الفصل السادس

اعتداء الانتهازيين على الماركسية

إن مسألة العلائق المتبادلة بين الحكومة والثورة الاجتماعية لم تأخذ إلا مكانًا حقيرًا من اهتمام العلماء النظريين والصحافيين الذين خاضوا في شئون الاشتراكية الدولية الثانية «التي امتد أجلها من ١٨٨٩ إلى ١٩١٤» كما أنهم لم يهتموا بالمثل ببقية الثورة على وجه عام.

ولكن الذي هو أدهى وأعجب مما تقدم، والذي يدعو إلى الحيرة والارتياب في مسلك ذلك العضو النامي في جسم الاشتراكية، العامل على تخدير أعصابها، وهو المبدأ الانتهازي الذي أدى إلى إخفاق الاشتراكية الدولية الثانية في عام ١٩١٤، أنه كلما سنحت الفرص لعرض هذه المسألة ومحاولة حلها والفصل فيها؛ يجتهد ذلك المبدأ في إخراجها من موضوع البحث أو تضليلها أو التعامي عنها بالمرة.

وعلى العموم إذا ألقيت نظرة عامة على مجموع أعمال الاشتراكية الدولية الثانية، يمكن القول بأن التمشي مع المبدأ الانتهازي في أرجاء النظر في مسألة علائق الثورة الاشتراكية العامة بالحكومة إلى أجل غير مسمى مع توقف سير الاشتراكية في طريق الرقي الموافق لمصلحة الهيئة الاجتماعية، إنما يساعد هذا المبدأ على مقصده الشخصي الذي يرمي إلى إذلال وتحقير المذهب الاشتراكي، وطعنه في النقطة الحساسة منه، وإخراجه عن حقيقته بجعله مذهبًا حقيرًا خاليًا من الأغراض السامية الشريفة، ومقصورًا على المبادئ المبتذلة التي يعرفها كل إنسان، ولا تؤدي إلى إصلاح حالة المجتمع البشري وإنقاذه من ضروب الآلام والشقاء.

ولكي نتمكن من وصف هذه الحالة المحزنة التي طرأت على الاشتراكية الصحيحة وحاولت إفسادها، ينبغي أن نوجه أنظارها إلى العالمَيْن النظريين اللذين اشتهرا بأنهما من أعظم أنصار المذهب الماركسي، وهما بليخانوف وكاوتسكي.

(١) مجادلة بليخانوف مع الفوضويين

نشر بليخانوف كتابًا عنوانه «الفوضوية والاشتراكية»، ظهر باللغة الألمانية في سنة ١٨٩٤، وقد خُصص للبحث في مسألة العلائق التي تربط الفوضوية بالاشتراكية.

وكأنما بليخانوف تعمد لأمر ما أن يتناسى أو يضرب صفحًا بمحض اختياره عن طَرْق أهم مبحث من المباحث الاشتراكية العامة الدائرة على عذبات الألسن، وعلى أسلات الأقلام في الوقت الحاضر، بل أشدها أهمية وأكثرها حماسة وأقواها دعامة من الوجهة السياسية في الصراع الناشب ضد الفوضوية، وهو مبحث العلائق التي تربط الثورة بالحكومة، كما أنه أغفل بالمرة التعرض لمسألة الحكومة بتفاصيلها!

ويتضمن كتابه هذا قسمين: أحدهما تاريخي أدبي يشتمل على تفاصيل ثمينة مفيدة تختص بتاريخ الأفكار والآراء التي أذاعها استيرنر وبرودون وغيرهما من زعماء الفوضويين، وأما القسم الآخر فهو عبارة عن إسهاب جدلي سفسطائي حافل بالبيانات والاستنتاجات الفظة التي أجهد نفسه فوق طاقته وفوق ما يحتمل العقل المنصف أن يتصوره، ليثبت أنه لا يوجد أي فرق بين الفوضوي واللص أو قاطع الطريق.

وإن مجموعة أفكاره في قسمي كتابه لتدعو إلى العجب والدهش لصدورها منه في وقت يتحدث فيه زعماء الاشتراكيين الذين لا غرض لهم سوى نجاح مبادئها العادلة النافعة بقرب حدوث ثورة العمال الكبرى في جميع أرجاء العالم، وفي الوقت الذي تكاد الثورة الروسية الأولى تكون قاب قوسين أو أدنى من الشبوب، بل لقد كان فَكِهًا ومسليًا بموضوعه العجيب في أثناء تلك الثورة التي انتهت أخيرًا بالفشل.

وبطريقته هذه التي اتبعها في كتابه المتقدم ذكره جعل نفسه في سنة ١٩٠٥ وفي عام ١٩١٧ ما بين متمسك بمذهب يحاول الدفاع عنه من جانب، وما بين جدلي سفسطائي لا همَّ له إلا حب المناقشة وإظهار قوة المعارضة فيما لا طائل تحته، وجعل نفسه من الوجهة السياسية ذيلًا ينسحب على الثرى تحت قدمي رأس المال.

ولقد رأينا فيما سلف كيف أن ماركس وإنجيل في المجادلات التي دارت بينهما وبين الفوضويين أبرزا بمنتهى العناية والاهتمام أفكارهما فيما يختص بالعلائق التي ترتبط بها الثورة بالحكومة في أجلى مظاهرها.

ولما باشر إنجيل طبع نقد برنامج جوتا الذي وضعه ماركس، كتب إنجيل في مقدمة هذه الطبعة التي ظهرت في سنة ١٨٩١ ما يلي:

إننا (أي إنجيل وماركس) وجدنا أنفسنا حينئذ في صراع هائل مع باكونين وفوضوييه، وكان قد مضى إذ ذاك عامان بالأكثر على انعقاد مؤتمر لاهاي الاشتراكي الدولي العام.

وكان الفوضويون قد بذلوا كل ما في وسعهم ليجعلوا مشاعية باريس من عملهم، وأن يوجدوا من أعمالها تأييدًا لمذهبهم، غير أنهم لم يفهموا شيئًا من دروس المشاعية، ولا من التحليل الجليل الذي حلل به ماركس تلك الدروس العملية.

وأما من جهة السياسة العملية المعينة القائمة على السؤالين الآتيين، وهما: هل يجب إتلاف أداة الحكومة القديمة؟ وفي حالة الإيجاب بأي شيء يمكن الاستعاضة عنها؟ فإن الفوضوية لم تجب عنهما بما يمكن الارتياح إليه.

على أن الخوض في عُباب البحث عن الفروق التي تختلف بموجبها الفوضوية عن الاشتراكية مع إهمال مسألة الحكومة، وبدون ملاحظة ما أوجده المذهب الماركسي مع التقدم والاتساع في المبادئ الاشتراكية قبل المشاعية وبعدها، لا يمكن إلا أن يحمل على محمل الاندفاع بطريقة لا يمكن التخلص منها في هوة المبدأ الانتهازي.

وفي الواقع إن الانتهازية لا يمكن إلا أن تتغلب إذا لم يتيسر عرض السؤالين اللذين ذكرناهما فيما تقدم على مجموع الحزب الاشتراكي في مؤتمراته التي ستنعقد في الأدوار الآتية، للبحث فيهما بدقة تامة، ولوضع الحلول اللازمة لهما.

وبما أن المبدأ الانتهازي قد فاز حتى الآن بمنع هذين السؤالين من طرحهما على بساط البحث العام، فمما لا جدال فيه أنه أصبح منتصرًا على مزاحمه وهو المذهب الماركسي الأصيل.

(٢) مجادلة كاوتسكي مع الانتهازيين

إن أدبيات اللغة الروسية تحتوي بدون أدنى شك على عدد لا يُحصى من ترجمات كتب كاوتسكي بدرجة لم تتفق لأي كاتب آخر من كبار كتاب العالم بأسره.

وقد قال بعض الاشتراكيين الديمقراطيين الألمانيين في معرض المزح إن كتب كاوتسكي مقروءة في البلاد الروسية أكثر مما هي مقروءة في ألمانيا (ليكن ما قيل، ومع ذلك فما يذكر بهذه المناسبة وله أصل تاريخي أصدق بكثير مما كان يحسبه أولئك الذين جادوا علينا بتلك التفكهة، وهي أن العمال الرسميين أرسلوا في عام ١٩٠٥ في طلب مقادير فوق حد التصور من الكتب المختارة من أرقى أدبيات الاشتراكية الديمقراطية في العالم، فوصلت جملة عظيمة من التي لم تُقرأ في البلاد الأخرى، وهكذا نقلوا إلى مغرس حركة الهيئة العاملة لدينا الجديدة بذور التجربة العظمى التي قامت بها بلاد مجاورة لنا سبقتنا بشوط بعيد في هذا الميدان).

وقد اشتهر لدينا كاوتسكي بأنه عدا بسطه بطريقة دارجة سهلة تفهمها العامة مبادئ ماركس، بمجادلاته مع الانتهازيين وفي مقدمتهم برنستاين.

غير أنه يوجد شيء يكاد يظل مجهولًا عن الناس إلى الآن، وهذا الشيء لا يصح المرور به بدون الإلماع إليه إذا أُريد معرفة كيف أمكن سقوط كاوتسكي في بؤرة ذلك الضلال المخجل، إذ أقام من نفسه مدافعًا عن الاشتراكية الوطنية المتطرفة المحبذة للحرب خلال الأزمة الكبرى التي استمرت من عام ١٩١٤ إلى سنة ١٩١٧.

وهذا الشيء الذي تجب معرفته هو أن كاوتسكي قبل حملته المشهورة على ممثلي المبدأ الانتهازي في فرنسا «أمثال ميللران وجوريس» وفي ألمانيا «برنستاين»، كان قد أظهر ترددًا عظيمًا، وقد اتهمته مجلة الفجر الماركسية التي ظهرت ما بين عامي ١٩٠١ و١٩٠٢ في ستوت جارت، وكانت تدافع عن آراء الهيئة العاملة الثورية في أثناء اشتباكها معه في الجدال بأنه ذو أحكام كاوتشكية؛ أي مرنة قابلة للتبدل بمناسبة قراراته المبهمة المتفلتة من الحقائق الجانحة إلى مصالحة الانتهازيين في المؤتمر الاشتراكي الدولي الذي انعقد في باريس سنة ١٩٠٠.

ومن هذا القبيل ما نُشر في ألمانيا من رسائله المملوءة بأمثال هذه الترددات قبل دخوله في الحملة الموجهة ضد برنستاين.

ويوجد عدا ما تقدم موضوع آخر أشد هولًا وأعظم خطرًا، وهو أن كاوتسكي في نفس مجادلته مع الانتهازيين كان يُرى عليه في عرضه المسألة التي التزم المناقشة فيها وطريقة محاولته حلها ميل مرتب نحو الانتهازية فيما يختص بمسألة الحكومة، وقد تأكدنا الآن بعد دراسة تاريخ خيانة كاوتسكي الحديثة للمذهب الماركسي إلى جنوحه للمبدأ الانتهازي بشكل لا يدع مجالًا للشك فيه.

لنتصفح أول كتاب أساسي لكاوتسكي وضعه ضد الانتهازية وهو كتابه عن برنستاين والبرنامج الاشتراكي الديمقراطي الذي ينتقد فيه آراء برنستاين بدقة متناهية، وهذا أهم محتوياته:

إن برنستاين في قواعده الاشتراكية التي أكسبته شهرة أيروسترات (هو يوناني مجهول من مدينة إيفيز حرق هيكل ديانا الذي يُعتبر إحدى أعاجيب الدنيا السبع ليشتهر اسمه) يتهم المذهب الماركسي بمطابقته المذهب البلانكي (نسبة إلى لويس أوجيست بلانكي الاشتراكي الثوري الفرنسوي الشهير صاحب الجملة المشهورة: «لا إله ولا سيد.») وهي تهمة رددتها ألف مرة ألسنة الانتهازيين والماليين الأحرار في الروسيا ضد البولشفيين معتنقي المذهب الماركسي الثوري.

وقد أمسك برنستاين بأذيال كتاب الحرب الأهلية في فرنسا الذي وضعه ماركس وأجهد نفسه من سوء حظه في أن يوجد تطابقًا ما بين وجهة نظر ماركس في الدروس التي دوَّنها عن المشاعية ووجهة نظر برودون.

واهتم برنستاين على الأخص بالنتيجة التي أوردها ماركس في مقدمته التي كتبها سنة ١٨٧٢ للمنشور المشاعي، والتي جاء فيها: إن طبقة العمال لا يمكنها أن تتناول ببساطة بين أيديها أداة الحكومة وهي على أتم استعداد، وتستخدمها في سبيل العمل لأجل القضاء على نفسها.

فَحَلا هذا التعبير لبرنستاين إلى درجة حملته على أن يكرره ثلاث مرات في تفاريق كتابه، وهو يشرحه ويُؤَوِّلُه بأقوى معاني الانتهازية وبعده عن حقيقته بعدًا شاسعًا.

ولقد علمنا من أقوال ماركس المتقدمة أنه يريد أن يقول بأن طبقة العمال يجب أن تكسر، بل تحطم أو تنسف أداة الحكومة برمتها، أما برنستاين فيظن ماركس بهذه الجملة يحذر الطبقة العاملة من الميول الثورية المتطرفة عند استيلائها على السلطة.

ولا يمكن تصور ما هو أفظع وأغلظ تزويرًا وتلفيقًا وتضليلًا في رأي ماركس من مثل هذا الاختلاق الوحشي.

ولنعد الآن إلى كاوتسكي لنرى رأيه في هذا الصدد في كتابه الذي أشرنا إليه فنتساءل:

كيف سلك كاوتسكي في انتقاده الدقيق على بهتان برنستاين؟

لقد سلك مسلكًا غريبًا في هذا الصدد؛ إذ امتنع امتناعًا تامًّا عن تحليل دخائل التلفيق الذي أدخله الانتهازيون على حقيقة المذهب الماركسي في هذه النقطة، وإنما اكتفى بإيراد الجملة المذكورة فيما تقدم في المقدمة التي وضعها إنجيل لكتاب الحرب الأهلية الذي ألفه ماركس قائلًا: إن ماركس يرى أن الطبقة العاملة لا تستطيع أن تستولي ببساطة على أداة الحكومة وهي على أتم استعداد، ولكنها على العموم تستطيع أن تستولي عليها. وهذا كل رأي كاوتسكي.

وأما من جهة ما ينسبه برنستاين إلى ماركس مما يختلف مع حقيقة رأيه على خط مستقيم، ومن جهة ما يعتبره ماركس منذ سنة ١٨٥٢ مهمة الثورة التي يجب عليها تأديتها، وهو كسر آلة الحكومة، فإن كاوتسكي لم يحرك لسانًا في صددهما.

والحاصل أن كاوتسكي لم يتعرض مطلقًا لما يوجد من الفرق العظيم ما بين الماركسية والانتهازية، ولا للأغراض الأساسية التي يجب أن تتطلبها ثورة العمال، بل لقد برع في وضع هاتين المسألتين في حرز الخفاء!

وكتب كاوتسكي مناقضًا برنستاين:

إننا نستطيع أن نرجئ إلى المستقبل ونحن مطمئنون تمام الاطمئنان حل مسألة سلطة العمال المطلقة.

وليست هذه مجادلة سلبية مع برنستاين، بل هي في حقيقة الأمر منحة أو امتياز لبرنستاين، أو تسليم بمطالب الانتهازية؛ لأن الانتهازية لا تبتغي ما هو خير من «إرجاء كل حلول المسائل الأساسية المختصة بمهمة الثورة بمنتهى الطمأنينة إلى المستقبل».

ولقد ظل ماركس وإنجيل أربعين عامًا تمتد من عام ١٨٥٢ إلى سنة ١٨٩١ وهما يلقنان العمال وجوب تحطيم آلة الحكومة، وأخيرًا يجيء كاوتسكي في سنة ١٨٩٩ إزاء خيانة الانتهازيين الواضحة للمذهب الماركسي فيبهم مسألة معرفة ما إذا كان من الواجب تدمير هذه الآلة، بل يخفيها من ميدان الجدال أمام خصمه ليحتمي من بأس تلك الغارة الفلسطينية التي تصدى لها، وما هي إلا غارة تافهة من عبث الطفولة!

وفضلًا عن ذلك فإنه توجد بين ماركس وكاوتسكي هوة عميقة تفصل بينهما في طريقة الخوض في مهمة حزب العمال وإعداد الطبقة العاملة للثورة.

ولنتخطَ الآن هذا الكتاب الذي كان أول ما خطه قلم كاوتسكي في هذا الصدد؛ أي إنه يعتبر التجربة الأولى له في التصدي لخصوم الماركسية، ولنلقِ نظرة على كتابه التالي الذي صار في وضعه أطول باعًا وأكثر خبرة وأثبت جنانًا، وهو الكتاب الذي خصص بالمثل شطرًا كبيرًا منه لتفنيد أباطيل الانتهازيين وأضاليلهم؛ أي كتابه المختص بالثورة الاشتراكية.

ففي هذا الكتاب جعل كاوتسكي محور كلامه دائرًا على مسألتي ثورة العمال وحكم الهيئة العاملة، فقد أودع هذا الكتاب مقدارًا كبيرًا من الآراء ذات القيمة الثمينة جدًّا، ولكنه اتبع نفس الخطة التي سبق إليها من قبل وهي اتقاء الخوض في موضوع الحكومة.

ومع أن محور هذا الكتاب يدور حول مسألة الاستيلاء على سلطة الحكومة، فإنه يرى خلوًّا من البحث في هذه المسألة! ومعنى ذلك أنه يعرض هذا السؤال الذي سبق أن منح الانتهازيين امتيازات بشأنه، وبعرضه إياه لا يتأخر عن قبول مبدأ الاستيلاء على السلطة بدون أن يتعرض لمسألة إتلاف آلة الحكومة.

ومن الغريب أن ما سبق ماركس ونعته في عام ١٨٧٢ بأنه شيء عتيق بالٍ يجب تغييره في برنامج المنشور المشاعي يعود كاوتسكي فيجدده ويجيبه في عام ١٩٠٢.

وقد خصص كاوتسكي في هذا الكتاب شذرة منفصلة «بالأشكال والوسائل التي ينبغي أن تتخذها الثورة الاشتراكية»، وفي هذا الموضوع المهم تعرض كاوتسكي للخوض في مسائل الإضراب العام السياسي والحرب الأهلية و«وسائل الحصول على حكومة عظمى حديثة الطراز على مثال الهيئة الديوانية والجيش»، ولكنه لم يورد كلمة واحدة تفصل ما أجمله في هذه المسائل على طريقة التعليمات التي كانت تعطيها المشاعية فيما سلف للعمال.

ومن الواضح أن إنجيل لم يكن مخطئًا في تحذيره الاشتراكيين عامة والألمانيين منهم على الأخص من فكرة إجلال الحكومة إلى الحد الذي يدعو إليه الانتهازيون.

وفي هذا الصدد يبدي كاوتسكي رأيه على النسق الآتي: إن هيئة العمال إذا ما تكللت مجهوداتها وفازت بتاج الانتصار في صراعها العظيم، فإنه ستنفذ البرنامج الديمقراطي، ثم إنه يبسط مواد هذا البرنامج، وأما ما أحدثته سنة ١٨٧١ بوقائعها من التغيير الجوهري الجديد فيما يختص بمسألة إحلال ديمقراطية العمال محل ديمقراطية الماليين، فلا يتعرض له كاوتسكي بكلمة واحدة.

وإنما يظهر كاوتسكي براعته في التخلص من هذا الموضوع بأقوال مبتذلة تتضمن ألفاظًا وتعبيرات ضخمة على النسق الآتي: «من المعقول أن المسألة ستسير في مجراها الاعتيادي من تلقاء نفسها، وأننا لن نتمكن من الحكم والأمور الجارية الآن باقية على حالتها، وذلك لأن الثورة تتطلب كفاحًا طويلًا شديدًا يستغرق من الوقت فسحة طويلة كافية لانتقال سياستنا الحزبية في أجلى مظاهرها من درجة إلى أخرى ملتزمة حدودها الدقيقة المرسومة لها في برنامجنا الاشتراكي الحالي.»

ومن الجلي الذي لا يحتاج إلى إيضاح ولا إلى الإدلاء بالشواهد والبراهين، أن الأمور تجري في مجاريها من تلقاء نفسها على نسق استمرار الخيول في أكل التبن والشعير، وعلى نسق استمرار تدفق مياه نهر الفلجاء في بحر قزوين.

ومن الموجب للتحسر أن كاوتسكي في مثل هذا المبحث الجليل يقتصر على إيراد الألفاظ والتعبيرات الضخمة التي تبهر الأنظار في صدد الصراع الشديد، مع أنه لا يتعرض عند ذكره هذا الصراع إلى أهم نقطة ترتبط به، وينبغي أن يفهمها العمال الثوريون، وهي معرفة ما هو كنه هذه الشدة تجاه الحكومة والديمقراطية، مما يجب مخالفة الثورات السابقة التي لم تكن مصبوغة بصبغة الهيئة العاملة.

إن كاوتسكي بتخليه عن البحث في هذا الصدد قد منح الانتهازيين امتيازًا عظيمًا في نقطة أساسية، لا نبغي التهاون فيها من جهة المذهب الماركسي الأصيل.

وقلما يهم بعد ذلك أن يتلاعب كاوتسكي بالألفاظ الضخمة التي تدوي في الآذان، بإعلانه تلك الحرب الشعواء الهائلة التي ليست سوى حرب وهمية مكتسية حلة من الألفاظ تبهر الأنظار بمثل قوله: «فكرة وثورة»، «وما قيمة هذه الفكرة إذا ما حال الخوف دون نشر الفكرة الحقيقية للثورة بين العمال»، فليضع الأمنية السامية المنشودة من وراء الثورة في مقدمة كل شيء، ليصرح كيفما شاء بأن العمال الإنجليز ليسوا الآن مطلقًا «سوى أناس من الطبقة الوسطى».

وقد كتب كاوتسكي ما يلي:

من الممكن أن تتواجد في المجتمع الاشتراكي جنبًا إلى جنب أشد الأشكال اختلافًا وتنوعًا في المشروعات العملية؛ فمن أنظمة ديوانية إلى صلات اتحادية تصل ما بين العناصر المستقلة بعضها عن بعض، إلى مشروعات تعاونية، إلى أعمال شخصية فردية …

فمثلًا توجد مشروعات لا يمكن أن تتجنب النظام الديواني، ومن هذا القبيل السكك الحديدية؛ فهذا النظام الديمقراطي يمكن أن يكون على الشكل الآتي: ينتخب العمال مندوبين منهم يكونون شكل برلمان، وهذا البرلمان يضع قانون العمل ويشرف على إدارة الجهاز الديواني.

وتوجد مشروعات أخرى يمكن أن يعهد أمر إداراتها إلى نقابات العمال، كما أنه توجد مشروعات سواها يمكن أن تنظم على مبدأ التعاون.

إن هذا البيان الذي أودعه كاوتسكي رأيه الخاص المقرون بالشطط والضلال، لا يمكن اعتباره إلا نكوصًا على الأعقاب أمام ما ظل ماركس وإنجيل يلقيانه من التعاليم الاشتراكية الصحيحة منذ عام ١٨٧١ بحسب ما استمداه من التجربة المشاعية.

ومن وجهة نظر كاوتسكي في النظام الديواني الذي يزعم أنه ضروري للسكك الحديدية، فليس فيها ما يمكن أن يحمل على الاعتقاد بوجوب تخصيص السكك الحديدية به دون أي مشروع آخر من مشروعات الصناعة الميكانيكية العظيمة، أو أي معمل أو مخزن كبير أو مشروع زراعي عظيم من مشروعات أصحاب رءوس الأموال، ففي كل نوع من هذه المشروعات توجد الشئون الفنية اللازمة لها، والتي تقتضي نظامًا وطاعة تامَّيْنِ لكي لا تتعرقل حركة الأعمال الفنية فيدعو وقوف أي آلة أو جزء من الشئون الفنية إلى ارتباك بقية آلات وأعمال هذا المشروع، وإلى تعطيل الإنتاج ومنع انتشار التجارة ورواجها، فمن الواضح إذن أن كل هذه المشروعات تقتضي بحكم تماثلها بعضها ببعض أن تكون على وتيرة واحدة من جهة عمالها الذين ينبغي «أن ينتخبوا مندوبين منهم يشكلون هيئة برلمانية تنظر وتقرر ما تراه في مصلحة العمال وتسهيل الأعمال».

والذي يهم من كل ما تقدم ويستدعي التكلم عليه بوجه أخص، هو ذلك الشكل البرلماني الذي لن يكون برلمانًا على نسق الأنظمة البرلمانية المالية، وهذا الشكل البرلماني لن يقتصر على وضع قانون العمل والإشراف على إدارة الجهاز الديواني، كما يتخيل ذلك كاوتسكي الذي لا يترامى فكره إلى أبعد من حدود البرلمان المالي.

وفي المجتمع الاشتراكي يقوم شكل برلماني مكون من نواب العمال بوضع القانون الداخلي بالطبع، وبالإشراف على أعمال الجهاز.

ولكن هذا الجهاز لن يكون ديوانيًّا، فإن العمال متى وصلوا إلى استلام أزمة السلطة السياسية لا يتأخرون عن كسر الجهاز القديم الديواني، بل عن تحطيمه من أساسه تحطيمًا تامًّا، بحيث لا يبقون منه قطعة على قطعة، ويستعيضون عنها بجهاز جديد مؤلف من عمال ومستخدمين، ولأجل منع هؤلاء العمال والمستخدمين من إعادة نظام الجهاز المحطم يجب في الحال اتخاذ سائر الوسائل التي اقترحها ماركس وإنجيل في هذا الصدد، وهي:
  • (١)

    أن نواب العمال لن يكونوا قابلين لتجدد الانتخاب فقط في كل آنٍ، بل للفصل من مراكزهم التنفيذية في كل آونة.

  • (٢)

    جعل مرتبات الجميع متعادلة في القيمة تماثل أجر أي عامل اعتيادي.

  • (٣)

    اشتراك جميع العمال في المراقبة، وفي الملاحظة بنوع يجعلهم كلهم يكونون موظفين مؤقتين؛ أي يشغلون الوظائف بالتناوب بطريقة لا تجعل أحدًا لم يشغل وظيفة، إلا أنها لا تجعل أحدًا يصير في أثناء توظيفه ذا صبغة ديوانية.

إن كاوتسكي لم يُدْخِل في سائر أقواله التي جادل بها الانتهازيين وفي آرائه التي بسطها عن الاشتراكية روح التعبير الذي تخيره ماركس لأجل تحديد شكل ومهمة المشاعية في الجملة الآتية: «إن المشاعية لم تكن مجتمعًا برلمانيًّا، ولكنها كانت جمعية عمال تسنُّ القوانين وتنفذها بنفسها.»

إن كاوتسكي لم يفهم بالمرة الفرق الموجود بين البرلمانية المالية التي تمزج الديمقراطية «غير ديمقراطية الشعب» بالديوانية «التي هي ضد الشعب»، وبين ديمقراطية هيئة العمال التي ستعجل باتخاذ سائر الوسائل اللازمة لاستئصال الديوانية من جذورها، والتي ستكون قادرة بما لها من القوة والصولة على تنفيذ هذه الوسائل تنفيذًا تامًّا، لا تنتهي منه إلا بمحو الديوانية تمامًا من حيز الوجود والاستعاضة عنها بديمقراطية الشعب.

لقد أثبت كاوتسكي في هذا المقام بكتاباته التي لا تنطبق على جميع مبادئ المذهب الماركسي تمام الانطباق أنه مثل سواه من عُبَّاد الحكومة، ومن عظيمي الاعتقاد بوجوب بقاء الشكل الديواني.

ولندع الآن كتاب كاوتسكي الثاني الذي ظهر منه أنه لم يخدم به مبادئ المذهب الماركسي، بل كان مساعدًا بسكونه عن أهم النقط الجوهرية في الاشتراكية على اشتداد سواعد خصوم هذا المذهب، ولا سيما الانتهازيين الذين يكاد يوافقهم تقريبًا في بعض تعابيرهم، ولنتقدم إلى تصفح كتابه ضد الانتهازيين وسماه «طريق السلطة» (وهذا الكتاب على ما يظهر لم يُترجم إلى اللغة الروسية؛ لأنه انتشر في أشد الأوقات تشبعًا بالروح الارتجاعية عندنا أي في سنة ١٩٠٩).

إن هذا الكتاب يدل بكتابته على أن كاوتسكي قد تلقى آراءه وقوته النفسية وجرأته على العهد السابق، فلم يتكلم في كتابه هذا عن برنامج الثورة بوجه عام كما فعل في كتابه الذي ألفه ١٨٩٩ ضد برنستاين، ولم يخض في صدد مهمة الثورة الاشتراكية بوجه خاص في الوقت الذي تشتعل فيه نيران هذه الثورة، كما فعل في كتابه «الثورة الاشتراكية» الذي نشره في سنة ١٩٠٢، بل أورد فيه مواضيع حديثة قائمة بنفسها تضطرنا إلى الاعتراف بأن «عصر الثورة» قد حان.

فالمؤلف يتكلم بوضاحة تامة عن وصول منازعات وخصومات الطبقات بوجه عام إلى الدرجة القصوى، كما أنه يتكلم عن الاستعمار الذي يقوم بتمثيل دور مهم جدًّا في ظل هذه المنازعات والخصومات، ويقول بعد «العهد الثوري الذي امتد من ١٧٨٩ إلى ١٨٧١» في غرب أوروبا: ابتدأ منذ عام ١٩٠٥ عهد جديد مماثل لذلك العهد ولكنه في الشرق، إن الحرب العالمية تقترب بسرعة صاعقة، «فلا يجوز إذن لهيئة العمال أن تتكلم عن الثورة قبل حلول أوانها»، «لقد وصلنا بالفعل إلى عهد الثورة».

«قد ابتدأ بالفعل العصر الثوري.»

إن هذه التصريحات في منتهى ما يكون من الوضوح، وهذا الكتاب الذي خطه يَراعُ كاوتسكي يمكن الاستدلال به على ما كانت ترمي إليه الاشتراكية الديمقراطية الألمانية قبل نشوب الحرب الاستعمارية التي ما كادت تشب نيرانها حتى سقطت تلك الاشتراكية «بما فيها كاوتسكي نفسه».

ثم كتب كاوتسكي يظهر ما تنطوي عليه بواطن العمال الألمانيين قائلًا:

إن الحالة الحاضرة تجعلنا تحت خطر اعتبارنا بسهولة «نحن الاشتراكيين الديمقراطيين الألمانيين» شديدي التساهل والتفريط في مبادئنا الاشتراكية أكثر مما نحن كذلك في الحقيقة.

إلا أن الحقيقة قد أظهرت أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني أكثر تفريطًا وتساهلًا في مبادئه واقترابًا إلى الانتهازية مما كان يظهر عليه قبل نشوب الحرب!

ومن أغرب المستغربات أن كاوتسكي بعد أن صرح بمنتهى الوضوح والتأكيد أن عصر الثورة قد حان في كتابه الذي يقول عنه في تعبيره الخاص بأنه إنما وضعه ليحلل به «الثورة السياسية» يهمل إهمالًا تامًّا مسألة الحكومة مرة أخرى.

فمن كل هذا التعمد في النسيان، وهذا السكوت المستديم، وهذا التهرب المتوالي، لا يمكن أن يتجه الظن في آخر الأمر بعد الحساب الدقيق للبحث العميق إلا إلى اعتبار هذه الأمور انتقالًا تامًّا إلى الانتهازية، كما سيظهر هنا فيما يلي:

إن الاشتراكية الديمقراطية الألمانية تتراءى كأنها تنطق في شخص كاوتسكي بما يلي: إني لأحتفظ بآرائي الثورية التي كنت متشبعا بها في سنة ١٨٩٩، ولا أزال أذهب إلى عدم جواز الانتخاب الثوري الاشتراكي في هيئة العمال كعهدي في سنة ١٩٠٢، واعتقادي هو أننا قد أصبحنا في عصر الثورات الجديد كما صرحت في ١٩٠٩، ومع ذلك فإنني لا أتأخر عن التمسك بالمبادئ التي أعلنها ماركس سنة ١٨٥٢ حينما تعرض لحل مسألة مهمة الثورة العاملية تجاه الحكومة كما وضحت في سنة ١٩١٢.

فهذه هي خلاصة المجادلة التي ناقش بها كاوتسكي مناظره بانكويك.

(٣) تجادل كاوتسكي وبانكويك

إن بانكويك كان يمثل تجاه كاوتسكي الشعور المتطرف في الجانب الأيسر؛ إذ يندمج إلى جانبه كل من روزا ليكسبمرج وكارل راديك وسواهما ممن يقومون بدور الثورة، وقد اختار كاوتسكي إزاءهم خطة حزب الوسط الذي لم يتخير له مبدأ معينًا، بل ظل متراوحًا بين الماركسية والانتهازية.

وقد جاءت الحرب العامة كمحبذة لهذه الوجهة النظرية، فإن سياسة حزب الوسط «التي كانت تسمى زورًا وخطأً بالماركسية» أو الطريقة الكاوتسكية قد انكشفت عن دخيلة أمرها، وظهرت في أبشع مظهر مستوجب للنفور والاحتقار.

وقد وصف بانكويك كاوتسكي في مقالة خصصها بمسألة الحكومة عنوانها «عمل الجماهير في الثورة» (نشرت في النيوزيت سنة ١٩١٢)؛ لأنه في مركزه يمثل التطرف الإيجابي، أي نظرية الانتظار بجمود، وقال عنه إنه لا يريد أن يرى شبوب الثورة.

إن بانكويك لعرضه المسألة على هذه الصورة تعرَّض للموضوع الذي يهمنا كثيرًا، وهو مهمة ثورة الهيئة العاملة إزاء الحكومة.

وفي هذا الصدد يقول بانكويك في مقالته المتقدم ذكرها ما يلي:

إن الصراع الذي يجب أن تقوم به هيئة العمال لا ينبغي أن يكون مقصورًا على مكافحة هيئة الأعيان والماليين لأجل الحصول على سلطة الحكومة، بل يجب أن يكون مكافحة سلطة الحكومة نفسها …

إن ثورة الهيئة العاملة ترمي إلى إبادة أدوات قوة الحكومة، وإلى إزاحتها (بحسب الاصطلاح الأدبي: تشتيتها والكلمة الألمانية آفلو سونج) بواسطة أدوات قوة الهيئة العاملة … ولا يمكن أن ينتهي الصراع إلا إذا أمكن الحصول على النتيجة الحاسمة، وهي تحطيم نظام الحكومة بأكمله.

وسيدل نظام الأغلبية على تفوقه وسموه بعد محو نظام الأقلية المتحكمة.

والطريقة التي يوضح بها بانكويك آراءه في هذه الرسالة لا تُبقي موضعًا للتساؤل، فإنه قد أفاض في البحث والإثبات إلى حد الإقناع التام.

وبعد مثل هذه الوضاحة لم يكن لنا بد من أن نعرف كيف حاول كاوتسكي أن ينقد آراء بانكويك؟ وهذا ما قاله في هذا الصدد:

إلى الآن كان الفرق ما بين الاشتراكيين الديمقراطيين والفوضويين قائمًا على أن الأُوَل يريدون الاستيلاء على سلطة الحكومة، والآخرين يريدون محوها، أما بانكويك فيريد هذا وذاك.

وإذا كان بانكويك لم يحل بعض الغموض اللاحق ببيانه، ولم يحط بسائر أطراف المسألة التي تصدى لها — بدون التعرض لسائر أوجه النقص الأخرى التي تضمنتها مقالته، وليس لها دخل في المسألة التي تتكلم الآن عنها — فإن كاوتسكي قد انتهز الفرصة، ووضع يده على المبدأ الأساسي الذي قرره هو نفسه، وبموجب هذا المبدأ الجوهري يرفض نهائيًّا التمسك بالمذهب الماركسي، ويعتنق المبدأ الانتهازي اعتناقًا تامًّا.

على أن الفرق الذي أوجده بين الاشتراكيين الديمقراطيين والفوضويين، هو في الواقع شطط بالغ يُخْرِج المذهب الماركسي إخراجًا تامًّا عن طبيعته، أو بمعنى آخر يراقبه تمام المراقبة.

إن الفرق بين الماركسيين والفوضويين ينحصر في النقط الآتية:
  • (١)

    أن الأُوَل مع اقتراحهم استئصال شأفة الحكومة، لا يرون هذا الغرض قابلًا للتحقق إلا بعد محو الطبقات بواسطة الثورة الاشتراكية، باعتبار هذا المحو نتيجة مترتبة على ارتقاء الاشتراكية إلى مرتبة الحكم، الارتقاء الذي يؤدي إلى استئصال الحكومة، وأما الآخرون فيريدون إبطال الحكومة نهائيًّا ما بين يوم وآخر بدون أن يدركوا العواقب التي تنجم عن تحقيق هذا الإبطال.

  • (٢)

    يطالب الأولون بوجوب استيلاء هيئة العمال على السلطة السياسية بالقضاء التام على الآلة الحكومية العتيقة، وبالاستعاضة عنها بأداة جديدة تتألف من تنظيم العمال المسلحين على النسق الذي اختارته المشاعية، وأما الآخرون فبمطالبتهم بإفناء الآلة الحكومية لا يعرفون مطلقًا معرفة بيِّنة بماذا تستعيض هيئة العمال عن تلك الآلة، ولا في أي شيء تستخدم سلطة الثورة، بل إن الفوضويين يستنكرون تمام الاستنكار استخدام سلطة الحكومة التي تستولي عليها هيئة العمال الثورية، وكذلك يستنكرون التجاء هيئة العمال إلى السلطة المطلقة الثورية.

  • (٣)

    أن الأولين يريدون أن يرشحوا هيئة العمال للثورة بالاستفادة من جانب الحكومة ذات الطراز الحديث، وأما الفوضويون فلا يريدون ذلك.

أن بانكويك في هذه المنازعة هو الذي يمثل المذهب الماركسي ضد كاوتسكي، فإن ماركس بالتأكيد هو الذي يوحي إلى هيئة العمال أنها لا تستطيع الاستيلاء بلا تبديل وببساطة على سلطة الحكومة؛ لأنها لو فعلت ذلك لما زادت على نقل أداة الحكومة العتيقة كما هي إلى قبضتها، في حين أن المطلوب منها إنما هو وجوب كسر هذا الجهاز وتحطيمه والاستعاضة عنه بجهاز جديد.

إن كاوتسكي يتخلى عن الماركسية ليعتنق الانتهازية، وفي الواقع فإنه لا يذهب إلى وجوب إتلاف أداة الحكومة، وهو الشيء الذي لا يقبله الانتهازيون بتاتًا، وبهذه الطريقة يفتح لهم ثغرة يصلون منها إلى تأويل لفظة الاستيلاء على السلطة؛ لأنه مجرد حصول الأغلبية على هذه السلطة.

ولكي يثبت كاوتسكي هذا التشويه الذي أحدثه في المذهب الماركسي يتبع الطريقة المدرسية؛ أي طريقة الاستدلال، ويستشهد بجمل من أقوال ماركس.

فمن ذلك أن ماركس في سنة ١٨٥٠ كان يتكلم عن وجوب إيجاد مركزية شديدة جدًّا تنحصر بواسطتها القوى بين أيدي السلطة الحكومية، فأراد كاوتسكي أن يتخذ من هذا القول تكأة يتوسل بها للانتصار على بانكويك في المجادلة الدائرة بينهما، فقال: «أفلا يريد بانكويك بما يذهب إليه أن يهدم بناء المركزية؟»

إن هذا الضرب من التدجيل والتلاعب يذكرنا بما حاوله برنستاين من توحيد الماركسية والبرودونية، بمناسبة المبدأ الاتحادي، والمبدأ المركزي الذي حاول برنستاين أن يوجد تطابقًا بين ماركس وبرودون بخصوصها.

إن الجمل التي يسردها كاوتسكي من أقوال ماركس تتراءى كشعور انحدرت في آنية المرق (أي إنها شيء غريب عن الموضوع ليس لوجوده فيه أدنى فائدة). إن المركزية يتفق وجودها مع أداة الحكومة القديمة كما يتفق مع الأداة الجديدة، فإذا ما وحَّد العمال بمحض اختيارهم قواهم المسلحة، فإن عملهم هذا لا يعتبر شيئًا آخر سوى المركزية، إلا أنه يكون مرتكزًا على إتلاف الجهاز الحكومي المركزي المؤلف من الجيش الدائم والبوليس والديوانية إتلافًا تامًّا.

إن كاوتسكي قد سلك في الحقيقة مسلكًا مخالفًا للشرف باطراحه جانبًا البيانات البديعة الشهيرة التي بسطها إنجيل وماركس عن المشاعية، وبإجهاد نفسه في البحث عن أقوال يسددها في معرض الاستشهاد والتدليل مع أنها لا علاقة لها مطلقًا بالمسألة التي تصدى للبحث فيها.

واستمر كاوتسكي على مساجلة بانكويك قائلًا:

أفيجوز أن يكون بانكويك متطلبًا إلغاء وظائف الحكومة ذات الموظفين؟ ولكننا لن نصير نحن موظفين لا في نظام الحزب ولا في أنظمة الحِرَف والمهن، إلا إذا بحثنا في نظام الإدارة الحكومية، فبرنامجنا لا يتطلب إبطال وظائف الحكومة، بل يتطلب انتخاب الموظفين بواسطة الشعب …

والذي يهم البحث فيه الآن لدينا ليس الشكل الذي يشكل به الجهاز الإداري فيه «الحكومة الآتية»، بل معرفة ما إذا كان صراعنا السياسي سيحطم (اللفظ الأدبي: سيفكك) سلطة الحكومة قبل أن نستولي عليه، وأية وزارة بموظفيها يمكن إلغاؤها.

وبعد أن سرد أسماء وزارات المعارف العمومية والعدلية والمالية والحربية قال:

لا توجد واحدة من الوزارات الحاضرة يرمي صراعنا السياسي ضد الحكومة إلى إلغائها … إنني أكرر هذا القول ليزول سوء التفاهم؛ وهو أن الذي تهم معرفته ليس الشكل الذي ستتشكل به الحكومة الآتية في عهد الاشتراكية الديمقراطية المنتصرة، بل كيف تتوصل معارضتنا إلى تغيير شكل الحكومة الحاضرة.

إن هذا في الحقيقة تلاعب بالعقول، فبانكويك يطرح على بساط البحث مسألة الثورة بوضوح يتجلى في عنوان المقالة، وفي الشذرات التي اقتبسناها منها، فيجيء كاوتسكي بمحاولات يريد بها إقصاء النقطة الأساسية من موضوع البحث، جاعلًا همه الأكبر جعل المسألة المراد تحليلها والبت فيها هي المعارضة لا الثورة، وبهذه الطريقة يستعيض كاوتسكي عن وجهة النظر الثورية بوجهة النظر الانتهازية، وبعد البحث والمجادلة ينتهي إلى نقطة المعارضة: فالمسألة الآن لا تدور إلا حول محور المعارضة، وبعد الاستيلاء على السلطة فهنالك يمكننا أن نتكلم عن أي شيء آخر، أما الثورة فقد اختفت وتلاشت ظلالها … وهذا بالتأكيد ما يتمناه الانتهازيون وما يعملون لأجله بكل قواهم.

على أن تلاعب كاوتسكي لا يجوز على العقول، فمدار البحث والذي يهم معرفته ليست المعارضة ولا الصراع السياسي بوجه عام، بل الثورة فقط.

وإذا ما أردنا أن نتكلم في الثورة فلا ينبغي أن نتكلم فيها إلا باعتبار أنها ستؤدي بالهيئة العاملة إلى هدم كيان الجهاز الإداري خاصة، والجهاز الحكومي برمته بوجه أعم، للاستعاضة عنه بجهاز آخر مؤلف من العمال المسلحين.

أما كاوتسكي فينفلت من هذا الموضوع، فيذهب بعيدًا جدًّا ليظهر تدجيله المتناهي للوزارات التي لا ندري لماذا لا يمكن الاستعاضة عنها بلجنات فنية تكون قائمة بجانب المجالس السوفيتية الحاكمة ذات القوة العظيمة المؤلفة من نواب العمال والجنود؟

وإذا كنا قد عمدنا إلى الاستدراك على كاوتسكي بما تقدم، فليس هذا لأننا نجد هذا الاستدراك جوهريًّا في الوقت الحاضر، بل لأننا أردنا فقط أن نزيل ما قد يرسخ في الأذهان من تأثير تلاعبه، أما الأمر الجوهري الآن، أو المسألة التي ينبغي الفصل فيها، فهي معرفة ما إذا كانت أداة الحكومة القديمة «المشتبكة بالطبقة المالية بآلاف من الأسلاك التي تدير عجلات هذه الآلة» ستظل باقية، أو سيُقضى عليها بالفناء والاستعاضة عنها بأداة جديدة، وسواء بعد ذلك أبقيت الوزارات أم حلت محلها لجان اختصاصية أو أية هيئة أخرى كائنة ما كانت.

إن الثورة يجب أن تكون قائمة لا على قاعدة إدارة الطبقة الجديدة شئون الشعب بمعونة أداة الحكومة القديمة، بل على قاعدة إفناء هذه الأداة وإدارة الشئون العامة بمعونة أداة جديدة، هذا هو الرأي الأساسي للمذهب الماركسي الذي يحاول كاوتسكي أن يتلاعب به، اللهم إلا إذا كان لم يفقه شيئًا منه مطلقًا.

إن المسألة التي بسطها كاوتسكي بخصوص الموظفين تدل بوجه واضح على أنه لم يفهم الدروس التي ألقتها المشاعية ولا المذهب الماركسي، فهو يقول في هذا الصدد: «إننا لا نتحول بلا موظفين في نظام الحزب ولا في الأنظمة الفنية.»

إننا لن نتحول بلا موظفين تحت حكم رأس المال وتحت سيادة فئة الأعيان والماليين، وما ذلك إلا لأن الهيئة العاملة تظل مضطهدة، بل تظل جماهير الصناع المشتغلين بسائر الحرف الأخرى تحت الاسترقاق في عهد رأس المالية.

إن الديمقراطية تحت التحكم رأس المالي تمسخ وتشوه وتبدل معالمها بكل ضروب الاسترقاق المأجور والشقاء والامتهان الذي تُصاب به الجماهير، وهذا هو الباعث الوحيد الذي يجعل الموظفين والفنيين ملوثين بأدران النقائص في أنظمتنا السياسية والفنية الحاضرة.

«وإذا لم يكونوا مرتكبين بالفعل النقائص فإنهم لا يتجردون من الميل إلى ارتكابها»، وإنما حملتهم على هذه الأمور الأوساط المالية التي جعلتهم بطرقها الخاصة يميلون إلى التحول إلى مستخدمين ديوانيين؛ أي إلى أشخاص ممتازين منفصلين عن الجماهير ومختصين بالتحكم فيها.

فهذا هو معنى الديوانية التي ما دام أصحاب رءوس الأموال لم يتجردوا من رءوس أموالهم، وما دام الأعيان والملاك لم يُغلبوا على أمرهم، فإنها تظل سائدة حتى على مستخدمي هيئة العمال في حالة استيلائها على أزمة الحكم، ولا يمكن التخلص منها.

إن كاوتسكي يذهب إلى أنه في اللحظة التي يسير فيها تعيين مستخدمين منتخبين تتواجد فيها على الفور هيئة الموظفين تحت الحكم الاشتراكي، وبهذه الطريقة تظل الديوانية موجودة! وليس ما هو أبعد عن الصواب والواقع من هذا الاستنتاج الغريب، فإن ماركس قد أظهر بالطريقة التي اتبعتها المشاعية أن المستخدمين في العهد الاشتراكي لا يصيرون ديوانيين؛ أي موظفين، ويبطل اعتبارهم بهذه الصفة في الحال على أثر تعيينهم في الأعمال العامة بواسطة الانتخاب بالاقتراع العام، وعلى أثر اعتبارهم قابلين للعزل في كل وقت، وعقب خفض مرتباتهم إلى متوسط أجر العامل الاعتيادي، والاستعاضة عن الأنظمة البرلمانية بأنظمة العمل؛ أي بالطريقة التي تجعل ممثلي الشعب يسنون القوانين وينفذونها بأنفسهم، ويتحققون من نتائجها بأنفسهم أيضًا.

وحقيقة الأمر أن مجادلة كاوتسكي مع بانكويك وإقامته الأدلة ضد خصمه، وعلى الأخص إثباته بطريقة متلاعبة بديعة ضرورة وجود الموظفين في الأنظمة الفنية وفي الحزب، هما طريقتان تتبعان بمهارة في إعادة أدلة برنستاين القديمة ضد المذهب الماركسي.

إن الجاحد برنستاين في كتابه «قواعد الاشتراكية» يشن الغارة الشعواء على الفكرة المبدئية للديمقراطية، وعلى ما يسميه الديمقراطية المذهبية، وعلى التفويضات الأمرية، والخدمات التي لا مرتب لها، والتمثيل (أي النيابة) المركزي الذي لا سلطة له إلى غير ذلك.

ولكي يثبت برنستاين عدم فائدة الديمقراطية المبدئية — يريد بذلك الديمقراطية الواصلة إلى أقصى درجات الحرية أي الخالية من الشوائب، وبمعنى أوضح التي على الفطرة الأولى، وهي منتهى ما يحلم به الاشتراكيون وبنوع أخص الماركسيون — اعتمد في استدلاله على التجربة المشاهدة في المملكة الإنجليزية المتحدة المعبر عنها بالقرينين ويب — أي بزوجية ويب — فإن هذا الاتحاد ظل السبعين سنة الأخيرة، وهو آخذ في الرقي المضطرد الذي لم يكن للديمقراطية المبدئية دخل فيه، بل كان وهو في اضطراده تحت ظل الحرية التامة متمسكًا بالبرلمانية العادية المنتظمة على النسق الديواني؛ ولهذا فإنه استعاض بها عن الديمقراطية المبدئية.

حقيقة الأمر هو أن الاتحاد الإنجليزي لم ينمُ ولم يرقَ في ظل الحرية التامة، ولكن في ظل الاستعباد التام المالي، وتحت هذا الحكم لم يكن يوجد بطبيعة الحال سبيل للحصول على سلسلة امتيازات من تلك الداهية الدهماء المتحكمة؛ أي الاستعباد المالي ذي الأنانية والسلب والكذب، وحرم الفقراء من الإدارة العليا.

أما في ظل الاشتراكية فتنتعش الديمقراطية المبدئية بالطبع؛ لأن جمهور الأهالي سيتمتع لأول مرة في تاريخ المجتمعات المتمدينة بالارتقاء إلى درجة الاشتراك المستقل لا في الانتخاب والنيابة فقط، بل في الإدارة اليومية بالمثل.

ففي ظل الاشتراكية سيتولى الحكم كل امرئ في دوره، ثم يعتاد مع توالي الزمن على أن لا يصبح أحد حاكمًا.

ولقد رأى ماركس بقريحته النقادة المحللة في القرارات العملية التي نفذتها المشاعية، تلك الثورة المنشودة التي يهابها الانتهازيون جدًّا، ويتحاشون الاعتراف بها خوفًا ونفورًا من أن يقاطعوا نهائيًّا الطبقة المالية السامية التي يعيشون في كنفها عيشة الفخفخة والرغد، كما يأتي الفوضويون أن يروها إما لسرعة اندفاعهم، وإما لعدم فهمهم مقتضيات الأحوال التي يستلزمها كل تطوير يطرأ على الجماهير بوجه عام.

«بل يجب التفكير في إتلاف أداة الحكومة العتيقة، وإلا فماذا يكون من أمرنا لو أصبحنا بغير وزارات وموظفين؟» هذا ما يقوله الانتهازيون المُتَشبعون بالروح الفلسطيني — أي بالذل والخوف نسبة إلى الفلسطينيين أي الإسرائيليين المشهورين بالمهانة والجوع — الذين لا يقتصرون على الاعتقاد بعدم إمكان شبوب الثورة، بل لا يعتقدون بالمثل بوجود القريحة التي تخلق الثورة، ويخافون من حدوثها خوفًا قائلًا «كأصحابنا المنشفيك وزملائنا الاشتراكيين الثوريين».

«يجب أن لا نلجأ إلا إلى وسيلة احتياطية وحيدة، أي إلى إتلاف الأداة الحكومية العتيقة، ومن العبث التطلع إلى اختبار الدروس العلمية التي ألقتها الثورات التي قامت بها هيئات العمال فيما مضى، وفي قضاء الوقت سُدًى في التساؤل بماذا وكيف نستعيض عما صار أنقاضًا متفرقة»، وهذا ما يذهب إليه الفوضويون — بالطبع خيرة الفوضويين الذين ليسوا على شاكلة كروبرتكيني ورفقائه المستحبين خلف أذيال المالية — وبهذه الطريقة يتمشى الفوضويون إليَّ بهمة اليأس لا إلى ساحة العمل الثوري المحسوس الجريء الذي لا يغشاه الليان، ولكنه في الوقت نفسه قائم على أساس الفطنة وتوفر شروط الحركة في الجماهير.

على أن ماركس قد علمنا أن نجتنب هذين الخطأين، فأرشدنا إلى أن نتلف أداة الحكومة العتيقة تمامًا بجرأة على شرط أن نحل في الوقت نفسه هذه المسألة الجوهرية؛ وهي أن المشاعية في بضعة أسابيع استطاعت أن تشرع في إقامة أداة الحكومة الجديدة من هيئة العمال، وبهذه الوسيلة تمكنت من إيجاد ديمقراطية في منتهى الكمال، ومن إبطال الطريقة الديوانية، فلنتعلم إذن من المشاعيين الجرأة الثورية، ولنتخذ لنا من وسائلهم العملية نموذجًا للإصلاحات العملية الأساسية التي يمكن تنفيذها في الحال، وباتباعنا هذه الطريقة هنالك يمكن الوصول إلى إبطال الأسلوب الديواني برمته.

وهذا الإبطال سيكون في منتهى السهولة، ويساعد الاشتراكية على تقصير يوم العمل — أي جعل ساعات العمل قليلة — وعلى إنهاض الجماهير ورفعها إلى حياة جديدة، وعلى جعل معظم الأهالي في حالة تمكنهم جميعًا من تأدية وظائف الحكومة، وهذا ما سيؤدي على توالي الأيام إلى الاستغناء عن كل حكومة بوجه عام.

ثم قال كاوتسكي:

إن مهمة الإضراب العام عن العمل لا يمكن أن تكون محو السلطة الحكومية، بل العمل لأجل حمل الحكومة على إجابة مطالب مختصة بمسألة معروضة، أو الاستعاضة عن الحكومة المعادية لطبقة العمال بحكومة تجيب هذه الطبقة إلى مطالبها …

ولكن من المستحيل على أي حال من الأحوال أن يؤدي هذا الأمر — أي انتصار الهيئة العاملة على الحكومة — إلى محو سلطة الحكومة، بل يقضي فقط إلى تغيير بعض القوى في داخل سلطة الحكومة … وعلى ذلك فالغرض المنشود من سياستنا في هذا الصدد يظل على عهده السالف مقصورًا على الفوز بسلطة الحكومة بواسطة الحصول على الأغلبية في البرلمان، وتحويل البرلمان إلى حكومة ذات سيادة.

إن هذا الرأي لَمنتهى التلبس بالانتهازية المحضة المشهورة، والعدول الحقيقي عن الثورة التي لا يجنح إليها كاوتسكي إلا في غرض كلامه فقط.

على أن رأي كاوتسكي هذا لا يتعدى دائرة التفكير في إيجاد حكومة موافقة للعمال فقط، وهذا تقهقر إلى الأفكار الاشتراكية التي كانت سائدة في سنة ١٨٤٧؛ إذ كان المنشور المشاعي يرمي إلى تنظيم هيئة العمال في شكل طبقة حاكمة.

وقد قبل كاوتسكي الذي يزعم أنه يمثل المذهب الماركسي ويدافع عنه أن ينحط بأفكاره إلى تلك الآراء القديمة؛ ليتمكن بواسطتها من التحالف المحبوب لديه مع أنصار شيدمان وبليخانوف وفندرفيل، الذين يتحدون جميعًا في فكرة واحدة، وهي القيام بصراع عظيم لأجل إيجاد حكومة موافقة لهيئة العمل.

أما نحن فعلى عكس هؤلاء الخارجين على الاشتراكية والعاملين على إفساد مبادئها الجوهرية، ونحن نقاطعهم، وسنظل قائمين بصراعنا الدائم لأجل محو كل الأداة الحكومة القديمة لتتمكن هيئة العمال المسلحة من أن تصير هي نفسها الحكومة التي تتولى إدارة وتنظيم الشئون العامة.

وبالطبع فإن هذا الصراع الذي نتمسك به نحن يناقض ويخيف كاوتسكي الذي يأبى إلا أن يبقى عضوًا عاملًا ومهمًّا في الشركة المحبوبة المؤلفة من أقرانه وموافقيه على آرائه الانتهازية أمثال ليجيين ودافيد وبليخانوف وبوتريسوف وتسيريتيللي وتشيرنوف، الذين اتفقت كلمتهم على مواصلة الكفاح الجدلي السلمي لإحداث تغيير في القوى الداخلية الموجودة في سلطة الحكومة لأجل الحصول على أغلبية البرلمان، ولإكساب البرلمان نفوذًا عظيمًا جدًّا على الحكومة، وإنها لفكرة نبيلة وأُمنية سامية لأجل الحصول عليها كل شيء يصبح مقبولًا وسهلًا في نظر الانتهازيين، وحينئذ فآمال وأحلام هؤلاء القوم محصورة في دائرة ضيقة لا تتعدى نطاق الجمهورية المالية البرلمانية.

أما نحن فإننا نمحص كل الصلات التي يمكن أن تربطنا بالانتهازيين في بعض النقط، ولا نجعل لنا أي ارتباط أو اتفاق معهم، وإننا لا نتأخر عن إثارة الغارة الشعواء عليهم، والهيئة العاملة المتمسكة بالمذهب الماركسي ستنضم إليها بأجمعها في هذا الصراع الذي لا يُراد به طبعًا إحداث تغيير في القوى، بل يقصد به إسقاط هيئة الأعيان والماليين، ومحو آثار البرلمانية المالية للتمكن من إيجاد جمهورية ديمقراطية على نسق المشاعية، أو جمهورية مؤلفة من مجالس السوفيت ومندوبي العمال والجنود؛ أي إننا نكافح في سبيل الحصول على الحكم المطلق الذي يجب أن تظفر به ثورة الهيئة العاملة.

•••

توجد في الاشتراكية الدولية تيارات من الآراء والمبادئ أقرب إلى السداد وأقوم نزعة من آراء كاوتسكي، وهذه التيارات تسبح فيها مخيلات رجال أعظم شأنًا وأكثر ظهورًا في عالم الصحافة والتأليف في الدوائر البرلمانية من كاوتسكي، وهم بالطبع لا يتفقون معنا في مبادئنا الأساسية، ولكنهم على كل حال أصرح وأجرأ على إبداء وجهة نظرهم بحرية تامة لا يشوبها تلاعب من كاوتسكي الذي يزعم أنه ماركسي المذهب، وهو في الحقيقة لا يستقر على حال من القلق.

وهؤلاء السادة المنتمون إلى الحزب يستنكرون بلا مواجهة وبلا رياء طريقة حكم العمال المطلق، ويجاهرون بميولهم الانتهازية الواضحة التي ليس للتلاعب والمداجاة أقل مسحة عليها.

فعند هؤلاء السادة أن حكم العمال المطلق يناقض الديمقراطية، فهم إذن في حقيقة الأمر لا يختلفون أدنى اختلاف عن الديمقراطيين الماليين!

وبهذه المناسبة يمكننا أن نختم بحثنا هذا بأن نقول: إن الاشتراكية الدولية الثانية سقطت بأغلبية ممثليها الرسميين الهائلة إلى الحضيض الأسفل من هوة الانتهازية.

فإنها لم تقتصر على تناسي التجربة المشاعية برمتها، بل تخطت هذا النسيان إلى إخراج تلك التجربة عن طبيعتها وتشريدها في طريق أخرى بعيدة عن حقيقة ما كانت ترمي إليه.

ولم تكتفِ الاشتراكية الدولية الثانية بعد إفهامها جماهير العمال اقتراب الآونة التي يجب عليهم أن ينهضوا فيها بكسر أداة الحكومة العنيفة والاستعاضة عنها بأداة جديدة، وجعل سلطتهم السياسية التي يحصلون عليها بحكم التسلسل أساسًا لكل الإصلاحات الاشتراكية التي يريدون إحداثها في نظام الهيئة الاجتماعية؛ نقول: إنها لم تكتفِ بهذا الإهمال، بل لقد تخطته إلى إفهام تلك الجماهير عكس ذلك، وأبقت آلافًا من الأبواب المفتحة في بناء «الاستيلاء على السلطة» بدرجة تجعل الانتهازية تتغلغل من كل جانب في صلب الاشتراكية.

لقد أحدث تشويه أو تناسي «مسألة مهمة ثورة العمال إزاء الحكومة» تأثيرًا هائلًا جدًّا في الوقت الحاضر، استفادت منه الحكومات المزودة بالجهاز العسكري، فاندفعت شوطًا بعيدًا في ميدان المزاحمة الاستعمارية حتى انقلبت إلى وحوش متقاتلة تغتال أرواح الملايين من الرجال للفصل فيمن ستسود على العالم أجمع إنجلترا أو ألمانيا؛ أي رأس المال الإنجليزي أو رأس المال الألماني.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤