الحكاية رقم «٣»

اليوم جميل ولكنه يعبق بسر.

أبي ينظر إليَّ باهتمام يبتسم لي برقة وهو يحتسي قهوته. وهو يهم بالذهاب يداعب شعري ويربت على منكبي بحنان ثم يمضي.

وأمي تقوم بعملها اليوميِّ بعصبية، تُغضي عن عبثي وتقول لي مشجعة: العب يا حبيبي.

لا نظرات تهديد ولا زجر ولا وعيد!

وأصعد إلى السطح بعض الوقت، ولما أرجع أجد أمامي جارتنا الشامية أم برهوم. أعدو إلى المطبخ لأخبر أمي، ولكني لم أجدها، وأنادي عليها بلا جدوى، فتقول لي أم برهوم: نينتك ذهبت في مشوار، وأنا معك حتى ترجع!

فأقول محتجًّا: ولكني أريد أن ألعب في الحارة.

– وتتركني وحدي وأنا ضيفتك؟

وأصبر متضايقًا.

ويدق الباب فتومئ لي بالانتظار وتذهب، تغيب دقيقة وإذا بعم حسن الحلاق ومساعده يدخلان باسمين، فقلت لهما من فوري: أبي خرج!

فقال العجوز: نحن ضيوف! سنريك لعبة فريدة.

وجلس على كنبة وهو يُبسْمِل، ثم قال وهو يُخرج من حقيبته أدوات بيضاء لامعة: يسرُّك بلا شك أن تتعلم كيف تستعمل هذه الأدوات.

وأهرع نحوه متملِّصًا من ارتباكي!

ويجيء مساعِده بمقعد فيُجلسني عليه أمام المعلِّم قائلًا: هكذا أفضل.

وإذا بيدَيه تكبلانني من الذراعين والساقين بقوة وإحكام، فكأنها ألصقت بالغراء والمسامير، فصرختُ غاضبًا: ابعد عني.

واستغثتُ بأم برهوم ولكنها كانت فص ملح وذاب!

ولم أفهم شيئًا مما يحدث حتى بدأت العملية الرهيبة، ها أنا أعاني هجمة وحشية طاغية لا أستطيع لها دفعًا ولا منها مفرًّا، وها هو الألم الحاد القاسي ينشب أظافره الشوكية في لحمي وينساب بمكر شيطاني إلى أطراف جسمي وصميم قلبي، وها هو صراخي يدك الجدران ويجتاح أرجاء حارتنا.

•••

لا أدري ماذا يدور مدةً من الزمن، أغوص في الماء بين اليقظة والنوم، تمُرُّ بي أجيال من الألوان والمخاوف والأحزان.

وعند نقطة من الزمن، تلوح لي أمي بوجه يرنو بالاعتذار والتشجيع.

وقبل أن أفتح فمي محتجًّا أو متَّهمًا تضع بين يدَيَّ هدايا الشيكولاتة والملبس.

وأعيش أيامًا بين ذكريات أليمة، وكنوز من الحلوى بألوانها البهيجة .. ويمتلئ البيت بالإخوة والأخوات.

وأنتقل من مكان إلى مكان مفرِّجًا بين فخِذَيَّ، مُبعِدًا بيديَّ الجلباب عن جسدي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤