«راديوم» السعادة

استعرضتُ في رأسي البارحة شريطًا ذا ألوانٍ من ذكريات الماضي. أما الألوان فكانت خضِرة داكنة لأشجار الزيزفون والكستناء المحيطة بذلك الوكر الجميل المسمَّى «أورياج»، ألقَته يد الطبيعة في بطن وادٍ سحيق من وديان «الألب»؛ ليُذكِّر الناس بالفردوس المفقود. ولقد هبطت هذه الجنة في شهر أغسطس عام ١٩٣٨م أحمل حقيبة واحدة، فيها «بذلة» واحدة وكتاب واحد: هو «العقد الفريد» لابن عبد ربه بكامل أجزائه.

ولم تكن الحقيبة تتسع لغير هذا الثوب وهذا الكتاب، ولم يكن شيء أبغض إلى نفسي في الأسفار من كثرة الحقائب، فطال ترددي وأنا أتجهز للسفر: أأحمل «بذلة» أخرى وأترك «ابن عبد ربه»؟ واستقر عزمي آخر الأمر على إيثار «الزميل» أعبر به البحار والجبال، وأصطحبه إلى بلاد لم تطأها قدمه، وأُريه مناظر لم ترَها عينه؛ فللأديب على الأديب حق، وليس من الوفاء حرمان «ابن عبد ربه» مثل هذه النزهة. فنبذتُ الثياب وأخذتُ الأديب، وانطلقنا.

•••

بلغنا جنة «أورياج»، ونزلنا فندق «الروض» وهو بناء جميل أقيم على بساط من العشب، قد اضطجعت عليه حور من الفرنسيات يتحدثن في ظل الأغصان المدلاة إلى ولدان وفتيان، أو يصغين إلى أنغام موسيقى يحملها النسيم، تعزفها فرقة في شبه ميدان وسط المصيف.

وكانت مائدة طعامي بالفندق في طرف ناءٍ، فلقد احتلَّ من نزل قبلي الأفاريز المشرفة على المناظر الرائعة، ولكني لم أحرم مع ذلك منظر مائدة إلى جواري جلس إليها فتى وفتاة، قيل لي إنهما تزوجا حديثًا.

لقد كانا زهرتين ناضرتين في باقة «فندق الروض». وكنت أنا دائمًا وحدي، ليس معي من رفيق غير «ابن عبد ربه» وقد وضعته أمامي فوق المائدة إلى جانب زجاجة «الفيشي».

نعم لم يكن يخطر لي على بالٍ أن هذا الأديب يلازمني على هذا النحو في كل مكان، لقد اعتدتُ ملازمته كما اعتدتُ من قبل ملازمة عصاي. فأنا لا أخرج من الفندق في الصباح، ولا أعود في المساء، ولا أذهب إلى قهوة ولا إلى ملهًى إلا ومعي «ابن عبد ربه». حقيقة إن في جوف هذا الأديب كثيرًا من طلى الحديث، وهو خير أنيس وجليس في مثل وحدتي وعزلتي.

ولكن … أما كتِب لي أن أظفر بجليس أجمل منه سحنة، وأعذب منه صوتًا؟ لقد كنت أتأمل من طرف خفي هذين الزوجين السعيدين، فيخيَّل إليَّ أني أرى منهما أشياء. إنهما لا يتحادثان كثيرًا، وكل منهما يأكل وهو مطرِق، ولقد لاحظتُ أن الزوج ما يكاد يفرغ من أمر طعامه حتى يترك امرأته ويختفي اختفاءةً لا يظهر بعدها إلا على مائدة الوجبة التالية. وكان الذي يشغَل فكري وقتئذٍ البحث عن «قهوة» هادئة أجعلها مقرًّا لي وللأديب الذي معي وللورق الذي في جيبي. فأنا لا مطمعَ لي في رياضة شاقة كتسلق الجبال، ولا رياضة هادئة كلعب «التنس». وليس في الناحية جدول قريب أصطاد منه السمك، وهي رياضتي الوحيدة التي أحذقها … «أستغفر الله على كلمة «أحذقها» وهو الشاهد العدل على مبلغ حذقي إياها!» وعثرت آخر الأمر عند أقدام أشجار باسقة قد تهدَّلت أغصانها كجدائل الشعر الكثيف، على «قهوة» صغيرة في شبه كوخ من خشب نُثرَت حوله المقاعد والموائد. فقلتُ في نفسي: ها هنا مكاني. فاتخذتُ مقعدًا فوق العشب، والتفتُّ أطلب الساقي يحضِر إليَّ فنجانًا من الشاي. فإذا أنا أمام ساقيةٍ كالبدر. وإذا أخرى على باب الكوخ كالشمس. وإذا ثالثة وهي الصغرى تخطر في خفة الغزال بين الموائد، ناثرةً قطرات اللطف والظرف، في صورة ابتسامات ساحرات، ذات اليمين وذات الشمال. إذا قلتُ إني في حياتي لم أرَ أظرف من هذه الفتاة ما كذبتُ، وإذا أقسمتُ أن هذه الفتاة ما خُلقَت إلا لتتلقَّى نظرات الإعجاب من الناس لما حنثتُ. الدليل تلك الأعين التي ترمقها من كل جانب، وتلك الأفواه التي تناديها من كل مائدة. كان اسمها «فرانسواز».

وفرغتُ من دهشتي قليلًا فأجلست «ابن عبد ربه» على مقعد خال بجواري، وأردت أن أشير إلى الفتاة لأطلب فنجان الشاي، وإذا غيري يسبقُني: «فرانسواز»! كأسًا من البيرة.

فانتظرتُ لحظة ثم هممتُ بندائها. وإذا صوت آخر: فرانسواز! كوبًا من شراب البرتقال!

فسكتُّ مرغمًا. ثم عاودني الأمل فرفعتُ رأسي إليها، وإذا صيحة: فرانسواز! فرانسواز!

فالتفتُّ فإذا ذلك الزوج الشاب الذي يهجرُ زوجته في الفندق بعد كل طعام، قد جاء في شبه ركض وجلس إلى مائدة قرب مكان الفتاة، وطفق يحدثها حديثًا ازدحم به فمه، وهي تضحك أحيانًا ضحكًا رقيقًا يتمايل له غصنها الرشيق، وأشرقَت السعادة في وجه الشاب. وإذا صفاؤه قد عكَّره صوت فتيانٍ آتين بملابس «التنس» يصيحون قبل أن يجلسوا!

– فرانسواز! فرانسواز!

فالتفتَت إليهم الفتاة وابتسمَت، ثم استأذنَت محدِّثها وانطلقَت إليهم، فاستقبلوها في شبه هتاف وظلوا لحظة يتضاحكون. هؤلاء فيما يخيَّل إليَّ فتيان من طلبة الجامعة. فإن هذرهم وضجيجهم وما يبدو من سنهم ينمُّ عن ذلك. وكان أكبرهم سنًّا فتًى معتدل القامة، جميل المنظر في سروال «التنس» الأبيض وقميصه الخفيف وسواعده العارية. وكان هو أكثرهم اهتمامًا بأمر الفتاة. طفقتُ أنظر إلى كل هذا، وذكرتُ أن ذقني لم يُحلق منذ ثلاثة أيام، وتلك أيضًا عادة من عاداتي. فأنا لا أفكِّر في ذقني وهندامي إلا مصادفة.

ثم ذكرتُ قلنسوتي «البيريه» التي تهبط إلى أذني كأنها «لبدة» وعصاي الغليظة وكتابي الضخم بغلافه السميك القديم، كأنه سِفر من أسفار السحر والتنجيم. فأدركت أن منظري لن يؤهِّلني إلى طلب فنجان الشاي في هذه القهوة! أأنهض إلى غيرها؟ هذا مستحيل. إن هذا الجو الشعري الجميل الذي يكتنف هذه القهوة هو في ذاته متعةٌ دونها كل متعة. وطال جلوسي، وطالت مشاهدتي، ومر الوقت سريعًا دون أن أشعر به، وقام أناس، وقعد أناس، وأنا في مكاني لا يشعر بي أحد، ولا أطلب شيئًا إلى أحد. لقد خجلتُ أن أسترعي التفاتَ الساقيات الثلاث ما دامَت أنظارهن لا تريد أن تقع على مثلي! وجعلتُ أسأل نفسي في نبرة مريرة، وروح كسيرة: ماذا يمنعني من أن أعيش كما يعيش هؤلاء الأحياء؟ ما أحسبني قد بلغتُ سن اليأس. وأنا الآن بالمصيف في شهر راحة. ماذا يمنعني من حلق ذقني كل صباح وترتيب شعري وتعريضه للشمس والهواء، وارتداء مثل هذا السروال الأبيض الجميل، والقميص ذي السواعد العارية؟ لم أتلقَّ جوابًا عن سؤالي. ولكن نظرة مني وقعَت على صديقي «ابن عبد ربه» الموضوع إلى جانبي أدركتُ معها في الحال من المسئول عن كل ما صرتُ إليه!

نعم، وا أسفاه! نعم. ووددتُ لو أنقض عليه؛ فأقطعه تقطيعًا وأمزقه تمزيقًا، ولكني اكتفيت بحمله بين يدي في سخط شديد، كمن يحمل كتابه الذي سطرت فيه لعنته وقدره المحتوم.

وعند ذلك حانت من الفتاة التفاتةً إليَّ وفطنَت إلى وجودي، فأسرعَت إليَّ تقول في ابتسام واعتذار: نسيتُك يا سيدي.

فأجبتُها في ابتسام وتسامح: لا بأس. إنك على كل حال لم تنسي شيئًا ذا خطر.

وأحضرَت إليَّ ما طلبتُ. ولم نتبادل كلامًا أكثر من ذلك، ولكني سعدتُ به، فنحن معشر الأدباء المساكين نرضى بالقليل، ويكفي لإسعادنا وإلهامنا أتفه الأشياء.

•••

كثر اختلافي إلى هذه القهوة، وكنت في كل مرة أرى عين الأشخاص يلعبون عين الأدوار.

فالطالب في لباس «التنس» ينادي «فرانسواز» في كل لحظة، ولا يشبع من الحديث معها، ولا يضنُّ بطلب مشروب بعد مشروب، استبقاءً للساقية الجميلة إلى جواره. ولقد سمعته ذات مرة وقد انفلتَت من فمه هذه الكلمة: أوه! لقد خربتُ وأفلستُ. وأضعتُ كل نقودي في هذه القهوة!

ويلبث في سروره وضحكه وهذره ساعة ثم يمضي إلى ملعبه، مطوِّحًا ﺑ «مضربه» في الهواء فرحًا سعيدًا.

ويأتي الزوج الشاب، وقد ترك زوجته في الفندق وحيدة متذمرة تعسة مرتابة، فينادي: «فرانسواز» ويطلب السعادة هو أيضًا ساعة في عينيها الباسمتين غير مبالٍ بخطر فقدِ زوجته في هذا السبيل.

تأملتُ كل هذا لحظة، ثم قلتُ لنفسي: هذان شابان جميلان، ومع ذلك فقد أضاعا شيئًا في سبيل لحظة هناءٍ إلى جوار هذه الفتاة. ماذا أُعطي أنا من أجل لحظة تحادثني فيها هذه الفتاة؟ نعم، هنا كل سعادتي ومطمعي: أن أسترعي اهتمامها لحظة، وأن تُقبل على أن تُحادثني حديث المشغوف بمحادثتي!

لكن … هل هذا ممكن الحدوث وقد ابتليتُ بصحبة هذا الزميل المنحوس؟ وانكببتُ على ورقي الذي كنت قد نشرتُه، وفتحتُ صدر «ابن عبد ربه» أمامي ووضعتُ فيه همي. وكأن القدر شاء مداعبتي أو أراد متعمدًا أن يكشف لي قليلًا عن جوهر نفسي المحجوب عن عيني، فأحدثَ المعجزة! وإذا الفتاة تدنو مني مبتسمة متعجبة وتقفُ لحظة ترمق سطور «ابن عبد ربه» وهي صامتة، وفطنتُ إلى قربها، فاضطرب قلبي ورفعتُ رأسي، فابتدرَتني قائلة في همس: أهذه كتابة صينية؟

فضحكتُ وقلتُ: بل عربية.

– ما أعجبها! أتستطيع أن تقرأ هذا «النبش» في سهولة؟

– بالطبع. وأكتبه أيضًا.

– وتكتبه؟

– نعم. انظري …

ومضيتُ أكتب أمامها، وهي دهشة مسرورة. وجعلَت تستفسرني كثيرًا من معاني الكتاب. وقاطعها النداء من كل جانب فكانَت تذهب لتلبِّي ثم تعود إليَّ تحادثني مغتبطة، وقد تطرقَ الحديث إلى موضوعات كثيرة. وقد أدركَت من حديثي أن الكتاب صناعتي، فأقبلَت تعرض عليَّ ألوانًا من حياتها تصلح قصصًا. وبدا عليَّ السرور أول الأمر. وبدأتُ أحترم «ابن عبد ربه»، فبفضله تم كل هذا، لكن ما كدتُ أتردد على القهوة مرة أخرى وتُقبل عليَّ الفتاة تحادثني ذلك الحديث الطويل في مختلِف الشئون، حتى أحسستُ أن كل شيء قد تغيَّر في نفسي؛ فالأشجار ليست الأشجار، والجنة ليست الجنة، ووجهها لم يَعُد فيه السحر القديم، والجو الشعري قد ارتفع عن القهوة. ذهب السحر وتهتكَت أستار الأسرار. وما أنا والفتاة الآن إلا صديقان ثرثاران!

وشعرت عندئذ أنَّ لا شيء عاد يربطني بالقهوة وودتُ لو تركتُها إلى غيرها حتى أفرغ للعمل، وأتم الفصول الأولى التي بدأتُها مدفوعًا بتلك القوة الهائلة من لحظة سعادة خفيفة مرَّت. عند ذلك فهمت أن السعادة التي تلزم لنا نحن الفنانين؛ لنقوم بالأعمال الكبار ينبغي أن تكون بمقدار! مقدار صغير ثمين مثل «الراديوم»، فإذا انغمرنا في حوض من هذه المادة السحرية فإنها تنقلبُ في نظرنا ماءً قراحًا لا فعل له ولا أثر.

وتأبطتُ «ابن عبد ربه» أخيرًا، وانصرفتُ به وقد … انتصر!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤