أن تملك أو أن تكون: الإنسان بين الجوهر والمظهر

١

كتاب «إريك فروم» الذي ترجمه «سعد زهران» إلى العربية بعنوان «الإنسان بين الجوهر والمظهر» — سلسلة عالم المعرفة (١٩٨٩) — ليس هو الكتاب الوحيد ولا الأول الذي يحاول الدخول لإشكاليات الحضارة الصناعية الحديثة، ربما حتى ليس الأفضل أو الأعمق؛ لكنه مع ذلك كتاب مضيء، يمكنكَ أن تلمح النور في بعض أفكاره، وفي كثيرٍ من مقاطعه.

كما نلاحظ من العنوان الأجنبي للكتاب to have or to be «أن تملك أو أن تكون»؛ تقوم فكرة الكتاب على التفريق بين نمطين من أنماط الشخصية: نمط التملُّك، ونمط الكينونة أو الوجود. وهو يبيِّن كيف كان هذا التفريق أو هذا الاختيار بين النمطين قضيةً أساسيةً في تعاليم أساتذة الحياة العِظَام، مشيرًا في هذا السياق إلى بوذا، والمسيح، وإيكهارت.

ومن أجل توضيح الفارق بين النمطين، يشير في البداية إلى قصيدتين تناولتا ظاهريًّا موضوعًا واحدًا؛ إحداهما للشاعر الإنجليزي «تنسون» (القرن التاسع عشر)، والأخرى للشاعر الياباني «باشو» (القرن السابع عشر). يقول تنسون:

يا زهرةً في الجدارِ المتصدع
إني أنتزعُكِ منْ بينِ الشقوق
وأقبضُ عليكِ، هنا في يدي بجذورِكِ وكيانِكِ كلِّه
أيَّتُها الزهرةُ الصغيرةُ، آهِ لو أستطيعُ أن أفهم
ماذا تكونين! جذوركِ وكيانكِ جملةً وتفصيلًا
إذن لعرفتُ اللهَ والإنسان.

بينما يقول باشو:

وإذ أنظرُ وأمعنُ النظر
أرى النازونا مزدهرةً
في سياجِ النباتات.

وهو يشير هنا إلى نمطين واضحين متمايزين في التعامل مع الطبيعة؛ يلجأ الأول لانتزاع الوردة وقطفها، أو بالأحرى امتلاكها لكي يتأمَّلَها، بينما يلجأ الثاني إلى تأمُّل الزهرة في مكانها؛ ليمارس هذه الصلة معها بوصفها كائنًا حيًّا. وكما بدأ الكاتب من الشعر أشار بعد ذلك مباشرة إلى ظاهرة لغوية تتمثَّل في انتشار الأسماء في اللغات الغربية في أطوارها الأخيرة على حساب الأفعال، وهو ما يراه معبِّرًا عن التغييرات التي مرَّتْ بها هذه المجتمعات نحو الاتجاه التملُّكي؛ فالأسماء هي «الرموز المناسبة للأشياء».

٢

مع تزايُد الإحساس بالحُرِّية نتيجة نهاية الإقطاع، وتزايُد الاعتقاد بإمكان تحقيق الرفاهية الشاملة، قَوِيَ التوجُّه التملكيُّ عند كافة الطبقات، ورغم أنَّ هذه الرفاهية وتلك الحرية لم تُصِبْ إلا الطبقات العليا والمتوسطة؛ فإن الطريقة التي جرى بها عَرْضُ الأمر وفَهْمُه صَوَّرت أن وصولهما للجميع هو مسألة وقت فحسب.

لكنَّ تطوُّرَ الأمور أثبت أن التوجُّه الاستهلاكيَّ لم يؤدِّ إلى السعادة، وأن حُلم السيطرة على الطبيعة أدَّى إلى تحوُّل الإنسان نفسه إلى مجرَّد ترسٍ في الآلة البيروقراطية، بالإضافة إلى ما أدَّى إليه هذا التطوُّرُ نَفْسُه من إضرار بالطبيعة؛ في حين أن الوفرة والحرية ظلَّتا مقتصرتين على البعض (دولًا وأفرادًا) دون البعض الآخر. ويُرجِع الكتابُ إخفاقَ هذه الوعود إلى مقدمتين نفسيتين أساسيتين؛ أولاهما: الاعتقاد أن تحقيق اللذة والسعي وراءها هو الهدف الوحيد من الحياة، أما الثانية: فتتمثَّل في تصوُّر إمكانية أن يؤدِّي السعيُ إلى المصلحة الشخصية بشكلٍ أنانيٍّ إلى السعادة والانسجام. ويوضِّح كيف أعلى عددٌ من فلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر من المصلحة الفردية، وكيف كانت الغاية الأسمى من وجهة نظر بعضهم هي تحقيق كلِّ رغبات الإنسان، مشيرًا في هذا السياق إلى أن مفهوم اللذة — بهذا المعنى — لم يتمَّ إعلاؤه قبل العصر الحديث في أي فترة كمعيارٍ أخلاقيٍّ لدى الفلاسفة الكبار، والاستثناء الوحيد في هذا السياق هو «أريستوبوس»، أما «أبيقور» فقد كان يعتبر اللذة هي الهدف الأسمى، لكنه كان يرى أنَّ الإفراط فيها يؤدِّي إلى الألم والإحباط، وهو ما يستدعي الترشيد والسيطرةَ على الشهوات. ورغم أن الطبقات الأكثر غنًى مارست هذه الحياة في فترات مُعَيَّنة، إلا أنها لم تكن أبدًا نظرية للحياة الطيِّبة في نظر المعلمين الكبار.

٣

يحاول الكِتابُ إضفاءَ المزيد من الوضوح والتفصيل على الأسلوبين من خلال المقارنة بين كيفية تعامُل كلٍّ من الأسلوبين مع عدد من الأنشطة التي نعايشها بشكل مستمر؛ فيتناول التعليم، والتذكر، والتخاطب، والقراءة، وممارسة السلطة، والمعرفة، والإيمان، والحب؛ فنجده يوضِّح مثلًا كيف يُنصِت الطلاب إلى المحاضرات في التوجُّه التملُّكي ويفهمونها ويكتبونها؛ وذلك بغرضٍ واحدٍ: حفظ المعرفة ودخول الامتحان، وهي معرفة قد يكونون قد فهموها، لكنها لم تصبح جزءًا من نظامهم التفكيري ولم توسِّع أفقهم، على عكس توجُّه الكينونة الذي لا يكتفي بمجرد الحصول على المعلومة، لكنه يتأثَّر بها ويتفاعل معها. وفي السلطة يوضِّح كيف يؤثِر الاتجاهُ التملُّكيُّ استخدامَ القوة كسند لسلطته بصرف النظر عن صلاحيته وقدراته، بينما يقدِّم اتجاهُ الكينونة المثالَ على الدرجة التي يمكن أن يتقدَّم لها الكائن البشري، ويقوم بسلطاته من خلال التفهُّم والحب والإنصات.

وفي مختلف هذه المناشط اليومية يوضِّح كيف يتجه النمطُ التملكيُّ إلى التأكيد على جوانب الاستهلاك، والثبات، والأنانية، والجشع، والغيرة، والضغينة، والخوف، والحرب. بينما يُؤْثِرُ نمطُ الكينونة الحب، والتفاعل، والإيثار، والنمو، والتفهُّم. وبينما يجعل التوجُّهُ التملكيُّ مركزَ رغباته خارجه؛ أي فيما يملك أو يستهلك، يجعل توجُّهُ الكينونة مركزَه هو ذاته، ساعيًا إلى تنميتها من خلال تعلُّم الجديد، وفهم الذات، والتفاعل المنفتح على الآخرين. وهو في هذا الكتاب يبيِّن كيف أنَّ أحد هذين التوجهين يؤدِّي بنا إلى كارثة مؤكَّدة إن استمرَّ، بينما يُعَدُّ الاتجاه الآخر هو طوق النجاة.

٤

السمة الأساسية لنمط التملُّك: كلما زادت ممتلكات الفرد، زادت مكانته وارتفع تقديره من الآخرين. لا يقتصر هذا النمط على الأغنياء، بل يمتد حتى أفقر الفقراء؛ ما دامت تسيطر على هؤلاء الرغبةُ في التملُّك، وتغلب عليهم متعة الاقتناء وزيادة الممتلكات. في هذا النمط لا يتوقف التملُّك على ملكية الأموال والأشياء، بل يمتد إلى تملُّك الأشخاص؛ «ففي المجتمعات الأبوية يمكن لأتعس الرجال في أفقر الطبقات أن يكون ذا ملكية، وذلك في عَلاقته بزوجته وأطفاله وحيواناته؛ حيث يمكن أن يشعر بأنه السيد بلا منازع. وهكذا، في المجتمع الأبوي وبالنسبة للرجل — على الأقل — يكون إنجاب الأطفال هو الوسيلة الوحيدة لامتلاك كائنات بشرية دون الحاجة إلى العمل والكدح اللازمَيْن لامتلاك الأشياء، ودون الحاجة إلا لأقل القليل من رأس المال»؛ وفي هذه الحالة تكون عملية إنتاج الأطفال هي عملية استغلالٍ فَظٍّ للنساء، إذا أخذنا في الاعتبار أن العِبْءَ الأكبر في الحمل والولادة يقع على كاهلها. والدائرة في هذا السياق تمتد: الرجل يسيطر على المرأة، المرأة على الأطفال، الذين ينمون بدورهم ليكرِّروا الدورة نفسها.

السمة الأساسية لنمط الكينونة هي النشاط، وليس المقصود بالنشاط هنا مجرد الانشغال الخارجي، بل الأهم هو النشاط الداخلي الذي يتجلى في العطاء، والنمو الداخلي، والتعبير عن المواهب، والاستخدام المثمر للطاقة الداخلية؛ فقد يدرس الطالب في كليته، أو يذهب الموظف إلى عمله مدفوعَيْن بقوًى خارجهما: ضغط الأسرة أو المجتمع، أو اتِّباع ما هو معتاد، تمامًا كما قد يؤدي السجينُ أو العبدُ العديدَ من المهام بهمَّة، لكن هذا لا يجعلهم فاعلين أو نشِطين بالمعنى المطلوب.

٥

تطوَّرت الشخصية التملُّكية — وفقًا للكتاب — من نمط الاكتناز الذي يحافظ على الأشياء القديمة ويستخدمها إلى أقصى حدود الاستخدام، إلى نمط الاستهلاك الذي يشتري الأشياء ليتخلص منها بعد ذلك بوتيرة سريعة، ليشتري بعد ذلك أشياء أحدث منها. قد يبدو التخلُّص السريع من الأشياء في نمط الاستهلاك ضدَّ النمط التملُّكي، لكنَّ هذا التضاد سطحيٌّ؛ ولفَهم هذا التناقض يبرز الكتاب عددًا من النقاط، لعل أهمها في هذا السياق: التأكيد على انتِفاء الطابع الشخصي في عَلاقة المالك بما يمتلك، وتوضيح أن الأشياء في هذه الحالة هي رموز للمكانة الاجتماعية، غرضها الأبرز هو الحفاظ على هذه المكانة وتعزيزها؛ فشراء سيارة أحدث موديل كل عام أو عامين مثلًا، هو جزء من هذه الدورة التي تهدف لمضاعفة نشوة الاقتناء لدى المستهلك.

يقول إريك فروم:

وفي نمط التملُّك لا توجد عَلاقة حية بيني وبين ما أملك؛ فأنا وما أملك أصبحنا جميعًا أشياء، وأنا أملكها لأن لديَّ القوة التي تمكِّنني من جعلها ملكي. ولكن ثمة عَلاقة عكسية أيضًا؛ فهي أيضًا تملكني لأن إحساسي بهويتي — أي إحساسي بصحتي العقلية — يتوقف على ملكيتي لها (ولأكبر عدد ممكن من الأشياء). إن نمط الملكية لا يقوم على صيرورة حية ومثمرة بين الذات والموضوع، وإنما هي عَلاقة تجعل من الذات والموضوع أشياء والعلاقة بينهما علاقة موات، وليست علاقة حياة.

٦

تُبنى السلطة في المجتمع التملكي من خلال استغلال الأشخاص الواقعين تحت وطأتها، وهذا الاستغلال يكون في أحيان كثيرة مخالفًا لرغبات الأفراد وتوجهاتهم؛ لذلك يكون من أهداف مثل هذه السلطة السيطرةُ على هذه الرغبات وترويضُها وكبحُها. يقول فروم:

والذي يجري الحدُّ منه وكبحه، هو التعبير الحرُّ العفويُّ لإرادة الأطفال والناشئين والمراهقين ثم البالغين والكبار، وكذا ظمؤهم للمعرفة، وبحثهم عن الحقيقة، ورغبتهم في المَوَدَّة والحب، ويُرغَم الشخص أثناء نموه على التخلي عن معظم رغباته واهتماماته المستقلة الأصيلة وعن إرادته الشخصية؛ ليتبنَّى إرادة غير إرادته، ورغبات ومشاعر غير رغباته ومشاعره، تفرضها كلها الأنماط الاجتماعية للفكر والشعور، وعلى المجتمع، وعلى الأسرة باعتبارها الوكيل النفسي الاجتماعي للمجتمع أن تحل المعضلة الصعبة: كيف يمكن تحطيم إرادة الشخص دون تمكينه من الوعي بذلك؟ والحق أنها قادرة بالفعل — من خلال عملية معقدة من التلقين والثواب وبَثِّ الأيديولوجية المناسبة — على النهوض بهذه المهمة على نحوٍ لا بأس به، إلى الحد الذي يجعل أغلبية الناس يعتقدون أنهم يسيِّرون حياتهم وفق إرادتهم دون أن يكونوا على وعي بأن إرادتهم ذاتها مصنوعة ومكيَّفة.

٧

هناك تفاعلٌ دائمٌ بين الدائرة النفسية للفرد وبين البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع؛ ونتيجة لذلك يتكوَّن ما يُسمِّيه الكتاب ﺑ «الشخصية الاجتماعية». البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع تشكِّل «الشخصية الاجتماعية لأفراده»؛ بحيث تجعلهم راغبين في فعل ما ينبغي عليهم أن يفعلوه، وفي المقابل تؤثِّر الشخصية الاجتماعية في بنية المجتمع، بحيث تساعد على استقراره أو تتحوَّل على العكس إلى قوة تفجير أو تغيير.

أحد الأدوار المهمة للشخصية الاجتماعية يتمثَّل في إشباع الاحتياجات الدينية للكائن الإنساني. وحين يتحدث فروم هنا عن الدِّين فهو يوسِّع مدلول الكلمة لتشمل أي إطار توجيه يوفِّر للفرد موضوعًا يكرِّس من أجله حياته؛ وبالتالي عندما يتحدث فروم هنا عن «الدِّين»، فإن مفهومه لا يتضمن بالضرورة مفهومًا مُعَيَّنًا للرب، ولا يقتصر على ما نضعه عادةً تحت مفهوم الدِّين. وإعادة التعريف هنا ليست هدفًا في حَدِّ ذاتها بقدر ما هي تمهيد للفكرة الأساسية.

هناك حالات لا يوجدُ فيها تجاوبٌ بين النظام الديني الرسمي أو المعلن من ناحية، والشخصية الاجتماعية السائدة من ناحية أخرى؛ بمعنى وجود تعارض بين الطريقة التي يصف الشخص (أو المجتمع) بها نفسه، وبين الممارسة الاجتماعية السائدة في الحياة، في هذه الحالات نكون في حاجة للتنقيب تحت هذا الدِّين الرسمي، عن البناء الديني الحقيقي. وبالتالي فقد يعتبر البعض نفسه «متدينًا» بالمعنى الضيق للكلمة، بينما هو في حقيقة الأمر «لا ديني» مثلًا؛ لأن النموذج الحقيقي الذي يفسِّر سلوكه ومبادئه وحركته في الحياة ليس هو الدين المسيحي أو الإسلامي.

٨

في نهاية العرض أقولُ: أحيانًا ما ننظر لمثل هذه النوعية من الكتابات بطريقة تمنعنا من الاستفادة الكاملة منها؛ كلما وجدنا كتابًا أجنبيًّا يهاجم الغرب أو ينتقد جوانب مُعَيَّنة في مساره، استخدمناه لتبرير أوضاعنا، وكأننا المقابل الآخر للغرب وعيوبه. نهاجم الغرب بكلماته دون أن ندرك أننا ربما نملِك نفس هذه العيوب التي نعيبها عليه وأكثر، ونفتقر في المقابل إلى الكثير ممَّا يميزه. من ناحية أخرى نحتاج لكي نستفيد من تجربة الغرب، إلى الاطِّلاع على الكتابات التي نَقَدَ بها ذاته، نحتاج إلى معرفة العيوب والعثرات مع الميزات ونقاط القوة. وهذا الكتاب واحد من كتب كثيرة، تعالج الموضوع من وجهات نظر متنوعة ومتعارضة، لا أقول بعَرْضي له إنَّ كل ما يقوله صحيح؛ لكنه يعرض نقاطًا مثيرة للاهتمام، وبه طريقة مختلفة للنظر للأمور وصياغتها، وأظن أن مطالعته مطالعةً متأملةً ستُثري وتفيد مَن يقرؤه.

الكتاب: الإنسان بين الجوهر والمظهر: نمتلك أو نكون.

تأليف: إريك فروم.

ترجمة: سعد زهران.

مراجعة وتقديم: لطفي فطيم.

سلسلة عالم المعرفة.

الكويت، ١٩٨٩.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤