناس سائرين إلى أعمالهم أو إلى بيوتهم كأي يوم عادي كأن شيئًا لم يحدث، كأن شيئًا خطيرًا لم يحدث. مع أن أخطر شيء حدث، أخطر شيء ويمكن أن يحدث حدث، ولا أحد يدري، ولا أحد يهتم، وسارت كالتائهة في الشارع، وحين وصلت إلى سور الكلية رأت من خلال النوافذ رءوس الطلبة والطالبات وهم منكفئون فوق الجثث. كما كانت تراهم في أي يوم عادي، وكأن شيئًا لم يحدث. ضغطت على أسنانها في غيظ، وخبطت الأرض بقدمَيها، ما أقبح الحياة العادية بعد الحادث الجلل، ما أفظع استمرار الحياة اللامبالي، والسماء تبقى معلقة فوق، والأرض تظل ممدودة تحت، والسحب تتحرك حركتها العادية المحايدة، والناس يسيرون في الشوارع سيرهم اليومي اللامبالي. لماذا لا يتوقف هذا العبث؟ خبطت الأرض بقدمها مرة أخرى. لماذا لا تكف هذه الحركة اللامبالية عن الدوران الساحق؟ لماذا لا يتوقف الناس لحظة، ويرفعون رءوسهم ويرون السلاسل الحديدية الملتفة حول أعناقهم؟

بهية!

سمعت الصوت من خلفها فانتفضت. ورأت وجهًا يطل من سيارة طويلة سوداء كسيارات البوليس. تذكرته على الفور. إنه الدكتور علوي. هبط من العربة بسرعة واتجه نحوها. سألها بلهفة: بهية! أين أنت كل هذه المدة؟

سكتت ولم ترد. شدها من يدها نحو العربة: تعالي معي، أريد أن أتحدث معك.

كان الوقت ظهرًا، والشمس قوية تدخل من نافذة العربة تحسها فوق ذراعها ساخنة، وقالت لنفسها: «سنين طويلة لا يعرف عددها أحد.» ورفعت عينَيها نحو السماء بنظرة شاردة تائهة في خضم بلا حدود. هذا الزمن غير المحدد، غير المعروف، كعمرنا، حين نجهل اليوم الذي نموت فيه، ونظن بطريقة ساذجة أنه لن يأتي أبدًا، أو نحس بسذاجة أشد أنه آتٍ في كل لحظة وفي كل وقت. هذه المأساة غير المحدودة، اللانهائية، نعيشها، ونحملها فوق أجسادنا كالعبء الأبدي.

لو قال لها إنه سيخرج بعد خمس سنوات أو عشر أو عشرين ربما خفت المأساة. ربما استطاعت أن تحتمل. فالانتظار محتمل طالما أنه موقوت، ندرك نهايته ونعرفها، ونستطيع أن نحددها بسن القلم. ولكن أن نعيش في قبضة خطين متوازيين لا يلتقيان، أن نصبح داخل فكين لا ندري متى ينقبضان، فهذه هي مأساتنا، وسر الحزن العميق في أفراحنا، وسر المرح اللامبالي في أحزاننا، نعرف أننا نخدع أنفسنا، وأننا في قبضة إرادة أخرى غير إرادتنا، وأنها ستفتك بنا لا شك في لحظة قادمة لا نعرف متى.

أحست والعربة منطلقة بأقصى سرعتها أنها في قبضة القدر، وأن انحرافة واحدة من السيارة تجعلها جثة مهشمة في قاع النيل. والتفتت ناحيته. وأدركت أنها ليست في قبضة القدر، وإنما في قبضة هاتين اليدين الكبيرتين اللتين تقبضان على عجلة القيادة. إن حركة واحدة من هاتين اليدين كافية لأن تسحقها العربة.

اجتاحها إحساس غريب باللامبالاة، وانحرفت السيارة فجأة وكادت تصطدم بعربة أخرى فلم تهتز. اللامبالاة الحقيقية حين يدرك الإنسان عبث حياته اللإرادية، وعبث موته غير الموقوت، وعبث ربطه بالسلاسل إلى أجل غير محدد. اللامبالاة الحقيقية حين يتأكد الإنسان من موته في أي لحظة فلماذا لا تكون هذه اللحظة وليست غيرها؟

وسمعت صوت الدكتور علوي يقول: أود أن أتناول غدائي معك اليوم، فهل توافقين؟

قالها بأدب شديد وتردد شديد فدهشت. لو قال لها في تلك اللحظة: «أود أن ألقي بك في قاع النيل فهل توافقين؟» لقالت له أوافق. لكنه يدعوها للغداء فحسب. وبدت لها الدعوة للغداء إلى جوار الدعوة للموت تافهة، فقالت بصوت فاتر: أوافق.

انطلق بالسيارة في طريق طويل تظلله الأشجار. لم تكن تعرف من القاهرة إلا أجزاء قليلة، وأحست أنها في مكان لم ترَه من قبل، لكنها لم تسأل. وظلت صامتة، تاركة نفسها لذلك الشعور المريح من اللامبالاة، وسمعته يقول: لماذا تركت الكلية؟

ردت بصوت ساخر: زوجوني.

ضحك ومد يده وأمسك يدها: أهي نكتة؟

قالت: ليست نكتة، إنها الحقيقة.

اتسعت عيناه في دهشة مصطنعة: وماذا فعلت به؟

قالت بهدوء: هربت.

ضحك مرة أخرى: ستُطلَبين في بيت الطاعة.

ضحكت وحركت وجهها ناحية الشمس. رأى عينَيها السوداوين مرفوعتَين، وأنفها مرتفعًا حادًّا، وشفتَيها مزمومتَين. سألها: وكيف ستعيشين؟

هزت شعرها القصير المتناثر وقالت: سأعمل وأعيش.

قال: سيبحثون عنك في كل مكان.

قالت بثقة: لن يجدوني.

قال: الاختفاء في بلد كالقاهرة صعب، ثم إن عيونهم كثيرة، وكل السلطات ضدك.

رمقت الشارع بنظرة حذرة، والتفتت ناحيته بعينَين فاحصتَين، وقالت: وأنت أيضًا ضدي، أليس كذلك؟

ابتسم وقال: كان من الممكن أن أكون ضدك، لكنني أحبك.

رنت الكلمة في أذنها غريبة «أحبك»، انفرجت شفتاها لتسأل: «ماذا تعني؟» لكنها أطبقت شفتَيها في صمت وتوقفت السيارة أمام بيت صغير من حوله حديقة. أخرج المفتاح من جيبه وفتح الباب. وجدت نفسها في صالة كبيرة جدرانها مغطاة بالورق الملون، والستائر وردية، والمدفأة فوقها تمثال لامرأة زنجية عارية، ولوحة فوق الجدار لامرأة راقدة عارية. تلفتت حولها في دهشة. ابتسم قائلًا: أشقى طول النهار في الكلية والمستشفى والعيادة من أجل لحظات سعيدة في مخبئي هذا.

خلع الجاكتة ففاحت رائحة الأوراق المالية من الجيب الداخلي، كرائحة المستشفى: مزيج من العرق والأنفاس اللاهثة المريضة. حركت رأسها الناحية الأخرى، فناولها كأسًا وهو يقول: هذا نبيذ مصري يسمونه «عمر الخيام». إنه أحسن نبيذ في العالم. ما رأيك؟

ردت بصوت فاتر: لا أعرف، فأنا لم أذق لا النبيذ المصري ولا غير المصري.

نظر في عينَيها السوداوين الحزينتين ثم قال: لي فلسفة خاصة في الحياة، وهي أن أعيش الحياة يومًا بيوم، لا أفكر في الأمس، ولا في الغد. وعليكِ منذ الآن أن تفعلي مثلي.

قالت بهدوء: لي فلسفة أخرى.

ضحك بصوت عالٍ: المرأة الجميلة لا تحتاج إلى فلسفة.

لم تضحك. مد يده وأمسك يدها ولثمها: بهية، أنا أحبك، ألا تعرفين معنى الحب؟

ردت بصوت واضح: لا.

حوطها بذراعَيه وضغط بصدره على صدرها، وأحست دقات قلبه سريعة، وبيده اليسرى أمسك يديها الاثنتين، وباليد اليمنى بدأ يفك أزرار ثوبها. دفعته بقدمها القوية فسقط على الأرض. نهض وهو يحملق فيها بدهشة. كانت دهشتها أشد. جلس على مقعد بجوار المدفأة وأطرق لحظة ثم قال: يبدو أنني أخطأت. كنت أظن أنك تحبينني.

ردت بدهشة: من أين أتاك هذا الظن؟

قال بلهجة الأستاذ: أنا أفهم المرأة.

سألت: وبأي عقل تفهمها؟

فأشار بإصبعه نحو رأسه وقال باسمًا: الرجل له عقل واحد في رأسه. ألم أعلمك ذلك في المشرحة؟

ردت بصوت ساخر: المشرحة شيء والحقيقة شيء آخر.

قال: ما هي الحقيقة؟

قالت: عقل الرجل ليس في رأسه.

سألها: وأين يكون؟

ردت بجرأة: بين ساقَيه!

فارتدى الجاكتة وهو يقول: أنت فتاة غير طبيعية.

قالت وهي تبتسم: وأنت رجل عادي.

•••

دبت بقدمها على الأرض بزهو «فتاة غير طبيعية»، ومن هي الفتاة الطبيعية في نظرهم؟ التي تنظر بعينَين منكسرتَين، التي تمشي بساقَين ملتصقتَين، المطيعة الخاضعة، المبتورة الأعضاء الجنسية، المنقوعة في الدهانات والمساحيق الفواحة بالعطر، المشبعة ليل نهار بتأوهات الأغاني وأفلام الجنس، الحافظة عن ظهر قلب قصص الغرام والعشق، والعاجزة عن أن تخوض تجربة واحدة، العفيفة الطاهرة العذراء والمنشغلة طول عمرها بنتف شعرها وإغراء الذكر.

سارت بخطواتها الواسعة السريعة، تتلفت يمينًا ويسارًا، تتفحص وجوه الناس. كان الشارع مزدحمًا بهم، ووجوههم كلها متشابهة، وحركاتهم متشابهة، وأصواتهم متشابهة، وعيونهم حين تنظر إليها لا تراها، وأحست أنها تغرق في بحر دون أن يراها أحد، ودون أن يميزها أحد، وأن وجهها أصبح كوجه علية أو زكية أو نجية أو إيفون.

جرت بغير وعي نحو شارع المقطم، عيناها تبحثان في الأرض والشجر والسماء عن العينَين القادرتين على رؤيتها، عن الوجه النحيل والملامح المرهقة المحملة بهموم البشر، نادت بصوت عالٍ: «سليم!» لكن الجبل ابتلع الصوت والصدى. ورددت مرة أخرى بصوت عالٍ: «سليم!» لم يرد عليها أحد، لكنها لم تستدر لتعود. كانت تدرك أنه موجود، كالسماء والهواء والشمس والقمر والأفلاك. ظاهرة من ظواهر الكون. تتنفسه في كل وقت، وتحس ملمسه فوق جسدها وهي سائرة أو جالسة أو نائمة، وحين تحملق في السماء ترى في زرقتها عينَيه، وفي كل قوس مرفوع حاد ترى أنفه، وفي كل خطوة تدب بها على الأرض تسمع وقع قدمَيه. وكادت تستدير خلفها لتراه، لكنها لم تستدر. كانت تعرف أنه غير موجود، وأن السماء خالية منه، والأرض فارغة من البشر، والكون أجوف كالصندوق الفارغ، أفرغت منه الهواء مضخة خرافية.

بهية! رن صوته من خلفها فانتفضت. لم تجد أحدًا شدت قامتها بقوة. في هذه الحركة القوية أدركت أنها ستذهب إليه، وأنها ستفني حياتها من أجل الذهاب إليه، وأن شيئًا لن يحول بينها وبينه، لا الموت ولا طلقات الرصاص ولا الدم ينزف، ولا المشرط الحاد يقطع اللحم، ولا الباب الحديدي العالي ولا القفل.

سارت بخطوات سريعة واسعة كأنما تعرف هدفها، لكنها توقفت بعد لحظات. لم تعرف إلى أين هي ذاهبة. وحينما تلفتت حولها لمحت رأس أبيها من وراء زجاج نافذة تاكسي، وإلى جواره لمحت عمها، ورأس ثالث غريب برز أمامها من خلال ضباب كثيف فتذكرت ليلة زفافها. اختفت وراء جدار وهي تلهث. فمرق التاكسي بالرءوس الثلاثة في بحر العربات وابتلعه الخضم. خرجت من وراء الجدار وسارت في الشارع بساقَيها القويتين المشدودتين، ووقع قدمَيها في أذنَيها تعرفه، القدم وراء القدم، تدب بهما على الأرض، تتحدى الأرض، ترفع قدمًا إلى أعلى ثم تهوي على الأرض، كأنها ستخرق الأرض، وتتحدى العالم كله من حولها، من يقترب منها تستطيع أن تقذفه بقدمها، ومن يلمسها أو يحرك الهواء من حولها تستطيع أن تدب أصابعها في عينَيه، ومن يقف في طريقها تستطيع أن تشق بطنه بمشرطها وتقتله. أجل تقتله. كانت قادرة في تلك اللحظة على اقتراف أي جريمة قتل، بل إن شيئًا لم يكن يخمد النار المتأججة في نفسها إلا جريمة قتل.

•••

الساعة الثالثة صباحًا، تلك الساعة التي تسبق ظهور أول خيوط الفجر، والظلام يخيم على الحواري الطينية الضيقة، والبيوت القديمة المتلاصقة المتساندة بعضها فوق بعض كهياكل الأجساد المريضة، وأنفاس حي الدراسة المزدحم في الحجرات الضيقة تهب من شقوق النوافذ ساخنة محملة بتراب الجبل ورائحة العرق والبصل والكشري والسمك المقلي، والحي الذي يضج في النهار كخلية النحل مستغرق في النوم، نوم الأجساد المكدودة المهدودة يكاد يشبه الموت، والصمت لا يمزقه من حين إلى حين إلا نباح كلب، أو صراخ رضيع، أو عواء قط.

في تلك الساعة تكون الحركة على أشدها داخل الحجرة في بدروم البيت القديم، وتروس المطبعة الصغيرة تضغط الحروف السوداء فوق الصفحة البيضاء، وحين تمتلئ الصفحة تنقلب وتسحب التروس ورقة جديدة، سرعان ما تمتلئ بالسطور السوداء، فتنقلب وتظهر على الفور مكانها الورقة الجديدة البيضاء، والوجوه الثلاثة النحيلة مرهقة شاحبة، والعيون الست شاخصة تتابع حركة الورق الدائرية، ترتفع بينها عينان سوداوان إلى أعلى، ارتفاعتهما مألوفة، وسوادهما شديد، والأنف مرتفع حاد يشق الكون نصفين، والشفتان مزمومتان في إصرار وغضب.

بهية! يرن الصوت في أذنيها، فتتلفت حولها، وترى رءوف يرص الورق في الحقيبة الجلدية، وفوزي يضع المطبعة داخل تجويف في أرض الحجرة، وتعود الأرض مستوية كما كانت بألواح الخشب. ويئن في الصمت صوت الباب الخشبي الصغير وهو يفتح، وتدلف منه الأجسام الثلاثة واحد بعد الآخر، لا يمكن التعرف عليها من بينهم، فالظلام يخفي الوجه، وملامح الجسد في الظلمة متشابهة، والساقان داخل البنطلون عضلاتهما قوية مشدودة، واليد اليمنى تتدلي منها حقيبة جلدية منتفخة.

وفي الميدان الصغير ينحرف رءوف إلى اليمين ويبتلعه الشارع المظلم، ويستمر فوزي متجهًا إلى الميدان الكبير، أما بهية فتسير بخطواتها الواسعة السريعة نحو الأتوبيس الراقد في الموقف، صدرها يعلو ويهبط، وأنفاسها لاهثة تتقطع، والحقيبة الجلدية المنتفخة فوق صدرها، تحوطها بذراعَيها كذراعَي الأم تلتفان حول طفلها، وفي المحطة تهبط، تعرف هدفها، وتعرف أين تقذف بالحروف الملتهبة فوق الرءوس، أيها الناس استيقظوا، افتحوا النوافذ، وافتحوا عيونكم وانظروا السلاسل الملتفة حول أعناقكم وافتحوا، أذهانكم واعلموا أن عرق جبينكم يسلب، وزرعكم ينهب، ولحمكم يؤكل، ولا يبقى لكم إلا العظام، هياكل عظيمة متراصة في الطوابير، يسند الواحد الآخر، والأنفاس تتمزق بسعال متقطع، والدم أحمر ينزف من جرح غائر في الصدر.

تقذف بالحروف والكلمات في الوجوه، وتعود بالحقيبة فارغة، متخففة من العبء، تقفز بالحقيبة على الأرض كعصفور، وتدندن لنفسها بأغنية قديمة وبحركة الأطفال الفرحين بالعودة من المدرسة تهز حقيبتها الفارغة، وتقذفها في الهواء، ثم تلتقطها بيدَيها الاثنتين، وتلمح الرجل ذا العينَين المتجسستين قادمًا بمشيته الحذرة، فترمقه بنظرة جانبية، وحين تحس به وهو يتعقبها تدخل في طريق آخر، وتضلله ثم تخرج إلى الشارع الواسع، يبتلعها الزحام كالمحيط، وتسير في الشارع بعينَيها المرفوعتين، ترقب الناس وهم يدورون في طاحونة حياتهم اليومية من أجل لقمة العيش، والترام بسلمه المائل تحت الأجساد يصلصل صارخًا بالعبء، وتدور عجلاته الحديدية فاغرة فاها لأي قدم تسقط. وعلى الرصيف تجلس العجوز العمياء باسطة يدها المعروقة إلى الأمام، وأطفال يتطلعون إلى العالم بعيون صفراء فاغرين أفواههم لأي لقمة تسقط، ومن نوافذ الترام والأتوبيس تلمح الرءوس المتشابهة والأعناق المشنوقة بأربطة العنق والعيون الجاحظة المذعورة، والتمتمات الخافتة بآيات الكرسي والنفاثات في العقد. ومن حين إلى حين تمرق سيارة طويلة سوداء كسيارة البوليس ومن خلف الزجاج اللامع تلمح الوجوه السمينة باللحم بعيونها الضيقة المتلصصة.

حين يهبط الظلام تعود بخطواتها الواسعة السريعة إلى حجرتها الصغيرة فوق السطح، تسمع صوت أنفاسها اللاهثة كنشيج متقطع، وخيوط العرق تجري فوق وجهها وتحت إبطها، تغلق الباب من خلفها بالذراع الحديدية، وتحكم إغلاق النوافذ، وتتمدد فوق السرير الصاج الصغير تحملق في الظلام. يبرز أمامها الوجه النحيل المرهق، والعينان السوداوان الزرقاوان القادرتان على رؤيتها، تهتف بصوت خافت: «سليم!» لكن أحدًا لا يرد. تدرك أنها وحدها فتنهض وتشد اللوحة من تحت السرير، تسندها إلى الجدار، وتلتف أصابعها حول الفرشاة تضغط عليها، وتحس للضغط لذة غامضة تمتد من أصابعها إلى ذراعها إلى عنقها إلى رأسها كأنما خلال سلك كهربي مشدود.

إن من يراها وهي جالسة في الظلام في تلك اللحظة يندهش. عضلات جسدها مشدودة كالمصلوبة، وعيناها السوداوان ثابتتان فوق خطوطها، ورأسها فوق عنقها ثابت، وذراعها ثابتة، وأصابعها حول الفرشاة ثابتة، وساقاها وقدماها ثابتة كتمثال من الجرانيت.

كم من الوقت يمضي وهي على هذا الحال. لا أحد يدري. قد ينقضي الليل كله وهي جالسة لا تتحرك، لا تضيف خطًّا واحدًا إلى اللوحة، لكن عينَيها لا تتحولان عن خطوطها، تعيش حياتها مرة أخرى، وتشهد لحظات عمرها وهي تمر أمام عينَيها لحظة بعد لحظة، كشريط سينمائي.

وقرب الفجر، تمتد يدها بالفرشاة، تحركها فوق اللوحة، تغير الخطوط وتصنع في حياتها لحظات أخرى، لحظات جديدة هي التي تصنعها بإرادتها، بتلك الحركة الإرادية فوق الورق، في أي اتجاه وفي كل الاتجاهات، حركة قوية حرة، تحطم بها الإرادات الأخرى، وتصنع بنفسها خطوط حياتها، وشكل ملامحها، وتجعل عينَيها أكثر سوادًا، وأنفها أكثر حدة وارتفاعًا، وشفتَيها مزمومتين في غضب أو إصرار أشد.

حين تشعر بالتعب، تترك جسدها يسقط، ويستلقي ممدودًا فوق السرير الصاج. يرتجف من البرد تحت الباطنية البالية الوحيدة، تشدها فوق رأسها ومن حول قدمَيها المثلجتين، وتصطك أسنانها، بذلك الصوت المتقطع الخافت كصوصوة عصفور وليد سقط من عش أمه في أرض عراء ينتفض الانتفاضات السريعة، وعيناه الصغيرتان الدامعتان تلمعان في الظلام بالنظرة اليتيمة المذعورة.

وجرت الدمعة الساخنة من زاوية عينها فوق الوسادة، أحست رطوبتها الدافئة تحت خدها، وأطلت برأسها من تحت الغطاء لترى أمها، الوجه الطويل النحيل كوجهها، والعينان السوداوان الواسعتان، والصدر ذو الدفء السخي. دفنت رأسها في صدر أمها تتشممها، وتبحث في جسدها عن فتحة أو تجويف يحتويها، تكمن فيه بعيدًا عن العالم، بعيدًا عن القوى المتربصة بها، تقبع كالجنين الآمن، وحنين غريب عنيف للأمان يرج جسدها، حنين للتكور داخل الرحم، داخل الطمأنينة، داخل السكون بغير صوت وبغير حركة. والتفت ذراعا أمها الكبيرتان حولها بقوة غريبة، تشدانها إليها مرة أخرى، وبكل قوتها تحاول أن تجعل جسديهما شيئًا واحدًا، بلا جدوى فالانفصال الأبدي حدث في لحظة مضت ولن تعود.

بهية! رن الصوت في أذنَيها ففتحت عينَيها. لم تجد أحدًا، وضوء الشمس ينفذ من شيش النافذة المتآكل. وسمعت الطرقات البطيئة التي تأتيها كل صباح من وراء الباب، ورأت الشيخ العجوز بعمامته وقفطانه، والعينَين الرماديتَين ذاب سوادهما في بياضهما، والأصابع الغليظة السمراء من حول السبحة الصفراء تتحرك بسرعة وانتظام كالرعشة الدائمة، تماثلها رعشة أخرى في شفتَيه الرفيعتَين الصفراوين، تهسهس وتبسمل وتبسبس بكلمات مبتورة وحروف لا يسمع منها إلا حرف السين طويلًا وممتدًّا كأنه صفير يصاحب الشهيق والزفير.

حين رآها اتسعت الفرجة بين شفتَيه الجافتين وظهرت أطراف أسنانه الصفراء المتآكلة، وهمس بصوت كفحيح ثعبان نائم: «هل صحيتِ؟»

ردت بصوت ضجر: لأ. وأغلقت الباب. سمعت أنفاسه تهسهس من خلف الباب. في زمجرة خافتة، ذكر عجوز ذبح الدخان صدره، ونزف عمره في فراش أربع زوجات باردات عفيفات أنجبت كل واحدة منهن عددًا من الأولاد والبنات، مات نصفهم وتزوج النصف الآخر، ولم يبقَ معه من زوجاته إلا امرأة عجوز تتسند على الجدران، وتصنع له الشاي أسود، وتعد الجوزة في المساء، وعلى السرير الخشبي الكالح يرقد إلى جوارها، ويدس أصابعه الغليظة بين ثدييها المترهلين، ويهتز جسداهما الضامران اهتزازات واهية، وأنفاسهما الباردة ذات الرائحة الراكدة تلفحها نفحة دفء خافتة، سرعان ما تتلاشى كحشرجة الاحتضار الأخير، وتتركهما فوق السرير الخشبي العتيق كالجثتَين الهامدتَين.

تلف اللوحة بالورق، وتدلف من الباب الخشبي الصغير بجسمها الطويل الممشوق، وساقَيها المشدودتَين داخل البنطلون، وتسير في الحارة، القدم تدب وراء القدم، والساق تنفصل عن الساق بمسافة كبيرة مرئية، تحملق فيها عيون رجال الحارة في الدكاكين، وعيون النسوة من فرجات الأبواب وشقوق النوافذ. امرأة هي أم رجل؟ لولا النهدان الصغيران النافران تحت البلوزة لأقسموا أنها رجل. وما دامت هي امرأة فقد أصبحت الحملقة مشروعة، وأصبح جسدها نهبًا للعيون الجائعة المحرومة، يبحلقون، ويتهامسون ويتجرأ أحدهم فيضحك شاهقًا بصوت داعر، ويعلق آخر بلفظ نابٍ، ويتشجع أطفال الحارة فيجرون وراءها، يتراقصون بأردافهم، ويكشف الصبيان منهم عن عوراتهم، ويقذف أحدهم بحجر من خلفها، ويضع الآخر يده في فمه ويصفر صفارة طويلة، ويقهقه الرجال الجالسون على المقهى بأصوات مبحوحة ويخبطون أفخاذ بعضهم البعض بكفوف خشنة مشققة كالأرض الظمأى، وتضرب النسوة على صدورهن المتهدلة من خلف النوافذ شاهقات بتلك البحة الأنثوية المكبوتة إلى الأبد: شوفوا الخوجايا!

تشق طريقها بين النظرات والضجيج والتعليقات النابية، ترفع عينَيها السوداوين إلى أعلى، وتزم شفتَيها في غضب يتحدى القدر. وحين يختفي جسدها في الشارع الواسع تعود الحارة إلى حياتها الطبيعية، وترتفع طلقات الحديد من دكان السمكري، وطرقعات الأكواب والطاولة في المقهى، وصياح الأطفال والصبية وشجار النسوة من وراء الشقوق، وأصوات الرجال الخشنة تقسم بأغلظ الأيمان وبالطلاق بالثلاثة، وتتصاعد رائحة السمك المقلي والفلافل والكشري، وتتراقص حبات السبحة بين أصابع الشيخ العجوز، ويفترش سجادة الصلاة أمام النافذة، وحين يركع يحتك جسده بصوف السجادة فتجتاحه الرغبة المكبوتة، وتطل عيناه المتآكلتان على الحارة تترقبان ظهور أي جسد ملفوف.

حين أصبحت في الشارع الواسع أحست بضربة الهواء البارد على خدَّيها الساخنتَين كالصفعة المفاجئة، تقلصت عضلات وجهها وسرى في جسمها ذلك الإحساس الغريب بالقرب من الخطر. رمقت الشرطي الواقف بطرف عين ثم دخلت إلى المحل الصغير. نزعت الورق عن اللوحة، وابتسم الرجل العجوز كعادته حتى يتأمل لوحاتها، ودس يده المعروقة في جيبه وأخرج ثلاثة جنيهات، عدها واحدًا واحدًا، ثم ناولها لها وهو يعدها مرة أخرى واحدًا بعد الآخر.

خرجت إلى الشارع، فأدركت على الفور أن عينَين ترقبانها، وأن قدمَين تتبعان قدمَيها. تسللت إلى أنفها رائحة المخبز، فدخلت والتهمت قطعة الكعك التي تحبها. وقفت أمام الخزينة لتدفع فلمحت العينَين الضيقتَين من خلفها في المرآة المواجهة. خرجت إلى الشارع. حركت يدها لتنادي تاكسيًّا ورمقت الساعة فوق معصمها. وقف التاكسي أمامها فركبت. عند ثنية الشارع التفتت إلى الخلف فرأت العينين الضيقتين خلفها داخل تاكسي. هبطت في ميدان العتبة. كانت تعرف أن رءوف وفوزي ينتظرانها في ذلك البدروم، لكنها لم تذهب. ظلت تتجول في شارع الموسكي، تراقب النساء والفتيات وهن يسرن بسيقانهن السمينة الملتصقة، يزحمن الشارع بأجسادهن وأردافهن البارزة من تحت الفساتين اللامعة، وعيونهن المكحلة ترمق الفترينات بنظرات مسعورة، ونهم لشراء الملابس، وقمصان النوم العارية، والشباشب المفتوحة، وأدوات الزينة، والعطور ودهانات البشرة، وأصواتهن الحادة ترن من الدكاكين، وطرقعات اللبان، وشهقات الإعجاب بالمودلات الجديدة، وقعقعات الكعوب العالية المدببة تحت الأجساد المحملة بلفائف المشتريات من كل لون وصنف.

تزم بهية شفتَيها في غضب، فالرغبة النهمة للاستهلاك تعويض عن الحرمان الأبدي، والعيون المتأججة بالشبق من تحتها برود كالصقيع، والشعور المتموجة كالحرير من تحتها مخ أملس كمخ الأرنب لا يعرف من الحياة إلا الأكل والتناسل.

خرجت إلى الشارع الواسع حين بدأت الشمس تغرب. واكتست السماء والأرض والبيوت والأشجار بحمرة شاحبة يزداد شحوبها لحظة بعد لحظة كوجه يضيع منه الدم في احتضار طويل بطيء، ثم أضاءت مصابيح الشارع، وانعكست مئات من دوائر الضوء الأبيض على الأسفلت وفاترينات المحلات وزجاج العربات ووجوه الناس، وتألق كل شيء في النور الأبيض، وسمعت صوت ضحكة ناعمة ورأت فتاة تتأبط ذراع شاب، وذراعه الأخرى تحوطها. ابتسمت لهما وسرى في جسدها المرهق إحساس مفاجئ بالنشاط. ملأت صدرها بهواء الليل الرطب، ولمعت عيناها السوداوان كفصين من الماس، تراقبان في سرور الأطفال كور النور المعلقة فوق المحلات كالبالونات الملونة، والعربات تجري فوق الأسفلت اللامع، وزجاج النوافذ يبرق كالمرايا، والناس بملابسهم الزاهية يتحركون في الضوء الأبيض كأسراب من الغزلان، وأطلق طفل صاروخًا صغيرًا تطاير في الجو كملايين الذرات اللامعة الملونة.

سمعت صوت ضحكتها ترن في أذنَيها كضحكتها وهي طفلة، وكادت تقفز فوق الأرض قفزات الأطفال، لكنها رأت العينَين الضيقتَين أمامها. استدارت فرأت عينَين أخريين تراقبانها، انحرفت إلى الشارع الجانبي عن يمينها فإذا بالعينين تسدان عليها الطريق، اتجهت بسرعة إلى الحارة ناحية اليسار فبرز لها من الظلمة جسد الشرطي السمين بأزراره اللامعة والسلاح المدبب يتدلى من حزامه الجلدي.

توقفت. تلفتت حولها بحركة سريعة. تلك الحركة حين يصبح الإنسان مهددًا، وقوى معلومة ومجهولة تتربص به، تنتهز الفرص لتقضي عليه. هذه الحركة السريعة في العينَين، في كل الاتجاهات، تبحث عن اليد التي ستطعن من الخلف أو من الأمام أو من الجانب الأيسر أو الأيمن، وهذه الحركة الدائبة في الرأس، كل خلية في الرأس تتحرك، تفكر، كيف ينجو الإنسان من الخطر المتربص، كيف يحمي جسده من الطعنات، ويحمله بعيدًا في حذر، هذه الانقباضة الحذرة في العضلات، هذه الدقة القلقة في الصدر، دقة الدم الصاعد الهابط، تلك الحركة السريعة المنتظمة أبدًا، دقة القلق، ومعها دقة الإحساس بالحياة وأصابعها الطويلة الرفيعة ترتعش رعشة سريعة غير مرئية، وقدماها ثابتتان فوق الأرض، وخطوط جسدها ثابتة، ذلك الثبات القوي، ثبات الأرض تحت قدمَيها، لكن تحت هذا الثبات حركة سريعة محسوسة، كذبذبات الهواء في الأذن، وذبذبات الدم تحت جدران الشرايين، ذبذبة سريعة تبدو من الخارج ساكنة، ولكن تحت هذا السكون تختفي الحركة العنيفة المروعة، حركة الصراع بين المقاومة والاستسلام، الحركة الوحيدة التي يدرك بها الإنسان الفرق بين حياته وموته. لحظة رهيبة، وبقدر ما ترهبها تعشقها، وبقدر ما تهرب منها تسعى إليها، فهي اللحظة الوحيدة التي تدرك فيها أنها حية حقيقية، والإحساس بالحياة لا يحدث إلا في مواجهة الموت، كالأبيض لا يكون أبيض إلا في مواجهة الأسود.

انفرجت شفتاها عن ابتسامة، ولمعت عيناها بالبريق، فهذه اللحظة هي هدفها، كانت تريدها من البداية، وتسير نحوها بثبات وإصرار، تدرك أنها لا تسير إلا إلى الخطر، حافة الخطر تلك المساحة الصغيرة التي لا تتسع إلا لقدة واحدة، معلقة في الفضاء، من فوقها السماء ومن تحتها الهاوية السحيقة، ويصبح الإنسان مشدودًا بين قوتين رهيبتين، قوة تشده للسقوط في القاع وقوة تشده للانطلاق في السماء.

عن يقين كانت تعرف أنها لن تسقط في القاع. لن تستسلم. لن تكون بهية شاهين، ولن تعود إلى الوجوه العادية، ولن تغرق في بحر الأجساد المتشابهة أو تسقط في قبر الأيام العادية.

رفعت عينَيها السوداوين إلى أعلى، وشدت عضلات ظهرها وساقَيها، وتقدمت نحوهم بخطوتها الواسعة، تدب كل قدم على حدة فوق الأرض، وتفصل بين ساقَيها بثقة وحرية. حين أصبحت أمامهم وجهًا لوجه قالت بصوتها الهادئ الواثق: هيا بنا.

تقدم نحوها أحدهم، ووضع الحديد حول معصميها وقفله بمفتاح وضعه في جيبه. سارت أمامهم بخطوات سريعة، عيناها تسبقان قدمَيها تبحثان بين الوجوه عن الوجه النحيل والملامح المرهقة المحملة بهموم البشر، والعينَين القادرتَين على التقاط وجهها من بين الوجوه وانتشال جسدها من بين ملايين الأجساد السابحة في الكون.

وحين رأته أمامها صاحت بصوت فرح كصوت الأطفال: سليم!

ومدت ذراعيها لتلتفا حوله، لكن ذراعَيها لم تمتدا، وارتعشت يداها من تحت الحلقة الحديدية المغلقة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤