الصمت

حين تحوَّل العالم من عالم زراعي إلى عالم صناعي، جاءت الضجة معه، ضجة الآلات والقطارات والسيارات والمصانع، وضجة الإنسان العامل على تلك الماكينات، باختصار لو كنت قد وضعت سونومتر (مقياس للصوت) في عام ١٧٠٠م مثلًا، لما ارتفع مؤشره إلى أكثر من درجتين، بينما لو وضعته الآن في نفس المكان لوصل المؤشر إلى المائة وما بعدها.

ولأن النهضة الصناعية تلاحقت بسرعة، بدأت الآلات البخارية والقطار وهي الآن تحوي مئات الآلاف من الآلات وربما ملايين، فإن الثلاثمائة عام لم تكن تكفي أبدًا كي تتواءم أجهزة العقل البشري مع هذا الارتفاع الرهيب في كم الضجة ونوعها، كان يلزم للإنسان على الأقل ثلاثة آلاف عام ليهضم عقله تلك الضجة وليرتفع حاجز الضجة، أو «عتبة» الضجة داخل عقله ارتفاعًا يحول بين تلك الضجة وبين النفاذ إلى خلاياه وإرباك توصيلاتها العصبية.

كل هذه الخواطر دارت في ذهني وأنا في زيارتي الأخيرة لليابان، وهي لم تخطر لي في الشارع؛ فشارع طوكيو شارع كأي شارع في عاصمة عالمية حافل بضجة السيارات والموتوسيكلات، وحتى مظاهرات الحزب الفاشي في اليابان تقوم بها عربات أوتوبيس سوداء ضخمة مجهزة بمكبرات عالية للصوت، ومحصنة بشبكات من الصلب ضد القذف بالحجارة أو التحطيم بالعِصِي. أحسست بهذا في الحقيقة في المسرح الياباني، في المسرح «الكابوكي» على وجه التحديد، ولكني أحسسته بطريقة ملموسة تمامًا إلى حد التجسد الكامل في مسرح «النو». ومسرح «النو» مسرح غريب إذ لا جديد في قصصه وأساطيره وإنما كلها تقريبًا محفوظة، وهي تشبه نوعًا من الأوبرا اليابانية الخالصة، ولكنها أوبرا غربية مبنية على أسطورة تشبه حواديتنا الشعبية إلى حدٍّ كبير، وأبطالها أسطوريون أيضًا ويرتدون أقنعة تدل على شخصياتهم وما ترمز إليه، أما الأغرب في هذه الأوبرا فهي فترات الصمت، فترات صمت طويلة جدًّا؛ حيث يصمت الممثلون ويصمت الجمهور صمتًا شبه مقدس، صمتًا طويلًا عميقًا ولكنه صمت مليء، مليء بوشوشة أشجار الغابة التي يدور فيها الحدث مثلًا، أو بزقزقة عصفور، أو عواء بعيد جدًّا لذئب، صمت يتحدث إلى صمتك، يُحدِّثك صامتًا وتُصغي له صامتًا، صمت في حاجة إلى قدرة غريبة على ضبط الذات الداخلية وأمرها بأن تُسكت كل هواجسها وتصيخ السمع، صمت في الحقيقة لم أحتمله، ووجدت نفسي أنام، فأنا أبدًا لم أوجد في حياتي وسط إصغاء مركز كهذا الإصغاء، وإذا حلَّ من حولي السكون التام فأول ما أفعله أن أنام.

ولكني عدت إلى المسرح في ليلة تالية، وهذه المرة لم أنم، بل وطَّنت نفسي على أن أُصمت كل ما في داخلي وأن أستوعب هذه الأصوات الغريبة القادمة من المسرح في تباعد قد يبدو لا معنى له، وأحيانًا توقفه دقة طبلة أو صياح طير، ولكن الأساس هو الصمت، وكان أن عشت التجربة، وهنا فقط ومن يومها بدأت أحس بالإنسان الياباني إحساسًا أقرب إلى الحقيقة؛ فهو إنسان قاعدته الأساسية أن يفكر داخليًّا قبل أن ينطق بحرف، عكسنا تمامًا؛ فمعظم أحاديثنا ليست حوارًا ولكنها تفكير بصوت عالٍ، مونولوجات تفكيرية حامية الوطيس، ولهذا فمن يتأمل فينا الأشياء من حوله بصمت نعتبره شخصًا غير اجتماعي وتقيل الدم وخارجًا عن إطار المجموع.

ولكني شخصيًّا أثناء الزيارة وبعدها وإلى الآن أصبحت أحترم الصمت، وأحب الأماكن التي لا ضجيج فيها ولا صخب، وجنيت الثمار؛ فأفكاري بدأت تخرج أكثر نضجًا، وقلَّت تمامًا ملاحظاتي المندفعة، وبدأت أدرك أهمية أن يصمت العالم من حولي، وأهمية أن أعوِّد نفسي وأروِّضها لكي أُخرس الضجة داخلي؛ لأن هذا حين يحدث، لا أصبح أكثر حكمة فقط، ولكني أحس بنوع غريب جدًّا من السعادة المفتقدة.

جرِّبوها مرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤